رواية الي ان نفترق الفصل التاسع بقلم رقية الأنصاري
= يعني إيه هتطلقني؟
فضل خالد باصصلي بنفس الهدوء اللي قال بيه الجملة، وده كان مستفز أكتر من لو كان فضل بيزعق. كنت مستنية منه يرجع فيها، أو حتى يوضح إنه قالها وهو متعصب، لكنه ماعملش أي حاجة من دي. مجرد وقف قدامي وملامحه مقفولة، كأنه هو كمان وصل لمرحلة مش عايز يشرح بعدها حاجة.
= خالد أنا بكلمك…يعني إيه هتطلقني؟
_ يعني أنا تعبت يا ليليا.
= وأنا كمان تعبت، بس ده مش معناه إننا نهد كل حاجة! فاضل شهرين أو تلاتة بالكتير على البرنامج ما يخلص! نستحمل بعض وخلاص.
اتغيرت ملامحه أول ما سمع الكلمة.
_ نستحمل بعض؟
= قصدي نستحمل الوضع، مش—
_ وأنا مش عايز أستحمل.
= طب وأنا اللي عايزة يعني؟! ما إحنا الاتنين محشورين في نفس الحاجة.
_ لأ، انتي كل مرة بتقولي الجملة دي كإننا فعلًا محشورين غصب عننا، مع إن كل خطوة بعد الجواز كانت بإرادتنا إحنا الاتنين.
= ما أنا مقولتش غير كده.
_ أسلوبك بيقول.
= وإنت دايمًا بتفسر أي حاجة على مزاجك.
خالد أخد نفس طويل، وبان عليه إنه بيحاول يوطّي صوته، لكني كنت متعصبة وكملت.
= وبعدين إنت اللي مكبر الموضوع من أوله…. قلتلك خلاص اخويا وعيل صغير، وإنت عارف ده دلوقتي، لسه بنتخانق ليه؟
_ عشان قولتلك للمرة العاشرة إن المشكلة مبقتش مروان.
= أمال المشكلة فيا أنا كالعادة؟
_ المشكلة في طريقتك!
= طريقتي مالها؟
_ إنك كل ما تلاقي نفسك ممكن تطلعي غلطانة، تعاندي أكتر بدل ما تقفي ثانية وتفكري إن يمكن اللي قدامك عنده حق في حاجة.
ضحكت بعصبية.
= وإنت طبعًا دايمًا عندك حق.
_ ماقولتش كده.
= بس بتتصرف كده.
_ وأنا تعبت من اللفة دي.
= وأنا كمان تعبت!
_ يبقى خلاص.
= خلاص إيه؟
_ خلاص يا ليليا، كل واحد يريح التاني.
حسيت قلبي شد مع الجملة، لكن عنادي كان أسرع مني.
= ماشي ريح نفسك…محدش ماسكك.
فضل خالد ساكت ثواني، وبعدها بصلي بطريقة هادية خلتني أتمنى للحظة إني ماكنتش قولت الكلمة.
_ عندك حق.
سكت، وبعدين كمل:
_ وأنا هطلقك.
= طب إنت عايز إيه مني دلوقتي؟ أقولك متسبنيش يعني؟
_ أنا مش عايز منك حاجة.
= أمال واقف بتزعقلي ليه؟
_ عشان انتي بتطلعيني عن شعوري!
قالها بصوت أعلى من كل اللي قبله، ووقف بعدها لحظة، لكنه كمل وهو فعلًا وصل لآخره:
_ أنا مش قادر أستحمل أكتر من كده!
في نفس اللحظة، باب الأوضة اتفتح بسرعة…لفيت أنا وخالد ناحية الباب، ولقيت ماما وبابا واقفين، ملامحهم متوترة وواضح إن صوتنا وصلهم.
_ في إيه؟
ماما قالتها وهي بتبصلي الأول وبعدين لخالد، وبابا دخل خطوة لجوه.
_ مالكم يا ولاد؟ صوتكم عالي ليه؟
ولا أنا رديت، ولا خالد…فجأة حسيت بإحراج غريب، كأن كل العصبية اللي كانت مالية الأوضة بقت مكشوفة قدامهم…خالد أخد نفس طويل، ومرر إيده على وشه، وبعدها قال بصوت هادي جدًا مقارنة من ثواني:
_ مفيش حاجة يا بابا…إحنا بس اختلفنا في موضوع وصوتنا عِلي شوية.
ماما بصتلي.
_ ليليا؟
هزيت راسي من غير ما أتكلم.
بابا فضل باصص لخالد.
_ متأكد إن كل حاجة كويسة؟
_ آه، متقلقوش…إحنا هنهدى ونتكلم مع بعض.
ماما قربت مني خطوة كأنها عايزة تسألني لوحدي، لكن بابا قال بهدوء:
_ ماشي…إحنا مش هنتدخل بينكم، بس بلاش تزعلوا بعض بالشكل ده ، لو في مشكلة تتحل بالكلام.
خالد هز راسه.
_ حاضر.
ماما فضلت باصة لي ثانيتين زيادة، وفي الآخر قالت:
_ طيب…تصبحوا على خير.
= وانتي من أهله.
خرجت هي وبابا، وخالد استنى لحد ما خطواتهم بعدت، وبعدها قفل الباب بهدوء.
كنت متوقعة يلفلي ويقول حاجة، حتى لو كلمة واحدة تكمل الخناقة، لكنه ماعملش…مشى ناحية السرير، حط موبايله على الكومود، اتمدّد في ناحيته، ومد إيده قفل الأباجورة... كل ده بمنتهى الهدوء، كأني مش واقفة أصلًا في نص الأوضة.
فضلت مكاني شوية، باصة لضهره في الضلمة الخفيفة اللي داخلة من الشباك…كنت متضايقة إنه تجاهلني، وفي نفس الوقت جزء مني كان مرتاح إنه ما رجعش يفتح الكلام تاني، لأني أنا كمان مكنتش عارفة ممكن أقول إيه لو كملنا.
بعد كام دقيقة، اتحركت ببطء وروحت ناحيتي من السرير…اتمدّدت على آخر الطرف، بعيدة عنه أكتر من أول ليلة، وسحبت الغطا لحد كتفي ، مفيش “تصبحي على خير”، مفيش هزار، مفيش حتى حركة صغيرة تقول إن واحد فينا واخد باله من التاني.
لكن عقلي ما سكتش…هو فعلًا هيطلقني؟ إحنا من الأول متفقين إن الجوازة دي مؤقتة، وإن في النهاية كل واحد فينا هيرجع لحياته، فـ ليه مجرد إنه قالها دلوقتي حسسني إن حاجة اتسحبت من تحت رجلي؟ ليه الكلمة وجعتني بالشكل ده وأنا أصلًا عارفة النهاية من أول يوم؟
حاولت أقنع نفسي إن اللي مضايقني هو التوقيت، البرنامج، كل اللي عملناه، ماما وبابا الموجودين في البيت، أي سبب منطقي أقدر أتمسك بيه، لكن ولا سبب فيهم كان مقنع كفاية. والأسوأ إن كلام خالد بدأ يرجعلي واحدة واحدة؛ يمكن كنت فعلًا غلطت، ويمكن ضحكت عليه أكتر من اللازم في موضوع مروان، ويمكن لما قلتله “إنت مالك” كانت أقسى مما حسيت وقتها، ويمكن أنا فعلًا لما بحس إني محاصرة في نقاش بعاند بدل ما أعترف إني زودتها.
لفيت ناحية الحيطة وغمضت عيني، لكن النوم كان أبعد ما يكون عني.
••••••••••
من لحظة ما قفلت النور كنت عارف إني مش هرجع أفتح الكلام الليلة دي. كفاية إن صوتنا وصل لماما وبابا وخلاهم يدخلوا علينا، وكفاية الكلام اللي طلع مني وأنا متعصب. ليليا كانت بتعرف تطلعني عن شعوري بطريقة تقريبًا محدش غيرها قدر يعملها، وكل مرة كنت أقول لنفسي إني المرة الجاية هبقى أهدى، ألاقي كلمة منها لوحدها كفاية ترجعني لنفس النقطة.
كنت متضايق منها، ولسه شايف إن أسلوبها هو اللي وصّل الخناقة للمكان ده، لكني كنت عارف إني لو رجعت أكلمها دلوقتي هنعيد نفس الدايرة، ويمكن يطلع مني كلام أنا أصلًا مش عايز أقوله. عشان كده فضلت ضهري ناحيتها وسكت.
سمعت حركتها بعد شوية وهي بتنام في الطرف التاني، وعرفت من صوت الغطا وحركتها الكتير إنها لسه صاحيه، بس ما لفيتش. كنت محتاج الليلة تخلص، وبكرة نبقى نفكر إحنا قولنا إيه وهنعمل إيه.
كلمة الطلاق نفسها كانت لسه في دماغي، بس مكنتش عايز أفكر فيها وأنا بالعصبية دي، ولا أقرر إذا كنت قصدتها للآخر ولا كانت آخر حاجة طلعت مني لما حسيت إني فعلًا مش قادر أكمل الخناقة. كل اللي كنت متأكد منه ساعتها إني مش عايز أتكلم أكتر.
فضلت فاتح عيني في الضلمة، ساكت، وهي على بعد مسافة صغيرة مني، ومع ذلك لأول مرة من ساعة ما بقينا بننام في نفس الأوضة حسيت إن السرير واسع بالشكل ده.
••••••••••
مع الوقت، التعب بدأ يغلب التفكير، لكن حتى وأنا عيني بتقفل كان سؤال واحد لسه معلق في دماغي ومش لاقية له إجابة:
لو خالد فعلًا طلقني… أنا ليه مش عايزة ده يحصل؟
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
صحيت على هدوء غريب في الأوضة، الهدوء اللي أول ما فتحت عيني خلاني أحس إن في حاجة مختلفة قبل حتى ما أفتكر اللي حصل امبارح. فضلت ثواني باصة للسقف وأنا لسه نص نايمة، وبعدها عيني راحت تلقائيًا ناحية خالد.
مكانه كان فاضي.
رفعت راسي عن المخدة وبصيت للساعة، وبعدها رجعت أبص للناحية التانية كأني مستنية ألاقيه ظهر فيها فجأة. السرير كان مترتب تقريبًا، ومفيش غير أثر بسيط في المخدة يثبت إنه كان نايم هنا أصلًا.
قعدت وأنا بمسح وشي بإيدي، وأول حاجة رجعت في دماغي كانت آخر كلام بينا قبل ما ننام، وبعدها الصمت الطويل اللي فضل مسيطر على الأوضة لحد ما غفلت من التعب.
هو قام إمتى؟
معرفش.
يمكن قاعد بره مع ماما وبابا، ويمكن عنده شغل وفتح اللابتوب، ويمكن أصلًا نزل يجيب حاجة أو راح الشركة بدري. حاولت مقفش عند الموضوع كتير، خصوصًا إني مش ناقصة أبدأ يومي وأنا بحلل كل حركة يعملها بعد خناقة امبارح، فقومت أخدت هدومي ودخلت الحمام. غسلت وشي، وقفت شوية قدام المراية وأنا ببص لشكلي المتعب، وبعدها بدأت أفوق وأتوضأ وأصلي فرضي، على أمل إني لما أخرج أعرف أتعامل بشكل طبيعي وأشوف اليوم ده هيمشي إزاي.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في الوقت اللي كانت ليليا لسه جوه أوضتها، كانت نادين قاعدة في الصالة قدام شريف، وكل واحد فيهم ماسك كوباية من غير ما يكون مركز فيها فعلًا. الجو من الصبح كان هادي زيادة، والهدوء نفسه كان مخلي خناقة امبارح حاضرة أكتر، خصوصًا إن خالد خرج لهم من بدري، سلّم عليهم وقعد شوية، وبعدها دخل أوضة المكتب ومعاه اللابتوب وقال إن عنده شغل.
نادين بصت ناحية باب المكتب المقفول، وبعدها رجعت لشريف.
_ إنت اتكلمت مع خالد؟
شريف رفع عينه لها.
_ لأ.
_ ليه؟
_ عشان هو امبارح بنفسه قال إنهم هيحلوا الموضوع بينهم، وأنا محبيتش أدخل نفسي بينهم من غير ما حد يطلب.
نادين سكتت لحظة وهي بتفكر، وبعدها قالت:
_ بس واضح إنهم محلوش حاجة.
شريف بص ناحية أوضة ليليا، وبعدها قال:
_ اه واضح.
_ وباين عليه أصلًا إنه ما نامش.
هز شريف راسه بهدوء.
_ أيوه، أنا خدت بالي…وشه من الصبح مش وش واحد نام كويس.
نادين حطت الكوباية قدامها واتعدلت في قعدتها.
_ طب ما تتكلم معاه يا شريف.
بصلها كأنه مستغرب الطلب.
_ وأنا هتكلم معاه أقوله إيه يا نادين؟ ما انتي شفتي امبارح بنفسك، الاتنين كانوا متعصبين، وأنا مش عايز أدخل بينهم وأطلع أنا اللي مكبر الموضوع.
_ مش هتدخل بينهم عشان تحكم مين صح ومين غلط، بس اقعد معاه شوية. خالد ممكن يتكلم معاك أكتر من إنه يتكلم معايا، وإحنا أصلًا مش عارفين حصل بينهم إيه.
شريف فضل ساكت، فـ نادين كملت بهدوء:
_ وبعدين أنا عارفة بنتي. ليليا لما تتعصب ممكن تقول كلام وبعدها تندم عليه، ولما تحس إنها غلطانة بتعند أكتر بدل ما تقول خلاص أنا غلطت. مش عايزة أظلم خالد، ومش عايزة أظلمها هي كمان.
شريف تنهد وهو بيرجع بظهره للكنبة.
_ يعني عايزة نعمل إيه؟
نادين فكرت لحظة، وبعدها قالت:
_ بص، إنت ادخل اقعد مع خالد. متحققش معاه، بس شوف منه إيه اللي حصل وإيه اللي مضايقه. وأنا هتكلم مع ليليا لما تخرج وأسمع منها. كل واحد فينا يسمع واحد منهم، يمكن نعرف نفهم هما وصلوا للمرحلة دي ليه بدل ما نسيبهم مكشرين لبعض باقي الوقت.
شريف بص ناحية باب المكتب مرة تانية، وبعدها ابتسم ابتسامة صغيرة.
_ إحنا جايين برشلونة نتفسح ولا نصلح جوازات؟
نادين ضحكت بخفة.
_ الاتنين شكلهم.
سكت شريف شوية، وبعدها قام.
_ ماشي، هتكلم معاه.
نادين قالت قبل ما يتحرك:
_ بس يا شريف متدخلش عليه تقول له ليليا غلطانة ولا إنت غلطان. اسمع بس.
_ عارف يا نادين.
_ أنا بقول.
_ وانتي لما تتكلمي مع بنتك متطلعيش لها شهادة براءة عشان بنتك.
رفعت حاجبها.
_ أنا أعرف بنتي أكتر منك.
_ عشان كده بقولك.
ضحكت غصب عنها، وشريف اتحرك ناحية أوضة المكتب، خبط على الباب ودخل بعد ما سمع صوت خالد يسمح له.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، باب أوضة ليليا اتفتح.
••••••••••••••
خرجت وأنا لسه بنشف إيدي في هدومي، وأول ما دخلت الصالة لقيت ماما قاعدة لوحدها.
= صباح الخير.
رفعت عيني وابتسمتلي ابتسامة هادية.
_ صباح النور يا حبيبتي، نمتي؟
ترددت نص ثانية قبل ما أقعد جنبها.
= آه… تقريبًا.
ضحكت بخفة.
_ تقريبًا دي تقلق.
= يعني نمت في الآخر.
بصيت حواليّ وأنا بحاول أبان طبيعية.
= بابا فين؟
_ عند خالد.
عيني راحت فورًا ناحية باب المكتب.
= بيعمل إيه؟
_ بيتكلموا.
بصيتلها.
= في إيه؟
_ مفيش أبوكي حب يقعد معاه شوية.
فضلت باصة لها ثانيتين، وعرفت من وشها إن الموضوع مش عادي، خصوصًا إنها بعدها قربت مني وقالت:
_ وأنا كمان عايزة أقعد معاكي شوية.
زفرت وأنا بسند ضهري للكنبة.
= ماما…
_ إيه؟ هاكلك؟
= عارفة إنك هتسأليني على امبارح.
_ طبعًا هسألك…أنا صحيت على صوتكم.
= عارفة… بس مش عارفة أبدأ منين.
ماما سابتني ثواني من غير ما تستعجلني، وبعدها قالت بهدوء:
_ ابدأي من أول حاجة حصلت.
بصيت قدامي شوية، وأنا برتب الكلام في دماغي، وبعدين قلت:
= الموضوع بدأ أصلًا بمروان.
رفعت حاجبها.
_ مروان ابن خالتك؟
= آه.
وبدأت أحكيلها من الأول، من المكالمة نفسها، وطريقتي وأنا بكلمه، وإن خالد سمعني وأنا بتكلم معاه، وإنه فضل ساكت طول اليوم تقريبًا لحد ما سألني بالليل هو مين. حكيت لها إني قعدت أضحك عليه لما فهمت إنه كان متضايق، وإن الموضوع بالنسبالي كان مضحك خصوصًا بعد ما قولتله إن مروان عنده خمستاشر سنة، وإنه اعترف في الآخر إنه غيران، وإن أنا بدل ما أتعامل مع الموضوع بهدوء فضلت أستفزه أكتر.
ماما كانت ساكتة، بتسمعني من غير ما تقاطعني، ولما وصلت عند الحتة اللي خالد سألني فيها: لو مروان كان قدك كنتي هتتكلمي معاه بنفس الطريقة؟ وقفت لحظة قبل ما أكمل.
= وبعدين اتعصبت من السؤال، وقولتله إن هو مالوش دعوة أصلًا أنا بكلم ابن خالتي إزاي.
ماما بصتلي.
_ قولتيله كده؟
هزيت راسي وأنا عارفة أصلًا الرد اللي جاي.
_ آه.
_ يا ليليا.
= والله عارفة.
_ لأ، انتي عرفتي دلوقتي…وقتها كنتي شايفة إنها جملة عادية؟
سكت شوية.
= يمكن آه.
ماما اتنهدت.
_ كملي.
= بعد كده هو جاب سيرة بنت اسمها لارا كانت معانا في خروجة، وكانت بتتكلم معاه بـأريحية شويه ، وقال إن أنا يومها كنت متضايقة جدًا عشان بنت بتتكلم معاه وبتقرب منه، وإن أنا قولتله إنه جوزي ومن حقي أتضايق… فـ ليه أول ما هو يتضايق أقوله إنت مالك.
ماما هزت راسها ببطء.
= بصراحة دي نقطة عنده فيها حق.
لفيتلها.
= أنا عارفة.
_ أهو كويس إنك عارفة.
= بس هو الموضوع كبر أوي بعد كده…يعني إحنا أصلًا مابقيناش بنتخانق على مروان خالص…أنا فاهمة إن خالد من أول ما عرف سنه الموضوع خلص بالنسباله، هو كان متضايق من طريقتي أنا… وبعدها بقينا نطلع حاجات من زمان، وكل واحد يقول للتاني إنه تعب، والدنيا قلبت.
سكتت شوية، وبعدها سألتني:
_ انتي شايفة إنك غلطتي؟
بصيت لإيدي.
= آه.
_ في إيه؟
= في طريقتي…وفي إني فضلت أضحك عليه وهو كان متضايق بجد ، وفي إني قولتله إنت مالك…وفي إن كل ما كان يحاول يشرحلي هو متضايق من إيه كنت بحول الكلام لحاجة تانية.
ماما فضلت باصة لي، وبعدين قالت:
_ بصي يا ليليا، أنا مش هقولك خالد صح في كل حاجة، ولا إن انتي غلطانة في كل حاجة، لأن أنا أصلًا ما سمعتش منه…بس أنا عارفاكي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
= عارفة الجملة دي هتوجعني.
_ عشان هي صح.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
_ انتي لما حد يضغط عليكي في الكلام، أو يحسسك إنك ممكن تكوني غلطانة، بدل ما تهدي وتفكري، بتعندي أكتر. وبتحسي إن لو قولتي “آه أنا غلطت” يبقى كأنك خسرتي النقاش.
فتحت بوقي أعترض، بس هي رفعت إيدها.
_ استني، متقاطعيش…أنا أمك وعارفاكي. انتي من وانتي صغيرة كده. ولو حد قالك الحاجة بالطريقة اللي تضايقك، حتى لو هو عنده حق، بتنسي أصل المشكلة وتدخلي في معركة عشان تثبتي إن أسلوبه هو اللي وحش.
نزلت عيني.
لأن للأسف… كانت بتوصفني صح.
ماما قالت بهدوء:
_ وممكن جدًا خالد يكون اتضايق من ده، مش من مروان.
= هو فعلًا قال كده.
_ يبقى اسمعيه.
رفعت عيني لها.
= يعني أروح أنا أكلمه؟
_ آه.
= طب ليه أنا؟
رفعت حاجبها.
ضحكت غصب عني.
= خلاص ما تبصليش كده.
_ أهو ده اللي بتكلم فيه. طالما انتي شايفة إنك غلطتي في حاجة، إيه المشكلة إنك تروحي تقولي أنا آسفة؟
= مفيش مشكلة.
_ يبقى روحي.
سكت شوية، وبعدين قلت:
= هو قال حاجة امبارح…
ماما لاحظت التردد في صوتي.
_ إيه؟
بلعت ريقي.
= قال إنه هيطلقني.
ملامحها اتغيرت شوية، بس ماتفزعتش.
_ قالها وهو متعصب؟
= آه.
_ وانتي عايزة ده؟
السؤال جه بسيط جدًا، بس وقع عليا تقيل.
بصيتلها.
= معرفش.
_ لأ، تعرفي.
= ماما…
_ أنا مش بطلب منك تاخدي قرار دلوقتي…بس لو الكلمة ضايقتك للدرجة دي، يبقى أكيد في حاجة انتي محتاجة تفهميها من نفسك.
سكت.
هي قربت مني، وحطت إيدها على إيدي.
_ بس الأول روحي صالحي جوزك…وبعدها ابقوا اتكلموا بهدوء. مينفعش تسيبوا كلمة زي دي واقفة بينكم وتناموا وتصحو من غير ما حد فيكم يفهم التاني.
تنهدت.
= طب لو هو مش عايز يكلمني؟
_ جربي الأول.
= طب لو لسه زعلان؟
_ حقه يزعل شوية…وانتي كمان حقك تزعلي. بس الصلح مش معناه إن مفيش حد زعلان، الصلح معناه إنكم قررتوا تتكلموا بدل ما كل واحد يقفل على نفسه.
بصيت ناحية باب المكتب.
= ماشي.
ماما ابتسمت.
_ ماشي بجد؟
= آه.
_ هتروحي تعتذري؟
= آه يا ماما.
_ من غير بس.
بصيتلها.
_ يعني إيه؟
_ يعني متروحيش تقولي أنا آسفة بس إنت كمان عملت وسويت. اعتذري الأول عن غلطك…بعدين لما تهدوا اتعاتبوا.
ضحكت بخفة.
= انتي عاملالي كورس.
_ عشان انتي محتاجة.
خبطتها في دراعها بخفة.
_ ماشي يا ست الكل.
ضحكت، وبعدها باست راسي.
_ روحي له لما باباكي يخرج…وخليكي هادية.
هزيت راسي، بس قلبي كان بدأ يدق أسرع لمجرد الفكرة.
••••••••••••
كنت فاتح اللابتوب قدامي من بدري، ومش عارف بقالي قد إيه باصص لنفس السطر من غير ما أقرأه فعلًا…كل شوية أقول هركز في الشغل، وألاقي دماغي رجعت لوحدها لامبارح، لصوتنا وهو بيعلى، لكلامها، لكلامي، وللنهاية اللي وصلنا لها من حاجة أصلًا بدأت بسيطة جدًا.
لما سمعت خبط على الباب، توقعت للحظة تكون ليليا، لكن صوت عمي جه من بره:
_ ممكن أدخل؟
قومت عدلت قعدتي.
_ طبعًا يا بابا، اتفضل.
دخل وقفل الباب وراه بهدوء، وبعدها قعد على الكرسي اللي قدامي. بص للابتوب، وبعدين ليا.
_ شغال من بدري؟
هزيت راسي.
_ عندي كام حاجة متأخرة.
_ نمتوا كويس؟
بصيتله ثانيتين.
السؤال كان واضح أكتر من اللازم.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقفلت اللابتوب نص قفلة.
_ حضرتك داخل تسألني على اللي حصل امبارح، صح؟
ضحك بخفة.
_ هو واضح أوي كده؟
_ شوية.
رجع بظهره للكرسي وقال:
_ بص يا خالد، أنا مش داخل أحقق معاك، ولا عايز أعرف مين صح ومين غلط. بس اللي حصل امبارح كان واضح إنه أكبر من مجرد خناقة عابرة، والصوت علي لدرجة خلانا ندخل عليكم، فقلت أقعد معاك شوية.
سكت لحظة.
أنا في العادة مبحبش حد يدخل في حاجة تخصني، وخصوصًا لو خلاف بيني وبين مراتي، لكن طريقته مكانتش مستفزة ولا فيها فضول…كان واضح إنه عايز يفهم بس.
قلت:
_ الموضوع بدأ بحاجة تافهة جدًا أصلًا.
_ اللي هي؟
خدت نفس.
_ ليليا لما كانت بتكلم ابن خالتها…أنا معرفش مين هو ولا عنده كام سنة، وسمعتها بتتكلم معاه بطريقة قريبة جدًا، فسألتها عنه…بعدين عرفت إنه عنده خمستاشر سنة، فالموضوع نفسه انتهى بالنسبالي.
عمي رفع حاجبه.
_ أمال كملتوا خناق ليه؟
بصيت قدامي شوية قبل ما أرد.
_ عشان المشكلة مبقتش فيه أصلًا…بقت في طريقتها.
سكت وسابني أكمل.
_ ليليا ساعات لما تدخل نقاش وتلاقي إن في نقطة عليها، بتعند أكتر بدل ما تهدى وتسمع…بتبقى كأنها لازم تثبت إنها مش غلطانة، حتى لو هي نفسها عارفة إنها زودتها.
عمي ابتسم ابتسامة صغيرة.
_ دي بنتي، وأنا مقدرش أقولك إنك غلطان في دي.
ضحكت بخفة.
_ أنا لاحظت من بدري.
_ من الشغل؟
_ من أول كام أسبوع تقريبًا.
ضحك.
_ أمال استحملت سنة إزاي؟
بصيتله بنص ابتسامة.
_ معرفش والله.
فضلت الجملة معلقة ثانية، فعدلت كلامي بسرعة.
_ قصدي إنها بتعرف تستفزني يعني.
هز راسه كأنه فهم، ومعلقش.
كملت:
_ امبارح الموضوع قلب من سؤال بسيط لخناقة كبيرة لأن أول ما حسّت إني متضايق، بدأت تضحك وتستفزني أكتر. وبعدين قالتلي إنت مالك أنا بكلم ابن خالتي إزاي؟ ، وهنا الموضوع عندي مبقاش مروان.
عمي سأل:
_ طب إيه اللي ضايقك فيها للدرجة دي؟
سكت شوية، وبعدها قلت:
_ التناقض.
بصلي.
_ يعني؟
_ من فتره حصل موقف شبه كده بالعكس…هي اتضايقت من واحدة كانت بتتكلم معايا، وساعتها كان بالنسبالها طبيعي تسألني وتزعل، لأنها مراتي ومن حقها تعرف…لكن أول ما أنا اتضايقت من حاجة، فجأة بقيت ماليش دعوة.
شريف سكت وهو بيسمع.
_ وأنا مش بتكلم على غيرة ولا على مين له حق أكتر ، أنا بتكلم على طريقتها في التعامل…كل مرة نبقى كويسين وأحس إن الدنيا بينا هديت، يحصل موقف وترجع تتعامل كإن كل اللي قبل كده مالوش قيمة.
سكت لحظة، وبعدها قلت:
_ وده بيستفزني.
_ ما هو واضح.
ضحكت ضحكة قصيرة.
_ جدًا.
_ وإنت اتعصبت.
بصيتله.
_ آه.
_ وعليت صوتك.
هزيت راسي.
_ آه.
سكت شوية، وبعدها قلت:
_ وأنا عارف إني غلطت في دي.
_ طب كويس إنك عارف.
رجع سكت.
أنا كملت:
_ أنا عادة مش بوصل للعصبية بالشكل ده بسهولة…بس ليليا عندها طريقة في إنها تفضل تزق في نفس النقطة لحد ما الواحد يطلع عن شعوره.
ابتسم عمي.
_ دي موهبة قديمة عندها.
ضحكت.
_ باين والله.
وبعدها رجعت جدي.
_ أنا بس اللي ضايقني أكتر إن الخناقة بقت بتجمع كل حاجة مع بعض…بدل ما نتكلم في حاجة واحدة، نلاقي نفسنا رجعنا لخناقات قديمة وطريقة كلام قديمة، وكل واحد فينا بيحاول يثبت للتاني إنه هو اللي تعبان أكتر.
شريف هز راسه ببطء.
_ طب وإنت زعلان منها دلوقتي؟
فكرت قبل ما أرد.
_ من طريقتها؟ آه.
_ ومنها هي؟
سكت.
السؤال كان أبسط من اللازم.
قلت في الآخر:
_ لأ، مش منها هي.
عمي فضل باصصلي لحظة، وأنا كملت قبل ما يعلق:
_ انا مقدرش ازعل منها ، أنا بس متضايق من إنها كل ما تحس إن الموضوع قرب يبقى جدي زيادة، ترجع تعند وتبوظ الدنيا. بتحسسني إن أي خطوة بنتحركها لقدام ممكن في ثانية ترجعنا لنقطة الصفر.
_ وده تاعبك؟
_ جدًا.
_ طب ليه؟
بصيتله.
السؤال ضايقني شوية، مش منه، لكن لأنه قرب من حاجة أنا نفسي مش عايز أفكر فيها بالطريقة دي.
قلت:
_ عشان محدش يحب يفضل كل شوية يبدأ من الأول.
عمي ابتسم ابتسامة صغيرة، كأنه سمع أكتر من اللي أنا قولته، لكن لحسن الحظ ما ضغطش.
سأل:
_ وإنت ناوي تعمل إيه؟
رجعت بصيت للابتوب.
_ معرفش…امبارح حسيت إن أحسن حاجة إننا نسكت…لو كملنا كنا هنقول كلام أسوأ.
_ والنهارده؟
تنهدت.
_ النهارده لازم نتكلم.
_ كويس.
سكت لحظة، وبعدها قال:
_ بص يا خالد، أنا مش هقولك صالحها ولا هقولك استناها تيجي. بس في حاجة لازم تعرفها في ليليا.
رفعت عيني له.
_ إيه؟
_ لما تحس إن اللي قدامها بيهاجمها، حتى لو هو عنده حق، بتقفل…وبتدخل في وضع دفاع على طول.
ابتسمت.
_ دي انا عارفها.
_ ولما تحس إنها غلطانة؟
ضحكت.
_ بتعاند أكتر.
ضحك شريف.
_ أهو، يبقى إنت فاهمها كويس.
سكت.
هو كمل:
_ بس في نفس الوقت، هي لما تهدى وتعرف إنها غلطت، بتبقى فعلًا ندمانة…المشكلة إنها ساعات بتتأخر على ما توصل للمرحلة دي.
هزيت راسي.
_ أنا عارف والله.
عمي قام من مكانه، وأنا قومت معاه.
قبل ما يفتح الباب، لفلي وقال:
_ ربنا يهدي سركم يبني ، لو جت تكلمك، بلاش أول حاجة تعملها إنك تستفزها.
رفعت حاجبي.
_ حضرتك عارفها اوي.
_ وعارفك إنت كمان شوية.
ضحكت.
_ أنا مالي؟
_ بتحب تنكشها.
سكت نص ثانية، وبعدها ابتسمت.
_ يمكن.
فتح الباب وهو بيضحك.
_ يمكن دي قولها لحد غيري.
وقبل ما يخرج، قال:
_ اسمعها بس يا خالد.
هزيت راسي.
_ حاضر.
خرج وقفل الباب وراه.
رجعت قعدت مكاني، وفتحت اللابتوب تاني، لكن المرة دي برضو عيني فضلت على الشاشة من غير ما أقرأ حاجة.
لأن كلامه فضل في دماغي.
اسمعها بس.
ويمكن دي فعلًا كانت الحاجة الوحيدة اللي ما عملناهاش امبارح.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
فضلت مستنية لحد ما باب المكتب اتفتح وبابا خرج. أول ما شافني قاعدة مع ماما، بصلي بس من غير ما يقول حاجة، وأنا فهمت من نظرته إنه كان فعلًا بيتكلم مع خالد.
ماما بصتلي.
_ يلا.
لفيتلها.
= دلوقتي؟
_ أيوه دلوقتي.
= طب ما أستنى شوية.
_ هتستني إيه؟
= معرفش.
_ روحي يا ليليا.
قومت بالعافية.
كل خطوة ناحية باب المكتب كانت بتخليني أفكر ألف مرة أرجع أقعد وأقول خلاص بعدين…بس لما وصلت، خبطت.
جالي صوته من جوه:
_ ادخل.
فتحت الباب سنة.
كان قاعد قدام اللابتوب تاني، بس أول ما شافني رفع عينه.
بصينا لبعض لحظة.
= ممكن أدخل؟
_ اتفضلي.
دخلت وقفلت الباب ورايا.
وقفت قدامه.
هو رجع بص للشاشة كأنه مستني أتكلم.
مقولتش حاجة.
ثواني عدت.
رفع عينه تاني.
_ في حاجة؟
هزيت راسي.
= آه.
قفل اللابتوب تمامًا.
_ قولي.
بصيتله، وبعدها بصيت للكرسي اللي هو قاعد عليه.
= ممكن تقوم تقف؟
رفع حاجبه.
_ ليه؟
= معلش… بس قوم.
فضل باصصلي كأنه مش فاهم أنا ناوية أعمل إيه، وبعدها قام ببطء.
_ أهو.
مستنتش ثانية.
قربت منه، ولفيت دراعاتي حواليه وحضنته جامد.
جامد لدرجة إني نفسي اتفاجئت من اندفاعي.
خالد اتجمد لحظة، وبعدها حسيت نفسه يطلع في تنهيدة طويلة، ودراعاته تلف حواليا.
شدني له.
مش رد حضن وخلاص.
حضني بجد.
إيده استقرت على ضهري، والتانية على شعري، وأنا أول ما حسيت إنه حضني رجعت أعيط من غير ما أقصد.
= أنا آسفة.
قولتها وأنا مدفونة في صدره.
= أنا بجد آسفة يا خالد.
إيده شدتني أكتر.
_ هشش … خلاص.
فضل يطبطب عليا.
_ متقوليش حاجة دلوقتي.
= بس أنا—
_ ليليا، اهدي الأول.
سكت.
أو حاولت.
فضلنا واقفين كده وقت طويل، وأنا كل شوية نفسي يقطع وهو يطبطب على ضهري بهدوء…مكنش مستعجلني أبعد، ولا مستعجل يسمع اعتذاري، وده خلاني أهدى أسرع.
بعد شوية، بعدت عنه سنة صغيرة.
خالد إيديه فضلت حواليا لثانية زيادة، وبعدها رفع إيديه لوشي، مسك خدي من الناحيتين ومسح بإبهامه الدموع اللي نزلت.
_ بس خلاص… متعيطيش ، محصلش حاجة.
مسكت إيده اللي على وشي بإيدي.
= لا حصل.
بصلي.
= أنا ضايقتك.
_ ليليا—
= لأ، استنى…أنا جيت أقولك اللي عندي.
فضل ساكت.
خدت نفس.
= أنا آسفة على امبارح…وعلى طريقتي…وعلى إني فضلت أضحك عليك وأنا شايفة إنك متضايق، وعلى إني قولتلك إنت مالك.
ملامحه هديت.
= عارفة إنها كانت وحشة.
_ كانت وحشة بس؟
هزيت راسي.
= عارفة…وماما قالتلي حاجة أنا أصلًا عارفاها بس مكنتش بحب أعترف بيها.
رفع حاجبه.
= إيه؟
= إني لما أحس إني ممكن أطلع غلطانة بعند أكتر.
طرف بوقه اتحرك.
= مامتك ست حكيمة.
خبطته بخفة في صدره.
= ما تستظرفش.
ضحك بخفة.
= كملي.
رجعت جد.
= أنا عارفة إن موضوع مروان نفسه خلص من أول ما عرفت سنه. وعارفة إن اللي ضايقك كان أسلوبي…وأنا فعلًا غلطت في ده.
خالد فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
_ أنا مش زعلان من مروان أصلًا.
= ما أنا عارفة.
_ أنا زعلان إن كل مرة نبقى كويسين وأحس إننا عرفنا نتعامل طبيعي، يحصل موقف وترجعي تزقيني بعيد.
نزلت عيني.
كمل بهدوء:
_ وأنا مش قصدي إنك لازم توافقي على كل حاجة أقولها، أو إنك متعانديش أبدًا…بس ساعات بتحسسيني أي حاجة حصلت بينا إنها ملهاش قيمة أول ما نتخانق.
= مكنش قصدي.
_ أنا عارف.
رفعت عيني له.
_ بجد؟
_ آه…لو كنت شايف إنك بتعمليها بقصد، كان الموضوع هيبقى أسوأ.
سكت وهو كمل.
_ بس ده اللي بيوصللي ساعات.
بلعت ريقي.
= هحاول.
_ وأنا كمان هحاول.
= تعمل إيه؟
_ مبقاش مستفز وأنا شايفك أصلًا متعصبة.
= دي مهمة جدًا.
_ مقدرش أوعدك مية في المية.
ضحكت غصب عني.
= إنت مستحيل تتعدل.
_ أهو بنحاول.
سكتنا لحظة، وبعدها السؤال اللي من امبارح وأنا خايفة أسأله طلع مني.
= خالد؟
_ نعم؟
= هو إنت… انت لسه عايز تطلقني؟
الابتسامة اختفت من وشه.
اتنهد، وبص بعيد عني ثانية، وبعدها رجعلي.
_ دلوقتي؟ لأ.
حسيت براحة غريبة تنزل في صدري بسرعة، أسرع من الطبيعي، لدرجة إني نفسي اتضايقت من قد إيه الكلمة ريحتني.
لكن خالد كمل:
_ بس إحنا من الأول متفقين إن بعد البرنامج والست شهور كل واحد فينا يرجع لحياته.
الجملة مكانتش جديدة.
أنا حافظاها.
أنا اللي وافقت عليها.
وأنا اللي من أول يوم كنت بقولها لنفسي كل ما أحس إن حاجة بينا بتتحرك في اتجاه مختلف.
بس المرة دي لما سمعتها منه، حسيت إنها تقيلة.
مش عارفة ليه.
هزيت راسي.
= ماشي.
فضل باصصلي لحظات، كأنه بيحاول يقرأ وشي، وأنا نفسي مكنتش عارفة هو شاف إيه.
ولا كنت عارفة هو قال الجملة دي بسهولة فعلًا، ولا هو كمان كان فيها حاجة مضايقاه ومش باينة.
بس كالعادة، خالد سابلي السؤال من غير إجابة.
مد إيده مسك إيدي.
= خلاص؟
بصيتله.
= خلاص.
_ متأكدة؟
= آه.
فضل ماسك إيدي ثواني، وبعدها شدني ناحيته.
المرة دي هو اللي قربني.
دخلت في حضنه من غير ما أفكر، ولفيت دراعاتي حواليه، وهو شدني له بنفس الهدوء اللي بدأنا بيه الكلام.
مفيش عياط المرة دي.
بس حضن طويل.
مريح.
كأنه بيقفل امبارح كله.
سندت راسي على صدره، وبعد شوية قلت:
= هو إحنا كويسين؟
سمعته يتنهد بخفة.
_ هنحاول نبقى كويسين.
رفعت راسي.
= يعني إيه هنحاول؟
رفع حاجبه.
_ يعني لو قولتلك إحنا كويسين أوي دلوقتي، غالبًا هتعملي مشكلة قبل المغرب وتحرجيني قدام نفسي.
فتحت بوقي.
= أنا؟!
_ آه انتي.
خبطته في صدره.
_ والله إنت قليل الأدب.
ضحك، وقبل ما أبعد شدني للحضن تاني.
_ أهو… كده رجعتي طبيعية.
غصب عني ضحكت وأنا جوه حضنه.
ولأول مرة من امبارح حسيت إن الضغط اللي كان مالي صدري بدأ يخف.
بس وأنا واقفة كده، ودراعه حواليا، فضلت جملة واحدة قاعدة في آخر دماغي ومش راضية تمشي:
بعد الست شهور كل واحد فينا يرجع لحياته.
أنا مش فاهمة ليه قبل كده كانت الجملة دي بتطمني.
وليه دلوقتي بالذات… بقت تخوفني.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
الأيام اللي فضلت من زيارة ماما وبابا عدت أسرع من اللي كنت متوقعة. بعد الصلح، الجو بيني وبين خالد هدي فعلًا، ومبقاش في توتر ظاهر زي الأول. رجعنا نهزر، نختلف في حاجات صغيرة ونعديها، وماما وبابا نفسهم بدأوا يتعاملوا معانا كإن اللي حصل كان مجرد خناقة عادية وعدت.
ولما وصلنا لآخر ليلة، الموضوع جه أسرع من اللي كنت مستعدة له.
دخلت الأوضة بعد ما ماما وبابا ناموا، وخالد كان سبقني. كان واقف عند الدولاب بيطلع هدومه، وأنا دخلت عادي، قفلت الباب، وبدأت أجهز نفسي للنوم من غير التوتر اللي كان عندي أول ليلة.
الغريب إن الأوضة نفسها بقت مألوفة…سريره، ناحيتي، موبايله على الكومود، صوته وهو بيتحرك… كل ده بقى طبيعي بسرعة أكتر مما كنت متخيلة.
بعد ما طفيت النور واتمددت، خالد عمل نفس الحاجة. عدت ثواني في هدوء، وبعدها صوته خرج من الناحية التانية:
_ آخر ليلة.
لفيت وشي ناحيته.
= إيه؟
_ آخر ليلة ننام هنا سوا…بكرة مامتك وباباكي هيمشوا، وكل واحد يرجع أوضته.
سكت شوية، وبعدين قلت:
= اه أخيرًا.
ضحك بخفة.
_ الحمد لله، الأسر انتهى.
= هو أنا اللي كنت مأسرَاك؟
_ خمس ليالي يا ليليا… دي مدة محترمة.
= يا عيني.
_ بكرة ترجعي لسريرك العظيم وتسيبيني في حالي.
= اه ده اللي هيحصل.
سكتنا.
المفروض الموضوع كان بسيط. ترتيب مؤقت وخلص. لكن وأنا باصة في الضلمة، افتكرت أول ليلة، قد إيه كنت متوترة، وقد إيه كنت عاملة قوانين وحدود، وكأني داخلة اختبار.
دلوقتي الفكرة نفسها بقت غريبة.
إن من بكرة مفيش حد في الناحية التانية، مفيش صوته قبل النوم، مفيش حركته وهو بيقوم بدري، مفيش حد أقوله وطي النور أو متشدش الغطا.
قلبت الناحية التانية بسرعة، كأني لو فضلت أفكر أكتر هاعترف لنفسي بحاجة مش عايزة أفكر فيها.
••••••••••••
فضلت باصص للسقف بعد ما سكتنا، والجملة اللي أنا نفسي قولتها كانت لسه بتلف في دماغي:
آخر ليلة.
أنا اللي فكرتها عادي.
أو على الأقل حاولت أخليها عادي.
من أول يوم دخلت الأوضة دي وأنا مقتنع إن الخمس أيام دول مجرد ترتيب مؤقت عشان ماما وبابا موجودين. كل واحد فينا أصلًا عنده أوضته، وكل واحد متعود ينام لوحده، وبعد ما الزيارة تخلص كل حاجة هترجع زي الأول.
ببساطة.
بس وأنا نايم دلوقتي وعارف إن بكرة فعلًا كل واحد هيرجع مكانه، لقيتني مش مرتاح للفكرة بالشكل اللي كنت متوقعه.
مش عارف ليه.
يمكن عشان الخمس أيام دول عدوا بسرعة. يمكن عشان وجود ليليا في نفس الأوضة بقى عادي من غير ما أحس. أول ليلة كانت عاملة قوانين كأننا داخلين معاهدة دولية، وكل واحد في ناحيته، وممنوع تعدي النص، وممنوع تشد الغطا، وممنوع تصحى تلاقيني قريب منها.
دلوقتي مبقاش في أي حاجة من دي تقريبًا.
بقينا ندخل الأوضة عادي، كل واحد يعمل اللي عليه، نتكلم شوية، نتخانق على حاجة صغيرة، نسكت، وننام.
بقيت عارف صوت تقلبها في السرير، وعارف إنها لما تكون متضايقة بتفضل تتحرك كتير قبل ما تنام، ولما تكون مرتاحة بتنام بسرعة كأن حد فصلها.
بقيت متعود على إن في حد في الناحية التانية.
ودي يمكن كانت المشكلة.
أول ما قالت "أخيرًا".
ضحكت عادي، ورديت عادي.
بس الكلمة ضايقتني سِنة.
مش لدرجة إني أبان.
ولا لدرجة إني أسأل نفسي ليه.
بس ضايقتني.
لقيتني عايز أقول لها أخيرًا إيه؟
وبعدين رجعت سكت.
لأن السؤال نفسه ملوش لازمة.
هي من أول يوم مستنية ترجع أوضتها.
وده الطبيعي.
وأنا المفروض كمان أبقى مستني نفس الحاجة.
لفيت وشي ناحيتها في الضلمة. مكنتش شايف غير ملامح بسيطة، وهي كانت مدية ضهرها ناحيتي.
فضلت ساكت.
مش عايز أفتح كلام تاني.
خصوصًا إن الأيام الأخيرة كانت هادية، وأنا مش عايز أعمل من جملة بسيطة حاجة أكبر من حجمها.
فقلت:
_ نامي يا ليليا.
سمعت صوتها:
= بحاول اهو.
_ بكرة يوم طويل.
= اه.
وسكتنا.
بس أنا مانمتش على طول.
فضلت شوية باصص في الضلمة، وبفكر إن من بكرة مفيش صوتها في الأوضة، ولا حركتها، ولا خناقاتها الصغيرة قبل النوم.
وبعدها ضحكت بيني وبين نفسي.
أنا أصلًا كنت مستريح في أوضتي لوحدي قبل كل ده.
أكيد هرجع أتعود.
الموضوع مش محتاج كل التفكير ده.
غمضت عيني في الآخر وأنا مقتنع بالكلام ده.
أو بحاول أقتنع.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
تاني يوم الصبح عدى أسرع من أي يوم قبله. من أول ما صحينا وماما ماشية في البيت تجمع حاجاتها للمرة العاشرة، وبابا يقول لها إنهم مش ناسيين حاجة، وهي ترجع تفتح الشنطة تاني كأنها مصممة تثبت العكس.
أنا كنت بحاول أتعامل طبيعي، لكن من جوايا كنت متضايقة أكتر مما كنت متوقعة…يمكن عشان البيت هيفضى، ويمكن عشان الخمس أيام عدوا بسرعة، ويمكن عشان كنت عارفة إن بعد كام ساعة كل حاجة هترجع زي الأول.
خالد كان هادي، بيساعد بابا في الشنط، وماما كل شوية تقوله:
_ يا حبيبي سيب دي على شريف.
وهو يرد:
_ لا يا ماما، خلاص أنا واخدها.
وأنا كل مرة أسمعه يقول لها “يا ماما” او يقول لـبابا " يا بابا" كنت بحس بحاجة غريبة، رغم إني بقى عندي خمس أيام كاملة المفروض أتعود فيها على الموضوع.
وصلنا المطار بدري شوية، وفضلنا معاهم لحد آخر وقت نقدر نقف فيه. ماما كانت ماسكة إيدي من ساعة ما دخلنا تقريبًا، وكل شوية تسألني سؤال هي عارفة إجابته.
_ هتكلميني لما نركب؟
= هكلمك.
_ ولما نوصل؟
= هكلمك.
_ وتاكلي كويس؟
= حاضر يا ماما.
_ ومتنسيش—
= مش هنسى.
خالد كان واقف جنب بابا، والاتنين بيتكلموا بهدوء. لما قرب وقت الدخول، بابا حضني الأول.
_ خلي بالك من نفسك.
حضنته جامد.
= حاضر.
وبعدين بعد عني وبص لخالد.
_ وخلي بالك منها.
خالد رد من غير تردد:
_ دي في عيوني.
بصيتله لحظة، وهو كان مركز مع بابا عادي كأن الجملة طبيعية جدًا.
ماما حضنتني بعدها، وطولت في الحضن كعادتها، وأنا أول ما بعدت عنها حسيت إن عيني سخنت.
_ يا ماما أنا هشوفك قريب.
_ عارفة يا حبيبتي.
وبعدين بصت لخالد وقالت:
_ وإنت كمان خلي بالك من نفسك.
ابتسم لها.
_ حاضر.
ماما حضنته كمان، وهو رد الحضن باحترام، وبعدها بابا سلم عليه بحرارة. ولما بدأوا يدخلوا، فضلنا واقفين مكاننا لحد ما اختفوا من قدامنا.
ساعتها بس حسيت إن المطار بقى هادي فجأة.
خالد بصلي.
_ يلا؟
هزيت راسي.
= يلا.
رجعنا البيت وإحنا ساكتين معظم الطريق…مش زعلانين، ومش متوترين، بس يمكن كل واحد فينا كان حاسس إن البيت هيبقى مختلف بعد ما نرجع.
وأول ما دخلنا، الفرق بان فورًا.
الهدوء كان كبير.
مفيش صوت ماما من المطبخ، ولا بابا في الصالة، ولا شنط، ولا كلام جاي من كل ناحية…أنا وقفت ثانيتين عند الباب، وخالد حط المفاتيح على الترابيزة وبصلي.
_ البيت رجع لصحابه.
= أو رجع فاضي.
_ دراما من أولها؟
بصيتله.
= سيبني في حالي.
ضحك ودخل، وأنا دخلت وراه.
اليوم نفسه عدى عادي بشكل غريب. طلبنا أكل، قعدنا ناكل قدام التلفزيون، وكل شوية نعلق على حاجة من اللي حصلت في الخمس أيام. مرة نفتكر صورة ماما صورتها لنا، ومرة بابا وهو بيحكي موقف محرج عني، ومرة ماما وهي بتفتش الأوضة كأنها لجنة.
وفي نص اليوم، خالد فتح الصورة اللي كانت ماما صورتها لنا وإحنا واقفين جنب بعض.
_ الصورة دي لسه حلوة.
بصيتلها.
= إنت ليه متمسك بيها أوي؟
_ عشان طبيعية.
= ماشي يا أستاذ طبيعي.
قفل الموبايل وضحك.
الموضوع فضل خفيف طول اليوم. يمكن لأننا بعد الخناقة والصلح بقينا الاتنين حريصين من غير ما نقول إننا حريصين. محدش فينا عايز يفتح باب مشكلة جديدة، ومحدش عايز يرجع للجو اللي كنا فيه.
ولما الليل جه، بدأ الجزء اللي كنت بتجاهله من الصبح.
كل واحد يرجع أوضته.
دخلت أوضتي وأنا شايلة هدومي اللي كنت ناقلاها عند خالد في الخمس أيام اللي فاتوا…رجعت البرفان مكانه، حطيت الشاحن جنب سريري، ورتبت حاجاتي كأنها رجعت أخيرًا لأماكنها الطبيعية.
المفروض كنت أبقى مبسوطة.
دي أوضتي.
ده سريري.
مفيش حد هياخد الناحية التانية، مفيش قوانين، مفيش شد غطا، ومفيش حد يقولي نامي عشان بكرة يوم طويل.
قفلت النور واتمددت.
وبعد خمس دقايق تقريبًا، فتحت عيني.
السرير كان مريح.
والأوضة هادية.
زيادة عن اللزوم.
قلبت على جنبي.
وبعدين على ضهري.
وبعدين الناحية التانية.
حاولت أمسك الموبايل شوية، زهقت، حطيته وغمضت عيني، فتحتها تاني.
حسيت بحاجة غريبة جدًا.
كأن الأوضة ناقصة صوت.
صوت حركة.
نَفَس حد في الناحية التانية.
حتى تعليق مستفز قبل النوم.
قعدت في السرير وأنا ببص قدامي في الضلمة، ومستغربة نفسي.
أنا بجد مش عارفة أنام عشان خالد مش في الأوضة؟
ضحكت بخفة من الفكرة، بس الضحكة راحت بسرعة.
= لا طبعًا.
قولتها لنفسي بصوت واطي.
رجعت اتمدّدت.
عدت دقيقة.
اتنين.
تلاتة.
قومت تاني.
فضلت قاعدة على طرف السرير شوية وأنا بحاول أقنع نفسي إني بس اتعودت على وجود حد في الأوضة خمس أيام، مش أكتر.
وده طبيعي.
أكيد طبيعي.
مديت إيدي للموبايل أبص على الساعة، وبعدها حطيته مكانه.
وفجأة، من غير ما أخطط أوي، لقيتني بقوم.
لبست شبشبي وفتحت باب الأوضة بهدوء.
الممر كان ضلمة إلا من نور خفيف جاي من آخره.
مشيت كام خطوة.
وكل خطوة كنت بسأل نفسي أنا رايحة فين أصلًا.
لحد ما وقفت قدام باب أوضة خالد.
فضلت باصة للباب ثواني طويلة.
مكنتش عارفة أنا بعمل ايه.
رفعت إيدي عشان أخبط.
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
