رواية وتلك البداية الفصل التاسع بقلم ملك رأفت
في المستشفى..
كانت نرجس قاعدة على كرسي الانتظار، بتحاول بكل قوتها تكتم دموعها، وبتتعلق بأي أمل إن الدكتور يخرج ويطمنهم على والدتها..
كان خالد قاعد جنبها، بيطبطب على إيدها من وقت للتاني، رغم إن القلق كان واضح على ملامحه هو كمان، خصوصًا إن خالته نجلاء كانت جوه أوضة العمليات..
أما خالتها هدى، فكانت قاعدة جنبهم وهي بتعيط في صمت، وكل شوية ترفع عينيها ناحية باب أوضة العمليات، وكأنها مستنية الباب يتفتح وتسمع خبر يطمنها..
عدى وقت طويل، لحد ما أخيرًا باب أوضة العمليات اتفتح، وخرج الدكتور..
أول ما نرجس شافته، قامت بسرعة واتجهت ناحيته، وقلبها بيدق بعنف..
قالت بقلق: دكتور.. حالة ماما مالها؟.
بصلها الدكتور للحظات، وكانت ملامحه حزينة..
اتنهد وقال بصوت هادي: والله إحنا حاولنا نعمل كل اللي نقدر عليه.. بس..
سكت لحظة، وكأنه بيحاول يختار كلماته..
وبعدين قال: البقاء لله..
وقف الدكتور مكانه لحظة وقال : والله حولنا بس قلبها مقدرش يستحمل، وبعدها مشي من قدامها..
أما نرجس، ففضلت واقفة مكانها..
ملامحها مااتغيرتش..
عينيها فضلت ثابتة، وكأنها ما فهمتش أصلًا اللي الدكتور قاله..
وبعد ثواني، اتحركت بسرعة ناحية أوضة والدتها وفتحت الباب ودخلت..
كانت والدتها نايمة على السرير، جسمها ساكن تمامًا، ومفيش أي حركة منها..
قربت نرجس منها، وعلى وشها ابتسامة غريبة، كأن عقلها رافض يصدق الحقيقة..
حطت إيديها الاتنين على خد والدتها وقالت وهي بتحاول تضحك: شوفتي يا ماما..
سكتت لحظة، وبعدين ضحكت بخفة وقالت: الدكتور بيقولي إن إنتِ موتي.. بعيد الشر عنك..
وبدأت تحرك كتف والدتها بإيديها :قومي بقى.. قومي قولي لهم إنك صاحيه عادي..
حركتها أكتر وهي بتحاول تحافظ على ابتسامتها: يا ماما.. قومي بقى.. قولي لهم إن الدكتور غلط..
لكن والدتها فضلت ساكنة..
بدأت ابتسامة نرجس تختفي تدريجيًا..
قالت بصوت أضعف: يا ماما..
حركتها مرة تانية: يلا.. قومي..
بدأ صوتها يرتجف، ودموعها نزلت غصب عنها: يا ماما.. أنا نرجس.. قومي بقى..
لفت راسها ناحية خالد، وكأنها أخيرًا بدأت تستوعب إن في حاجة غلط..
قالت وسط دموعها: يا خالد.. ماما مش راضية تقوم ليه؟.
خالد ماقدرش يمنع دموعه، فقرب منها وركع قدامها، ومسك إيدها بإيده..
قال بصوت مكسور: نرجس.. ماما دلوقتي في مكان أحسن..
هزت راسها بسرعة وهي بتعيط: لأ.. لأ.. هي بس بتريح.. هي هتقوم..
فضل خالد باصص لها بحزن، وبعدها قام وقعد جنبها، وفضل يطبطب عليها من غير ما يقول حاجة..
وفي الوقت ده، كان زياد واقف قدام باب الأوضة..
كان شايف والدته نايمة على السرير، ونرجس لسه بتحاول تصحيها، لكنه ماكانش قادر يدخل..
فضل واقف ثواني، لحد ما أخد نفس عميق ودخل الأوضة ببطء..
قال بصوت منخفض وهو بيحاول يمنع دموعه: نرجس..
لفت نرجس بسرعة، وأول ما شافته قالت له ببراءة موجوعة: زياد.. تعالى.. الدكتور بيقول إن ماما ماتت.. تعالى بص كده..
اتجمد زياد مكانه للحظة..
بص لوالدته، وبعدها قرب منها بسرعة وقعد على الأرض جنب السرير..
مسك إيدها، وحاول يحس بأنفاسها..
لكن إيدها كانت باردة وساكنة..
ساعتها انهار زياد، ودموعه نزلت من غير ما يحاول يمنعها..
فضل ماسك إيد والدته وبيعيط، ونرجس كانت جنبه بتعيط هي كمان، بينما خالد وخالتها هدى والممرضات واقفين بصمت، وكل واحد فيهم عاجز عن الكلام..
نرجس كانت لسه خارجة من أزمة كبيرة، ولسه ما لحقتش تستوعب اللي حصل لها، وفجأة لقت نفسها بتواجه فقدان والدتها..
كانت الصدمة أكبر من إنها تتحملها..
بعد فترة، بدأ زياد يهدى شوية..
بص له خالد وقال بهدوء: إنت إزاي جيت؟.
مسح زياد دموعه وقال بصوت هادي: خالتو قالتلي..
طبطب خالد على كتفه، لكن زياد فضل ساكت..
وبينما زياد كان باصص لنرجس، افتكر شكلها قبل جوازها..
كانت دايمًا وشها منور، وعندها أمل في الحياة، حتى لو كانت بتواجه مشاكل..
لكن دلوقتي، وشها كان شاحب، وعينيها منتفخة من العياط، وملامحها كلها إرهاق وانكسار..
حس زياد إن شغله أخده بعيد عن عيلته..
كان طول الوقت مشغول، ومش واخد باله من اللي بيحصل حواليه، لدرجة إنه ما لحقش يقعد مع والدته بالشكل الكافي..
وفجأة، افتكر كلام ثريا عن اللي حصل لنرجس..
اتغيرت ملامحه تدريجيًا..
الدموع اللي كانت في عينيه اختفت، ونظراته بقت باردة بشكل مخيف..
قام من مكانه فجأة..
بص له خالد باستغراب وقال: مالك يا زياد؟.
رد زياد بصوت متعب: مفيش.. رايح مشوار وراجع على طول..
اتحرك ناحية الباب، لكن خالد مسك إيده: مشوار إيه؟.
بعد زياد إيده بهدوء وقال: هعمل مكالمة كده..
بص له خالد بشك، وكأنه فهم إن في حاجة في دماغه..
وقال بجدية: زياد.. متعملش حاجة من غير ما أبقى معاك.. متنساش إني أخوك الكبير.. هبقى معاك خطوة بخطوة..
بص له زياد للحظات، وبعدها ابتسم ابتسامة صغيرة ماكانش فيها أي فرحة: منساش طبعًا..
وخرج من الأوضة..
فضل خالد باصص على ضهره وهو بيبعد، وكان جواه إحساس إن زياد ناوي على حاجة، لكنه ماقدرش يسيب نرجس ووالدته في الوقت ده..
رجع بص ورا..
كانت نرجس وخالتها هدى لسه بيحضنوا بعض، وكل واحدة فيهم بتعيط على نجلاء..
تنهد خالد بحزن..
كان نفسه يلحق زياد، لكنه ماقدرش يسيبهم في اللحظة دي..
وبعد فترة..
في شقة سيف..
كان سيف قاعد على الكنبة، والبيت هادي تمامًا..
وفجأة، سمع خبط قوي على الباب..
بص للساعة باستغراب وقال: مين اللي جاي في الوقت المتأخر ده؟.
قام وراح ناحية الباب، وفتحه..
ما لحقش حتى يسأل مين..
لأن زياد وجه له لكمة قوية في وشه..
رجع سيف خطوة للخلف، وحط إيده على خده، وبص له بغضب: زياد..!
دخل زياد من غير ما يرد..
مسكه من قميصه، وشده بعنف لحد ما وقعه على الكنبة..
خرجت ثريا من الأوضة على صوت ابنها، وكانت مصدومة من اللي شافته..
أما زياد، فراح قعد على الكرسي اللي جنب الكنبة، وعدل بدلته بهدوء غريب، وكأن اللي حصل من ثواني ماحصلش..
بص لسيف ببرود وقال: من غير مقدمات.. طلق نرجس..
ضحك سيف باستهزاء وقال: مستحيل..
اتغيرت ملامح زياد، وبص له بغضب وهو بيضحك بسخرية: نعم؟.
رد سيف بنفس الاستفزاز: زي ما سمعت..
شد زياد قبضته، وحاول يتحكم في أعصابه..
لكن سيف كمل، وكأنه متعمد يستفزه: ريح بالك.. أنا بس مستنيها تتحسن من حالتها في المستشفى، وهاخدها تعيش معايا...
سكت لحظة، وبعدين ابتسم وقال: أنا لسه بحبها على فكرة..
هز زياد راسه ببطء، وقال ببرود: باين..
رد سيف: أيوه.. زي ما سمعت..
في لحظة، قام زياد من مكانه وضربه لكمة تانية في وشه..
شهقت ثريا من الصدمة، بينما سيف حط إيده على فمه، ولما شاف الدم نزل من شفته، ضحك باستفزاز..
قال سيف: باين إن شغلك في الجيش خلاك قوي..
قرب زياد منه وقال بغضب: إنت لسه شفت حاجة؟.
اندفع ناحيته، وبدأت مشاجرة عنيفة بين الاتنين..
كل واحد فيهم كان بيحاول يضرب التاني، والغضب مسيطر عليهم تمامًا..
صرخت ثريا وهي بتتراجع للخلف: يالهوي.. هيقتلك يا ابني!.
وبعدين جريت ناحية السلم وهي بتقول بغل :إمتى هيسيبونا في حالنا العيلة دي؟.
وفي الوقت ده، خرجت ياسمين وسارة من الأوضة على صوت الخناق..
وقفوا مكانهم مصدومين، وحطوا إيديهم على بوقهم وهم شايفين الاتنين بيتخانقوا بعنف..
كان وش زياد مليان دم وسيف بدأ يظهر عليه آثار الضرب، لكن ولا واحد فيهم كان مستعد يوقف..
نزلت ثريا بسرعة، ووقفت قدام زياد وهي بتصرخ: سيب ابني!.
وقف زياد للحظة، وبصلها بغضب شديد..
قال: لسه يا حجة.. إنتِ ماشفتيش حاجة.. أنا لسه هعمل فيكي عمايل.. هخليكي تدخلي السجن زي الزب*الة..
اتجمدت ثريا مكانها من جرأته..
وقبل ما ترد، سيف ضرب زياد بقوة على خده وقال بغضب: بتكلم أمي بالطريقة دي؟.. أنا هوريك!.
بص له زياد، وضحك باستهزاء: تعالى يا ابن أمك..
اتعصب سيف أكتر، وكان هيندفع ناحيته، لكن زياد صد ضربته، ولفه بسرعة ناحية ضهره..
قال زياد بغضب:أنا هوريك..
ومسكه من رقبته وبدأ يضغط عليه بقوة..
بدأ سيف يحاول يفلت منه، لكن زياد كان مسيطر عليه تمامًا..
صرخت ثريا: يالهوي!.. سيب ابني!.
جريت عليه، وبدأت تضرب زياد بالشبشب على إيده وكتفه، لكنه ماكانش بيسمعها..
كل اللي كان شايفه قدامه هو منظر نرجس وهي منهارة، ووالدته وهي راقدة من غير حركة..
كل اما يفتكر اللي حصل، كان غضبه بيزيد..
قال زياد وهو بينهج: إنت مريض يا سيف.. اعترف.. إنت مريض نفسي!.
بدأ وش سيف يحمر، وأنفاسه بقت متقطعة، وحاول يضرب زياد بإيده من وراه، لكنه ماقدرش يوصله..
صرخت ثريا وهي بتعيط: سيبه يا ابني! هيموت في إيدك!.
وفي اللحظة دي، نزلت ياسمين بسرعة وقالت: زياد.. وقف! هيموت في إيدك!.
لكن زياد كان لسه ماسك سيف، والغضب كان مسيطر عليه تمامًا..
وفجأة.. بعد فترة قليلة أوي..
توقف زياد عن الحركة..
اتسعت عينيه بصدمة..
حس بألم حاد ومفاجئ في ظهره..
بص ببطء ناحية كتفه، ثم لف راسه للخلف..
واتجمد مكانه..
كانت ثريا واقفة وراه، وإيدها ماسكة السكينة..
والسكينة كانت مغروسة في ظهره..
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
