رواية حتي يجمعنا القدر الخاتمة الثانية
حين تكثر الوجوه والمصادفات التي حملت لنا لقاء غير متوقع، وأبحر الخيال بنسيج من الأحلام دون أن ندرك أن للزمان رأي آخر، نحن من كنا غريبين جمعتهما الصدفة، كان القدر له مخطط أعمق، ليثبت لنا أن بعض اللقاءات لم تخضع يومًا لمحض الصدفة، بل كانت موعد مكتوب منذ البداية.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي...
تحت أنظار كل تلك العيون التي تشاهد إنهيار هذا المحل بدون تصديق لصدمته بوداع مبكر لمالكة قلبه، إلتزمت "نسرين" الصمت والمراقبة من بعيد، بينما أوشكا "سامح" و"كريم" بالإعتراف بكذبتهما إشفاقًا على هذا الباكي الحزين، لولا علمها بأن الخطة تسير وفق ما خططا ما كانا تحملا حزن "نور" لهذا الحد.
رفع "نور" وجهه المبلل بدموعه المتألمه، ليطلب منهما بأسى شديد:
- عـ...عاوز، اا... أشوفها.
ها هي خطوتهم التالية بدأت بالتنفيذ، لقد طلب "نور" رؤية "ليلى" لوداعها، أومأ "سامح" برفق ليشير تجاه الغرفة التي بالمقابل ليردف بهدوء:
- هنا، تعالى يا "نور".
إلتف "نور" برأسه ببطء يناظر باب الغرفة التي أشر "سامح" إليها بنظرات منهكة، يتمنى لو لم تكن لتلك الغرفة وجود، أو أن ما يمر به مجرد كابوس سوف يستيقظ منه بعد قليل، فتح "سامح" باب الغرفة لينهض "نور" بتريث وتراجع بخطواته، لكنه تقدم بالنهاية نحو الداخل، فما سيجده لهو نهاية كل ما يعطي لحياته معنى ووجود، لكن عليه رؤيتها ووداعها، فإن لم يسمح لهم القدر بالتلاقي، فليسمح لهم بلحظة وداع.
بقلم رشا روميه
غرفة باهتة وسكون خانق، سرير بمنتصف الغرفة تستلقي عليه "ليلى" بلا حراك، مغطاة بشرشف أبيض يقبض الأنفاس، هل منع حتى من رؤية وجهها بآخر اللحظات، هي من كانت شمس ينير كون حياته، إنطفأت فجأة إلى الأبد!!!
تقدم بخطوات بطيئة نحو الفراش، تشتت كل أفكاره، وتناثر ذكائه وسرعة بديهته أدراج الرياح، ولم يفكر إلا بـ"ليلى" الساكنة، وفقدانها المؤلم، أيغمض عيناه عن رؤيتها، أم يفتحهما للقاء أخير قبل الوداع، إحساس تملكه بأن الدنيا قد أغلقت بابها الوحيد بوجهه، لتنهار قواه أمام هول هذا المشهد، إرتكز بركبتيه جاثيًا بالأرض إلى جوار الفراش، لتتعالى شهقاته الموجعة، تاركًا العنان لكلماته التي إنسابت بعفوية ليخرج مشاعره التي أخفاها عن الجميع ولم يظهر منها إلا القليل:
- آآآآه يا حبيبتي، كان نفسي تسامحيني، وتعرفي اني عمري ما كنت أفكر أأذيكِ أبدًا، ده إنتِ كنتِ الروح اللي جوه جسمي، ااه يا قلبي، يا ريت كنت أنا اللي مكانك، يا ريت كان أقدر أديكِ عمري وحياتي فداكِ يا نور عيني، أنا حبيتك أوي يا "ليلى"، مكنتش عارف اني بحبك بالشكل ده، سامحيني، سامحيني يا أغلى من روحي، أنا حفضل أحبك لآخر يوم في عمري، قوليلي إزاي بس حقدر أعيش حياتي وإنتِ مش فيها؟!! ده أنا معرفتش أكمل يوم واحد وإنتِ مش معايا فيه، حكمل بقية عمري وإنتِ مش معايا إزاي!!!! وحشتيني أوي، اااه لو تعرفي بحبك قد إيه يا "ليلى"، إنتِ فهمتي الموضوع غلط، ظلمتيني ومدتنيش فرصه أقولك، تقومي تسيبيني وتمشي قبل ما أفهمك، ينفع تسيبيني قبل ما أقولك الحقيقه، وأقولك بحبك أوي ومقدرش أعيش من غيرك ولو لحظه واحده.
أنهى عباراته بإختناق شديد وزاد بكائه كدة، ليفاجئ بصوت يأتي من خلفه يُحدثه، صوت يدركه تمامًا بل يحفظ نغمته عن ظهر قلب، إنه صوتها لا شك في ذلك، حين همست بنعومتها المثالية:
- وأنا كمان بحبك يا "نور".
إلتفت "نور" بدهشة صادمة ليجد "ليلى" تقف قباله، وجهها المتلألئ كقطعة من الألماس، غائرتيها السوداوتين، هدوئها القاتل وإبتسامتها التي خطفت أنفاسه منذ لحظتها الأولى، مشاعر متضاربة هزت كيانه، فهي حية تقف أمامه بقدميها، ليهتف بأعين متفاجئة:
- "ليلى"!!!!!!!!
- أيوه.
تقدم "نور" نحوها ببضعة خطوات، ليشير تجاه باب الغرفة بدون إدراك للخديعة التي تعرض لها:
- بس دول قالوا لي إنك، ااا....
إبتسمت "ليلى" بخفة وهي تعقد ذراعيها بإدراك لخطة "سامح" و"كريم" التي وقعت بها أيضًا:
- الظاهر إن أصحابك عملوا خطه علينا إحنا الإتنين، لأنهم قالوا لي إنك إنت كمان عملت حادثه، وأنا جيت بسرعه عشان أطمن عليك، إتفاجئت بيك وبكلامك دلوقتِ، شوفت صدق كلامك وحبك ليا.
لا يهم إن كانت خطة أم لا، فكل ما يهم الآن أنها أمامه، دون أن يصيبها سوء، وأن الفرصة أُتيحت له لتوضيح سوء الفهم وتبرير سقوطه بخطأ واحد وهو تصديق "نسرين"، إنها أمامه والقدر سنح له بأن يقدم أسبابه ولن يتراجع هذه المرة، ليكمل إعترافه بنبرة مشتاقة لوجودها:
- والله بحبك، وربنا يشهد عليا، والله أنا عمري ما ضحكت عليكِ ولا خدعتك، "نسرين" هي السبب في كل اللي حصل، حتى مكالمتها ليكِ مقالتش الحقيقه، أنا غلطان عشان مقولتش كل حاجه من البدايه، لكن أنا لا بخدعك ولا بكدب عليكِ، وبحبك بجد من كل قلبي، ولا يمكن غيرك يسكن جواه.
دلفت بخطواتها الرشيقة تناظر كلاهما بنظرات عميقة غير مفهومة، تطلعت "نسرين" بوجه "ليلى" قليلًا، ثم عادت بأنظارها تجاه "نور" الذي قطب حاجبيه بإستغراب لرؤيتها هنا بالمستشفى، وبهذه اللحظة خاصة، فيبدو أن القدر مازال يطيح بكل أمنية حاول الإقتراب منها، وأن "نسرين" جاءت اليوم لتبث سمومها مرة أخرى وتفسد ما يحاول إصلاحه.
لكن "نور" لن يترك لها تلك الفرصة لتهنأ بتخريب حياته، سبتشبث بـ"ليلى" ويحارب من أجلها ومن أجل حبها، لن يتراجع هذه المرة كما حدث بالسابق، ليهتف بإنفعال حانق:
- إنتِ!!!!! جايه هنا ليه يا "نسرين"؟ مش كفايه اللي عملتيه!!!!!
بعدما طالت "نسرين" بنظراتها تجاه "نور"، وجهت كلامها لـ"ليلى" مباشرة قائلة:
- أنا جايه أقول لـ"ليلى" حاجه مهمه.
حاول "نور" دفعها للصمت، فيكفيه ما فعلته:
- نسرين اا....
قاطعته "نسرين" بقوة:
- إستنى يا "نور"، شوفي يا "ليلى"، أنا عايزه أقولك الحقيقه، اللي بيقولك عليه "نور" ده، هو اللي حصل فعلًا، أنا اللي خططت لكل حاجه وهو مالهوش ذنب، لما عرف باللي أنا كنت ناويه عليه، سابني وفسخ الخطوبه وسافر، ولما كلمتك كنت فاكره إن كده "نور" ممكن يرجع لي تاني، وكنت بحاول أبعدك عنه بأي شكل.
بقلم رشا روميه
لم تكن "ليلى" بالساذجة التي تصدق كل ما يقال لها بهذه السهولة، لتتسائل بشك:
-وإنت جايه ليه دلوقتِ بالذات عشان تقوليلي كده؟!!!
بعض الدروس تأتي متأخرة لتفيق صاحبها من غفلته وتجعله يقيم الأمور بشكل صحيح، ويحاول التكفير عن أخطائه ويعيد ما يستحق لمساره الطبيعي، إرتياب "ليلى" بها لهو أمر طبيعي للغاية، لكن "نسرين" حاولت وسط إختناقها وحزنها لفقدان "نور" إلى الأبد بعدما ستقوله الآن:
- أنا وقعت في مشكله كبيره أوي، حسستني إني خسرت "نور" بغبائي، وقتها ملقتش حل غير إني أقولك كده عشان ألاقي فرصه يرجع لي فيها، بس لما عرفت إنك كنتِ بتدوري عليا عشان تديني حقي، حسيت قد إيه إنتِ إنسانه، وأنا اللي صغيره أوي أوي قدامك، حاولت أأذيكِ في الوقت اللي إنتِ كنتِ بتدوري فيه عليا عشان ترجعيلي حقي إللي ضايع، حسيت بغلطي وقولت لازم أرد لك الجميل وأكفر عن غلطتي إللي فرقتكم عن بعض، ولما أصحاب "نور" كلموني جيت على طول عشان أقولك الحقيقه، وإنك فعلًا ظلمتي "نور"، وأنا اللي كذبت عليكِ.
إعتراف متأخر، لكن حين يحين القدر تفتح كل الأبواب المغلقة، وتظهر تفاصيل الحقيقة، حتى لو كانت بألسنة من تظن أن لا خير ولا صدق لهم، حقيقة ظهرت للجميع حتى هؤلاء من وقفوا بباب الغرفة يتابعون هذا الإعتراف، حيث وقف "كريم" بصمت يتابع ما يحدث، كذلك "سامح" و"فرح" التي إنضمت لهم بعد أن أرسل "سامح" لها رسالة لتحضر هذا اللقاء الذي سيجمع بينهم جميعًا.
بقلم رشا روميه
دار "نور" بعينيه بين كل الحضور، لم ينظر نحوهم بعين الفضول، بل بعين أخوة وأحبة يبحثون عن سعادته، فهل كرس كل هؤلاء وقتهم وتفكيرهم ليعدوا خطة ليعيدوا البسمة لوجهه، والراحة لقلبه، فكم هو محظوظ اليوم.
نظر نحو "سامح" وتلك الشقية التي تتعلق بذراعه تشاهد المشهد من بعيد، تلك التي سرقت قلب صديقه بمحبتها كما أخبره، وبين "نسرين" و"ليلى" اللاتي وقفا يفتحن قلوبهن بصراحة لأجل أن يزال هذا الظن السيء، حتى مع خسارة "نسرين" له، إلا أنها فضلت الإعتراف بأفعالها بعدما تعلمت الدرس القاسي كما قالت، ثم توقف بصره تجاه "كريم"، فإن كان له حظ سعيد بأن يلتقي بحبيبته وتتفهم كل شيء بوضوح، إلا أنه حظي بأخ وفي، فضله على نفسه وعمله الذي قطعه من أجله ليسافر بهذه الرحلة الطويلة والتضحية بكل شيء للحفاظ على صداقتهم التي لا يماثلها أي شيء آخر.
إبتسم "نور" لـ"كريم" بإمتنان، ليس لحل الأمر، بل لوجوده بحياته، فهو نعم الأخ والسند والرفيق، لقد أحسن الإختيار، وآلف القدر بين قلوب ثلاثتهم حقًا.
رد "كريم" ببسمة تجاه "نور"، الذي سعد برؤية إبتسامته تشرق بوجهه من جديد، إلتف "نور" قليلًا ليُحدث "ليلى" حين وقعت عيناه على السرير الموجود بالغرفة، فـ"ليلى" جاءت من الباب، فمن مازال نائمًا ومغطى بهذا الشرشف الأبيض.
عقد حاحباه بقوة وهو يشير تجاه السرير متسائلًا بإستغراب:
- الله، إنتِ واقفه قدامي أهو يا "ليلى" وكويسه، أمال مين إللي نايم هناك؟!!!!!!
ضحك "كريم" بقهقة عالية، فقد إنتبه "نور" أخيرًا للعالم من حوله، ليهتف بطريقته الشقية:
- ياااااه يا راجل، أخيرًا أخدت بالك وشغلت الماكينه اللي كانت قربت تصدي جوه دماغك دي، إتفضل يا سيدي.
دنا "كريم" من الفراش ليزيح الشرشف من فوق وجه تلك النائمة وهو ينظر نحو وجوه الجميع بتلذذ لرؤية تلك الصدمة والدهشة بعيونهم، بينما قال بخيلاء كعادته:
- أحب أعرفكم على "لارين"، أو "لالي"، خطيبتي.
قالها وهو يتابع عيونهم المصدومة، لبث الجميع يحدقون لبعض الوقت بصمت، حتى بدأ "نور" بالتساؤل:
- إيه ده؟!! دي إنتِ بالضبط يا "ليلى"، مفيش فرق بينكم خالص!!!!!!
أخذت "ليلى" تطالع "لارين" بتمعن وسط دهشتها من تطابق ملامحها معها بشكل مذهل، تمامًا لو كانت تنظر بالمرآة، لكن يفرق بينهم إرتداء "لارين" لتلك الألوان الصارخة من الأزرق الزاهي والأصفر.
صدمة جعلتها تصمت تمامًا، بينما همست "نسرين" بصوت مسموع:
- دول كأنهم توأم!!!!!!
قفزت "فرح" إلى جوار "لارين" بحماس قائلة:
- هم فعلًا توأم.
كلمة زادت من إندهاش الجميع، وصدمة لا تصدق لـ"ليلى"، فقد فغرت فاها وهي توزع نظراتها نحو كلًا من "فرح" و"لالي" بعدم فهم، فكيف يكون لها أخت توأم ولا تعلم بوجودها شيئًا، حتى والدها لم يخبرها بهذا الأمر.
عقدت "ليلى" جبهتها بقوة وهي تعيد كلمة "فرح" بإستغراب شديد وعدم تصديق:
- توأم!!!! إزاي يعني؟! أنا ولا ليا إخوات توأم، ولا إخوات من أصله، أنا أمي ماتت وهي بتولدني.
هنا جاء دور "فرح" بالإيضاح، لكنها بدأت بتعريف نفسها أولًا:
- الأول، أنا "فرح الصعيدي"، خطيبة "سامح"، أنا فاهمه كويس صدمتك وإنك مش مصدقه، أنا عايزه أقولك إني طول عمري عايشه في السويس مع ماما، وجينا هنا من كام شهر بس، وفي الطريق عملنا حادثه، ماما إتوفت، وأنا فقدت الذاكره، ولما رجعت لي إفتكرت السبب اللي خلانا نيجي مخصوص، السبب هو إنتِ يا "ليلى"، وعم "عزت" الله يرحمه.
- أنا!!!! إزاي؟!!
- أقولك، من سنين طويله اوي والدتي الله يرحمها بقى، ويسامحها على اللي هي عملته، كانت بتشتغل ممرضه في المستشفى العام، ولما كانت مامتك يا "ليلى" بتولدك كانت هي الممرضه المسؤوله عنها، وقتها مامتك كانت تعبانه أوي وخلاص بتموت، الدكتوره اللي كانت بتولد مامتك مكنتش بتخلف فإتفقت مع ماما انها تاخد واحده منكم تربيها، ساعتها ماما مبلغتش حد ولا حتى والدك أنها خلفت بنتين توأم، وقتها ادت والدتي مبلغ كبير أوي مقابل انها تسكت وتسيب البلد وتمشي ومتبلغش حد.
طأطأة "فرح" رأسها بتأثر من ذنب إقترفته والدتها، وكانت تتمنى أن تصلح ذلك قبل وفاتها، لكن لكل شيء قدر، أكملت توضح أسباب والدتها الواهية:
- للأسف والدتي كانت محتاجه الفلوس دي وإضطرت تاخدها، سافرنا وعشنا في السويس، بس ماما ندمت أوي أوي، وكانت بتدعي ربنا يغفر لها، الدكتوره اللي أخذت اختك سافرت بره مصر ومعاها "لارين"، أنا لما عرفت من ماما الحقيقه جبت ماما وجينا على طول نقابل باباكِ ونبلغه مع إننا مش عارفين مكان أختك فين، بس كان لازم نبلغه وماما تخلص ضميرها من ربنا، بس حصلت الحادثه وفقدت الذاكره زي ما قولت لك.
وقفت "لارين" بشموخ يناهز رفعة "ليلى"، بل يزيدها جرئتها وإقدامها، حتى إبتسامتها التي تشبه إبتسامة "ليلى"، لكن يبدو أنها تتمتع بشخصية قوية جريئة صارخة كألوان ملابسها، رفعت رأسها كصورة طبق الأصل من أختها وهي تناظر الجميع رغم كونهم أغراب عنها، إلا أنها تعاملت معهم كما لو أن لها معرفة سابقة بكل منهم، لم تخشى أحد أو تنتظر للتعرف عليهم أو على شخصياتهم، حتى برقدتها منذ قليل، وافقت بلا نقاش على خوض تلك الخطة بحماس وإقدام غريب، كشخصيتها التي تعشق التحدي، ولا تهاب الأفكار الجديدة والغريبة.
إقتحمت حديثهم كما لو أنها تعرفهم جيدًا:
- بس أنا بقى مامتي حكت لي كل إللي حصل بالتفصيل، إعترفت لي من زمان إن ليا عيله وأخت توأم، إحنا سافرنا ألمانيا من زمان أوي، ومكنتش أعرف أهلي الحقيقين، وبجد كنت بتمنى فعلًا آلاقي أختي ونتجمع تانى مع بعض، أنا يمكن زعلت من مامتي إنها مش ماما الحقيقيه، وإنها متعرفش مين أهلي ومين أختي، بس برضه حبيتها، هي اللي ربتني وبتحبني أوي.
جلست لتضع ساقيها فوق الأخرى بحركة قوية مستكملة حديثها بإبتسامة عريضة وهي تبسط كفها تجاه "كريم" الذي أقبل واضعًا كفه يضم كفها مشاركًا إياها تلك اللحظة:
- الصدفه الحلوه جمعتني مع "كريم" في المستشفى وأنا بوصل واحده صاحبتي هناك، عجبتني طريقته وجرأته، عجبني كلمته لما كان بيعاكسني ويقولي -"حاجه كريز خالـــــــــص"- (ثم نظرت بمحبة تجاه "كريم" لتستكمل) فاكر يا "كيمو"؟ طريقته ضحكتني ومن ساعتها وقربنا من بعض أوي، شهور وإحنا بنتكلم مع بعض، ده أنا حتى سافرت له أنا وماما في المؤتمر وإتقابلنا كتير، ويوم خطوبتنا، اليوم إللي تعب فيه "نور" ومشي، عشان إفتكرتي إنتِ (قالتها وهي تغمز بعينيها تجاه "ليلى" ثم أكملت) ولما "كريم" كلمني وفهمني عرفت على طول إن أختي هنا، وجيت على طول عشان أقابلك وأشوفك.
دق قلب "ليلى" بقوة، فطالما كانت تشعر بأن هناك شيء كبير ينقصها، لكنها لم تكن تتخيل أن يكون ما تبحث عنه هو أختها شقيقتها التوأم.
تقدمت "ليلى" بتلهف تجاه أختها لتتعانقا عناق حار، حين قفزت "لالي" من جلستها لتستكين بين أحضان أختها، ليكتمل نصفي القمر، إحساس دومًا بالنقصان إكتمل الآن، جزء ما تخبئ بداخل كل منهما لسنوات تلاقى مع مثيله اليوم، إحساس قوي بالألفة كما لو كانتا تعرفان بعضهن البعض منذ نعومة أظافرهن.
هل دار بهم القدر كل تلك الرحلة الشاقة، ما بين مرض والدها بعد الحادث وتخطيط "نسرين" لتتقابل مع "نور"، ثم يدفعها القدر بتدبيره للسفر لألمانيا حيث تتواجد أختها الوحيدة، من ثم غضبها من "نور" وإختفائها عنه، ليظن أن "لالي" هي نفسها "ليلى"، ليعود بهم القدر لوطنهم ويتجمع الجميع بخطة تجمع بينهم، لتتلاقى الأختين بصدفة غريبة، فما كان اللقاء مجرد صدفة بل هو موعد مكتوب منذ البداية.
بقلم رشا روميه
وقف "نور" بحيرة شديدة يحاول فهم ما حدث، فلم تكن "ليلى" خطيبة "كريم"، إنها "لالي"، إذن أين كانت "ليلى" طوال تلك المدة التي بحث عنها بها ولم يجدها، ليسأل "ليلى" بإستفهام:
- لما "لالي" هي خطيبة "كريم"، أمال إنتِ كنتِ فين؟! أنا دورت في كل مكان ومعرفتش أوصل لك؟
تمسكت "ليلى" بيد أختها لتلتف نحو "نور" تجيبه عن تساؤله:
- لما عرفت من "نسرين" إنها بنت عمي، وكنت وقتها مخنوقه منك جدًا، قررت أرجع مصر، عشان أنفذ وصية بابا، وأرجع لهم حقهم، وهنا قابلت "نسرين" ورجعت الحق لأصحابه.
عقب "سامح" لينهي كل التساؤلات التي قد تدور بخلدهم:
- لما عرفت من "نور" إللي حصل، وظنه إن "كريم" خطب "ليلى"، ربطت كلام "فرح" ليا عن سر والدتها وخطف أخت "ليلى"، وقولت ليه لأ، ليه متكونش دي مش "ليلى"، وتكون الصدفه جمعت "كريم" بأختها!!!! دورت أنا و"فرح" على "ليلى" هنا، وعرفنا إنها رجعت لبيت والدها، وفكرنا في الخطه دي عشان نجمع كل الأطراف وتبان الحقيقه كلها.
تطلعت "ليلى" بنظرة دارت بين الجميع لتعقب بصوتها الهادئ:
- ياااه، أخيرًا إتجمعنا كلنا، كل واحد فينا كان وحيد في دنيا لوحده، كل واحد فينا كان بيعيش حزنه وفرحه لوحده، بقينا أسره كبيرة مع بعض، إخوات وأصحاب، إستحملنا كتير وإستنينا كتير نتجمع كلنا بأحلى فرحه، إستنينا كتير، حتى يجمعنا القدر.
بعد مرور ثلاث سنوات..
شموع مشتعلة بمشهد رومانسي رقيق، تتناثرت من حولها بتلات الورود الحمراء لتكسبه رونق ذو طابع خاص، بليلة رومانسية حالمة.
وضعت "فرح" قالب من الكيك المزين باللون الأحمر والأبيض يمتلئ بالورود والقلوب بشكل مبهج للنفس، نظرت بشكل عام لكل التفاصيل لتطمئن أن كل ما تخليته لهذه الليلة المميزة مرتب بدقة، عادت لغرفة نومها تعدل من ترتيب خصلات شعرها الثائر وهي تطالع فستانها الأسود القصير بإعجاب، فحتى هيئتها كانت كما تخيلت تمامًا.
دقت الساعة السابعة لتتلهف "فرح" لموعد عودة "سامح" من المستشفى، فاليوم تنتهي مناوبته المسائية بهذا الوقت، وبالتأكيد سيصل بعد دقائق قليلة.
بقلم رشا روميه
خرجت لتنتظره بتلهف، سعيدة بما قامت بترتيبه منذ الصباح، وقفت قرابة باب الشقة في حماس وقد رُسمت على شفتيها بسمتها الشقية، فقد تخيلت رد فعله حين يفتح باب الشقة ويرى المفاجأة التي حضرتها له.
بموعد دقيق للغاية سمعت "فرح" صوت مفتاح الباب ليدق قلبها بسعادة، فقد جاء مالك القلب، رفعت يديها لتضم قبضتيها بحماس حين فُتح الباب، ليطل "سامح" بإبتسامته الرائعة والتي زادته وسامة، فمنذ دخولها حياته وقد حل الربيع وتفتحت الزهور دون أن يشعر، فمشاعر المحبة التي ملأت قلوبهم أخرجت من داخلهم نسخة أكثر جمالًا وإشراقًا عما قبل.
أغلق الباب من خلفه وهو ينظر تجاه تلك الحسناء التي تنتظره بحماس طفلة مبتهجة، ليخرج باقة ورد حمراء كبيرة من خلف ظهره قائلًا بنبرة محبة:
- كل سنه وإنتِ ماليه عليا حياتي يا "فرحتي".
أسرعت "فرح" نحوه بخطوات متعجلة لتفتح ذراعيها عن آخرهما لتحاوطه بعناق قوي وقد أغرورقت عيناها بدمعة سعيدة:
- إفتكرتك نسيت.
أحاطها بذراعيه بمحبة معقبًا ببعض الملامة:
- وهو ده يوم يتنسي، ده أحلى يوم في عمري كله، أنسى إزاي؟!! أنسى إنه عيد ميلادك!!! ولا أنسى إنه عيد جوازنا!!! ده يوم تاريخي، صعب يتنسي.
- حبيبي يا "سامح".
أهدلت ذراعيها لتقف قباله بسعادة، حين مد إليها يده بباقة الورد الأحمر، ليعيد مباركته لها لهذا اليوم المميز:
- كل سنه واحنا مع بعض يا "فرحتي".
- حلو أوي الورد ده.
أشارت "فرح" نحو ما نسقته من شموع وورود وقالب الكيك المزين قائلة بغمزة شقية:
- إيه رأيك بقى في الإحتفال بتاعي في يومنا الحلو ده؟
- المفروض يبقى الإحتفال ده كل يوم، لأن كل يوم معاكِ هو أحلى يوم.
دفعت ذراعها من خلف ظهره ليحيطها "سامح" بذراعه قبل أن يتحركا تجاه الطاولة التي وضع عليها قالب الكيك الذي توسطه رقم ثلاثة، فها هي مرت ثلاث سنوات من أجمل أيام العمر التي مرت على كلًا منهما، حياتهم كانت هادئة، محبة، تخطت حتى ما كونه خيالهما، فـ للواقع لذة تفوق الخيال.
جلسا حول المنضدة يناظران بعضهما البعض بتلك النظرات العاشقة التي لن تنطفئ، بينما أشارت "فرح" نحو لوحة كبيرة جمعت بها صورهم بأجمل اللحظات التي جمعتهما خلال تلك الثلاث سنوات قائلة:
- شوفت اللوحة دي، فيها كل أيامنا الحلوة اللي فاتت، ودي هديتي مش عارفه حتعجبك ولا لأ؟
قدمت له "فرح" صندوق ذو نقوش محفورة تبرز فخامته، ليفتحه "سامح" ومازالت تلك الإبتسامة معلقة على ثغره ليجد مجموعة من الهدايا تحمل أول حرف من إسمه بشكل بديع ومميز، لتهتف به "فرح" قائلة:
- عشان تفتكرني في كل وقت لما تلبس الساعه، و وإنت بتكتب بالقلم، و وإنت بتكتب ملاحظاتك، بص، حتلاقيني راشقه في كل تفاصيل حياتك.
ضحك "سامح" بخفة، ليجيبها بهيام:
- أصلًا إنتِ كل تفاصيل حياتي، إنتِ قدامي في كل حاجه بقولها أو بعملها، إنتِ لوحدك هديتي، إنتِ كفايه عليا، بس ده ميمنعش إن ذوقك هايل بجد، كفايه إنك مختاره كل حاجه بنفسك عشاني.
نظر حوله بنظرة متعجبة:
- هي الدنيا هاديه شويه، ولا أنا مش واخد بالي؟!!
ضحكت "فرح" هامسة بشقاوة:
- إنت بتسأل على "دهب"!!! أنا وديتها عند ماما "أسماء" عشان أعرف أخلص الديكور بتاعي.
طالت نظرته نحو حبيبته ليردف بالنهاية:
- طيب يلا قومي معايا عشان تاخدي هديتك اللي أنا محضرها لك من الصبح، بس الأول نروح ناخد "دهب" من عند ماما، وحشتني أوي.
أسرعت "فرح" قائلة بحماس:
- هوا.
دلفت بعجالة تبدل ملابسها فقد تحمست لمفاجأة "سامح" لها بذكرى يوم زواجهما، كما أنها أيضًا إشتاقت لطفلتهما الصغيرة "دهب"، التي تركتها مع والدة "سامح" حتى تستطيع ترتيب مفاجأتها لهذا اليوم المميز.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
شقة أسماء الحداد...
مجرد درجات سلم فرقت بين شقة "سامح"، وشقة والدته، فحين إقترب موعد زفافهم أصرت "أسماء" أن تكون لهما شقتهما الخاصة لينعما بالراحة والإستقلال، حتى لو كانت تسكن بنفس البيت.
بقلم رشا روميه
دق جرس الباب لتفتح "أسماء" وهي تحمل حفيدتها الصغيرة "دهب" ذات العام والنصف، كائن ملائكي رقيق للغاية ذات شعر أسود ناعم ووجه يسلب القلوب، تشبه "فرح" إلى حد كبير، تفاجئت بقدوم "سامح" و"فرح" بهذا الوقت، لتردف بتفاجؤ:
- إيه ده!!! خير؟!
نطقت الصغيرة بطريقة طفولية للغاية وهي تمد ذراعيها بقوة تجاه "سامح":
- بـــــا..بـــــا.
دنا منها "سامح" يداعبها بإشتياق وهو يحملها بين ذراعيه عن والدته قائلًا بلطافة:
- يا عيون بابا، يا قلب بابا.
أخذ يقبلها بوجنتيها التي تشبه حلوى القطن عدة مرات، فحياته تغيرت للمرة الثانية حين ولدت تلك الزهرة الصغيرة وملأت حياته بوجودها، فزادت الفرحة لوجود هؤلاء الثلاثة بحياته.
نظرت "أسماء" نحو "فرح" تنهرها بقلب أم حنون بينما همست بنبرة منخفضة:
- مش أنا قولت لك سيبيها معايا النهارده، إنبسطوا حبيبتي ده النهارده عيد جوازكم، إفرحوا وأخرجوا، متشيليش همها خالص.
دفعت "فرح" كتفيها للأعلى وهي تقلب شفتيها ناظرة نحو "سامح" الذي إنشغل بصغيرتهما قائلة بنبرة منخفضة:
- "سامح" اللي مُصر يا ماما، كمان "دهب" بقت شقيه اوي وبتتحرك كتير، حتتعبك.
إبتسمت "أسماء" بمحبة تجاه "فرح" وهي تربت على كتفها بحنان:
- ولو كانوا عشره، تعبهم راحه، ده أنا نفسي الدنيا دي تتملي ولاد وبنات، وهاتيهم بس عندي ومتشيليش هم أي حاجه.
قبلتها "فرح" بإمتنان، فهي محظوظة للغاية، فلم تحظى بزوج محب، عطوف القلب، صادق كـ"سامح"، بل رزقت بأم حنون عوضتها عن فقدان أمها، لم تتركها يومًا بدون مساعدة، إهتمت بها وبرعايتها، لم تتطفل على حياتها، بل كانت صديقة محبة تبذل كل طاقتها لتيسر حياتها وعملها وتربيتها لإبنتها.
أكملت "فرح" بإمتنان:
- ربنا يخليكِ ليا يا ماما.
تعمد "سامح" ألا يظهر سماعه لحديثهم، فهو سعيد للغاية بتفاهمهن وإهتمامهن لبعضهم البعض، ليستدير بالنهاية قائلًا:
- أقعدوا بقى حبوا في بعض وإنسوني أنا و"دهب"!!!
هتفت كلاهما:
- وهو إحنا نقدر.
قبل "سامح" جبين والدته قائلًا:
- ربنا يبارك لنا في عمرك يا ماما، ومنتحرمش من وجودك أبدًا، يلا بقى يا "فرحتي"، عايزك تشوفي المفاجأة.
أمسكت "أسماء" بالصغيرة تصر على بقائها:
- هاتولي حبيبة تيته دي، وإتكلوا إنتوا على الله، قضوا بقية اليوم وإفرحوا، وإطمنوا هي حتقعد معايا نسلي بعض.
نظر "سامح" نحو "فرح" بمعنى (هل هذا ما ترغبين به؟)، لتجيبه بنظرة متقبلة برضا (نعم، هيا بنا).
عاد "سامح" يحدث والدته:
- ماشي يا حبيبتي، لو إحتاجتي حاجه كلميني، يلا سلام.
أمسك "سامح" بكف "فرح" لتتشابك أصابعهم قبل أن يغادرا البيت وهو يقبل أطراف أصابعها قائلًا بهمس:
- نشوف المفاجأة ونتعشى بره، وبعد كده نرجع نكمل إحتفالنا في البيت.
أنهى عبارته بغمزة لطيفة لتتجاوب معه "فرح" بغمزة مماثلة:
- يا بنفسج يا بنفسجي إنت.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ألمانيا...
ليس هناك أجمل من صدفة إستطاعت تغيير ما كنت تظنه لن يتغير، تلك الصدقة التي جمعت بين "كريم" و"لالي" بلقاء غير مرتب ولكن مكتوب ومقدر، لقاء ولد به أول شرارة حب، كللت بطريق مستقيم بخطبة رائعة توهجت بها "لالي" بفستانها الأحمر، لكن ما زاد حُسنها حين إرتدت فستان زفافها الأبيض المتلألئ، لتخطف أنفاس "كريم" ويصبح أسيرًا للقاء أميرة أحلامه، لبداية صنع طريق جديد لم يكن يتخيله.
بقلم رشا روميه
فهذا الشاب الهوائي الغير مكترث الذي كان يحلق كالطائر المغرد بين الأغصان، إستقر بعشه الهادئ مع فتاة قوية كـ"لالي"، إستطاعت بوجودها وشخصيتها القوية أن تملأ كل فراغات حياته الهشة، وتصبح وحدها مالكة قلبه وفكره، إستقام "كريم" بشكل تعجب له هو بذاته، فلم ترى عيناه سواها، إستطاعت أن تجعله لا يفكر سوى بها فقط، حتى لو حاول، لم تقدر أي فتاة أخرى أن تنافسها بعد الآن، لتبقى وحيدته التي إستحوذت على قلبه برضاه.
إستقراره وبناء أسرة متفاهمة مع "لالي"، وإنتباهه لعمله وحياته معها، كان لهما أبلغ الأثر في تغيير شخصيته وصقلها خلال الثلاث سنوات الماضية، ليصبح شخص عملي للغاية، محدد لأهدافه، وذكي بالفطرة.
دفعت "لالي" خصلات شعرها الأسود بكفها للخلف بحركتها التي تثير هذا العاشق من خلفها، لتستدير بدلال قائلة:
- ها يا "كيمو"، أظن كده مش ناقص حاجه، أنا قفلت كل الشنط عشان السفر، أقوم أنا أنام بقى.
قالتها بدلال وشقاوة لم يقوى "كريم" على تحملهما، لينتفض نحوها معترضًا طريقها:
- هو إيه إللي (أقوم أنام)، مفيش نوم، فيه "كيمو".
عقدت "لالي" ذراعيها أمام صدرها بتحدي، رغم نظرات الدلال التي مازالت تتعلق بأهداب عيناها السوداء، فلقد أصبحت خبيرة بالتلاعب بهذا الشاب، الذي جعلته يتخلى عن شقاوته ومعاكسة الفتيات لأجلها، فلقد ملكت تفكيره وملأت كل الثغرات بعقله حتى أصبحت وحدها من تمتلكه، كما لو كانت تروض المشاكس، نظرت بقوة بعينيه قائلة:
- أيوه حنام، يا بتاع الكريـــــــــز!!!
إتسعت عيناه بشقاوة وهو يستمر بإعتراض طريقها، فلن يتركها الآن، فكم يشتاق لها، ليبرر فعله طالبًا رضاها:
- والله يا "لالي"، إنتِ فهمتي غلط، أنا و"هيلدا" زمايل وبس، وخلاص أهو، خلصنا كل حاجه وراجعين مصر، وبعدين تعاليلي هنا، هو فيه كريز، زيك إنت يا فراولة.
رفعت "لالي" حاجبها بتحدي وهي تزيد من نظراتها حدة دون الحياد عن عيناه، لتعقب بقوة:
- "كيمـــــــو"، مش أنا إللي يتضحك عليا بكلمتين حلوين، أنا "لالي" برضه، جيب من الآخر وقولي، كنت واقف هناك معاها بتعمل إيه بعد ما سلمت الورق وخلصت شغل نهائي في المستشفى؟!!!
زادت إبتسامته الجذابة إتساعًا، فهو يعشقها غيورة قوية، لا يريدها أن تتغير، بل سيصبح هو مصدر ثقتها وأمانها لأجلها، ليردف بطريقته الشقية الممزوجة بعشق كموج البحر:
- أنا!!!!! أنا أضحك عليكِ، ده إنت اللي دوختي الست الوالدة!!!!!! يا "لالي"، أنا بقيت زي العيل الصغير في حصة الحساب، لا هو عارف يطرح ولا يجمع، وبعدين أنا خلاص عيني مبقتش تشوف غيرك، بجد، معرفش عملتي فيا إيه، بقى كل الكريز طماطم، وإنت لوحدك فراولة يا مسكره.
رفعت حاجبيها بتعجب من مغازلته التي لا تخلو من الخضروات والفواكه:
- محسسني دايمًا إنك بياع في سوق الخضار، إنت مش دكتور يا إبني ولا إيه!!!!!!
تعالت ضحكته المقهقهة قائلًا بغمزة شقية:
- إعتبريني بياع جمله في سوق العبور، ده أنا حتى عندي طلبية مانجا عايزه تتحمل.
أنهي عبارته وهو يحملها مباغتًا إياها:
- توكالنا وإعتمادنا عليك يا رب، بسم الله.
ضحكت "لالي" ضحكة قوية ذات بحة مميزة بها زادت من إثارة "كريم" قائلة:
- بس يا "كيمو" نزلني بقولك، حد يشيل قفص المانجا كده.
تمتعها بروحها المازحة ضافت توافق كبير بينها وبين "كريم" الذي يزداد عشقًا لها بكل يوم، ليردف أثناء حملها لغرفتهما الخاصة:
- أحبك يا كوكتيل حياتي.
إبتسمت "لالي" بدلال، فلا تريد سوى مناوشته لترى محبته التي لا مثيل لها، ليقضيا ليلتهما المحبة، ويتخذا قدرًا من الراحة ففي الغد سفرتهم الأخيرة وعودتهم لأرض الوطن للإستقرار بمصر بشكل نهائي بعد إنتهاء بعثة "كريم" وتفضيل "لالي" ببقائها إلى جوار "ليلى" أختها الوحيدة.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
وقفت "فرح" بإستغراب شديد لوجودها بهذا الحي الذي أحضرها إليه "سامح"، لتعقد جبهتها متسائلة بعدم فهم:
- هو إحنا جايين هنا ليه يا "سامح"؟
أجابها بدون توضيح:
- عشان مفاجأة عيد جوازنا.
نظرت حولها بتعجب، فالحي عبارة عن بنايات حديثة متعددة، كمنطقة تحتوي على العديد من المكاتب والشركات، ليس بها مثلًا مطعم فاخر، أو مكان يقضيان فيه إحتفالهما، أو حتى فندق ما، إلتفت حولها بإستغراب لتهمس بمزاح:
- متأكد!!!! شكلك توهت وحتوهني معاك!!!
أجابها بإبتسامته الهادئة:
- تعالي بس وإنتِ تعرفي.
أشار لها نحو مدخل لبناية ظريفة يدعوها للدخول:
- تعالي من هنا.
- ااااه، إنت خاطفني بقى.
قالتها وهي ترافقه نحو الداخل ليصعدا للدور الأول، ممر قصير سارت به "فرح" برفقة "سامح" ثم وقفت مشدوهة بأعين متسعة من شدة المفاجأة، فغرت فاها بعدم تصديق لما تراه أعينها، إلتفت ببطء نحو "سامح" لتخرج كلماتها بجدية تامة:
- هو اللي أنا شايفاه ده حقيقي يا "سامح"؟!!!
أمسك "سامح" بكفها لتخطو خطواتها نحو الأمام قائلًا:
- حقيقي يا قلب "سامح"، مبروك عليكِ حبيبتي.
نعم ساندها كثيرًا خلال السنوات الماضية، لم يتغير بعد زواجهم ويصر بأن تنسى حلمها وتحقيق ذاتها بعملها، بل كان داعم لها بشكل كبير بأن تستمر، لكن فترة حملها بـ"دهب" كانت صعبة للغاية، مرت بكرم من الله ومساندته هو ووالدته لها، لكنها خسرت عملها بالشركة لإنقطاعها بسبب حملها الغير مستقر، وحين بدأت عمل جديد لم يكن كما كانت تتمنى.
لكنه اليوم يتخطى كونه زوج متفاهم أو مساند ببعض الظروف المختلفة، لقد أصبح هو من يدفعها لتحقيق حلم حلمت به لفترة طويلة وظنت أنه لا يتعدى كونه خيال.
وقفت غير مصدقة لما تراه، لافتة مضيئة مبهرة للغاية كُتب عليها "شركة فرح الصعيدي للشحن"، لقد أسس لها شركة صغيرة خاصة بها كما كانت تحلم، لقد أهداها اليوم هدية أعظم من تكلفة ومال، لقد أهداها حبه العميق وإهتمامه بأدق التفاصيل التي تحبها وتحلم بها، لقد بذل الجهد والوقت والتفكير والمال أيضًا ليسعدها اليوم.
أغرورقت عيناها بالدموع لتتشبث بذراعه تعبيرًا عن محبتها وإمتنانها لوجوده بحياتها، ليرافقها "سامح" نحو الداخل لترى ترتيب وتجهيز المكتب وقد وضع إسمها بشكل مبهج باللون الأبيض والأخضر الفاتح، كنبتة رقيقة تحيا وتترعرع بحياة ما كانت لتعيشها إلا بعد أن جمعها القدر به.
- ده مكتبك، عشان تحققي حلمك ويكبر إسمك، من غير ما تحتاجي تشتغلي عند حد، إيه رأيك؟
- رأيي!!!! "سامح" إنت عملت إللي عمري ما كنت أتخيل إني أعمله، إنت بتحقق لي أحلامي كلها، من يوم ما عرفتك وانت خليت لحياتي قيمه كبيره أوي.
تطلع بعينيها بإمتنان أيضًا:
- بس إنتِ متعرفيش انك كل حياتي، واللي بعمله ده يعتبر ولا حاجه قصاد اللي قدمتيه ليا وإنتِ مش واخده بالك، أنا بجد محظوظ إني قابلتك صدفه، وكنتِ قدري ونصيبي الحلو في الدنيا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بعد إنتصاف اليوم التالي، حين توسطت الشمس بأشعتها المتوهجة السماء، خرجت "فردوس" من المطبخ بعد أن إنتهت من تسخين الطعام الذي قامت "زهرة" بطهيه مساء الأمس حتى لا ترهقها بالوقوف بالمطبخ.
نظرت "فردوس" لمؤشر الساعة بتلهف:
- الساعة قربت على أربعه، زمانهم راجعين.
إعتدل "زاهر" بجلسته وهو يخلع نظارته الطبية الخاصة بالقراءة لينظر نحو الساعة أيضًا مردفًا بإبتهاج:
- اه صحيح
تنهدت "فردوس" وهي تجلس إلى جوار زوجها تتذكر كيف أن بعد زواج "محمود" من "زهرة" تبدلت أحوال ولدها، فقد أصبح شخص مفعم بالحيوية والعطاء الحقيقي، فقد توجت "زهرة" روحه بسعادة لم يحظى بها من قبل، تلك السعادة التي جعلته مقبل على الحياة، محب لأسرته بشكل متفاني، خاصة تلك القنوعة التي لا تطلب شيئًا، فهي ترى أن تلك الحياة الهادئة السعيدة تكفيها، لكن "محمود" أراد أن يزيدها بكل ما كانت تحلم به، وما لم تحلم به، لقد أصبح يقحمها بأحلام لم تجرؤ يومًا على أن تفكر به.
خلال الثلاث سنوات قام "محمود" بتغير شقتهم بشكل تام، فقد جعلها تضم شقته وشقة "أنور" كطابقين بشقة واحدة ولها سلم داخلي كـ فيلا بسيطة داخل البيت، ثم أعاد تأثيثها بالكامل بشكل فخم، وقد أصر أن تختار "زهرة" كل أثاثها بنفسها لتصبح مملكتها الخاصة تناسب ذوقها.
تمتمت "فردوس" بمحبة:
- ربنا يسعدكم يا ولادي، ودايما اشوفكم فرحانين.
عقب "زاهر":
- آمين.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
روضة الزهور....
وقفت إحدى المشرفات تشعر بالخجل من خطئها الغير مقصود أمام مديرة الروضة حين إنتبهت لهذا الخطأ لتلومها على ذلك، فرغم طيبة قلبها إلا أنها قوية، حازمة، لا تتهاون بالأخطاء حرصًا على هؤلاء الأطفال ورعايتهم.
طأطأت الفتاة رأسها بخزي قائلة:
- والله حضرتك دي آخر مره، أوعدك حكون منتبهه أكتر من كده.
وقفت "زهرة" من خلف مكتبها لتعقب بحزم لكن مع بعض اللين الذي لم يتركها:
- إنتباهك يعني سلامة الولاد دول، دول أمانه في رقبتنا، الغلطه الواحده مننا تأذيهم، لو سمحتي يا مس "داليا"، تكوني حريصه أكتر وإنتِ بتتعاملي مع الأطفال الصغيرين دول، ودي تاني مره بنبهك فيها، بعد كده متزعليش مني لو مكانك بقى مش معانا.
- والله ما تقلقي يا مدام "زهرة"، آخر مره والله وحتشوفي.
أومأت "زهرة" بخفة لتنصرف المشرفة فقد إنتهى وقت العمل وإنصرف جميع العاملين بالروضة، جلست "زهرة" مرة أخرى على المقعد المخصص لها بمكتبها بالروضة، ليمر شريط ذكرياتها عن الثلاث سنوات الماضية أمام أعينها وقد رُسمت إبتسامة رضا على وجهها.
بقلم رشا روميه
فبعد زواجها من "محمود"، الذي ظنت أن لا حلم ولا غاية ستكون أكبر مما حصلت عليه بوجوده بحياتها، لكنه دفعها رغمًا عنها لتغوص بعالم الأحلام، أن تتعمق بذاتها، وتتسع أحلامها وحياتها برفقته، هو بالفعل أحبها لدرجة لا يمكن وصفها، لكن ضعفها هو ما كان يحول بينها وبين السعادة، فليس الرضا والرضوخ نوع من القناعة، فشتان بين كلاهما.
ضعفها بتقبل "أنور" على أذيته لها، قبولها للزواج من أخيه مجبرة، ورضوخها لطمع والدها وزوجته، إحساسها الدائم بالذنب، وقلة حيلتها، كان كل ذلك بسبب ضعفها وشعورها بأنها لا يمكنها سوى القبول حتى ولو كانت تبغض ذلك وترفضه، لهذا كان على "محمود" حين بدأ حياته معها أن يجعلها تشعر بالإطمئنان والأمان، وألا يكون أي شخص هو المسؤول عن ذلك، بل يجب أن تتحلى بالقوة لفرض كلمة (لا) حين ترفض، وكلمة (نعم) إن أرادت ذلك.
لن يشعر "محمود" بأنها ترغب بالفعل بوجودها بحياته، ووجوده بحياتها وهي تشعر بالإحتياج، فعليه أن يدفعها لأن تختاره بيقين وحب من داخلها، ليس لمجرد أنه أفضل إختيار موجود، لهذا دفعها بالإلتحاق أولًا بحلقات من المعالجة النفسية، ودروس للتنمية البشرية، لم يكتفي بذلك، بل ألحقها بدورة خاصة لتعلم الإدارة الناجحة.
شهور طويلة إجتازت بهم "زهرة" كل تلك الخطوات بنجاح، لتتبدل شخصيتها من الضعف والخنوع، لقوة وحرية، أصبح لها أمانها المستقل وحرية في الإختيار والرد، لاحظ الجميع هذا التطور الرائع بشخصيتها، فمع تحليها بشخصية قوية أصبحت أكثر بهجة وسعادة، تلك الأثقال التي ألقتها عن عاتقها وعدم فرض أحدهم سلطته عليها، شعرت كما لو أنها طائر مقيد الأجنحة قد أُعطي له حريته للتو، ليرفرف بجناحيه بألم قبل أن ينطلق يطوف السماء محلقًا، يتنفس نسيم الحرية الذي حُرم منه لسنوات طويلة.
جفلت "زهرة" بعينيها وهي تتذكر كيف ساندها "محمود" حتى أصبحت "زهرة" جديدة، "زهرة" قوية لا تتأثر ولا تضعف، لها شخصية مستقلة، لا تحتاج لمن يعولها أو يفرض رأيه عليها، ليكلل ذلك بإفتتاح تلك الروضة الخاصة بالأطفال بمالها الخاص الذي كان يحفظه لها من ميراثها من "أنور"، لتصبح لها إستقلالية مادية يجعلها تشعر بقوة أخرى، قوة تمنحها صفاء إختيار ما يحلو لها من حياة دون ضغوط، فهو يدرك أن سبب بقائها مع "أنور"، وقبولها مذلة والدها هو أنها لا تملك غير ذلك، وأنها مرغمة على القبول، أما الآن، فلا، فحين تختاره، سيكون نابع من قلبها فقط.
محبتها للأطفال وحنانها الشديد مع بناته، كانت السبب في إختيار أن تمتلك تلك الروضة وتديرها برفقة بعض المتخصصين بهذا المجال، ليصبح عملًا محببًا لنفسها، وبذات الوقت تستطيع متابعة تربية الأولاد ومراعاة زوجها ووالديه أيضًا، فلهم محبة كثيرة بقلبها، فقد كانوا العوض لها بعائلة محبة.
بقلم رشا روميه
ثلاث سنوات مرت بتعجل، لكن أثر تلك الأيام كان عظيمًا للغاية، فقد أصبحت إنسانة أخرى، أشجع وأقوى، بفضل كرم الله عليها، وهذا الزوج السند الذي جمعها به القدر.
تنهدت "زهرة" بلطف وهي تتذكر ذلك، ثم دارت بمقلتيها بأرجاء الروضة التي أسستها بجهد ومحبة، لتتسع إبتسامتها قوة وهي ترى هذا الصغير ذو العامين يركض تجاهها مرتديًا سرواله القصير وكنزته الصفراء، ينطق بصوت طفولي إختلج له قلبها:
- مــــــامـــــا.
إرتمى الصغير بأحضانها المفتوحة وهي تحمله برفق لتجلسه فوق ساقيها بحنان قائلة:
- حبيب ماما يا ناس، تعالى يا "سفيان".
وقفت العاملة تبتسم بحنو تجاه "زهرة" معقبة:
- "سفيان" أكل أكله كله يا ماما، وكمان غير التيشرت بتاعه، وكله تمام.
إبتسمت "زهرة" بإمتنان لتلك السيدة:
- كتر خيرك يا "أم أحمد"، روحي إنتِ إتأخرتِ كده النهارده، معلش تعبتك.
- وده كلام يا مدام "زهرة"، ده إنتِ زي بنتي، و"سفيان" ده حبيبي.
سمعتا بوق حافلة المدرسة خارج الروضة، لتنتفض "زهرة" بسعادة:
- إيه ده، إخواتك جم يا "سفيان"، يلا نطلع لهم، "إسراء" و"لمى" وصلوا.
أمسكت يد صغيرها ليخرجا من الروضة بإستقبال إبنتي "محمود"، فقد إلتحقتا بالمدرسة، وإتفقت "زهرة" مع إدارة المدرسة بأن توصل الفتيات للروضة كل يوم حتى لا تثقل الحمل على أكتاف "فردوس"، لحين عودتهم جميعًا معًا.
أقبلت الفتاتين تحتضنا "زهرة" بمحبة، لتحيط ثلاثتهم بعناق جماعي معتاد وهي تسألهما عن أحوال المدرسة ودراستهن، وأصدقائهن:
- تعالوا بقى إحكوا لي اليوم كله بالتفصيل الممل.
دلفت "زهرة" برفقة أبنائها الثلاثة، "إسراء- لمى- سفيان" لداخل مكتبها مرة أخرى لتصغى إليهن أثناء وصف يومهن لها، ما بين تأثر وضحك وإنفعال، إهتمامها كان أكثر من مجرد أم بديلة، بل كانت تعطيهم من الحنان ما كانت تفتقده بغياب أمها، هم أبنائها جميعًا، ولن تغير الحقيقة هذا الإحساس بداخلها.
ساعة كاملة جمعت بينها وبين أبنائها بداخل مقر الروضة حتى أهلت الشمس بضيائها، بخطى ثابتة وشموخ سلب قلبها، تقدم "محمود" تجاههم، بنظرات سعيدة لهذا التجمع الذي يريح قلبه.
أسرع ثلاثتهم بالركض نحو والدهم يحاوطونه بمحبة، حين جثي "محمود" يعانقهم بحنان وهو يخرج لهم من جيب سترته بعض حلوى الشيكولاتة التي يحبونها، لكن عيناه تركزت على "زهرته" التي وقفت تنتظره بإبتسامتها الملائكية التي لم تتغير.
أقبل نحوها يتعمق بنظراته نحو ملامحها الناعمة:
- مساء الورد على أحلى وردة.
- مساء الخير حبيبي، إتأخرت النهارده!!!
رفع كتفيه وأهدلهما بقلة حيلة:
- حقك عليا، الطريق كان زحمه جدًا (ثم همس بأذنيها بنبرة ولهة) وحشتيني.
إكتسى وجهها بحمرة الخجل وهي تزيغ بعينيها قليلًا نحو أطفالهما، ثم أجابته رغم ذلك:
- وإنت كمان وحشتني.
أحاطها بذراعه حول ظهرها وهم يغادرون الروضة:
- يلا بينا حبيبتي، أكيد تعبانه إنتِ والولاد، حنروح ونرتاح، وبكره نخرج نتفسح في أي مكان تحبوه.
هتف الأولاد بقوة وسعادة، بينما تذكرت "زهرة" أمرًا:
- لا مش حينفع خالص، دي "ليلى" كلمتني، وكلنا حنتجمع بكره، أختها حتيجي النهارده من السفر هي و"كريم".
إبتسم "محمود" بسعادة، فرغم أن علاقته بهم جميعًا توطدت بعد زواجه من "زهرة"، إلا أنه يشعر بأنه يعرفهم منذ زمن بعيد، أحب صحبتهم وزادت صداقتهم قوة ومحبة:
- بجد، أصل "نور" مقاليش حاجه!!!
- أصله مرهق أوي في المستشفى، المدير الجديد بتاعهم شكله صعب، مخنوق منه جدًا.
مط "محمود" شفتيه بإيمائة إيجاب:
- أه فعلًا، كان قالي إنه زهق من التعامل الروتيني ده.
- يلا نروح، ماما "فردوس" زمانها سخنت الأكل وجهزته.
تحركوا جميعًا تجاه سيارة "محمود"، ليضع الصغير بالمقعد الخلفي برفقة أختيه، بينما إلتف "محمود" ليجلس بمقعد السائق حين تفاجأ "محمود" بـ"خليل" يقف خلف السور الحديدي للروضة مشعث، منكسر، مهموم للغاية، تحفز "محمود" للتصدى له، حين منعته "زهرة" قائلة:
- بلاش يا "محمود"، ده مهما كان بابا.
تقدمت منه "زهرة" فهي تدري ما سبب مجيئه، فرغم كون شخصيتها قد تغيرت كثيرًا، إلا أن قلبها مازال مفعم بالخير والطيبة كما كان، فلن تترك الدنيا تعلمها قساوة القلوب، فقد عانت منها كثيرًا فيما قبل، أخرجت مغلف من حقيبتها إعتادت تحضيره له كل شهر لتعاونه على سداد ديونه رفقًا به وبإخوانها وحمله الثقيل:
- إتفضل يا بابا، خد بالك من نفسك.
ترقرقت دمعة نادمة من عيناه قائلًا بنبرة مهتزة:
- سامحيني يا بنتي.
- إدعي ربنا هو اللي يسامحك.
طأطأ رأسه بخزي، بينما عادت "زهرة" لتستقل السيارة برفقة "محمود" الذي أخذ يعاتبها برفق:
- تاني يا "زهرة"؟!!!!
إبتسمت برقة وهي تنظر نحوه قائلة:
- مهما كان بابا، حعمل إيه، أنا دلوقتِ بدي له وأنا مش حزينه ولا ضعيفه، أنا قويه، مش عارفه يا "محمود" من غيرك كنت عملت إيه، إنت خليت الدنيا حاجه تانيه، إنت قدري الجميل اللي كنت بتمناه من ربنا.
قبل كفها بقوة وهو ينظر بعينيها مباشرة:
- من يوم ما القدر جمعنا وأنا عرفت يعني إيه سعاده، ده كفايه عليا قلبك الأبيض ده اللي مهما حصل مفيش حاجه في الدنيا تغيره، يا اجمل زهرة نورت عمري كله.
قفزت "إسراء" بينهما قائلة بمشاكسة:
- مش حنروح ولا إيه، أصل الفيلم ده أنا شوفته قبل كده!!!
ضحكا جميعًا، فيما توردت وجنتي "زهرة" قليلًا من مشاكسة "إسراء" لهم، ليعبث "محمود" بخصلات شعر ابنته قائلًا:
- يلا يا غلباوية، بينا على البيت.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي...
غرفة التمريض..
دفعت "سوزان" حاجبيها بإستنكار أثناء حديثها مع "نهى":
- ما كلنا زي بعض!!!!
أعادت "نهى" جذعها للخلف وهي تعقد ذراعيها بعدم تقبل لطريقة حديث "سوزان" ونبرتها الساخطة، لتلومها على ذلك:
- فيه إيه يا "سوزان"؟! دي غيره بقى ولا إيه؟!!!!!! لأ، مش كلنا زي بعض، الكلام ده كان زمان، لكن "ليلى" بعد ما رجعت من السفر، وإتجوزت هي ودكتور "نور"، كان لها هدف واحد، وقدرت توصل له، إنها تكمل حلمها وتعليمها، ولما دخلت المعهد وبقالها اكتر من سنتين ونص بتذاكر وهي بتشتغل، وبتعمل مجهود كبير، ما بين بيتها وشغلها ومذاكرتها، يبقى لما تمسك رئيسة قسم التمريض وتبقى ريسه علينا، يبقى مش كلنا زي بعض، هي عملت أكتر بكتير من اللي احنا عملناه، وتستحق كده، ده تعبها وربنا كافئها بيه.
إمتعضت "سوزان" لتشعر بالخجل من نفسها قائلة:
- معاكِ حق، أنا بس إستغربت إنها تتعين ريسه علينا، بس إنتِ صح، أنا زودتها.
- "ليلى" جدعه، وطول عمرها مجتهده وماشيه صح، المفروض نفرح لها، مش نتضايق ونغير منها.
لملمت "سوزان" شفتيها وهي تردف بإنتباه:
- إشش، وطي صوتك، فيه صوت حد جاي.
دلفت "ليلى" غرفة الممرضات بحماس شديد لتستقبل خبر تعيينها كرئسية لقسم التمريض ومشرفة عليه بسعادة أرادت مشاركتها مع أصدقائها:
- شوفتوا يا بنات.
أقبلت "سوزان" و"نهى" يهنئان "ليلى" على حصولها على هذا المركز الذي بالفعل تستحقه بعد مشقة سنوات من الدراسة وسط اعبائها وعملها دون كلل:
- مبروك يا "ليلى"، تستحقيها والله.
إبتسمت "ليلى" بفخر لإنجازها، فكم تمنت أن ترفع من نفسها وتزداد تألقًا ومكانة، لكن ربما ما أسعدها هو خبر آخر جعلها تشعر بمزيج من الفرحة والرهبة بذات الوقت، وزاد من إبتهاجها، حاولت السيطرة على دقات قلبها المنفعلة لتردف بهدوء بخلاف ما تشعر به:
- متتصوروش أنا سعيدة قد إيه النهارده، معلش بقى يا دوب أمشي، "نور" مستنيني بره.
- مع السلامه حبيبتي، يلا إحتفلي بقى دي مناسبه متتفوتش.
أومأت "ليلى" بخفة وهي تخرج من المستشفى لملاقاة "نور" الذي إنتظرها خارج المستشفى ليحتفلا بترقية "ليلى" لهذا المنصب الجديد بعد حصولها على شهادة المعهد وتقديمها بالمستشفى.
بقلم رشا روميه
حضورها الإستثنائي كان كأول مرة يراها بها، لها القدرة على الاستحواذ على إنتباهه وقلبه حين تقع عيناه عليها، لمحة فقط بدلا تجهمه بإبتسامة قوية لتزيح همومه ويتبدل حاله بلحظة رؤياها.
فتحت "ليلى" باب السيارة لتجلس إلى جواره قائلة بنبرة مبتهجة:
- إتأخرت عليك حبيبي؟
أجابها بهيام شديد:
- طبعًا إتأخرتِ، لو ثانيه بتبعدي عني فيها بتوحشيني.
خجلت "ليلى" من تغزله لتجيبه بتهرب:
- يا "نور" بجد مش بعرف أرد عليك، بتكسفني مش عارفه ليه.
- طيب ما أنا بحب كسوفك ده، مع إنك قويه، بس في الحته دي بتتكسفي اوي، عمومًا مش حزودها عليكِ، يلا، جاهزه للإحتفال؟
زاغت عيناها قليلًا قبل أن تجيبه:
- قبل الإحتفال، فيه هديه جبتها لك.
قطب "نور" حاجبيه بإستغراب:
- هديه؟!!!! ده أنا إللي المفروض أجيب لك هديه، مش إنتِ؟!!
- معلش، خليها عليا أنا المره دي.
أنهت عبارتها وهي تخرج مغلف من حقيبتها لتمد يدها تجاهه، نظر "نور" نحو المغلف بإرتياب، فقد دون إسم المستشفى على المغلف، سحبه ليفتحه بفضول لمحتواه، لتبدأ مقلتيه بالإتساع بتفاجؤ شديد، فغر فاه بقوة ليستدير بالكامل نحوها قائلًا بأنفاس متعالية:
- بجد!!!!!! ده بجد!!!!!
هزت "ليلى" رأسها بقوة عدت مرات، لتنفلت دموعها السعيدة بشكل متلاحق، فيبدو أن مشاعرها المضطربة بدأت بالفعل، لتردف بحماس:
- أيوه يا "نور" بجد.
ثلاث سنوات كانت أحلامهم مؤجلة لأجل إستكمال "ليلى" لتعليمها لبداية جديدة سعت إليها، واليوم لعب القدر صدفة جمعت بين نهاية طريق شاق لنيل شهادتها الجديدة، وبدأ حياتهم بإستقبال خبر حمل "ليلى".
تهلل وجه "نور" بفرحة عارمة ليهتف بصوت عال:
- أخيرًا يا رب، أنا حبقى أب، أنا حبقـــــــى أب.
ضحكات وبكاء ومشاعر متضاربة بذات الوقت، فما تشعر به "ليلى" الآن يفوق ما شعرت به يومًا، سعادة وبهجة وخوف وإضطراب، حتى برؤيتها لسعادة "نور" التي فاقت تصورها زادها فرحة.
ضم "نور" كفي "ليلى" بقوة قائلًا بإبتهاج شديد:
- بحبك أوي أوي يا "ليلى"، ونفسي في بنت تكون شبهك ونفس ملامحك، وبرضه حسميها "ليلى"، اغلى إسم عرفته وأجمل قلب حبيته، ولو أطول أخلي كل الدنيا "ليلى"، الإحتفال النهارده لازم يكون مختلف، بيننا وبس، انا حاسس إني طاير من الفرحه، ولحد دلوقتِ مش مصدق.
- قد كده مبسوط يا "نور"؟
- مبسوط دي كلمه قليله عن اللي انا حاسس بيه، ربنا كريم اوي، عارف إني مخنوق من الشغل واللي فيه، فيبعتلي أجمل هديه النهارده يفرح قلبي بيها.
قبل كفيها بقوة ليدير محرك السيارة لينطلق نحو عشهما الهادئ ليحتفلا معًا بخبر حمل "ليلى"، وبداية جديدة لعائلتهما الصغيرة.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
يوم تجمع الأحبة...
بيت نور وليلى...
هذا البيت المعتاد على هذا التجمع والصحبة الرائعة التي هي التي كانت فوزهم الأعظم، أخوة وأخوات تجمعوا على المحبة والصداقة الصافية، بدون مصلحة أو أنانية، فقط تجمعهم المحبة.
بعد تناول وجبة الغذاء، تجمعوا جميعًا بالحديقة الصغيرة لبيت "نور" و"ليلى"، ترك "محمود" و"زهرة" الصغار يلعبون بالقرب منهم مع "دهب" إبنة "سامح" و"فرح" بلطف شديد فهي أصغر فرد بتلك العائلة الكبيرة، نظر "نور" تجاه الصغار ليلقي مفاجأته ليتشارك فرحته مع أصدقائه:
- كلها كام شهر ويشرف العيلة حد جديد يلعب معاهم، "ليلى" حامل.
تعالت التبريكات بين الجميع بسعادة، رغم أن "كريم" و"لالي" لم يحظيان بعد بطفل، إلا أن سعادتهم غمرت الجميع، تجاذبوا أطراف الحديث عن أحوالهم، وجديدهم، ضحكات ومزاح، ومحبة، فها هم كل زوجين يجلسان قرابة بعضهما البعض يفضح عشقهم بعيونهم.
(سامح وفرح)، يتضاحكان لشقاوة "فرح" التي لا تنتهي، بينما يطالعها بإمتنان لوجودها بحياته.
(محمود وزهرة) ثنائي حالم بمشاعرهم الرقيقة، وعشقهم اللامحدود.
(نور وليلى) وسعادتهما اليوم بترقية "ليلى" وحملها بطفلهما الأول، بعد إنتظار دام لثلاث سنوات.
وأخيرًا (كريم ولالي) اللذان قررا الإستقرار بشكل نهائي بمصر، بعد إنتهاء بعثة "كريم".
ورغم مزاح "كريم" طيلة الوقت، إلا أنه نظر نحو "لالي" أولًا فقد أتت اللحظة الحاسمة ليخبرهم بقرارهم الجديد، غمزت له "لالي" بخفة بينما تحلى "كريم" بجدية بالغة حين بدأ حديثه يقطع الهمهمات الجانبية بين الجميع:
- بقولكم إيه، كل واحد فينا متشتت في شغل ومكان وحياه بعيد عن التاني، ما تيجي نحط إيدينا في إيد بعض، ونعمل مشروع لينا كلنا، ولا نشتغل عند حد، ولا نبعد عن بعض.
إنتبه له الجميع منصتين بتشوق، حين سأل "محمود" عن التفاصيل، فهو أكثرهم خبرة بالمشروعات والتجارة:
- مشروع زي إيه يا "كيمو"؟
- مستشفى، نعمل مستشفى فيه كل التخصصات، كل واحد فينا كـدكاتره يمسك قسم، و"لالي" الإدارة، و"ليلى" التمريض.
عقب "محمود" بتفكير تجاري بحت:
- طبيًا أنا مفهمش في القصه دي، لكن كتمويل، أنا معاكم، إيد بإيد.
إستحسن "نور" و"سامح" تلك الفكرة ليعقب "نور" بالإيجاب:
- فكره حلوه، واهو نتشارك كلنا، كل واحد باللي يقدر عليه، وكلنا نستفيد.
- وأنا موافق، بدل الشحططة بين المستشفيات، يبقى لينا مكاننا الخاص، ونجتهد فيه كلنا.
بدأ الجميع يتناقش بتلك الفكرة التي ستجمع بينهم طيلة الوقت، وستعود بالتأكيد بالنفع عليهم جميعًا لبناء مستقبل أفضل، وبالطبع سيكونون قرابة بعضهم البعض، خاصة "ليلى" و"لالي" بعد فراق دام لسنوات.
وبتخطيط جاد لبناء حلمهم بمستشفى حملت إسم (الأصدقاء)، كانت بالفعل تمثلهم جميعًا، لتزيدهم قرب، وتتكاتف أيديهم بسرور، موقنين بأن كل خطوة يخطونها ما هي إلا بداية لطريق أجمل، ينتهي بصحبتهم معًا، حتى يجمعنا القدر.
ويبقى للحب بقية،،
إلى لقاء قريب بإذن الله،،
دمتم دومًا بسعادة وفرحة،،
”تمت بحمد الله وفضله“
