اسكريبت علي قيد الانتظار كامل وحصري بقلم عمرو علي
اسمي هند..
لا أذكر متى أدركتُ أن للاسم وزنًا، وأنه ليس مجرد صوتٍ تناديني به أمي، ثم ينتهي أثره بانتهاء صداه في أذنيّ، بل هو شيء آخر، أثقل وأبقى، ظلٌّ خفيّ يسير مع الإنسان حيث سار، ويمكث معه حين يبتعد عنه كل شيء. فالاسم ليس مجرد كلمة، بل علامة، وربما كان وعدًا لا نفهمه إلا متأخرًا.
غير أن أمي قالت لي يومًا، وهي تُصلح خصلةً شاردة من شعري، وقد مالت نحوي قليلًا كأنها تهمس بسرّ:
"اسمكِ خفيف يا هند… يشبه النسمة، يمرّ دون أن يُرى".
لم أفهم كلامها آنذاك، لأنني كنت مجرد طفلة لم تتعد السادسة من عمرها، ومن هم في مثل عمري من الأطفال لا يفهمون الأشياء بقدر ما يشعرون بها؛ فنحن لا نحلل الكلمات، بل نتركها تسكننا كما هي، فإن كانت دافئة شعرنا بالدفء، وإن كانت غامضة أحببنا غموضها. لكن الفكرة أعجبتني، ربما لأنني كنت أحب النسيم، أحب أن يمرّ على وجهي دون أن أراه، وأن يحرك أشياء صغيرة حولي فيدلّني على وجوده.
ومن بعدها صرت أتخيل اسمي هواءً يسير إلى جواري، لا يُمسك ولا يُحبس، لكنه موجود، يملأ المكان دون أن يراه أحد. فكنت إذا جريت ظننت أن اسمي يسبقني ليفتح لي الطريق، وإذا جلست، تخيلته يجلس على كتفي مثل طائرٍ صغير، لا يتكلم، لكنه لا يتركني.
أما الآن، فأنا لم أعد أشعر بالهواء، فقد استيقظت – بفزعٍ - فجأة وكأن النوم أفلت يدي وتركَني أسقط في جبٍ لا قرار له، لم يكن مجرد استيقاظٍ طبيعيٍ ولا يشبه ذلك الانتقال الهادئ من حلمٍ إلى يقظة، حيث تختلط الصور قليلًا ثم تستقيم الأشياء في أماكنها، بل كان أشبه بانقطاعٍ حادٍ، وكأن أحدهم أغلق باب النوم في وجهي دفعة واحدة، وتركَني واقفة في العتمة لا أعرف أين أنا.
ومع هذا السقوط المفاجئ، تناهى إلى أذني صوتٌ لم أعرف له شبيهًا من قبل، لم يكن طرقًا على باب، ولا احتكاك معدنٍ بمعدن، لكنه كان صوت رصاصٍ ينطلق فجأة، متبوعًا بصرخة قصيرة لعمي وزوجته، حتى أولاد عمي صرخوا معهما، ثم أعقب كل شيء صمتٌ مخيف، صمت لا يشبه الهدوء، بل يشبه توقف كل شيء عن الحركة. كأن العالم كله انكمش بعد ذلك الصوت ثم سكت!
حاولت أن أفهم ما حدث. نظرت حولي فلم أرَ أي أحد، ولم أرَ أي بندقية، لكن عقلي الصغير قرر أن يملأ الفراغ بالتخيلات. إذ أني تخيلت رجلًا طويلًا يرتدي زيًا غريبًا وفي يده شيء طويل من المعدن يشبه العصا، ربما هذا ما يُسمونه بالبندقية الآلية التي تطلق ثلاث طلقات في الضربة الواحدة - فقد سمعت هذا الأمر في حكايات الكبار- كان الصوت يأتي من بعيد، صوتٌ يشبه الرعد، لكن أقرب إلى القلب، ليجعل كل شيء ساكنًا بعده، حيث لا اهتزاز خفيف كما اعتدت، ولا صوت طريق يمرّ تحتنا، ولا تلك الموسيقى الخافتة التي كان أبي يتركها دائمًا، كأنها مجرد ظلٍّ للصوت، لا يُسمع بقدر ما يُحَسّ. كان كل شيء ثابتًا، ثباتًا غريبًا، لكنني قطعت الصمت وناديت عمي بصوتٍ خافت:
عمي، هل أنت نائم؟!
خرجت الكلمة ضعيفة واهنة أكثر مما توقعت، وكأنها خافت أن تُسمَع، أو خافت أن تُخطئ الطريق فتضيع. انتظرت بعدها انتظارًا قصيرًا لكنه ممتلئ، لكن أحدًا لم يجبني.
رفعت رأسي ونظرت إلى الأمام.
فرأيت زوجة عمي جالسة على المقعد المجاور لعمي بالسيارة، رأسها مائل قليلًا، عيناها مغمضتان بانكماشٍ شارد وكأنها أغمضتهما فجأة في منتصف فكرة لم يستطع عقلها أن تكملها. شعرها الذي طالما رأيته متطايرًا صار ساكنًا، ووجهها بدا هادئًا على نحوٍ لم أعهده من قبل. أما عن عمي فقد كان بجوارها، لكنه لا ينظر لها، ولا يلتفت لنا في صالون السيارة كما عودنا، تأملته قليلًا، كانت يداه موضوعتان على المقود، ورأسه منحنيًا إلى الأمام، كأن التعب غلبه دفعة واحدة، دون مقدمات.
وبينما كنت مستيقظة أنا وليان - ابنة عمي - بدا لي أن العم بشار وزوجته وأولادهما صاروا جميعًا مجرد تماثيل حجرية نسيهما الزمن في وضعٍ غير مكتمل، كأن أحدًا قال لهم: "قفوا هنا"، ثم لم يعد.
قلت في نفسي:
"ربما تعبوا فناموا قليلًا مثلما نمت".
لكن قلبي لم يصدقني. أنا أعرف نوم عمي؛ نومه له صوت، نفسٌ يخرج ويدخل، وأحيانًا همهمة خفيفة، كأن الكلام يضل طريقه من فمه إلى الحلم. أعرف كيف يتحرك صدره، وكيف تهتز يده قليلًا. أما الآن فلا شيء! لا صوت، ولا حركة ولا حتى ذلك الاطمئنان الذي يجيء مع النوم.
مددت يدي الصغيرة ولمست ظهر المقعد أمامي. كنت أحتاج أن أشعر بشيءٍ ثابت، بشيءٍ يقول لي إنني ما زلت هنا، وإن هذا المكان لم يتحول فجأة إلى مقبرة. ورغم وجود ليان -التي ما زالت مستيقظة- بجانبي إلا أن الصمت حولي كان موحشًا، ليس صمت غرفة، بل صمت مساحة كبيرة بلا جدران، بلا حدود، كأنني في داخل شيءٍ أكبر من السيارة.
حاولت فتح الباب، سحبت المقبض بكل قوتي، لكن شيئًا لم يتحرك. أعدت المحاولة، مرةً أخرى، وثالثة، كأن الإصرار قد يُلين الحديد. لكن الباب بقي كما هو، صامتًا، مغلقًا، غير مبالٍ بخوفي، كأن الخوف لا يملك قوةً تُذكر في هذا العالم.
نظرت إلى يدي، بدت قصيرة أكثر من المعتاد. هي دائمًا قصيرة حين أحتاجها، كأنها تعرف ضعفي فتتراجع خطوة، أو كأنها تخاف قبلي.
أدرت رأسي نحو النافذة، الشارع في الخارج خاليًا تمامًا. حيث لا سيارات، لا أشخاص، ولا حتى ظلّ عابر. الأشياء البعيدة نفسها بدت وكأنها اختفت، كأن الشارع نسي أن يكون شارعًا، وقرر أن يصير فكرةً ناقصة، أو ذكرى لم تكتمل.
لطالما أحببت النظر من نافذة السيارة. فقد كنت أراقب الناس وأخترع لهم حكايات في مخيلتي: هذه السيدة إلى أين تذهب؟ وهذا الرجل لماذا يمشي بسرعة؟ كنت أظن أن لكل واحدٍ قصة تنتظر من يسمعها. أما الآن، فلا أحد لأتخيله، ولا قصة لتبدأ.
شعرت هذه المرة أن الخوف لم يأتِ فجأة كعادته، إذ أنه لم يقفز عليّ كما تفعل الوحوش في الحكايات. بل تسلل بهدوء، وجلس في صدري، كضيفٍ ثقيل لا يتكلم، لكنه يشغل المكان كله. صار نفسي أقصر، كأن الهواء نفسه يتردد قبل أن يدخل، كأن عليه أن يفكر أولًا.
ناديت مرة أخرى:
عمي، هل أنت نائم؟!
خرج صوتي هذه المرة أوضح قليلًا، لكنه ضاع في الصمت، كما تضيع الحجارة الصغيرة في البحر، لا أثر لها بعد السقوط.
لم أعرف ماذا أفعل، فالأطفال لا يعرفون كثيرًا، لكنهم يشعرون بكل شيء. وشعوري قال لي، دون كلمات، إنني وحدي.
وقتها رأيت ليان وهي تنظر لهاتف محمول كان قريبًا من يدّ عمي، كأن يده تركته على عجل. تذكرت أصابعه وهي تضغط عليه، وتذكرت صوته حين يتحدث إلى الغرباء، كيف يصير أكثر جدية، أكثر بُعدًا عنّا، كأن هناك عالمًا آخر لا ندخله نحن.
مدت ليان يديها إليه، وأخذت الهاتف بحذر، وهي تلتفت خشية أن يراها أحد، أمسكته برفقٍ كأنها تمسك شيئًا حيًا. ربما كان ثقيلًا، لكني أظن بأنه كان دافئًا، دفءٌ يشبه دفء يدي عمي. ضمته بكلتا يديّها، خوفًا من أن يسقط منها، وضغطت أزرارًا كثيرة بلا فهم. لم أكن أعرف ماذا أفعل لأساعدها، كل ما أردته أن يجيبها أي صوت ليكسر هذا الصمت. لكن الصمت لم يتحطم بفضل الهاتف، بل عاد صوت الطرق العنيف من جديد، كأن أحدًا يضرب السيارة بمطارق من حديد، شعرت بالفزع بينما ظلت ليان تصرخ..
ثم أخيرًا جاء الصوت.
قائلًا:
من المتصل؟!
فقالت بلهفة مشوبة بالهلع:
أنا ليان، نحن محتجزون داخل السيارة، هناك دبابة بجوارنا تطلق علينا الرصاص، لم يتبقَ أحد حي سوايا أنا وهند ابنة عمي...
كادت أن تقول شيئًا، لكن يبدو أن الاتصال انقطع قبل أن تكمل...
بدأت هي الأخرى في إغماض عينيها كما فعل العم بشار وزوجته، لكن الهاتف أصدر رنينًا مرة أخرى، فأمسكته وأجبت على المتصل، فوجدته عمي حمادة، سألني عن مكاننا وحاول تهدئتي، لكنني لم أستطع. شعرت كما لو أن الكلمات تجمدت في فمي. نسيت ماذا يجب أن أقول، ونسيت كيف تبدأ الجملة! أعرف أن عليّ أن أتكلم، لكن لساني لم يطاوعني. لكن بعد لحظةٍ بدت طويلة.. طويلة جدًا، قلت:
أنا هند. الجميع نيام، تعال أيقظهم.
حاول عمي أن يطمأنني، لكن الخوف كان أكبر من أن يُقتل ببضع كلمات، وما لبث حتى طلب مني أن أقول له أين أنا، فقلت:
أنا في السيارة، لكن عمي بشار وزوجته وأولاده ناموا ولم أستطع أن أوقظهم .
سكت قليلًا، ثم قال لي بصوتٍ حاول أن يكون هادئًا، كأن الهدوء شيء يمكن صناعته:
ابقَي مكانك. نحن قادمون.
كلمة قادمون بدت لي كبيرة، أثقل من أن أفهمها، لكنها كانت كل ما أملك. تعلقت بها كما يتعلق الغريق بقشةٍ لا يعرف إن كانت ستنقذه أم لا. أغلقت الهاتف ووضعته على صدري، كأن دفئه يمكن أن يمنع الخوف من التمدد.
جلست في مكاني ولم أتحرك، فقد خشيت أن تكسر الحركة شيئًا خفيًا، فمن داخلي أشعر كما لو العالم كله صار هشًّا، وأنا آخر من يجب أن يلمسه. بدأت أعدّ أنفاسي، كما علمتني أمي حين أشعر بالخوف:
واحد…
اثنان…
رفعت رأسي ونظرت إلى عمي مرة أخرى. تمنيت لو يفتح عينيه فقط، حتى لو لم يتكلم، حتى لو لم ينظر إليّ. لكن هدوءه بقي كما هو، هدوءًا لا يشبه النوم، ولا يشبه أي شيء أعرفه.
الشارع ظل فارغًا، والصمت بقي جليسي الوحيد، لا يذهب ولا يتكلم. الوقت مرّ ببطءٍ شديد. لم أعرف كم انتظرت؛ الأطفال لا يعرفون الوقت، نحن نعرف الانتظار فقط.
وضعت رأسي على المقعد، انتابني شعور بالتعب. فالخوف يتعب أكثر من اللعب. قلت في نفسي:
"سيأتون."
أغمضت عينيّ قليلًا، وأنا ما زلت أعدّ أنفاسي، وأتمسك باسمي، كأنه الشيء الوحيد
الذي لم يبتعد بعد.
لكن إغماضتي - هذه المرة - لم تكن للنوم، بل كانت محاولة قصيرة. وبائسة للهرب، كمن يضع يده على عينيه وهو يعرف أن الشيء المخيف ما زال في مكانه، ينتظره أن يرفع يده فقط. أغمضتهما، ثم فتحتهما ببطء، وكأنني أختبر العالم، أراه قطعة قطعة، خوفًا من أن يكون قد تغيّر فجأة. لكن شيئًا لم يتغير، السيارة كما هي، زوجة عمي كما هي، عمي كما هو. والصمت صار موحشًا بطريقة أكثر شراسة.
فمنذ ولدت وأنا لا أعرف أي شكلٍ للانتظار، فهو لا يشبه أي مما أعرف، حيث لا لون له، ولا صوت، لكنه يملأ المكان كله، كالماء إذا دخل إناءً صغيرًا فصار أكبر من سعته ليفيض به. ربما هو شيء غير مرئيٍ، لكنني أشعر به على صدري، في حلقي، في رأسي. يشبه الجلوس في غرفةٍ لا باب لها، ولا نافذة، ولا ساعة على الحائط؛ فلا تعرف إن كنتَ فيها منذ لحظة، أم منذ عمرٍ كامل.
ظللت جالسة في مكاني ولم أتحرك، ومن داخلي بنيت افتراضية ساذجة بأن الحركة قد تجعل كل شيء ينهار فجأة، كبرجٍ من المكعبات كنت أبنيه في البيت. وجاءت نسمة هواء فهدمته، تذكرت كيف كانت القطع تتبعثر بمجرد أن يلمسها الهواء، فلا تعرف من أين تبدأ الجمع. قلت في نفسي: إذا لم ألمسه، ربما يبقى كما هو. وإذا مددتُ إصبعي نحوه، سيسقط كله دفعة واحدة.
نفضت أفكاري، ناديت عمي مرة أخرى، لكني لم أرفع صوتي هذه المرة.
قلت اسمه فقط -بهدوءٍ شديد- كأنني لا أناديها بقدر ما أذكّرها بي. كأن الاسم خيطٌ رفيع يمكن أن يشدّه نحوي إذا أمسكت به من الطرف الصحيح. خرج الاسم من فمي، دار قليلًا في السيارة، ثم عاد إليّ وحدي، دون أن يتحول إلى جواب.
فجأة صدر عن ليانليان شخير خافت، لم أكن قد سمعته منها من قبل، يشبه شخير أبي لكنه أخف، نظرت إليها، فوجدتها نامت كما نام عمي، راقبت صدرها، انتظرت أن يرتفع ثم يهبط، فأنا أعرف أن هذا ما يفعله الصدر عندما يكون صاحبه حيًّا، حتى وهو نائم، حتى وهو متعب. انتظرت طويلًا، انتظارًا بلا عدّ، لأن العدّ يُتعب، ولأن الأرقام صارت بلا معنى. لكن شيئًا لم يحدث. صدرها لم يرتفع، ولم يهبط، كأن الهواء نفسه نسي طريقه إليه.
وصرت وحيدة تمامًا الجميع نيام عداي، شعرت بشيءٍ بارد يمرّ في ظهري، لم يكن هواءً، لأن النوافذ كانت مغلقة، ولم يكن لمسًا، لأن أحدًا لم يكن هنا ليلمسني. كان إحساسًا فقط، إحساسًا بلا اسم، يدخل دون استئذان، ويجلس حيث يشاء، ولا يشرح نفسه. حاولت أن أزحزحه عني، لكن المشاعر لا تُزاح باليد.
أعدت النظر إلى الشارع.
لا أرى أحدًا، حتى ذرات الغبار بدت ثابتة، كأنها خافت أن تتحرك فتوقظ العالم من حولها. كنت أعرف الغبار؛ فلطالما رأياه وهو يرقص بصحبة أشعة الشمس. أما الآن.. فأنا أراه ساكنًا، جامدًا، كأنه صورة وليست حقيقة. تمنيت لو تمرّ سيارة، أي سيارة، حتى لو كانت مسرعة، حتى لو لم ترني، حتى لو أزعجتني بصوتها. الصوت، أي صوت، كان سيجعلني أطمئن أن الأشياء ما زالت تمضي، وأن هذا السكون ليس نهاية كل شيء.
لكن العالم ظل ساكنًا.
وضعت يدي على صدري، شعرت بقلبي يدق بسرعة لم أعتدها. كنت أسمعه بوضوح، كأنه يريد أن يعوض كل الأصوات التي غابت، كأنه يقول لي وحده: "أنا هنا… لا تخافي." تمسكت بالصوت، كما تتمسك الفراشات بضوءٍ صغير في غرفة مظلمة، رغم أنه أنه ضعيف، لكنه أفضل من العتمة.
تذكرت البيت..
إذ جاءني طيفه على حين فجأة وبلا ترتيب. تذكرت غرفتي الصغيرة، الجدار الذي لم يكن أبيض تمامًا، الملصق الذي لم يعد ملتصقًا جيدًا، وكنت أعيد لصقه كل مرة قبل النوم ببلة من فمي، كأنني أخاف أن يسقط وأنا نائمة. تذكرت الدمية التي أنام وهي تنظر إليّ بعينٍ واحدة، لأن الأخرى سقطت ولم نجدها. كنت أخاف منها أحيانًا، ثم أعتذر لها وأضمها.
ابتسمت قليلًا حين تذكرتها.
لم تكن ابتسامة فرح، بل تلك الابتسامة التي تأتي عندما تسبق الدموع، أو تحاول أن تمنعها.
قلت في نفسي:
"عندما يأتون، سأحكي لهم عن دميتي، سأقول لهم إنني كنت أنتظر، وإن الانتظار كان طويلًا، وإنني لم أبكِ كثيرًا، أو ربما بكيت، لكنني حاولت."
أمسكت الهاتف مرة أخرى.
كان ما يزال دافئًا كأنه يحتفظ بشيءٍ من الصوت الذي خرج منه. ضغطت الزر كما فعلت من قبل وانتظرت. لكن الانتظار هذه المرة كان أقصر، لكنه صار أصعب. لم يأتِ الصوت! الشاشة بقيت كما هي، صامتة، باردة، لا تقول نعم، ولا تقول لا.
شعرت بالخوف يكبر.
لم يعد مجرد جليس غير مرغوب في وجوده، بل صار يتحرك في صدري، يبحث عن مكانٍ أوسع، كأنه يريد أن يملأ كل ذرة من كياني، ألا يترك لي فراغًا أتنفس منه. وضعت الهاتف على حجري، ونظرت إليه، كأني أتوقع منه أن يتكلم من تلقاء نفسه دون اتصال.
قلت بصوتٍ مسموع، كأن أحدًا قد يسمعني، أو كأن الصوت نفسه يحتاج أن يخرج:
"أنا هنا".
ارتدّ صوتي إليّ من داخل السيارة، ضعيفًا، متكسرًا، كأنه لم يكن متأكدًا من نفسه. كان هذا كل شيء. لا جواب، لا صدى آخر، لا علامة تدل على أن أحدًا في الخارج سمع.
أغمضت عينيّ مرة أخرى، وأيضا -سابقتها- لم أكن أريد النوم، بل أردت أن أكون في مكانٍ آخر ولو لثوانٍ، مكان لا سيارة فيه، ولا صمت بهذا الحجم. رأيت أمي كما كانت تسرّح شعري، بيدٍ هادئة، لا تشدّ، كأنها تمشط الخوف قبل الشعر. رأيت أبي وهو يضحك حين أضحك بلا سبب، ضحكةً قصيرة لكنها حقيقية، كأنها تخرج قبله.
فتحت عينيّ بسرعة.
خفت أن أضيع هناك، أن أبقى في الصورة ولا أعود. الذكريات جميلة لكنها مخيفة أيضًا، لأنها أبواب لا نعرف هل تفتح من الداخل أم لا.
الوقت مرّ.
أعرف أنه مرّ لأنني شعرت بالتعب. الانتظار يُتعب الجسد، حتى لو لم نفعل شيئًا. التعب يأتي من الثبات لا من الحركة. رأسي مال قليلًا إلى جانبي، ولم أعد أقاوم. المقعد كان صلبًا، لكنه بدا ألين من الخوف.
قلت في نفسي:
"اسمي هند."
كررت الاسم مرة ثم مرة أخرى. كنت أتمسك به، كأنني إذا نسيته، سأنسى نفسي! الاسم آخر ما يبقى حين تبدأ الأشياء في الرحيل. تذكرت كلام أمي عنه، عن النسمة التي تأتي وحدها، وتذهب وحدها.
قلت:
"ربما النسمة تتأخر، ربما ضاعت في الطريق."
لم أعد أعرف إن كنت جالسة أم مستلقية، فقد سمعت أمي تقول ذات مرة أن الجسد يفقد شكله حين يطول الانتظار، يصير فكرة أكثر منه لحمًا وعظمًا. يداي لم تعودا ثقيلتين ولا خفيفتين، فقط موجودتين، كأنهما شيء نسيتهما في مكاني. كنت أراهما أمامي، لكن الإحساس بهما صار بعيدًا، مثل ذكرى أعرف أنها لي، لكنها لا تؤلمني الآن.
الصمت تغيّر، لم يعد مجرد غياب صوت، بل صار شيئًا له سُمك. كأن الهواء نفسه صار أبطأ، أثقل، يدخل صدري على مهل، ويخرج بتعب. كل نفس كنت آخذه يحتاج إذنًا، كأنه ضيف غير مرغوب فيه. عدت أعدّ أنفاسي، لا لأنني أحب العدّ، بل لأن العدّ يربطني بالآن، باللحظة، يمنعني من الانزلاق إلى مكانٍ لا أعرفه.
واحد…
اثنان…
نسيت الرقم التالي.
ضحكت في داخلي، ضحكة بلا صوت. حتى الأرقام خانتني. حتى الأشياء التي لا تخاف عادةً، خافت. تركت العدّ، وتركت نفسي تمضي حيث تشاء، لأن المقاومة صارت أصعب من الاستسلام.
نظرت إلى ليان مرة أخرى.
لم أعد أبحث عن حركة. لم أعد أطلب شيئًا. نظرت إليها فقط، كما ننظر إلى صورة نعرفها جيدًا، نحفظ تفاصيلها، ونخاف أن نلمسها فتمحى. وجهها كان قريبًا.. قريبًا جدًا، ومع ذلك بدا بعيدًا، كأنه في مكان لا تصل إليه يدي، ولا صوتي.
قلت لها همسًا:
ليان، أنا أشعر بالبرد.
لا أعرف لماذا قلت ذلك! ربما لأن البرد شعور سهل يمكن شرحه، يمكن الاعتراف به. أما الخوف فكان أكبر من الكلمات، أكبر من فمي الصغير. لم تجبني. لم تتحرك. البرد ازداد.
لففت ذراعيّ حول نفسي، الحركة كانت بطيئة، كأنني أتحرك في ماءٍ عذب كثيف، عندما ضممت نفسي، شعرت بشيء يشبه الأمان، أمان مؤقت، بسيط لكنه موجود. قلت في نفسي إنني أستطيع الانتظار أكثر. لقد انتظرت أشياء كثيرة من قبل. انتظرت أمي أمام باب المدرسة. انتظرت أبي ليعود من العمل. الانتظار ليس جديدًا عليّ، لكن الانتظار هذه المرة كان بلا وعد.
شعرت أن الوقت تمدد، لم يعد مستقيمًا بل صار مطاطيًا، يطول ويقصر دون سبب. لحظة تمرّ كأنها ساعة، وساعة تمرّ كأنها لحظة. رأسي صار أثقل. الجفون تقاوم ثم تستسلم، ثم تعود للمقاومة في لعبة بلا فائز.
أغمضت عينيّ مرة ثالثة، لكن هذه المرة لم أفتحها سريعًا. تركت الصورة تأتي كما تريد. رأيت نفسي أجري. لا أعرف أين، لكن الأرض كانت من حولي مفتوحة الذراعين، والسماء واسعة، ولم يكن هناك سيارة، ولا صمت. كنت أجري وأنا أضحك ضحكة حقيقية تخرج من صدري بسهولة. لم يكن أحد يناديني ولم أكن أبحث عن أحد.
شعرت بالراحة ثم -فجأة- خفت من الراحة نفسها، فالخوف حين يطول، نصير غرباء عن الطمأنينة، نشك فيها، نسألها: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه السهولة؟ فتحت عينيّ ببطء، كأنني أعود من مكانٍ جميل لا يخصني، فوجدت السيارة كما هي.
وهنا بدأت أدرك شيئًا غريبًا: فأنا لم أعد أتمنى أن يأتوا بسرعة، أنا فقط أتمنى أن يأتوا.
السرعة لم تعد مهمة. الوقت لم يعد عدوًا واضحًا. كل ما أردته هو نهاية لهذا التعليق، لهذه الحالة التي لا هي بداية ولا نهاية. أن يحدث شيء، أي شيء حتى لو كان مخيفًا، لأن المجهول حين يطول، يصير أشد قسوة من الحقيقة.
سمعت صوتًا، لم يكن واضحًا. لم أعرف إن كان حقيقيًا أم لا. كأنه شيء بعيد جدًا، أو قريب جدًا. انتبهت له بكل ما تبقى فيّ من انتباه. حبست أنفاسي. حاولت أن أسمع أكثر. الصوت لم يكتمل، لم يتحول إلى شيء يمكن الإمساك به، لكنه كان كافيًا ليوقظ قلبي مرة أخرى.
دقّ قلبي أسرع.
قلت في نفسي: "ها هم."
ثم قلت: "لا، ليس بعد."
التناقض لم يزعجني بقدر ما صار جزءًا مني. فأنا الآن أستطيع أن أصدق الشيء ونقيضه في اللحظة نفسها. والأطفال عمومًا يفعلون ذلك بسهولة. يدركون من وقت ولادتهم أن الحقيقة لا تكون واحدة دائمًا.
تذكرت اسمي مرة أخرى.
هند.
قلته في داخلي بوضوح هذه المرة، كأنني أكتبه على جدار، الاسم لم يكن بالنسبة لي مجرد كلمة. كان علامة. كان دليلي على أنني ما زلت هنا، أنني لست فكرة عابرة، ولا صورة في ذاكرة أحد.
قلت: "أنا هند."
بينما كنت أنتظر! التعب عاد، لكنه صار أشد من ذي قبل، فلم يعد مجرد تعب للجسد فقط، بل تعب الرغبة نفسها. الرغبة في الخوف، في الأمل، في السؤال. كل شيء من حولي وحتى من داخلي صار مُجهِدًا. رأسي مال إلى الأمام قليلًا. لم أرفعه بل تركته حيث استقر، كأنه وجد أخيرًا وضعًا مناسبًا.
شعرت بدفء غريب، ليس دفء الشمس، ولا دفء الجسد، بل دفء يشبه الغطاء حين يأتينا ونحن نصف نائمين. لم أعرف من أين جاء، لكنني لم أقاومه. قلت في نفسي إن البرد ربما ذهب، أو أنني تعودت عليه. أحيانًا لا يختفي الألم، نحن فقط نتوقف عن الإحساس به.
آخر ما فكرت فيه كان بسيطًا جدًا، فكرت أنني حين أعود إلى البيت، سأخبر دميتي بكل شيء. سأضعها بجانبي وأحكي لها عن السيارة، وعن الصمت، وعن الانتظار الطويل. لن أترك شيئًا في صدري. الدمى تعرف كيف تحفظ الأسرار.
أغمضت عينيّ، لكن هذه المرة لم أفتحها، فقد شعرت أنني أصبحت بخفة الريشة، رأيتني وكأنني أرفرف بجناحين نحو السماء، تنهدت بارتياح وأنا أرى عمي وزوجته يبتسمان لي من بوابة مفتوحة في قلب السماء، أما عن وأولاد عمي فقد كانوا يحلقون حولي بأجنحة من نور قاطعين الطريق بجانبي نحو السماء، حينها شعرت أن كل ما بي من تعبٍ قد ذهب أدراج الرياح، ولأول مرة أشعر أني أصبحت حرة طليقة، أتطاير نحو السماء حيث لا انتظار، لا ألم.. لا خوف ولا حزن.
تمت بحمد الله
انتهت أحداث الرواية نتمني ان تكون نالت اعجابكم وبإرائكم في التعليقات وشكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
