رواية حتي يجمعنا القدر الخاتمة الاولي بقلم رشا رومية


 رواية حتي يجمعنا القدر الخاتمة الاولي 

#حتى_يجمعنا_القدر #الخاتمة #الجزء_الأول #رشا_روميه
#اللهم_أدخلني_مُدخل_صدق_وأخرجني_مُخرج_صدق_وإجعل_لي_من_لدُنكَ_سلطانًا_نصيرا

الخاتمة الجزء الأول «جمعنا القدر»
هناك آلام لا تقاس ببعد المسافات، بل بقوة الخيبة، تلك اللحظات التي نشعر بأن النهاية قد سطرت سطورها الأخيرة، وأن تلك الطرق المتوازية لن تلتقي أبدًا، حين نعتاد ألم الغياب، وأن نتيقن بأن الحياة لن تمنح فرصة ثانية لقلوب تحطمت.

بتلك اللحظة فقط يأتي القدر لينحني أمام صدق المشاعر، ليعيد ترتيب الخيوط في الخفاء، يمهد لحياة خرجت من وسط الركام، ثم تتلاشي كل العقبات حين يأتي الحكم الإلهي الأخير، ليعلن أن القلوب المتشابهة مهما إنكسرت تعود لتلتئم في النهاية، أن يكتب قدر جديد يمحي آثار الماضي، وأن ما بدر من عقبات وآلام ما كانت سوى مناورة من القدر ليختبر قدرتنا على اليقين، وأن ما مررنا به كان يستحق هذه اللحظة، وحين يحين الوقت، يجمعنا القدر بلا فرقة بعد اليوم.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

منذ بضعة ساعات(ليلة خطبة كريم وليلى)...

ألمانيا ـ شقة نور...
ليست التوهة هي أن تضل الطريق، بل أن تشعر بالغربة بداخل نفسك، لم يكن الأمر مرتبطًا بوطن، فأنا غريب حتى عن نفسي.
رشا روميه 

بعد أن غادر "كريم" ومعه الحارس بعد أن أرسل "نور" تلك الرسالة، عاد "نور" لغرفته ليجلس فوق المقعد المجاور الشرفة لبعض الوقت.

لم يكن يستجمع نفسه أو يفكر بالأمر، بل شعر بكونه غريب، غريب عن نفسه دون هداية، وحده بمدينة مبهرة متسعة الأفق والطرقات، لكنها كانت ضيقة للغاية بنفسه، كئيبة إلى حد بعيد، وحيد يجلس هائمًا متخبطًا، ليسأل نفسه سؤالًا واحدًا:
- أنا بعمل إيه هنا؟!!!!

سؤال إقتحم تفكيره وسيطر عليه بقوة، لقد شعر بالضيق ببلده، حاول الإبتعاد والبدء من جديد بحياة تخيل بأنها أفضل صورة سيصل إليها، سفر ومال وبعد تام عن "نسرين" ومشاكلها، بداية جديدة له مع "ليلى"، كانت فرصة ذهبية لكل ما تخيل.

لكنه صدم بواقع مؤلم، الإحساس بالرغبة ليس سهلًا على الإطلاق، لا يمكن للكثير تحمل هذا الشعور بالإبتعاد القصري عن كل ما تعرف وتحب، إبتعد عن أهله وبلده وأصدقائه، ظن بأن بسفره سيحظي بالمال والحب معًا، سيرسم طريق مفروش بالورود، لكن الواقع لأمر صادم.

إنه ليس "نور" الذي يعرفه، ليس هذا المنهزم المهشم، فمن يكون هذا، وهي أيضًا، ليست كما كان يعهدها، بل قاسية مستبدة ظالمة، لم تسمح له بفرصة واحدة ليبرئ نفسه، طعنته بقوة بسيف الصداقة، تعلم أنه سيتلجم ويتألم بصمت، لا يمكنه حتى أن يتألم بحضور صديقه، أي ألم هذا لا يمكنه الصراخ به؟!!!

ساعات طويلة مرت بطيئة للغاية، دارت كل الأفكار برأسه وزادته ألمًا وإختناق، ليصل في النهاية لقرار واحد، هو ما يراه صائبًا، دفع الهواء بقوة من رئتيه المختنقتان قائلًا:
- كفايه لحد كده، أنا مينفعش أقعد هنا، لا ده مكاني، ولا يمكن أرتاح على الوضع ده، أنا لازم أمشي، لازم أبعد يمكن جرح قلبي يقدر يخف، أنا متأكد إني لا يمكن أنساكِ، لكن في نفس الوقت مقدرش أعيش في مكان كله ذكريات وجودك فيه، كل حاجه هنا بتفكرني بيكِ من أول يوم جينا هنا.

أخرج هاتفه للبحث عن أحد مكاتب الطيران القريبة، فلم يعد هناك سبب يدعوه للبقاء، إن عليه الرحيل وبأقرب فرصة ممكنة.

لم يكن سهلًا عليه أن يجد تذكرة على متن إحدى رحلات الطيران للقاهرة بصباح الغد، لكنه استطاع حجز رحلة متقطعة إليها، فعليه الإنتظار بإحدى البلدان أولًا لبضعة ساعات قبل التوجة مباشرة نحو القاهرة.

رحلة ستكون الأكثر إرهاقًا وتعبًا يمكنه الحصول عليها، لكنها أفضل من البقاء بألمانيا ولو لساعة واحدة، لا يدري كيف تتبدل الأحوال من حال لآخر بلمح البصر، ألم تكن تلك المدينة هي التي تبعث بنفسه السعادة والبهجة، أصبحت هي مصدر التعاسة والحزن، ففيها جُرج وبقائه بها يزيد من جراحه.
بقلم رشا روميه 

بآلية شديدة سحب حقيبة سفره من الخزانة ليعيد وضع أغراضه وملابسه بها ويغادر مباشرة دون إنتظار، حتى الجدران شعر بأنها تطبق بجوانبها الصلدة فوق قلبه ليقرر ترك السكن بهذا الوقت المبكر ودون أن يلاحظه أحد.

أخذ يتجول بالطرق حتى الصباح ليتجه نحو المطار، فلم يعد يتبقى سوى ساعة واحدة على موعد إقلاع طائرته.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ككل شيء تظن أنه لن يمر، ومر، حل الصباح وبدأت الحياة الطبيعية بوتيرتها المعتادة، ما بين إنشغال وترقب، فرح وحزن، روتين وإنطلاق، كل بدائرة حياته يدور، لكن مع إنتظار ساعات الصباح الأولى حين توجه "كريم" لشقة "نور"، وتفاجئ بخلوها، شعر بإستغراب شديد.

ربما ليس لأن "نور" غادر بدون أن يخبره خاصة وهو متعب بهذا الشكل، لا، بل لأن تلك التصرفات الغامضة التي لم تتضح أسبابها ليست من شيم "نور" بالمرة، فهو هادئ الطباع، رزين التفكير، صبور للغاية، ليس من هؤلاء المتهورين أصحاب القرارات السريعة المفاجئة، بل كل أمر يقوم به يجب أن يدرس جيدًا ويحسب حسابه بدقة.

غادر "كريم" البناية وبداخله توجس وقلق من رحيل "نور"، حاول عدة مرات الإتصال به لكن هاتفه كان دائمًا مغلق.
بقلم رشا روميه 

في ذات الوقت - مطار ميونخ..
حمل "نور" جواز سفره منتظرًا أن ينتهي من إجراءات صعود الطائرة ليخرج هاتفه ويغلقه تمامًا، كما لو كان يقطع صلته بكل ما يتعلق بهذا البلد بالكامل.

تحرك بشكل روتيني تجاه صالة الإنتظار قبل أن يقدم نحو باب الصعود للطائرة، لينهي بذلك حلم كان قد جاء يحلم به، صعد نحو الطائرة التي ستحلق بعد دقائق قليلة ليتخذ مقعده بهدوء، ليتذكر رحلة قدومه برفقة "ليلى" ووالدها.

مشاعر متناقضة تمامًا، فقد أتى محملًا بفيض من مشاعر وليدة بقرب تلك الإستثنائية ظنًا منه أن تلك هي فرصته للتقرب منها، سعادة غامرة ودقات قلب كطبول الحرب، لكنه اليوم يشعر كالغريق الذي يعوم ضد التيار، كل شيء يدفعه للغرق وبالكاد يلمس الشاطئ، ما بين إحساس بالإستسلام للغرق وتشبث ضعيف بالحياة والمقاومة، جلس "نور" مغمضًا عيناه بروح مسلوبة ينتظر مرور تلك الساعات الطويلة التي سيتنقل بها من بلد إلى بلد حتى يصل الوطن بالنهاية.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

شقة خليل زيدان...
حين تتأخر العدالة فإن ذلك لا يعني غيابها، فالأيام تدور في صمت لتضع نهايات عادلة لكل حكاية.
رشا روميه 

دق باب الشقة بطريقة مقلقة للغاية لتوقظ هذا النائم، فتح "خليل" عيناه بفزع وهو ينتفض نحو باب الشقة ليرى من هذا الطارق المنفعل الذي أخذ يدق الباب بهذه القوة.

فتح الباب ليجد مجموعة كبيرة من سكان الحي يعرف البعض منهم والبقية وجوه أغلبها مألوفة، لكن ما أثار دهشته هي تلك المحمولة فوق أحد المقاعد البلاستيكية فاقدة الوعي تمامًا.

هتف "خليل" بصدمة لرؤيته لها بهذا الوضع المذري، متفاجئًا من خروجها من الأساس:
- "سمية"!!!! إيه إللي جرى؟!! إنتِ خرجتِ إمتى؟!!!

صاح به أحدهم بتذمر:
- وسع يا عم "خليل"، خلينا ندخل مراتك جوه، دي تقيله أوي.

تحرك "خليل" جانبيًا ليوسع لهم الطريق ليدلفوا نحو غرفة المعيشة يحملون الكرسي وعليه تجلس "سمية" مغمضة العينين، ليتسائل أثناء دخولهم:
- حد يقولي بس حصل إيه؟!!!

أجابه أحدهم بأنفاس لاهثة من ثقل وزن "سمية" بعد أن وضعوا الكرسي عن أيديهم:
- مراتك أغمى عليها في الشارع و"صابر" صاحب القهوه كتر خيره جاب لنا الكرسي ولاد الحلال حطوها عليه وشيلناها لحد هنا.

تعجب "خليل" من وجود "سمية" بالقرب من تلك القهوة بالشارع الخلفي:
- "صابر"!!!! وهي إيه إللي وداها هناك؟!!!

مط أحدهم شفتيه بتذمر من تكرار سؤال "خليل":
- وإحنا نعرف منين يا عم "خليل"، مش هي مراتك إنت!!! ولا إنت في البيت يعني.........

قضم الرجل كلمته ساخرًا من "خليل" ضعيف الشخصية، بينما لحقه آخر يلطف من الأمر وهو يضع حقيبة "سمية" أرضًا تحت أنظار "خليل":
- بس يا أخي، ما تسيب الراجل في حاله (ثم وجه حديثه نحو "خليل" يخبره بما يعرفه)شنطة الست "سمية" أهي يا عم خليل، والظاهر كده، الست تعبت لما عرفت إن "محروس أبو الوفا" طفش بالفلوس، الظاهر كنتوا سايبين فلوس معاه، يلا ربنا يعوض عليكم.

قالها وهو يتجه نحو الخارج، ومن خلفه يتبعه البقية ليتركوا "خليل" بصدمة أخرى، ليهمس بصدمة كادت تسقطه أرضًا:
- طفش!!!!!! يعني الفلوس راحت!!!! يا خراب بيتك يا "خليل".

ثم نظرت تجاه "سمية" التي أخفت عنه أمر ذهابها لـ"أبو الوفا"، ليمتعض وجهه بقوة فيبدو أنه أدرك الأمر ليهتف بها وهي غائبة عن الوعي:
- إنتِ كنتِ رايحه له تاخدي الفلوس من ورايا؟!!!! كنتِ حتسيبيني مع "أبو نصار" وتاخدي الفلوس!!!!!

قالها وهو ينظر لحقيبة ملابسها أمامه، فقد تنبه أخيرًا انها كانت ستغدر به وتتركه يواجه "أبو نصار" بمفرده وتهرب بالمال دون أن يدري، أخذ يطالعها بحنق وهي تئن بصوت واهن تحاول فتح عينيها المغمضتان.

لكن يبدو أن العقاب لم ينتهي بفقدانها للمال، فحين تلقت تلك الصدمة لم تستطع تحملها، حاولت أن تحرك جسدها الثقيل من فوق الكرسي، لكن كلما أرادت دفع ساقيها للحركة كانت هناك قوة أكبر تمنعها من ذلك، حاولت أن تشير لـ"خليل" الذي يتجهم بوجهها بحنق شديد، لكن ذراعيها كانتا ثابتتين بشكل مؤلم، حاولت الصراخ، لكن حتى لسانها عجز عن نطق الكلمات، إنها ترى وتسمع، لكنها لا تقوى على أن تحرك جسدها بالمرة.

حاولت للعديد من المرات أن تصرخ، تنتفض، تثور، أو حتى تتكلم، لكنها فقدت كل مقدرة على ذلك، لم يبقى لها سوى الدموع، لتنهمر بقوة وإنكسار، لقد أصيبت بشلل تام، فأين ذهبت القوة والجبروت!!!! ولمن القوة إلا للواحد القهار، العدل ذو الإنتقام، ها هي من كانت تفرض قوتها تتهاوى محطمة بلا حول ولا قوة.

تطلع بها "خليل" قليلًا ليدرك الأمر، لقد أصبحت ذليلة لا حول لها ولا قوة، تلك التي كانت تدفعه دائمًا بالقوة ليرضخ لطلباتها، الآن لا يمكنها حتى أن تهش بعوضة.

ضحك "خليل" بخفة شامتًا بها ثم قال:
- بقى كنتِ حتاخدي الفلوس وتهربي من ورايا، شوفتي ربنا عمل فيكِ إيه؟! 

ورغم غيظها من شماتته إلا أنها لم تقدر حتى على الصراخ به، ليختنق وجهها بإنفعال أثار سخرية "خليل" وضحكاته المتهكمة مرة أخرى، لكنه لم يعلم أن العدل سيطاله أيضًا فقد وصل "أبو نصار" ورجاله يطالب بماله الذي أعطاه إليهما.
بقلم رشا روميه 

لم يشفق "أبو نصار" على حال "سمية"، لكنه تغاضى عن إلحاق الأذى بهما، فيكفيهما ما حدث لـ"سمية"، لكنه لم يتنازل عن حقه، فأجبر "خليل" على أن يوقع إيصالات بالمبلغ كاملًا سيتم دفعهم له على أقساط شهرية رفقًا بهم.

ربما كان ذلك حلًا رحيمًا من "أبو نصار"، لكنها ورطة سيظل يدفع "خليل" ثمنها طويلًا حتى يسدد الدين الذي سيرهقه للغاية فهو لا يملك إلا القليل ليسد به دينه وينفق على أولاده وتلك القعيدة التي بقيت معه.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

في المساء
بيت عائلة مكاوي...
يحتاج البصر أحيانًا لأن تُفتح القلوب وليس الأعين، كل شيء كما هو لم يتغير، بل تغيرت بصيرتي ورأيت جمال أراه لأول مرة، كما لو كنت أستعير عينين جديدتين أرى بهما المكان ذاته كما لو كنت ألتقيه لأول مرة.
رشا روميه 

إنه يوم العودة، شعرت "زهرة" حين خطت خطوتها الأولى ببيت عائلة مكاوي بأن هذا اليوم ليس يومًا عاديًا، بل إن كل شيء تراه وتدركه بالفعل أصبح ذو شكل مختلف، كما لو أن الألوان كلها أصبحت مشرقة بعيونها رغم أن المساء قد حل، بل كانت تتخيل أن كل ما يحيط بها يتمايل بفرحة لسعادتها.

صعدت السلم لتستقبلهما "فردوس" فاتحة ذراعيها بمحبة، تلك السعادة التي إنبعثت من ملامح وجهها زادتها سعادة وإبتهاج، إنها سعيدة، إحساس جديد كليًا يزور قلبها الصغير.

إرتمت بأحضان "فردوس" بإبتسامة عريضة وقلب متلهف، متشوق لهذا الشعور الذي حلمت به منذ طفولتها، نظرت حولها كأنها ترى كل شيء لأول مرة، ألم تكن هي من كانت تعيش هنا منذ بضعة شهور؟؟!!

أتت مجبرة على زواجها من "أنور" الذي لم تحظى بلحظة سعيدة واحدة برفقته، شهور طويلة غاب معها معنى الأمان، حتى إنهت مأساة زواجها منه بوفاته، لتجد نفسها محاصرة بإحساس آخر، متطفلة وجودها بهذا البيت ستتسبب بخرابه، تعيش منزوية فلا هذا بيتها ولا مكانها.

لكنها اليوم تتقدم بخطوات ثابتة قوية نحو طريق السعادة، وهي تضع يدها بيد زوجها، الذي دق له القلب لأول مرة، اليوم لا تخجل من إظهار مشاعر كانت حبيسة بداخلها، فهذا هو الطبيعي من اليوم فصاعدًا، وحين تظهر محبتها أو إهتمامها بزوجها لن تشعر بالخيانة والذنب.

تملكها إحساس بالأمان والطمأنينة التي تتوقف إليها كثيرًا، وهي تقف وسط عائلة محبة سعداء بوجودها بينهم.

طلب منها "محمود" أن ترافقه للأعلى بعد أن قام العمال بنقل الأثاث القديم وتم وضع الأثاث الجديد الذي إختاره له "محمود" اليوم، صعدت نحو الدور العلوي لتقف أمام بيتها الجديد بجسد مرتجف من السعادة التي غمرتها حين وقعت عيناها على الأثاث الجديد الذي غير المكان تمامًا.

هل تحقق الحلم بعد كل هذا العذاب؟! حتى ما أسمته عذاب إختفى تمامًا من ذاكرتها وهي ترى حلمها حقيقة أمامها، فللواقع لذة تفوق الخيال، ها هو بيتها الصغير الذي طالما حلمت به تقف على أعتابه مع زوج محب وتنتظرهما حياة هادئة مطمئنة، دارت نحو "محمود" تطالعه بإمتنان على ما فعله من اجلها:
- أنا مش مصدقه عنيا، أخيرًا بقى ليا بيت وعيله زي ما كنت بتمنى، مش عارفه أوصف لك يا "محمود" أنا مبسوطه قد إيه، ومش عارفه من غير وجودك في حياتي كنت حبقى عايشه إزاي، شكرًا بجد إنك في حياتي.

وضع كفه بحنو خلف ظهرها ليغلق باب شقتهم بهدوء قائلًا بنبرة محبة:
- ده أنا اللي المفروض أشكرك يا "زهرتي"، لأن لولا وجودك ما كنت عرفت يعني إيه حب وسعاده، نورتي بيتك يا أجمل "زهرة" فتحت في حياتي كلها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مطار القاهرة...
رحلة طويلة ومشقة مرهقة قام بها "نور"، حتى حطت الطائرة بالنهاية بمطار القاهرة، شعر بأن هذه الرحلة كانت أكثر الرحلات إرهاقًا وتعبًا، لا يدري هل هذا فعلًا ما حدث، أم أن حزنه لم يمكنه من تمرير الوقت، لكنه بالنهاية قد وصل لأرض الوطن، هنا سيجد إحساس مختلف بالألفة بالتأكيد، يأمل بأن وجوده هنا سيدفعه للتعافي من ضيق نفسه، لكن ترى هل ستجعله ينسى؟!!!
بقلم رشا روميه 

وصل "نور" بوقت متأخر، فقد حل الليل وزاد حلكة سمائه، لكن تفكيره أصبح مجهد للغاية، فلم بفكر سوى بصديقه "سامح" ليقله للبيت، فهو ليس بحال جيد ليبحث عن سيارة أجرة، أو التحدث مع غريب.

دق بصديقه "سامح" دون تفكير، لكن بعد أن وضع الشريحة المناسبة للهاتف بمصر:
- السلام عليكم، أيوه يا "سامح".

مجرد أن رأى "سامح" رقم صديقه، وتأكد من ذلك بسماع صوته، علا هتاف "سامح" المتفاجئ قائلًا:
- وعليكم السلام، إيه ده؟!! "نور"!!! معقول، إنت هنا!!!! إنت بتتكلم من الرقم المصري.

أجابه "نور" بكلمة واحدة مقتضبة:
- أيوه.

- جيت إمتى؟

تنهد "نور" بقوة، فيبدو أنه قد أخطأ حين إتصل بـ"سامح"، فكل ما أراده هو الذهاب للبيت بهدوء، فلا قدرة له على الحديث، ليردف بنبرة مختنقة:
- لسه في المطار، ممكن تيجي تاخدني مش لاقي عربيات.

- جاي لك حالًا.

قالها "سامح" بحماس رغم تعجبه من قدومه المفاجئ، وعلى الفور إستقل سيارة "نور" التي بحوزته وإنطلق بطريقه نحو المطار، لم يمر وقت طويل حتى وصل "سامح" إلى هناك ليجد "نور" ينتظر خارج المطار يحمل حقيبتيه ويقف بإنتظاره.

ترجل "سامح" من السيارة مبتسمًا لعودة صديقه، حتى لو كانت بدون ترتيب إلا أنه قد إشتاق له بالفعل، ليقابله بترحيب شديد:
- حمد الله على السلامه يا "نور".

عناق بسيط وقبل مثقل بالهموم، جعله يتحرك ببعض الفتور الذي شعر به "سامح"، فبدون أن يتفوه "نور" بكلمة واحدة، إلا أنه أحس بأن "نور" ليس على ما يرام، لكنه أشار نحو السيارة وهو يحمل إحدى الحقيبتين قائلًا بحفاوة:
- دي مصر نورت، تعالى تعالى إركب.

ظن "سامح" لوهلة بأن "نور" سيقود السيارة، لكنه جلس بالمقعد المجاور للسائق بتراخي شديد، مما جعل "سامح" يطالع "نور" بنظرات متفحصة، فالأمر لا يحتاج لذكاء، فملامحه الحزينة المنكسرة توحي بأن هناك خطب عظيم قد حدث، لكنه تعامل مع الأمر بهدوئه المعتاد، ليرسم "سامح" إبتسامة عريضة قبل أن يجلس بمقعد السائق ويقود هو السيارة وينطلق بها.

كان ينظر بين الحين والآخر بجانب عينيه تجاه "نور" الصامت بشكل أثار إرتيابه، ليحاول كسر هذا الصمت الذي طال بينهما، حين بادر بسؤاله:
- بس غريبه، مقولتش ليه إنك جاي، كنت إستنيتك من بدري على معاد الطياره؟

- أصل أنا قررت فجأه إني أنزل.

قالها كما لو أنه لا يود التحدث بالمرة، فمخارج حروفه حملت نبرة حزينة للغاية لم تحتاج للإختباء، فهذا هو "نور"، لا يمكنه إخفاء مشاعره وما يتصارع بداخل نفسه.
بقلم رشا روميه 

أكمل "سامح" بتلقائية:
- عارف، إمبارح "كريم" بعت لي رساله، بيقولي فيها إنك كنت تعبان وإنه قلقان عليك.

كما لو أن مجرد سماعه للإسم أثار إنفعاله، وتذكر حفل خطبته هو و"ليلى" بالأمس، ليهتف بحنق وإنفعال شديدين:
- مش عايز أتكلم في الموضوع ده خالـــــــص، خالص يا "سامح".

أعاد "سامح" رأسه للخلف بإندهاش، يلتزم الصمت لوهلة فهو لا يفهم بالفعل مقصد "نور"، فعن أي موضوع يتحدث، أسند "نور" ذراعه نحو النافذة وهو يريح كفه فوق رأسه بمشهد مأساوي للغاية، تلك النظرة المتحسرة بعينيه جعلت "سامح" لا يستسلم بسهولة، فلن يترك صديقه بهذا الحال دون محاولة لمد يد المساعدة.

ليتذكر أمر "ليلى"، ويجد أن هذا حديث مناسب لجذب إنتباه "نور":
- اا، "ليلى"..اا....

إلتف "نور" نحو "سامح" يطالعه بحدة، ليكرر كلماته الصارمة مرة أخرى على مسامع "سامح" الذي لا يعلم حقيقة عما يتحدث:
- قولت لك مش عايز أتكلم في الموضوع نهائي يا "سامح"!!!

- ليه؟ هو إيه إللي حصل؟!!

إرتجف صوت "نور" بقوة، وإنهزمت حدته وصرامته بشكل واضح، فالجرح ما زال نازفًا، والألم يقطع نياط قلبه المهشم، لترتعش نبرة صوته المتوسلة:
- بالله عليك يا "سامح"، أنا إللي فيا مكفيني، متزودهاش انت كمان عليا، هو خلاص حيتجوزها، أنا خسرتها!!!! كفايه بقى!!! مش عايز أتكلم، كل ما بتكلم بتوجِع أكتر.

إن كان يظن أنه قد أوضح الأمر بما تفوه به، فهو مخطئ، فـ"سامح" لم يفهم مقصده على الإطلاق، بل إن حديثه زاده حيرة وتخبط وعدم فهم، ليتسائل بإستنكار متعجبًا من تلك الطلاسم الغير مفهومة:
- مين إللي حيتجوز مين؟!! وإنت خسرت إيه!!! أنا مش فاهم حاجه أبدًا!!! هي إيه الحكايه؟

تذمر "نور" من إصرار "سامح" عليه للتحدث:
-يووووه.

أقنع نفسه بإلتزام الصمت، رفض أن يتحدث ويوضح الأمر لـ"سامح"، بينما من داخله كان يود أن يخرج كل ما يحبسه بداخله، أراد فرصة ليقص مأساته وآلامه، حتى وإن تظاهر بالعكس.

إرتعشت نبرته بحدة وهو يتطلع نحو "سامح" قائلًا بصوت موجع يحمل مرارة ألم عظيم: 
- "كريم"، "كريم" حيتجوز "ليلى"، إمبارح كانت خطوبتهم، أنا لسه مش مصدق ولا مستوعب كل إللي حصل يا "سامح"، أكيد هو ميعرفش إنها هي، ولا مره إتقابلوا، ولا مره سألني عن حاجه تخصها، ولا مره كلمته عنها هي، كان كلامنا عن عم "عزت"، وإحساسي ناحيتها، يبقى إزاي؟!! أنا حتجنن، حتى أوراق السفر مش هو إللي عملها عشان يشوف إسمها ولا صورتها، وفجأة كده ألاقيهم إتخطبوا، ليه!!! بجد ليه يعملوا فيا كده، أنا ولا عايز أسمع إسمه ولا إسمها.

دهشة لا يمكن إستيعابها، لتتسع حدقتا "سامح" بقوة مستكملًا حديثه مع "نور"، فربما هناك شيء غير واضح أو مفهوم:
- طيب إنت متكلمتش مع "كريم" وفهمت منه الحكايه كلها ليه، لازم تتكلم معاه ومعاها، لازم كل الأمور دي توضح، يمكن "كريم" ميعرفش فعلًا إنها "ليلى" نفسها، طالما لا شافها ولا يعرفها قبل كده، وكمان.......

قاطعه "نور" ينهي هذا الحديث تمامًا، فكل كلمة به موجعة، وكلما زاد بالإستطراد زاده الأمر ألمًا:
- خلاص يا "سامح"، كل الكلام مفيهوش فايده، مش عايز أتكلم خلاص، إحنا قربنا على البيت، نزلني وخد العربيه معاك، وبعدين تبقى تجيب لي المفتاح، يلا سلام.

تفهم "سامح" ألم "نور"، فحزنه متضاعف لخسارته لكلًا منهما، فقد خسر حبه الوحيد، وصديق العمر بطعنة واحدة، صف "سامح" السيارة ليترجل منها "نور"، ليصعد نحو شقته بنفس أنهكها الخذلان.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

حين تشتد الأيام وتزداد ظلامًا، تنتظر أن تمد إليك يد محبة لتنتشلك من وسط الظلام وتضيء عتمة الأيام، تلك هي يد الصديق الوفي، القلعة التي لا تهدمها أيادي الظروف، هو لا يمنع عنك قوة الرياح، لكنه يمنحك الثبات لتصمد أمامها دون أن تنكسر، فحين تهزمك الصعاب يحملك الصديق الوفي دون كلل، فرغم شدة الأزمات إلا أنها غربال يُسقط عنك المزيف وتظهر بها الوفي.
رشا روميه 

وقف "سامح" يطالع "نور" الذي ترجل من السيارة حتى غاب عن أنظاره ليتفكر بالأمر بحيرة، فهناك حلقة مفقودة بالأمر، وربما أتت الفرصة للمساعدة بحلها، وعلى الفور أخرج هاتفه لمحادثة "كريم"، فما حدث يجب أن يتضح بصورة ما، وبالتأكيد حلها لدى صديقه.

سحب "سامح" نفسًا طويلًا قبل أن يجري تلك المكالمة بهدوء شديد، فربما ما يحاول إصلاحه قد يتسبب بإحكام ضيقه بدون أن يشعر، فالأمر حساس للغاية، بدأ حديثه مع "كريم" بطريقته اللطيفة المحببة:
- "كيمو"، أخبارك حبيبي، طمني عليك؟

تخلى "كريم" عن طريقته المازحة، وتحدث بجدية شديدة أكدت لـ"سامح" أن الأمر ليس بالسهولة التي يتوقعها:
- الحمد لله يا "سامح"، كويس إنك إتصلت، أنا دماغي حتشت، مش عارف حاجه عن "نور"، إختفى بجد، مش عارف جرى له إيه!!!

صمت "سامح" لوهلة قبل أن يجيبه:
- "نور" رجع مصر.

صُدم "كريم" من تصرف "نور" المفاجئ، والذي بعكس طبيعته الرزينة بالمرة:
- إيه!!!!! رجع مصر!!!! هو إيه إللي حصل لده كله؟!! أنا مش فاهم حاجه، هو أكيد أكيد محبي عليا حاجه، طريقته وتصرفاته مش طبيعيه خالص.

مط "سامح" شفتيه بتخبط، ليسأل "كريم" عن توضيح لما حدث:
- ده أنا قولت القصه كلها حلاقيها عندك إنت، "نور" مكسور أوي يا "كريم"، أنا عمري ما شوفته كده، وأكيد السبب عندك مش عندي.

وما كانت الحيرة من نصيب "سامح" فقط، بل طالت "كريم" أيضًا، فهو بالفعل لا يدري ماذا أصاب "نور" بالمرة:
- يا إبني ولا أعرف أي حاجه، ما أنا كلمتك قبل خطوبتي، وقولت لك إني خلاص لقيت البنت إللي طول عمري أدور عليها، ويومها عديت على "نور" وكله تمام، وجه معايا الحفله، وفجأه تعب وإحنا في القاعه، ووقع على الأرض، جيت أطمن عليه سابني ومشي من غير ولا سلام ولا كلام، قولت يمكن تعبان شويه ولا حاجه، بعدها بشويه، روحت له الشقه، مرضيش يفتح الباب، ولما روحت له النهارده الصبح أطمن عليه، لقيته مش موجود، إتفاجئت دلوقتِ والله وإنت بتقولي رجع مصر، هي إيه الحكايه؟! بجد دماغي تعبت من التفكير، ومش عارف إيه اللي زعله ولا تعبه اوي كده!!!

إستطاع"سامح" إدراك الأمر، فيبدو أن "كريم" لا علم له بأن "ليلى" هي من أحبها "نور" وتفاجئ بخطبتها لـ"كريم"، وهذا ما سبب له تلك الصدمة القوية، وجعلته يتخذ قرارًا بالعودة بتلك السرعة، ليومئ "سامح" برفق قائلًا:
- أنا كده فهمت.

- طيب ما تفهمني ينولك فيا ثواب، متسيبنيش محتار كده.

أجابه "سامح" بإيضاح صادم:
- خطيبتك يا سيدي، هي نفسها البنت إللي "نور" بيحبها.

فغر "كريم" فاه بإستغراب شديد:
- نعم!!!!! "لالي" هي بنت الراجل ده، عم "عفت"!!!!!

لوح "سامح" برأسه بتملل من نسيان "كريم" المتكرر للأسماء:
- "عزت" يا إبني، "عفت" مين بس، ركز أمال.

- يعني هي حتفرق، "عزت" ولا "عفت"، المهم، فهمني إنت بتقول إيه ( ليردف بنبرة مختنقة، فبعد أن أحب فتاة وشعر بأنها هي من ستملأ حياته سعادة وتكمل معه مشوار حياته، يفاجئ بأنها حبيبة صديقه، وبلحظة يخسر البهجة التي كان ينتظرها، ليكمل حديثه بغصة علقت بقلبه، فقد وضع بين حجر الرحى وعليه إختيار قاس بين سعادته وسعادة صديقه) فهمني بالله عليك، إزاى بنت الراجل ده، تبقى هي "لالي" نفسها، أكيد إنت فاهم غلط!!!!

كم هو مؤلم أن تتخلى عما تحب لمن تحب، فهل ستقوى على إيثار سعادة غيرك وتتخلى عن سعادتك بتلك السهولة!!!

صمت "سامح" لوهلة ليخبره بما قاله له "نور"، وتأكيده بأن كلتاهما شخص واحد:
- "نور" إللي قال لي يا "كريم"، وأكيد هو إللي شايف وعارف، المهم إسمعني كويس، وشوف حقولك إيه...

- إتكلم يا "سامح".

قالها "كريم" بنبرة مختنقة، ليطول حديثهم بين شد وجذب وإيضاح، وفهم كل ما حدث والوصول لحل لتلك الأزمة مهما كان الثمن، ليتفق الصديقان على أن يسافر "كريم" بأسرع وقت لحل هذه المسألة، وأن يأتي بخطيبته أيضًا دون أن يوضح لها الأمر، حتى لا ترفض مرافقته.

وبالفعل حاول "كريم" إيجاد تذكرتين للقاهرة بالغد، لكنه لم يجد إلا تذكرتين منفصلتين على رحلتين مختلفتين، وإضطر لحجزهما فعليه السفر بأسرع وقت كما وعد "سامح"، وعليه القدوم لوضع النقاط فوق الحروف وإنهاء تلك المسألة المعلقة بشكل نهائي.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

لم يزيدني الرحيل إلا يقينًا بأن المسافات لا تداوي، فمازال الحنين ينهش داخلي، أيتها الطرقات البعيدة لقد قطعتك لأهرب، لكن كيف أهرب وقد أصبح موطنك قلبي.
رشا روميه 

ظن "نور" أنه حين يبتعد عن ألمانيا وذكرى المكان الذي تواجد به مع "ليلى" بأنه سيتحسن، سيقدر على التغاضي والتحلي بالقوة لنسيانها، لكنها يبدو أنها قد غيرت عنوانها، وأصبح محله بقلبه، فهل سيقدر على إنتزاعها من قلبه حتى يستطيع نسيانها.

بالكاد حاول أن يغفو، لكن حتى طيفها لم يتركه بأحلامه، لتسكن الوجود كله، والخيال أيضًا، تلك الغفوة البسيطة جعلته يستيقظ ساهرًا بقية الليل بالشرفة الخاصة بغرفته التي حبس نفسه بداخلها منذ عودته، حتى أن والدته شعرت بأن "نور" يعاني، لكنه أخفى السبب بداخله، فلن يقلقها على حاله، ولن يقدر على أن يقص عليها ما حدث.
بقلم رشا روميه 

نظر نحو القمر الذي ينير العتمة بمفرده، يحيط به من السواد ما يحاول أن يطغي عليه، لكنه يقاوم الظلام بضيائه الهادئ، كما لو كان يرسل لها رسالة، بأن رغم وحدته إلا أنه يقف بوجه من يحاول كسره، ويقاومه بنوره.

ظل جالسًا بمقعده يطالع السماء وهي تتبدل من حلكة شديدة لضوء يبزغ قاطعًا السواد بنهار جديد تشرق به الشمس من جديد.

ورغم ضيقه وحزنه لفقد حبيبته التي لن يقدر على نسيانها ويرفض أن يستمر بضعفه والتفكير بها بعد ما فعلته، إلا أنه إشتاق إليها حقًا، فكيف يحمل بداخله الإحساس ونقيضه بذات اللحظة، فتلك هي حياة القلوب، لا سلطان عليها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

في مساء اليوم التالي...
لا تدع سوء الظن يهدم ما بنيته من المحبة، فهناك محبة صادقة لا يمكن تعويض خسارتها، وتذكر حين تبدأ الظن، أن هناك سبعين عذرًا فتخير منهم واحدًا.
رشا روميه 

مطار القاهرة...
لم يكن تركه لصديقه يهيم بآلامه أمر يمكنه النقاش به، هكذا فكر "كريم" الذي حطت طائرته للتو بمطار القاهرة، رحلة طيران جعلته يتذكر سنوات مرت على صداقتهم، ثلاث شخصيات مختلفة بالظاهر، لكن بينهم قوة ترابط تجمع بين قلوبهم لا يمكن أن تهتز، ثلاثتهم يكملون بعضهم البعض، أخوة تلاقوا بغير صلة الدم، كل منهم كان وحيد بعالمه، ليجد برفيقيه نعم السند والصحبة التي دامت لسنوات.

تذكر "كريم" تشاركهم بكل الأوقات، الحزينة والمرحة، القاسية والمنعمة، هو أخ وحيد لأربعة فتيات، و"سامح" وحيد والدته بعد وفاة والده وأخيه، و"نور" أيضًا ليس لديه أخوة ذكور، ليجد كل منهم بالآخرين سند وتكاتف لم يكن ليجده لو كان له أخ من دمه، لهذا فإن ضحى بكل سعادته من أجل أخيه فلن يتأخر، تمامًا كما فعل "نور"، حين علم بخطبته من "لالي" رحل بدون حتى عتاب، فلن يختار سعادته على تعاسة صديقه، وبرغم ما شعر به من ألم وتحطم لقلبه المحب، إلا أنه فضل ألا يخبره بالأمر لأنه رأى السعادة ترتسم بوجه "كريم"، فضل "نور" تعاسته وإنسحب تمامًا من هذا المشهد المؤلم، ليبقى اليوم دور "كريم" بإعادة البسمة لوجه صاحبه من جديد.
بقلم رشا روميه 

خرج "كريم" من المطار ليجد "سامح" بإنتظاره بالفعل، ليتعانقا بمحبة وإشتياق شديد:
- حبيبي يا "سموح"، تصدق وحشتني.

مال "سامح" برأسه وقد لاحت إبتسامة على ثغرة معقبًا:
- بقولك إيه، بلاش حركاتك إللي أنا عارفها دي، خلينا عاقلين الشويه دول، أنا مش حمل مقالب من بتاعتك.

ضحك "كريم" ضحكته المقهقة:
- يا خوااف، ماشي يا يا خجول، ولا خجول إيه!!! ده إنت سبقت الكل وخطبت أول واحد (لم يصبر على تمالك مزاحه ليدغدغ "سامح" بطرف إصبعيه وهو يحرك حاجبيه بشقاوة) حتتجوزي يا بيضا.

كتم "سامح" ضحكته وهو يرمق "كريم" بخفة يلومه على مزاحه هذا:
- ده أنا لسه بقولك نبقى عاقلين ونكملها بجد شويه، وبعدين معاك.

رفع "كريم" يديه بإعتذار تمثيلي:
- حقك عليا يا كبير، طب إيه، عاجبك المطار ولا إيه، هو مفيش عشا في بيتكم!!!

ضحك "سامح" من طريقة "كريم" الساخرة ليدعوه لمرافقته:
- يلا يلا، العربيه أهي، تعالى أعشيك ونقعد نتكلم شويه.

- ماشي كلامك.

إستقلا السيارة ليصلا لبيت "كريم" الذي أسرع بالصعود إليه مشتاقًا لوالديه وإخوته، ثم إستأذن منهم على الفور ليعود لـ"سامح" الذي كان ينتظره بالمقهى القريب.

جلس "كريم" برفقة "سامح" يتحدثان بأمر "نور"، وما أصابه بعد خطبته من "لالي"، ليردف "كريم" بجدية حقيقة متخليًا عن المزاح والسخرية:
- إنت عارف يا "سامح"، إنت و"نور" إخواتي، ومقدرش أبدًا، أبدًا، أكون سبب في ضيق واحد فيكم، ولو سعادتي حتتبني على تعاسة أخويا، تغور، إلا إنت وهو، ده أنا مطلعتش غير بيكم من الدنيا دي.

إبتسم "سامح" برضا وهو يومئ مصدقًا ذلك، فعلاقتهم القوية فريدة من نوعها، ولن يكسرها أي شيء طالما الود المحبة بينهم حقيقة بهذا الشكل، ليعقب بتفهم:
- عارف يا "كيمو"، عشان كده كان لازم تييجي ونخلص الموضوع ده سوا.

نظر "سامح" لساعته متسائلًا:
- هي الطياره الساعه كام؟

نظر "كريم" لساعته مجيبًا:
- هي حتوصل المطار كمان ثلاث ساعات.

- حلو أوي أوي، إسمعني بقى، وطالما متفقين إن مفيش حاجه ممكن تزعلنا من بعض وتفرقنا، يبقى مفيش غير حل واحد.

عقب "كريم" بدون تردد:
- وأنا معاك من إيدك دي، لإيدك دي.

- تمام، شوف يا سيدي...

طالت سهرتهم وهم يرتبون ويخططون كيف سيمكنهم جمع تلك القلوب المحبة، ووضع خطة محكمة للتقريب بين القلوب التي كتب عليها الفراق بسبب سوء الفهم، ليقررا تنفيذ خطتهم صباح اليوم التالي ليتناقشا كثيرًا بتفاصيل الأمر وتنفيذ الخطة.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وما أخذ بالحيلة عليه أن يسترد بالحيلة، فهذا قانون الحياة.
رشا روميه 

في صباح اليوم التالي..

مستشفي الهلال المركزي...
وقف "كريم" بإنتظار "سامح" الذي دلف منذ قليل لمكتب مدير المستشفى بقلق، متخوفًا من أن يرفض فكرة "سامح"، لكنهما على كل حال يجب أن ينفذا خطتهما بدقة.

لم يلبث القليل إلا وقد خرج "سامح" وتظهر على ملامحه علامات الزهو ليندفع "كريم" قائلًا قبل أن يعلم ماذا كان رأي المدير:
- يا جامد يا "سموح"، لا، الظاهر عليك إتغيرت خالص، ده أنا لازم أقابل الكريزه بتاعتك إللي شقلبت حالك خالص كده.

زجره "سامح" بضيق مغلف بمزاح:
- بقولك إيه، إنت بالذات مالكش دعوه بيها، أنا مش ناقص نعمل حكايه تانيه زي "نور".

ضحك "كريم" بلطافة ثم إقترب من صديقه قائلًا بنبرة منخفضة:
- ولو إني قلقان منك، بس خلينا في المهم، قالك إيه المدير بتاعك؟

- الراجل رحب خالص، وقالي هي حاجه غريبه ومش معتاده، بس عشان خاطر "نور"، مفيش مشكله، كده كده فيه أوضه فاضيه مفيهاش مرضى، ممكن نستخدمها.

مط "كريم" شفتيه بخيلاء وبعض من الغرور:
- أيوه كده، خلينا نشوف شغلنا على نضيف، أبدأ بقى خطتك يا بطل، عقبال ما ألف لي لفه في المستشفى الحلوه بتاعتكم دي.

وقبل أن يتحرك خطوة كان "سامح" يجذبه من ذراعه ليعيده إلى جواره:
- تعالى هنا، رجلك على رجلي، وإهدى كده وبلاش حركاتك دي.

تظاهر "كريم" بالطيبة وقلة الحيلة:
- أنا!!!! ده أنا غلبان، هو مفيش حاجه حلوه لـ"كيمو" حبيبك ولا إيه، وبعدين المستشفى بتاعتكم حاجه حلويات، كريز خالـــــــــص.

أنهى عبارته وهو يتابع إحدى الفتيات التي مرت من جواره، ليسحبه "سامح" بالقوة قائلًا من بين أسنانه:
- إتلم أحسن ااااااا......

لوى "كريم" شفتيه بإمتعاض وهو يعيد نفسه برزانة غير معتاد عليها إلى جواره:
- خلاص إتلميت، حتمسك عليا ذله بقى....

ضحك "سامح" وهو يطالع صديقه الذي لن يتغير مطلقًا بمحبة، ليردف بعملية:
- يلا بينا نبدأ الخطه.

- معاك يا حبيب.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

شقة نور بركات...
ساعات خاطفة كانت نصيبه من الراحة لليلة الثانية على التوالي بعد عودته للوطن، حال غريب، ووحدة تعمقت بنفس "نور" الذي إقتصر بقاؤه على غرفته فقط، ليس لمجرد حزن وقلب منكسر، بل يحاول إجبار نفسه على التخطي.

كاذب من قال أن التجاوز ممكن بعد الفقد، فقوة التجاوز تفوق قدرة النفس وتناسي الحبيب، وكيف يمكنه نسيانها وهي لا تفارق قلبه وعقله وعيونه، وحتى أحلامه تستحوذ عليها.
بقلم رشا روميه 

جلس "نور" برفق بمقدمة التخت يفرك يديه بعضهما البعض بلا هدف، ثبتت عيناه على الفراغ بدون شعور، لحظات من الشرود ونسيان الواقع، لينتفض لصوت رنين هاتفه الذي أخرجه من تلك الحالة المغيبة الغريبة التي أصبحت تتكرر كثيرًا بالأيام الأخيرة.

نظر "نور" نحو الهاتف لبعض الوقت يسأل نفسه هل يجيب هذا الإتصال أم يبقى بصمته وإنزوائه الجديد، دفع جبهته للأعلى وهو يغمض عينيه بقوة يدفع بنفسه ليجيب المتصل، سحب نفسًا طويلًا قبل أن يردف بصوت بالكاد يخرج من حنجرته:
- أيوه يا "سامح"؟

لأجل الغاية تبرر الوسيلة، نعم هو يرفض الكذب بشكل قاطع، لا يمكنه تزييف مشاعر أو كلمات، لكنه عليه الآن أن يتقن دوره التمثيلي لأجل إسعاد صديقه، أجبر"سامح" نفسه على التجهم ثم تحدث بنبرة حزينة صادقة:
- "نور"، اااا.......

وقع "نور" بالشراك من الوهلة الأولى، ومن لا يصدق "سامح" الذي لا يكذب أبدًا، فنبرته الحزينة قالت ما لم ينطق به، نجح "سامح" بالفعل من نطق إسمه فقط أن يثير قلقه، ليهتف "نور" بإهتمام:
- مال صوتك يا "سامح"، فيه إيه؟ صوتك زعلان ليه كده؟

تقصد "سامح" التلاعب بأعصاب "نور" ليزيد من خوفه وإثارته بشكل كبير لتنجح خطته التي رسمها مع "كريم"، ليجيبه بدون توضيح:
- بصراحه، عايز أقولك خبر، بس بالله عليك، اوعدني انك تتماسك وتتقبل الخبر.

سخر "نور" من حالة ليجيبه بتصنع اللامبالاة، كما لو أن حزنه يغلب أي شيء آخر:
- قول يا "سامح"، خلاص، معادش فيه حاجه تزعلني أكتر من اللي أنا فيه، قول قول، حصل إيه؟

صمت "سامح" لوهلة يمسك ضحكته التي كادت تفسد الأمر برمته، ليعود لنبرته الحزينة المصطنعة:
- "ليلى" يا "نور"، "ليلى" اااا......

مجرد سماع إسمها جعله ينتبه بقوة، لتعلو نبرة حديثه، فالحزن الذي غلف كلمات "سامح"، وتردده بإخباره بالأمر، يدل بأن هناك شيء عظيم قد حدث لها، وربما شيء مخيف يخشى أن يعرفه، تعالى صدره صعودًا وهبوطًا بقلق، ليتسائل بتخوف:
- مالها!!! جرى لها إيه "ليلى"؟! إنطق يا "سامح"، إيه اللي حصل، إتكلم بلاش تقلقني كده؟!!!

- اوعدني الأول انك حتمسك أعصابك.

وصل تحمله لذروته، واستطاع "سامح" لأول مرة إتقان خديعته الماكرة ذات النوايا الطيبة بإقناع "نور" بأن هناك خطب ما أصاب "ليلى"، ليبقى القليل على إتمام الخطوة الأولى بمهمته، لكن "نور" هتف بإنفعال لعدم تحمل طريقة "سامح"، ليهتف به بحدة وقلة صبر:
- "ســــــــــــــــامح"!!!!! إتكلم بسرعه حرقت أعصابي، كمل كلامك على طول من غير تقطيع، قول مالها "ليلى"؟

وضع "سامح" كفه فوق فمه ليضغط على نفسه بعدم الضحك، أو إفساد الأمر إن ظهر كذبه، ليلكزه "كريم" بقوة وهو يحدجه بنظرات عنيفة ليتمالك نفسه، فما بقى سوى القليل، ليومئ له "سامح" بالإيجاب عدة مرات، ثم عاد لوتيرة الحزن العميق مرة أخرى قائلًا:
- الصراحه، بعد كلامك معايا، كلمت "كريم" وأصريت عليه إنه ينزل مصر، ومعاه "ليلى"، عشان سوء التفاهم اللي حصل، بس للأسف، ااا... ، "كريم" وصل قبلها، وهي في طريقها لهنا عملت حادثه، اسف على اللي حقولهولك، بس ..ااا....

أُرخي جسد "نور" بقوة، وإرتعشت أطرافه ليبحث عن صوته الذي تلاشى من حنجرته، حاول "نور" يدفع بالكلمات عدة مرات، لتخرج نبرة مرتجفة ضعيفة من بين شفتيه متسائلًا بتخوف شديد:
- حادثه؟!!!!!! فين "ليلى"، هي فين؟ إنطق ، هي فين دلوقتِ؟

- عندنا في مستشفى الهلال.

مهما فعلت به، ومهما حطمت من نفسه وقلبه، إلا أنها تظل "ليلى"، عشقه الأوحد، ومالكة قلبه، نهض على الفور دون تفكير هاتفًا قبل أن ينهي مكالمته:
- أنا جاي لك حالًا.

بدل ملابسه بسرعة غريبة وفي دقائق معدودة كان يقف أمام بيته يستقل سيارة أجرة لتقله للمستشفى بدون تأخير.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

وكأن كل ما كان، ما كان، فبدونك أشعر بالتيهة، أعترف بالإنهزام، ففي البعد ينهزم الأكثر حبًا، ليته يعلم كم أفتقده، وليتنى أعرف كيف أنساه.
رشا روميه 

مستشفى الهلال المركزي...
دقائق لا يعلم عددها مرت لهذا الطريق الذي شعر "نور" بطوله، رغم أنه لم يلبث الكثير وقد وصل بالفعل للمستشفى، ترحل من السيارة بخطوات متعجلة، ليزيد من سرعتها راكضًا نحو الداخل.

تباطئت خطواته حين وقعت عيناه على "كريم" و"سامح" اللذان وقفا بصمت حزين، يناظران الأرض بشكل درامي منكسر، ليهوى قلبه بين أضلعه من هيئتهما، برودة قوية إجتاحت جسده وإختلج قلبه بقوة، ليحل به شعور فزع من فقدها.

ثبتت عيناه على صديقيه يحدق بهما، يحاول أن يستشف ما حدث قبل أن ينطق أحدهما به، إبتلع ريقه المتحجر قبل أن ينطق سؤاله بينما يخشى سماع الإجابة عنه:
- إنتوا واقفين كده ليه؟ "ليلى"، فين "ليلى"؟!!!!!

مؤازرة "كريم" لـ"سامح" حين لاحظ مجئ "نور"، ساعدت "سامح" كثيرًا بألا يشفق على صديقه من الحزن ويستكمل هذه التمثيلية الدرامية، ليقف "سامح" منكس الرأس، ملتزم للصمت تمامًا بعد سؤال "نور" عن "ليلى".

تطلع "نور" بـ"كريم" فربما يخبره بكلمة تريح من قلبه المتعب، لكن "كريم" كان أمهر بإظهار تأثره البالغ وحزنه العميق، لكنه ظل صامتًا أيضًا، ليثار جنون "نور" من صمتهما المبالغ فيه، يريدهم أن ينطقا، أن يخبراه بأنها على ما يرام، ألا يتركانه للظنون وقسوتها.

نهج صدره بقوة وبدأ يشعر بالإختناق، ليمد "نور" يديه يمسك بكتفي "سامح" بقبضة قوية للغاية، ينهره عن هذا الصمت، ليرجه بين يديه عدة مرات ليحثه على النطق، وإن يطمئن قلبه قبل أن يُقتلع من مكانه قلقًا على "ليلى":
- مالها يا "سامح"، إنطق، قولي فين "ليلى"؟!!!! قولي انها كويسه، قول متفضلش ساكت كده!!!!!!

أغمض "سامح" جفنيه وهو يزيد من طأطأة رأسه المنكسة حتى لا تفضحه عيناه، ليجيب بنبرة مترددة:
- آسف يا "نور"، "ليلى" اااااا، ماتت.

لحظة فاق ألمها ألف خنجر وخنجر غرس بقلبه، أنهت تمامًا قدرته على التماسك والقوة، لحظة من الإختناق والضياع، سُحبت روحه تمامًا وينعدم الهواء من رئتيه، أسقط ذراعيه عن كتفي "سامح" لتخر قواه ويسقط بإنهيار على الأرض مصدرًا صوت إصطدام قوي، ليهوى فوق ركبتيه صارخًا لفقدانها:
- اااااه يا "ليلى"!!!!

لحظة فراق مختلفة تمامًا عن تلك التي عاشتها، هكذا رأته "نسرين" وهي تتابع لحظة إنهيار "نور" من بعيد، حيث وقفت بزاوية جانبية لم يلاحظ أحد وجودها وهي تتابع بأعين حزينة مقدار حب "نور" لـ"ليلى"، تلك المشاعر التي كانت تتمنى أن تكون هي صاحبتها، ضيقت عينيها بقوة وتجهم وجهها المراقب للأمر، فها هو "نور" أمامها، عاد من بعده، وحانت اللحظة الحاسمة لتدابير القدر.

ويبقى للخاتمة بقية،،

انتظروا الخاتمة الثانية 

تعليقات