رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الخاتمة الثانية بقلم سيلا وليد

 





رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الخاتمة الثانية 

اللهم انك عفو كريم تحت العفو، فاعف عنا"

لــكــل نــهــايــة أثـــــر، واليوم نصل إلى الأثـــــر الذي تركته الــــحــــكــــايـــة خلفها...

تلك اللحظة التي نكتشف فيها أن الوصول إلى آخر الطريق لا يعني أن كل شيءٍ قد انتهى، فبعض الحكايات لا تُغلق أبوابها بانتهاء أحداثها، وإنما تبدأ حقيقتها في الظهور بعد أن يُسدل الستار.

يا من عبرتَ الحكاية...

لقد تجاوزتَ الخاتمة الأولى، ورأيتَ ما آل إليه مصير أبطالنا حين وضعت الأيام أوزارها، لكن ما رأيته لم يكن سوى وجهٍ واحدٍ لما كان يمكن أن تكون عليه الحكاية.

وهذه ليست النهاية الأخيرة...

بل النهاية الثانية من بين ثلاث نهايات، حيث نعود إلى الطريق ذاته، لكن من زاويةٍ أخرى، ونكشف لك جانبًا لم تمنحه النهاية الأولى فرصةً للظهور.

هنا، قد تتغير بعض الملامح، وقد تتبدل بعض المصائر، وقد تكتشف أن ما حسبته يقينًا لم يكن سوى احتمالٍ واحدٍ من احتمالاتٍ كثيرة.

ثلاثة ختامات، وثلاثة احتمالاتٍ لمصير الحكاية...

وقد رأيتَ أولها.

أما الآن...

فدعنا نفتح الباب الثاني، ونرى إلى أين كان يمكن أن تقودنا الحكاية، لو اختارت الأيام طريقًا آخر.

السلام عليكم ورحمة الله 
قبل ماندخل في الحكاية، عايزة انوه لحاجة مهمة 
أنا بكتب من 2022 تقريبا اول رواية كانت شهر تسعة، كتبت وهم الحب وكنت بدأت كهواية، وحبي للقراءة ومكنتش واخدة الموضوع جدي، لحد مااصدقائي عجبهم وهم الحب رغم ان اخطائها كتير، وبدأو يشجعوني، من يوم مابدأت مشوار الكتابة، عمري ماجيت على وقتكم، بالعكس كان الرواية يومين في الأسبوع وكنت بنزل تلاتة واربعة ايام تمرد
الوقت دا مسؤليات مكنتش كبيرة، كان اكبر ابن ليا لسة في ابتدائي، وبناتي التوأم كانوا سنتين، ورغم كدا عمري ماقصرت مع اي حد، رسايل كنت برد، ريفيوهات الجروب كنت برد 
بس باجي عند الواتباد... الصراحة مكنتش برد، ودا مش علشان قلة تقدير، بس كتير اوي، وفيه فئة منهم مكنوش يعرفوا ربنا حقيقي 
منكرش اننا ميولنا مش زي بعض، لكن اللي اعرفه، الرواية لما ماتعجبنيش بنسحب، مابروحش اكتب كومنت لكاتبة في جروبها او جروب غيرها لمجرد الاستظراف وانك افهم واحدة 
قولت عقولنا مش واحدة، وكل واحد بيكون ميال لفئة معينة، انا اه مابقرأش من وانا طفلة، بس بقرأ من 2012 عشر سنين عمري مااسأت لكاتبة، ولا حتى دخلت استظرفت عليها اتأخرتي بالفصل ليه 
رغم ان فيه كاتبة فضلت تكتب في روايتها تلات سنين، وجزء واحد من تلاتين فصل، بس عذرتها لانها ام في الاول والاخر
انا كنت باخد من وقت ولادي علشان اكتب فصل معدي١٠ الاف ورغم تعبي واجهادي في الفصل، لكن كلمة الفصل تحفة ياسيلا
دي بطيب خاطري، وتنسيني وجع الوقت اللي قعدت اكتب فيها، حتى لو الرأي مخالف، لكن المناقشة بكل احترام 
يعني من الاخر عمري مافكرت اني ادلع عليكم او اخر فصل علشان تفاعل وغيره
رغم ان التفاعل بيشجعني، لكن والله عمري ماكتبت فصل واجلته علشان تفاعل ابد
ظروفي الايام دي مش احسن حاجة، ورغم كدا بضغط على نفسي علشان اكون موجودة معاكم طول الوقت، حاولت طول الاسبوع اللي فات اكتب، بس مقدرتش، كنت فاقدة الشغف في الرواية نفسها، لاسباب كتيرة 
وبالنسبة لنوفيلا عمران وليلى، دي بكتبها لمجرد استراد صفحتي اللي الفيس حاطط عليها، لو ركزتوا في السرد والحوار مش هتلاقوني فيه، كنت بكتب اي حاجة علشان الصفحة فقط
مكنش ينفع ادخل شظايا بظروفي دي
والله ولسة عندي ظروف ورغم كدا كتبت لكم فصل طويل، علشان بس النفوس المريضة اللي ماشية تقول، بتدلع علينا علشان الرواية شدانا وناجحة
حضرتك انا تعبت جدا واتحاربت كتير جدا في الرواية دي، فين الدلع هنا، هاجي ادلع عليكم في الخاتمة، ماتعقلوا يابنات، هو انتوا في بيتي علشان تعرفوا ظروفي 
طولت عليكم بالكلام، بس حبيت اوضح النقطة دي 
وقت مابخلص الفصل، والله مابستنى حد يقولي نزليهاقترب عمران منها بخطواتٍ بطيئة، حتى وقف أمامها تمامًا، ثمَّ أحاطها بذراعيه في لحظة لم يمنح فيها لعقله فرصة ليفكِّر.
انتفض جسد فرح بين ذراعيه، واتَّسعت عيناها المرتعشتان، بينما ارتجفت شفتاها وهي تحاول استيعاب ما يحدث:
_لو سمحت يا دكتور...ابعد شوية.
خرج صوتها ضعيفًا مرتجفًا، وكأنَّها تحاول أن تتمسَّك بما تبقَّى لها من ثبات:
_مينفعش كده...
ترقرقت الدموع في عينيها، ولم تستطع منع واحدة منها من الانحدار فوق وجنتها.
تجمَّد عمران في مكانه.
ظلَّ يحدِّق بها بصمت، عاجزًا عن تفسير ذلك الارتجاف الذي أصاب قلبه لمجرَّد رؤية دمعة في عينيها.
ولم يشعر بنفسه إلَّا وإبهامه يمتدُّ نحو وجنتها، يمسح الدمعة التي خانتها وسقطت دون استئذان.
لكنَّها ما إن شعرت بلمسته حتى خفضت رأسها سريعًا، وكأنَّها تخشى أن تفضح عيناها ما يعصف بداخلها.
ارتفع صدرها وهبط بعنف، تتنفَّس بصعوبة، بينما كان عمران يراقبها وكأنَّ شيئًا داخله يُنتزع منه.
استوعب أخيرًا ما يفعله.
تراجع خطوة إلى الخلف، وأدار ظهره عنها، ثم مرَّر يده بين خصلات شعره بعصبية:
_أنا بعمل إيه؟
خرجت منه همسة مختنقة، ثم أغمض عينيه لحظة، يلعن نفسه على ضعفه.
كيف سمح لنفسه أن يقترب منها هكذا؟
كيف ارتجف قلبه لدمعة واحدة منها؟
لا...ليس مرَّةً أخرى.
فتح عينيه، وكأنَّه يحاول أن يقنع نفسه قبل أن يقنعها:
_لا...لا يا عمران..مفيش حبّ تاني.
التقط أنفاسه، ثم اتَّجه إلى أشيائه وجمعها سريعًا، وكأنَّه يريد الهروب من المكان قبل أن يرتكب حماقة أكبر.
أمَّا فرح، فلم تنتظر لحظة أخرى.
فتحت باب المكتب وركضت إلى الخارج، والدموع تسبق خطواتها.
كانت تسير بلا وعي، لا ترى أمامها ولا تسمع شيئًا، وكل ما يشغلها أن تبتعد... أن تصل إلى سيَّارتها وتغلق الباب على نفسها، بعيدًا عن عينيه، عن صوته، وعن ذلك الشعور الغريب الذي تركه اقترابه في قلبها.
لكنَّها لم تكن تعلم أنَّ هناك عينين كانتا تراقبانها منذ اللحظة التي دخلت فيها مكتب عمران.
بالخارج...
كانت جنَّات قد خرجت من القاعة متَّجهة إلى مكتب عمران، لكنَّها توقَّفت حين رأته يدخل مع فرح.
تردَّدت للحظات، ثم اقتربت بخطواتٍ هادئة.
وحين لم تسمع شيئًا، دفعتها الغيرة والفضول إلى فتح جزءٍ صغير من الباب.
تسلَّلت عيناها إلى الداخل.
رأت عمران واقفًا أمام فرح، ورأت قربه منها...ثم رأت تلك الابتسامة التي ارتسمت على وجهه وهو ينظر إليها ويتحدَّث، وحوارهما عن زراير القميص.
تجمَّدت ملامحها..وتذكَّرت ابتسامته...
ذلك الرجل الذي طالما حاولت أن تنتزع منه ابتسامة واحدة، كان يمنحها الآن لفتاةٍ أخرى بكلٍّ سهولة.
قبضت أصابعها على حافَّة الباب، وشعرت بشيءٍ حارق يصعد إلى صدرها.
لكن ماان رأت خروج فرح من المكتب باكية.
تحرَّكت جنات خلفها على الفور، وقد اختفى الفضول وحلَّ محلَّه شيء آخر...شيء لم تستطع هي نفسها أن تسمِّيه.
كانت فرح تركض بلا وعي، تمسح دموعها بعشوائية، ولا تريد سوى الوصول إلى سيارتها.
وفجأة، وقفت جنات أمامها وقطعت عليها طريقها:
_مالك، بتجري كده ليه؟
رفعت فرح عينيها إليها، والدموع ما زالت عالقة بأهدابها.
حدَّقت في وجهها للحظات.
وجه مألوف..لقد رأتها من قبل.
لكن أين..ومتى؟
تجمَّدت ملامح فرح وهي تحاول أن تستعيد من ذاكرتها ذلك الوجه الذي مرَّ أمامها ذات مرَّة، بينما كانت جنات تراقبها بعينينِ تحملان الكثير من الأسئلة...والكثير من الغيرة التي لم تعد قادرة على إخفائها.

_إنتِ مين؟
مدَّت جنات شفتيها بابتسامة جانبية، ثم اقتربت منها خطوة، تتفحَّصها بنظراتٍ متفحِّصة:
_كنتِ بتعملي إيه في مكتب عمران، وخارجة منه بتعيَّطي ليه؟ إيه...ما يكونش سعادة الدكتور عمران ما سمعش كلامك وقفل زراير القميص؟
ارتبكت فرح للحظة، واتَّسعت عيناها بذهول، وكأنَّ كلماتها صفعتها دون سابق إنذار:
_إيه اللي بتقوليه ده! إنتِ اتجنِّنتي؟
وقبل أن تسترسل في الرد، تحرَّك من جوارهما وهو يرتدي نظَّارته السوداء، يسير بخطواتٍ ثابتة، وملامحه جامدة كأنَّه لا يرى أحدًا أمامه..مرَّ بجوارهما دون أن يلتفت، وكأنَّه لم يعرف أحدًا من الأساس.
التفتت فرح لا إراديًّا على الحركة، كانت خطواته سريعة.
تعلَّقت عيناها به للحظة، ثم أسرعت تخفضهما، بينما كان قلبها يصرخ بكل ما عجز لسانها عن قوله.
رمقته جنات بطرف عينيها، ثم تحرَّكت خلفه:
_دكتور عمران...
خرج صوتها بنعومة مقصودة، يحمل من الإغواء ما يكفي ليجعله يتوقَّف.
التفت عمران.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة:
_إزيك يا جنات؟
وصل صوته إلى فرح بوضوح.
وكان ذلك كافيًا...إلى أنَّ شيئًا انكسر داخلها في اللحظة نفسها.
استدارت سريعًا، تخفي ارتعاشة شفتيها، واتَّجهت إلى سيارتها بخطواتٍ متعجِّلة، قبل أن تفضحها دموعها أمامه.
فتحت الباب وصعدت، وأغلقته خلفها بسرعة، ثم همست للسائق بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا، لكنَّه خرج مخنوقًا:
_يلَّا...امشي.
تحرَّكت السيارة، بينما بقي عمران واقفًا مع جنات.
كان يتظاهر بالاهتمام بحديثها، يهزُّ رأسه بين حينٍ وآخر، بينما الحقيقة أنَّه لم يستمع إلى كلمة واحدة.
كل ما كان يسمعه هو صوت فرح.
وكل ما كان يراه أمام عينيه...دموعها.
تذكَّر ارتباكها، وانكسار نظرتها، والجملة التي قالتها في مكتبه.
ودون أن يشعر، ارتفعت أنامله إلى مقدِّمة قميصه، وأمسك بأحد أزراره وأغلقه.
توقَّف للحظة..ينظر إلى أصابعه بدهشة، التي تغلق القميص ثم ابتسم ابتسامة صغيرة موجوعة، وكأنَّه أدرك أخيرًا أن تلك الحركة لم تكن عفوية كما أقنع نفسه.
نظرت جنات بابتسامة بعدما ظنَّت أنَّ ابتسامته بسبب حديثها، فاستمرَّت في الكلام حتى انتهت:
_إيه رأي حضرتك؟
انتبه عمران فجأة.
رمش عدَّة مرَّات، ثم نظر إليها وكأنه عاد للتو إلى حديثها:
_أها؟
اتَّسعت ابتسامتها:
_خلاص، بكرة هعدِّي على حضرتك، ونتِّفق.
قطب جبينه باستغراب:
_نتفق على إيه؟
اختفت ابتسامتها للحظة، وقالت بدهشة:
_على اللي أنا قولته.
رفع يده إلى جبينه وفركه بتعب، محاولًا أن يخفي شروده:
_آسف يا جنات...اليوم كان طويل، وأنا مش مركِّز في أي حاجة. ممكن نتكلِّم بعدين؟
_آه طبعًا.
ما إن قالتها حتى اتَّجه عمران إلى سيارته سريعًا.
كأنَّه كان ينتظر تلك اللحظة تحديدًا...
لحظة يستطيع فيها الهرب.
فتح الباب، جلس خلف المقود، وأدار المحرِّك وانطلق دون أن يلتفت خلفه.
ورغم ابتعاده، إلَّا أنَّ فرح لم تبتعد.
ظلَّ وجهها عالقًا في ذهنه، كلماتها ضحكتها بل دموعها التي تطارده، ونظرتها المكسورة تعود أمام عينيه حين اتَّجهت إلى سيارتها، رغم تصنُّعه بعدم رؤيتها. 
ظلَّ يقود لبعض الوقت، حتى وجد نفسه فجأةً يضغط على الفرامل.
توقَّفت السيارة...نظر للخارج وجد نفسه أمام النيل. 
أسند رأسه إلى المقعد، ثم أغمض عينيه..
فظهرت صورتها مرَّةً أخرى،عيناها البريئة، ودموعها السريعة، ابتسم للحظات، وهو يتذكَّر حين جلس بجوارها بالاختبار.
وتذكَّر غيرته المجنونة عليها حين ارتدت رداءً قصيرًا ضيِّقًا، واليوم خُتمت بحديثها، هنا فتح عينه ينظر أمامه.
خرج صوته مخنوقًا، يحمل عتابًا لنفسه أكثر ممَّا يحمل عتابًا لها:
_وبعد هالك يا فرح؟
ابتلع غصَّته، وضغط على المقود بقوَّة:
_إيه اللي دخَّلك حياتي؟

مرَّت ضحكةٌ مريرة على شفتيه، ضحكة لم تحمل أي أثرٍ للفرح، بل كانت أشبه باعترافٍ موجع خرج من بين أنفاسه:
_أنا كنت عايش...مبسوط.
صمت للحظات، وانخفض صوته حتى صار أشبه بهمسة مكسورة:
_مش عايز وجع تاني.
أغمض عينيه بقوة، وكأنَّه يحاول أن يمنع الماضي من التسلُّل إلى رأسه...
لكن الماضي لم يكن يحتاج إلى دعوة.
عاد إليه كل شيء.
عاد إلى تلك الفتاة التي ظنَّ يومًا أنَّها أحبَّته، بينما كانت تقترب منه لغاية أخرى...لم يكن هو سوى الطريق الذي أرادت أن تعبر من خلاله إلى والده.
كان قد أفنى قلبه من أجلها، ووضع ثقته كلَّها بين يديها، بينما كانت هي تحسب خطواتها ببرود.
وتردَّدت في رأسه كلمات والده، كأنَّها قيلت منذ دقائق:
_البنت دي مش كويسة يا عمران... اسمع مني، أبوها مش كويس.
رفع عمران رأسه بعناد شابٍّ ظنَّ أن الحبَّ وحده يكفي:
_بابا...أنا بحبَّها، وهتجوزها.
اشتعل الغضب في عيني إسحاق:
_إنتَ مجنون! تتجوز وإنتَ لسه متخرَّجتش؟!
وقبل أن يشتعل الجدال أكثر، تدخَّل حمزة محاولًا تهدئة الموقف:
_طيب يا عمران، امتحاناتك الشهر الجاي، خلَّصها الأوَّل، وبعدها لكلِّ حادثٍ حديث.
استدار إسحاق إليه بحدَّة:
_وإنتَ بتقول إيه إنتَ كمان؟
تنهَّد حمزة، ثم اقترب من عمران:
_اسمعني يا ابني...مش كل شوية تدخَّل نفسك في حكاية، البنت دي ابعد عنها، أبوها شغَّال في حاجات شمال يا متخلِّف!
ارتفعت نبرة عمران بعناد:
_ميهمنيش أبوها...أنا هتجوِّزها هيَّ.
رمقه إسحاق بنظرةٍ طويلة، ثم قال بمرارة:
_وقَّفه يا حمزة...قولُّه من كام شهر واحدة ضحكت عليه، ولسَّه مش اتعلِّم.
ثم خرج، تاركًا خلفه ابنًا أعمى بالحب، لا يرى في تحذيرات والده سوى محاولةٍ لإبعاده عن الفتاة التي ظنَّ أنَّها ستكون حياته.
لكنَّها كانت تعرف كيف تلوِّن الحقيقة.
مرَّةً بالحنان، ومرَّةً بالدموع، ومرَّةً بكلمات الحب التي جعلته يغرق أكثر فأكثر، حتى أصبح لا يرى العالم إلَّا من خلالها.
إلى أن استيقظ ذات يوم على الكارثة.
فتح عينيه ليجد نفسه في مكانٍ لا يعرفه، ثيابه مبعثرة، ورأسه ثقيل بصورة جعلت أفكاره تتصارع داخله.
وهي..كانت إلى جواره.
حاول أن يستعيد ما حدث، فلم يجد سوى فراغٍ أسود يبتلع الساعات الماضية.
آخر ما يتذكَّره أنَّه كان جالسًا مع صديقه...
ثم لا شيء.
نهض مرتبكًا، التقط ثيابه وارتداها بسرعة، بينما فتحت هي عينيها، وكأنَّ شيئًا طبيعيًا لم يحدث.
ابتسمت:
_صباح الخير يا حبيبي.
توقَّف للحظة، ثم استدار إليها، وملامحه يملؤها الذهول:
_خير! خير إيه..أنا جيت هنا إزاي، وإنتِ...إنتِ بتعملي هنا إيه؟!
لم ينتظر إجابة.
اندفع خارج الغرفة، ليجد صديقه واثنين آخرين يجلسون في الخارج.
ابتسم أحدهم ابتسامة باردة:
_العريس صحي أخيرًا.
نظر عمران إليه بعدم فهم:
_عريس مين؟!
ضحك الآخر محاولًا تمرير الأمر:
_معلش يا جماعة...العريس كان متقَّل شوية.
اقترب عمران منهم، وقلبه يخبط بعنف:
_حد يفهِّمني...إيه اللي حصل؟!
نظر إليه صديقه باستغرابٍ مصطنع:
_معقول مش فاكر؟ شروق جت، وإنتَ ما صدَّقت تشوفها..قعدتوا سوا، وبعدها فجأة لقيناك جايب المأذون وكتبتوا الكتاب.
اتَّسعت عينا عمران:
_إزاي؟! أنا مش فاكر حاجة من ده!
خرجت شروق خلفه، وعلى وجهها ابتسامة مستفزَّة، ثم رفعت يدها أمامه:
_يعني إيه مش فاكر؟ روح شوف بنفسك...
توقَّفت لحظة، ثم أضافت ببرود:
_الجواز رسمي يا حبيبي.
شعر عمران بأنَّ الأرض تميد تحت قدميه.
وفي تلك اللحظة ، اقتحم إسحاق المكان.
نظر إلى ابنه طويلًا، ثم إلى الفتاة، قبل أن يصرخ في رجاله:
_لمُّوا العيال دي!
ثم اتَّجه نحو عمران، وعيناه تحملان خيبة لم يرها عمران في وجه أبيه من قبل:
_ليلة واحدة أبات فيها برَّة البلد... أرجع ألاقي ابني في شقَّة بالشكل ده، مع واحدة أبوها تاجر سلاح!.
ارتبك عمران فقالت الأخرى:
_مسمحلكش يا عمُّو...
لكن إسحاق لم يلتفت إليها.

وقبل أن يستوعب عمران ما يحدث، كان إسحاق قد دفعها بعيدًا عنه، لتسقط أرضًا.
صرخت وهي تنظر إلى عمران:
_إنتَ واقف ليه، أبوك ضرب مراتك وإنتَ بتتفرَّج؟!
تجمَّد إسحاق مكانه.
استدار ببطء نحو ابنه، وكأنَّ الكلمة التي قالتها للتو كانت كفيلة بإشعال النار في المكان كلِّه:
_البتِّ دي بتقول إيه؟
حدَّق عمران بها، عاجزًا عن استيعاب أي شيء:
_معرفش...
ضحكت شروق بخبث، ثم قالت:
_اتجوزنا يا عمُّو...ورسمي كمان.
لم يشعر عمران إلَّا ويد والده تهوي على وجهه.
صفعة واحدة...
لكنَّها كانت كافية لتسكت كل شيء داخله.
تجمَّد في مكانه، ورفع عينيه إلى أبيه بصدمة.
لم يكن ألم الصفعة هو ما هزَّه...
بل نظرة الخيبة في عيني إسحاق.
أمَّا شروق، فتراجعت خطوة إلى الخلف، وكأنَّها أدركت فجأةً أنَّ الأمور خرجت عن سيطرتها.
فقال إسحاق بصرامة:
_على البيت.
ثم التفت إليها، وأمسكها من ذراعها:
_جواز إيه يا بت، إنتِ فاكرة إنِّي مش عارف تاريخك؟ ماشية مع نصِّ الجامعة وعايزة توصلي لابني بأي طريقة!
صرخت:
_إنتَ ظالم!
فجأةً انفجرت ضحكتها بصورة هستيرية، ثمَّ صاحت:
_هقتله!
توقَّف عمران عند الباب.
استدار ببطء.
_هقتل ابنك...زي ما بتقتل الناس! هندِّمك عليه، زي ما قتلت أخويا وخطيبي في التعذيب علشان أوهامك المريضة!
تحوَّلت ملامح إسحاق إلى صدمة خالصة.
ثم صرخ في رجاله:
_خدوا البتِّ دي من هنا!
لكنَّها، وفي لحظة فوضى وانهيار، اندفعت نحو الطاولة، والتقطت شيئًا حادًّا قبل أن يتمكن أحد من الوصول إليها.
شهقت الأصوات..وتوقَّفت الدنيا للحظة.
ثم سقطت أمام أعينهم.
صرخ أحد الرجال، بينما اندفع إسحاق نحوها، وتجمَّد عمران في مكانه، عاجزًا عن فهم ما يراه.
لم يسمع بعدها شيئًا..لا صراخ الرجال...
ولا خطواتهم...ولا الأصوات التي امتلأت بها الشقَّة...لتمضي الأيام، وبعدها يعلم أنَّ والده سجنها، وقام بتعذيبها بعد إنقاذه لها.
ثم نفى عمران خارج مصر سنتين. 
خرج من شروده على رنين هاتفه:
_أيوة يا ماما. 
_حبيبي اتأخَّرت، يلَّا علشان هنروح كمبوند الشافعي.
_ماليش مزاج يا ماما. 
_مينفعش حبيبي، باباك عايزك. 
_إيه المناسبة؟. 
_جدِّة شمس عاملة عشا جماعي للكل، قبل دخول رمضان، وعزمتنا بعد اللي حصل لهم.
_تمام أنا جاي. 
بعد فترة.. 
كانت طاولة طويلة بحديقة منزل إلياس، تعجُّ بالطعام المختلف، وبجانبٍ آخر، المشروبات. 
توقَّفت فريدة على رأس الطاولة تتابع بعينيها كل التجهيزات.
🔥🔥🔥
بعد قليل، بدأت الحديقة تمتلئ بأفراد العائلة، بينما وقف أرسلان وإلياس في استقبال الضيوف القادمين من خارج الكمبوند، يرحبان بهم واحدًا تلوَ الآخر.
كانت أولى السيارات التي توقَّفت أمام الحديقة سيَّارة إسحاق الجارحي، الذي ترجَّل منها برفقة زوجته، بينما توقَّفت سيَّارة أخرى خلفهما تقلُّ حمزة وشمس، وبعدهما بدقائق وصلت سيَّارة عمران.
ابتسم أرسلان فور أن لمح إسحاق، واتَّجه نحوه مرحبًا به بحرارة:
_إسحاق باشا...منوَّر والله.
صافحه إسحاق بابتسامة ودودة، ثم ربت على كتفه قائلًا:
_عامل إيه يا أبو بلال؟
_كويس الحمد لله، حضرتك عامل إيه؟
ابتسم إسحاق وقال بثقة:
_أحسن...الحمد لله.
ثم اتَّجه إلى إلياس نحو مقاعد الجلوس، بينما تقدَّم أرسلان وفريدة للترحيب بدينا:
_إزي حضرتك يا مدام دينا؟
هزَّت رأسها بابتسامةٍ لطيفة:
_الحمد لله يا أرسلان، بخير.
وفي تلك اللحظة، اقتربت رحيل منها وألقت عليها التحيَّة، قبل أن تصل ميرال وغرام إلى الحديقة.
استقبلتهما ميرال بابتسامةٍ واسعة، ثم التفتت إلى دينا قائلة:
_نوَّرتينا يا دينا.
ابتسمت دينا وهي تردُّ عليها بود:
_البيت منوَّر بأهله.
توالت السيَّارات في الوصول، حتى توقَّفت سيَّارة آدم أمام الحديقة.
ترجَّل آدم أوَّلًا، ثم التفت إلى زوجته وأولاده، قبل أن يتَّجه بخطواته نحو أيلين ليستقبلها، بينما نزلت فرح من السيَّارة التي كانت برفقة شقيقها، واتَّجهت نحوهما بابتسامة وهي تلقي التحيَّة على الجميع.
ازدحمت الحديقة بأصوات الترحيب والضحكات، وتعانقت الأيادي وتبادلت العائلة عبارات الشوق والسؤال عن الأحوال، وكأنَّ غياب الأيام لم يكن سوى لحظاتٍ عابرة.
وبعد أن اكتمل وصول الجميع، تجمَّعوا حول الطاولة الكبيرة التي توسَّطت الحديقة، وجلس كلٍّ منهم إلى جوار الآخر.
ساد المكان جو عائلي دافئ، تختلط فيه الأحاديث والضحكات، بينما كان إلياس وأرسلان يتابعان الجميع بسعادة، مرحبين بضيوفهم وكأنَّهم جزء لا يتجزَّأ من هذه العائلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أحد أركان الحديقة، كان حمزة يجلس إلى جوار يوسف، بينما استقرَّت شمس تحت ذراعه، وطفلهما تميم بين ذراعي يوسف، يعبث بأصابعه الصغيرة في وجهه ويضحك.
اتَّجه حمزة بهدوء الى يوسف:
_أنا سمعت من بابا اللي حصل...بس معرفش ليه البنت دي عملت كده؟
لم يهتم يوسف، واكتفى بإجابة مقتضبة، وكأنَّه لا يريد للحديث أن يطول:
_معرفش.
ثم أمسك بكفِّ تميم الصغير، ورفعه أمام عينيه وهو يبتسم:
_تميم فين بابا؟ 
رفع الصغير إصبعه وأشار إلى حمزة، ثم صفَّق بكفَّيه بحماس، فانفلتت من يوسف ضحكة حقيقية، وهو ينهض ويبدأ في التحرُّك ببطء خلفه.

ركض تميم بخطواته الصغيرة، بينما تبعه يوسف بحركاتٍ ثقيلة، يضحك كلَّما التفت الصغير إليه.
كانت شمس تراقبهما بصمت.
لم تستطع أن تمنع عينيها من التعلُّق بأخيها، بذلك الفرح الصغير الذي يختطفه من طفلٍ لم يكن له ذنب في كلِّ ما يؤلمه.
انخفضت عيناها، وتمتمت في سرِّها بقلبٍ موجوع:
_يارب...فرحة طفل تسعد أخويا حبيبي، يارب تعوَّضه عن كلِّ حاجة نفسه فيها.
 أمسك يوسف بكفِّ تميم، وتحرَّك معه في الحديقة، بينما الصغير يضحك بصوتٍ مرتفع، وكأنَّ العالم كلِّه اختُصر بالنسبة له في لعبةٍ بسيطة مع خاله.
التفتت شمس إلى حمزة، ولم تستطع الاحتفاظ بما في قلبها أكثر:
_يوسف صعبان عليَّا أوي يا حمزة لمَّا بشوفه كده مع الأطفال، قلبي بيوجعني.
ضمَّ حمزة رأسها إلى صدره، وربت على كتفها بحنان:
_حبيبتي...الأرزاق ربِّنا موزَّعها، وكلِّ واحد ليه رزقه ونصيبه، يمكن ربِّنا كاتب له رزق في حاجة تانية، حاجة تعوَّضه عن كلِّ اللي نفسه فيه.
ابتسمت ابتسامة باهتة، بينما لمعت الدموع في عينيها:
_عارفة والله...بس الموضوع مؤلم، أخويا يستاهل يكون أب.
انحنى حمزة وطبع قبلة حنونة على رأسها:
_وإن شاء الله هيفرح...وربِّنا هيعوَّضه عوض يخلِّيه ينسى كلِّ الوجع ده.
في تلك اللحظة، نهضت ميرال واتَّجهت نحو يوسف، الذي كان لا يزال يلاعب تميم:
_ضي منزلتش برضه، ينفع كده يا يوسف؟
رفع يوسف عينيه إليها، وقال بهدوء:
_سيبيها براحتها يا ماما.
رمقته ميرال بنظرة اعتراض، وقالت بحزم أم لا تستطيع أن تخفي قلقها:
_لا يا دكتور...اطلع هات مراتك، الناس بتسأل عليها.
وأشارت بعينيها إلى آسر وبلال وغيرهما من الجالسين:
_كلِّ واحد قاعد مع مراته، وإنتَ مراتك قاعدة لوحدها فوق.
اعتدل يوسف واقفًا، ووضع يديه في جيبيه، ثم نظر إلى أمِّه بثبات:
_ماما...لازم ضي تعرف غلطها، أنا وقفت جنبها وقت ما كان ده دوري، لكن هيَّ غلطت..ومش كل مرَّة هعدِّي غلطها.
عقدت ميرال حاجبيها:
_يعني إيه، إنتَ اللي مانعها تنزل؟!
تنفَّس يوسف ببطء، وكأنَّه يحاول أن يشرح لها شيئًا يؤلمه هو الآخر:
_أنا بس بحاول أفوَّقها يا ماما، لازم تشغَّل عقلها قبل ما تعمل حاجة تندم عليها.
صمت لحظة، ثم تابع بنبرةٍ أكثر جديَّة:
_المرَّة اللي فاتت، لولا تدخُّل عمُّو برولا في الوقت المناسب...رغم إنِّ الفكرة نفسها كانت غلط، أنا مكنتش عارف ممكن يعملوا فيها إيه.
انخفض صوته، وظهر الغضب المختلط بالخوف في عينيه:
_ودلوقتي رايحة لواحدة شغَّالة مع عصابة دولية وعايزة تقتلها! طب افرض عمُّو مالك ما راحش في الوقت المناسب، كانت النتيجة هتبقى إيه؟
هزَّ رأسه بألم:
_مراتي كانت هتبقى قاتلة...ويمكن تدخل السجن بسبب تهوُّرها...ويمكن كانت تموت.
أنا عارف إنَّها هيَّ اللي حاولت تسمِّمني...وبرغم كده، ليه معملتش أي رد فعل متهوِّر، ليه أنا اللي لازم كل مرَّة أكون عاقل عنها وأحاول ألحقها قبل ما تضيَّع نفسها؟
مدَّت ميرال يدها وربتت على كتفه بحنان:
_معلش يا حبيبي...بس لازم تكون موجودة الناس هتتكلِّم، وعيب مراتك تفضل فوق وإنتَ هنا.
هزَّ يوسف رأسه رافضًا:
_مفيش حد غريب يا ماما، وكل اللي يهمِّني دلوقتي إن ضي تفهم إنِّ اللي بتعمله مش بسيط.
ثم نظر إليها مباشرة:
_ولو سمحتي...بلاش تدخَّلي بينا، لو سمحتي يا ماما.
تألَّمت ميرال من نبرته:
_كده يا يوسف؟
اقترب منها خطوة، وانخفض صوته:
_ماما...ضي متهوِّرة، وممكن تضيَّع نفسها في لحظة..وكل مرَّة أنا بعدِّي لها، هتفضل فاكرة إنِّ مفيش عواقب لأفعالها.
وقبل أن تجيبه، جاء يزن من خلفهما:
_فيه حاجة ولَّا إيه؟
التفت يوسف إليه سريعًا، ثم قال بابتسامةٍ صغيرة:
_مفيش يا خالو...ماما كانت بتسألني عن حاجة.
فهم يزن من نظراته أنَّ الحديث انتهى، فأحاط كتفي ميرال بذراعه:
_طب تعالي يا ميرال، عايز أتكلِّم معاكي في موضوع.
نظرت ميرال إلى يوسف، فحرَّك رأسه موافقًا:
_شوفي خالو يا ماما.
تحرَّكت معه، بينما ظلَّ يوسف واقفًا مكانه للحظات، وعيناه معلَّقتان بالمكان الذي اختفت فيه أمِّه، قبل أن يزفر ببطء.
كان يحاول أن يبدو قويًّا...
لكن الحقيقة أنَّ غياب ضي كان يؤلمه أكثر ممَّا يريد الاعتراف به.
في ركنٍ آخر من الحديقة...
كانت رولا تجلس إلى جوار آسيا، تتبادلان الحديث، حتى قالت آسيا بنبرةٍ مازحة:
_مقولتيش...عاملة إيه مع الدوك؟
رفعت رولا عينيها نحو بلال، الذي كان يجلس على مسافةٍ قريبة، ثمَّ نظرت إليها:
_لسه زي ما إحنا.
تنهَّدت آسيا بضيق، وقالت:
_ما خلاص بقى يا رولا...اتصالحوا، بلال لو عرف إنِّك كنتِ بتمثِّلي عليه، هيسوق فيها.
ابتسمت رولا ابتسامة صغيرة، وقالت بثقة:
_بلال عارف كلِّ حاجة يا آسيا.
اتَّسعت عينا آسيا:
_يعني عرف إنِّك ما رفعتيش قضية طلاق؟
تنهَّدت رولا ومسحت على وجهها:
_معرفش...بس إحساسي بيقول إنُّه عارف، أصل مش ده بلال.
نظرت ناحية زوجها، الذي كان يتحدَّث مع رائد وآسر، ثم أكملت:
_ده بيعاملني ولا كأن حاجة حصلت، كأنُّه متأكِّد إنِّي مش هقدر أبعد عنه.
_مش فاهمة.
وقبل أن تكمل رولا حديثها، وصلت سدن إليهما.
توقَّفت أمامهما، فرفعت آسيا عينيها إليها للحظة، ثم عادت تنظر أمامها وكأنَّها لم ترها.
أشارت رولا لسدن بالجلوس:
_تعالي يا حبيبتي...من زمان مقعدناش، عاملة إيه في شغلك..عمتو لسه بتشتكي من السفر؟
جلست سدن بجوارها وأجابت بهدوء:
_كويسة...مرتاحة فيه، ماما على طول كده، مفيش حاجة بتعجبها.
ثم التفتت إلى آسيا بابتسامةٍ خافتة:
_إزيك يا آسيا؟ بقينا أغراب..حتى مبيهنش عليكي تسألي عليَّا، ولا يفرق معاكي أكون كويسة ولَّا لأ.
لم تجبها آسيا.
ظلَّت عيناها ثابتتين أمامها، وكأنَّها تحاول أن تخفي شيئًا أكبر من قدرتها على الكلام.
لكزتها رولا بخفَّة، محاولةً دفعها للرد، لكن قبل أن تنطق، جاء آسـر من الجهة الأخرى:
_سدن...
رفعت رأسها إليه.
أشار لها بيده:
_تعالي، هعرَّفك على حد ممكن يساعدك في اللي قولتيه.
نهضت سدن، وتحرَّكت خلفه.
تابعتها آسيا بعينيها دون أن تشعر.
حتى توقَّفت سدن أمام رائد وعمران، وبدأ آسـر يعرِّفهما بها، مشيرًا إليها وهو يتحدَّث عنها وكأنَّه يمدح في قدراتها.
كانت تراقبهما ونيران  بدأت تصعد إلى صدرها.
ضغطت أسنانها، وراحت تقضم أطراف أصابعها في غيظ، تحاول أن تقنع نفسها أنّّها لا تهتم..لكنَّها كانت تغلي بنيران الغيرة.

وفجأة، توقَّفت حين نهض فمدَّ ذراعه حول كتف سدن في طريقه، وقال شيئًا جعلها تبتسم...كانت الحركة عادية...أخوية...
لكنَّها بالنسبة لآسيا كانت كافية لتشعل كل ما حاولت دفنه..هنا انتفضت واقفة.
_رايحة فين؟
أمسكت رولا بيدها، لكنَّها سحبتها بعصبية:
_شوفتي أخوكي الحلوف ماسكها إزاي؟!
ضحكت ضحكة ساخرة مختنقة بالدموع:
_واحد حيوان!
حدَّقت رولا فيها بدهشة:
_آسيا، استني...
لكن آسيا لم تسمعها.
استدارت سريعًا واتَّجهت إلى منزلها، والدموع التي حاولت حبسها من قربهما، بدأت تنساب على وجنتيها.
تحرَّكت بسرعة، تمسح دموعها بعنف، وكلَّما مسحت واحدة، خانتها أخرى.
_آسيا...آسيا استني!
نادتها رولا من خلفها.
لكنَّها لم تلتفت.
دخلت منزلها وأغلقت الباب خلفها، ثم أسندت ظهرها إليه، وانفجرت في البكاء.
وضعت كفَّها فوق قلبها، وهمست من بين شهقاتها:
_ملعون أبو الحب. 

بعد فترة...
كانت شمس تجلس برفقة فرح وسدن، يتبادلن الحديث في هدوء، حتى نهضت شمس فجأةً وهي تقول:
_هشوف تميم وراجعة لكم.
أومأت سدن برأسها، بينما ابتسمت فرح بحماس وقالت:
_هاتيه هنا، عايزة ألعب معاه.
لكن قبل أن تكمل حديثها، قاطعهم وصول حمزة، وهو يحمل تميم بين ذراعيه، ثم رفعه في الهواء وسط ضحكاته:
_مامي جت!
أنزله حمزة أرضًا، فانطلق الصغير نحو والدته بخطواته المتعثِّرة، يركض خطوتين، يسقط على ركبتيه، ثم ينهض وكأنَّ شيئًا لم يحدث، ليكمل طريقه وسط ضحكاته.
انفجرت شمس بالضحك، وانحنت فاتحةً ذراعيها له، بينما نهضت فرح من مكانها بسعادة، تلاحق الصغير بعينيها:
_سيبيه، هلعب معاه...بحبِّ الأطفال أوي.
نظر إليها حمزة مبتسمًا، ثم قال:
_خلِّي بالك منه يا فرح، شمس هتاخد الحقنة وترجع.
ثم التفت إلى زوجته، ونظر إلى الساعة في هاتفه:
_حبيبتي، معاد الحقنة عدَّى كمان نصِّ ساعة.
أومأت شمس، ثم انحنت تقبِّل رأس تميم قبل أن تتركه.
وفي تلك اللحظة وصلت رولا، ممسكةً بيد يوسف الصغير.
التفتت شمس إليها وقالت:
_خلِّي بالك من تميم يا رولا، هوَّ مع فرح.
ابتسمت رولا وهزَّت رأسها:
_متقلقيش عليه حبيبتي.
غادرت شمس برفقة حمزة، بينما جلست رولا إلى جوار سدن.
صمتت للحظات، وكأنَّها تنتقي كلماتها، ثم قالت:
_عايزة أتكلِّم معاكي في موضوع مهم.
نظرت إليها سدن باهتمام:
_موضوع إيه؟
خفضت رولا صوتها:
_آسيا.
أبعدت سدن عينيها عنها، وكأنَّ الاسم وحده كان كافيًا لإثقال صدرها:
_مضَّايقة مني بسبب آسر...مش كده؟
هزَّت رولا رأسها بتفهُّم:
_اعذريها يا سدن، الموضوع مش سهل خالص عليها.
تنهَّدت سدن، ثم قالت بهدوء يحمل الكثير من الإرهاق:
_أنا بعدت أوي يا رولا...روحت اشتغلت في شرم علشان كده..
وصدَّقيني، آسر بالنسبالي زي أخويا.
توقَّفت لحظة، ثم تابعت:
_كان فيه فكرة مشروع، وكنت سألته من فترة عن تصميمها، وعن حد من أصحابه يشاركني فيها، الموضوع ده من شهور، من قبل حتى فرحهم. والنهارده عرَّفني على حد بيعمل مكتب لشركة، وقالِّي أشتغل معاه.
سألتها رولا باهتمام:
_مين ده، حد نعرفه؟
لم تجب سدن، وإنَّما أشارت بعينيها إلى الجهة الأخرى من الحديقة.
قالت بهدوء:
_بشمهندس رائد.
التفتت رولا ناحية رائد، ثم اتَّسعت عيناها قليلًا:
_ابن دكتور آدم؟
أومأت سدن:
_أخو فرح.
وعلى الجانب الآخر من الحديقة...
كانت فرح تجلس على الأرض، تضحك من قلبها وهي تحاول مجاراة تميم في لعبه.
كان الصغير يركض أمامها، بينما تتحرَّك السيارة الصغيرة التي يتحكَّم بها جهاز التحكم بين يديها.
اقترب يوسف الصغير منهما، وهو يتمتم بطريقته الطفولية:
_تميم...تميم.
رفع تميم رأسه، وما إن رأى يوسف حتى ركض نحوه، وانطلق الطفلان في لعبهما، بينما راحت فرح تضحك معهما، حتى شعرت للحظات أنَّها طفلة ثالثة بينهما.
لكنَّها لم تكن تعلم...
أنَّ هناك عينين تتابعانها منذ فترة طويلة.
منذ أن جلس عمران في مكانه، لم تستطع عيناه أن تبتعدا عنها.
كان يتظاهر بالحديث مع رائد ويوسف، يشاركهما الحوار بين الحين والآخر، لكن تركيزه الحقيقي كان عليها.
على ضحكتها التي تصل إليه رغم المسافة.
على عفويتها وهي تجلس وسط الأطفال.
وعلى تلك الطفلة التي تظهر في ملامحها كلَّما كانت برفقتهم.
حاول أن يقاوم رغبته في الاقتراب..
لكنَّه فشل.
نهض أخيرًا، واتجه نحوها بخطواتٍ هادئة، بينما ظلَّت عيناه معلَّقتين بها.
لم تنتبه فرح له.
كانت منشغلة بسحب جهاز التحكُّم، تحرِّك به السيارة الصغيرة، ثم صفَّقت بحماس عندما استجابت السيارة لحركتها.
لكن السيارة انحرفت فجأة...
واصطدمت بقدم أحدهم.
توقَّفت فرح مكانها..
رفعت عينيها ببطء إلى الشخص الواقف أمامها..تجمَّدت ملامحها.
ودون وعي، خرج اسمه من بين شفتيها:
_عمران...
تلقَّف عمران اسمه من نبرتها، وكأنَّ مجرد سماعه منها أشعل شيئًا خفيًّا بداخله.
ابتسم ابتسامة جانبية، وانحنى قليلًا نحو السيارة:
_كده عملنا حادثة.
ظلَّت تنظر إليه للحظات، وكأنَّ وجوده المفاجئ أربك كل ما حولها.
اقترب يوسف الصغير من عمران، ومدَّ يده نحو السيارة وهو يقول ببراءة:
_وسَّع عبيتي.
ضحك عمران، وانحنى يحمله بين ذراعيه:
_دي عربيتك؟
أومأ الصغير بحماس.
نظر عمران إلى السيارة، ثم أشار إلى قدمه:
_كده خبطتني.
هزَّ يوسف رأسه سريعًا، ثم أشار إلى فرح وقال:
_دي فيح.
انتقلت عينا عمران إلى فرح.
ثبَّت نظره عليها للحظة أطول ممَّا ينبغي، ثم قال للصغير بنبرةٍ مازحة:
_طب أقول لفيح، ينفع تضَّبي عمُّو وتهبي؟
لم يفكِّر الطفل كثيرًا.
استدار ناحية فرح، ورفع صوته ببراءة:
_فيح...ينفع تضَّبي عمُّو وتهيبي؟
انفجر عمران بالضحك، بينما وضعت فرح يدها على فمها تخفي ابتسامتها.
امتلأ المكان بضحكات الأطفال، وضحك عمران.
كل شيء بدا عاديًّا..إلَّا قلبها.
ذلك القلب الذي بدأ يخفق بطريقة لم تفهمها، فقط لأنَّ عينيه استقرَّتا عليها بتلك النظرة.
نهضت فرح بسرعة، ونفضت ملابسها، محاولةً أن تخفي ارتباكها، ثم قالت وهي تمدُّ يدها نحو يوسف:
_تعال يا حبيبي، سيبك من عمُّو عمران. 
ضحك عمران أكثر، بينما تشبَّث يوسف بكتفه وقال ببراءة:
_عمُّو عميان كويس.
توقَّفت فرح للحظة..وتوسَّعت عيناها بابتسامة، نظرت إلى يوسف، ثم إلى عمران..
وقالت بمشاكسة؛
_عمُّو عميان...هوَّ فعلًا عميان مش عمى واحد. 
اقترب منها بهدوء وهو يثبِّت عينيه بعينيها:
_إيه مش عجبك؟ 
ابتلعت فرح ارتباكها، وأشاحت بعينيها بعيدًا.
_فيح..بصِّي عميان.
لكنَّها لم تكن تسمع ولا ترى سوى نظراته وهمسه لها. 
أنزل عمران يوسف وقبَّله ثم قال: 
_العب مع تميم يا جو إجري.

ركض الصغير بعيدًا، بينما اعتدل عمران في جلسته، وعيناه استقرَّتا على فرح:
_الصبح هربتي، ومكمِّلناش كلامنا.
قطبت جبينها، ونظرت إليه باستغراب مصطنع:
_كلام إيه؟ مش فاهمة حضرتك بتتكلِّم عن إيه.
اقترب منها خطوة، بينما راحت عيناها تتجوَّلان حولها في ارتباك، تبحث عن أي شيء ينقذها من نظراته.
وجدت أخاها منشغلًا بالحديث مع بلال، والجميع غارق في أحاديثهم الجانبية، سوى رولا التي اقتربت وجلست بجوار يوسف ابنها.
عاد عمران بنظره إليها، وقال بهدوء:
_إيه علاقتكم بعيلة الشافعي، تقربي لهم إيه؟
تنفَّست براحة صغيرة، وكأنَّ السؤال أسهل ممَّا توقَّعت، ثم أجابته بعفوية:
_معرفش أوي...اللي أعرفه إنِّ بابا قريب تيتا وعمِّتو ميرال، وماما برضه، وعلى فكرة عمُّو إلياس يبقى ابن عم بابا، وخالتو رحيل بنت خال ماما، و...
انطلقت ضحكته، فقاطعها قبل أن تسترسل أكثر:
_كفاية...شوية وتقولي وأنا ابن عمِّ تيتا.
رفعت حاجبيها بجديَّة طفولية:
_لا طبعًا، إنتَ مش قريبنا، ما أنا سألت بابا.
توقَّفت ملامحه عند كلماتها:
_سألتيه عن إيه؟
_عنَّك...لمَّا عرفت إنُّه يعرف والدك من سنين، قولت يمكن تبقى من شجرة العيلة.
ابتسم بسخرية خفيفة:
_هوَّ أي حد باباكي يعرفه يبقى من شجرة العيلة؟
ابتسمت هي الأخرى وردَّت بكلِّ بساطة:
_في عيلتنا آه.
توقَّفت ضحكته للحظة أمام عفويتها، ثم ابتسم رغماً عنه.
في تلك اللحظة، وصل رائد:
_فرح، يلَّا هنمشي.
التفتت إليه، ثم عادت بنظرها إلى عمران:
_بعد إذنك يا عمران.
أومأ لها، وظلَّت عيناه تتابعها حتى ابتعدت السيارة واختفت عن أنظاره.
ظلَّ واقفًا للحظات، كأنَّ شيئًا ما شغله عن كل من حوله، حتى شعر بيدٍ صغيرة تتشبَّث ببنطاله:
_ماما...ماما.
انحنى وحمل تميم بين ذراعيه:
_نعم يا حبيبي؟
لكن الصغير لم يجب، بل أخذ يبحث بعينيه عن والدته.
اتَّجه عمران به نحو دينا:
_ماما...تميم بيسأل عن مامته.
ابتسمت ميرال ومدَّت ذراعيها نحوه:
_هاته حبيبي، هيَّ بترتاح شوية فوق.
في الجهة الأخرى، كان إلياس يجلس مع إسحاق وأرسلان، وقد انخفضت أصواتهم، بعدما تحوَّل الحديث إلى ما هو أخطر من مجرَّد مناسبة عائلية.
قال إلياس:
_يعني هتعمل الحفلة؟
أومأ إسحاق، ثم نظر إلى أرسلان نظرة تحذير واضحة:
_أرسلان...أنا عارفك متهوِّر، ممكن تمسك نفسك شوية، ولَّا أندم إنِّي قولت لك؟
رفع أرسلان حاجبه بثقة:
_وإنتَ مفكَّر لو ما قولتش كنت مش هعرف؟
ثم أضاف بجديَّة:
_أنا بسأل...لو احتجتني، أنا موجود.
_لا يا سيدي، مش عايزك.
التفت إسحاق إلى إلياس:
_خلِّي بالك من يوسف الأيام الجايَّة. ما دام كلُّهم نزلوا، أكيد المهمَّة مش مجرَّد إنُّهم يدخلوا  للتصوير.
تغيَّرت ملامح إلياس:
_طبعًا...همَّا عايزين اللي يوسف أخده.
صمت إسحاق لحظة قبل أن يجيب:
_ممكن...وممكن يكون انتقام، المهم إنِّي حطيتكوا في الصورة، يوسف لازم يكون تحت النظر يا إلياس.
ثم تابع بنبرة أكثر جدية:
_الراجل اللي نازل باسم صيني ده خطير، إحنا مراقبينه، بس لحدِّ دلوقتي مش عارفين تابع لأنهي جهة.
قال أرسلان:
_إسحاق، خايف من فرق التوقيت؟
_إن شاء الله خير، باقي خطوة واحدة... لو اتنفِّذت، كل خيوط اللعبة هتكون في إيدينا.
 التفت إلياس إلى إسحاق:
_طيب، خرجت من معتز بحاجة بعد ما بلال قطع لسانه؟
أجاب إسحاق:
_آه. كتب معلومات، ومسكنا كل المشاركين في مصر، والجهات الأمنية شغَّالة مع دول تانية.
سأله إلياس:
_هوَّ معتز كان ليه في الخيانة ولَّا مجرَّد...
_لا، مجرَّد أسلحة وأعضاء للدول التانية.

ثم سأل إلياس:
_اتحكم عليه ولَّا لسه يا إسحاق؟
_لسه...ومتنساش الجنسيات اللي معاه.
نهض إسحاق، ثم قال:
_أنا همشي، وعلى موعدنا الجمعة.
توقَّفت عيناه على إلياس للحظة، ثم أردف بنبرةٍ مطمئنة:
_ومش عايزك تخاف على يوسف، أنا بأمِّن، وإن شاء الله ربِّنا يحميه.
_اللهمَّ آمين يا رب العالمين.
في منزل يوسف...
صعد إلى الطابق العلوي، فاستقبله الظلام، لا يقطعه سوى الضوء الخافت المنبعث من شاشة التلفاز.
توقَّف عند الباب..
كانت نائمة على الأريكة، جسدها ملتفًّا على نفسه، وملامحها شاحبة من الإرهاق.
ظلَّ ينظر إليها طويلًا.
أسبوعًا كاملًا...
أسبوع واحد فقط، لكنه مرَّ عليهما كأنَّه دهر.
كان عقابه لها قاسيًا، يعرف ذلك، لكنَّه لم يستطع أن يقترب منها دون أن يتذكَّر ما فعلته..وفي الوقت نفسه، لم يستطع أن يبتعد عنها دون أن يشعر أنَّ جزءًا منه يُنتزع كل يوم.
هي بدأت تتأقلم مع خصامه.
نزلت إلى عملها، عادت إلى روتينها، وصارت تتحرَّك داخل البيت وكأنَّ وجوده وعدم وجوده أصبح شيئًا واحدًا.
لم يجتمعا على مائدة واحدة منذ أسبوع.
لم يتحدَّثا إلَّا للضرورة.
وحتى نظراتهما...أصبحت تمرُّ فوق بعضها كالغرباء.
اقترب منها وأغلق التلفاز، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه.
تحرَّك جسدها قليلًا، وفتحت عينيها ببطء.
وحين رأته، همست باسمه دون وعي:
_يوسف...
ثم غلبها النوم من جديد.
توقَّفت أنفاسه للحظة.
كان اشتياقه لها يوجعه أكثر ممَّا يستطيع الاعتراف به.
حملها إلى الغرفة، ووضعها فوق الفراش برفق، ثم جذب الغطاء ودثَّرها به.
انحنى، وطبع قبلة طويلة على جبينها.
قبلة لم تكن تشبه رجلًا غاضبًا...
كانت تشبه زوجًا أنهكه البعد، لكنَّه ما زال يقاوم.
اعتدل واتَّجه إلى الباب.
وقبل أن يخرج، جاءه صوتها الضعيف:
_يوسف...
توقَّف..استدار إليها.
كانت قد اعتدلت في جلستها، عيناها شاحبتان، لكنَّهما تحملان كل الكلام الذي عجز لسانها عن قوله:
_مش كفاية عقاب بقى؟
ظلَّ صامتًا.
ابتلعت ريقها، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
_وحشتني.
ارتجفت عيناه للحظة، لكنَّه أخفى ذلك سريعًا:
_إنتِ مسمية ده عقاب؟ إنتِ في بيتك، وعلى سريرك، وبينَّا جدار واحد.
اقترب خطوة، ثم توقَّف:
_احمدي ربِّنا يا ضي إنِّي لسه باقي عليكي.
شهقت بصمت من قسوة كلماته، فاستدار عنها حتى لا يرى أثرها في عينيها:
_يلَّا نامي...وأنا كمان لازم أنام.
_بس أنا عملت كده علشانك.
استدار إليها فجأة، وارتفع صوته:
_ضي!
انتفضت من نبرته، وسكتت.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّه يحاول السيطرة على غضبه، ثم قال بصوتٍ أكثر هدوءًا:
_نامي...علشان ما نزعلش من بعض أكتر من كده.
.
ظلَّت ضي جالسة فوق الفراش، تحدِّق في الباب الذي أغلقه خلفه.
انهمرت دمعة ساخنة على وجنتها.
أسبوع...أسبوع كامل وهي تنتظر لحظة واحدة فقط يعود فيها إليها كما كان..
أن يناديها "حبيبتي".
أن يضمُّها، أن تنام وهي مطمئنة إلى جواره بدلًا من أن تقضي الليل تعدُّ المسافات بينهما.
لكنَّها بدأت تشعر أنَّ كل يوم يمرُّ دون حديثٍ بينهما يبني جدارًا جديدًا...
جدارًا من الصمت.
وجدارًا من العناد.
حتى تخوَّفت أن يأتي يوم، فلا يعرف أيٌّ منهما كيف يهدمه.
مسحت دموعها بظهر يدها، ثم نهضت.
فتحت خزانتها، وظلَّت واقفة أمام ملابسها للحظات، قبل أن تختار قميصًا أسودًا بسيطًا..تعطَّرت بعطره المفضَّل.
ذلك العطر الذي كانت تعرف جيدًا أنَّه يفضح اشتياقه إليها حتى عندما يحاول إخفائه.
وضعت لمسات تجميلية بسيطة، ثم وقفت أمام المرآة.
نظرت إلى انعكاسها طويلًا:
_كفاية يا ضي...
همست لنفسها:
_مش قادرة أستحمل أكتر.
عند يوسف...
خرج من الحمَّام بعد دقائق، واتَّجه إلى جهازه.
جلس على طرف الفراش، وبجواره كوب قهوته، وأخذ يتابع عمله محاولًا أن يشغل عقله عن كلِّ شيء آخر.
لكن صورتها كانت تقتحم أفكاره رغمًا عنه.
ضحكتها..صوتها.
حتى طريقتها في مناداته.
كلُّ شيءٍ فيها كان يطارده.
مرَّت ساعة كاملة، حتى شعر بالإرهاق.
أغلق الجهاز ووضعه جانبًا، ثم تمدَّد على الفراش..التفت إلى الجانب الآخر..
مكانها الخالي، ظلَّ يحدِّق فيه للحظات.
كم اشتاق إليها...
كم تمنَّى لو كانت الآن أمامه، تشاركه صمته كما كانت تفعل دائمًا.
أغمض عينيه.
وحين سمع خطواتٍ تقترب من الغرفة..تمنَّى أن تكون هي، أن تأتي إليه...ولو لدقائق.
فتحت الباب ببطء..
ودخلت، خطواتها كانت حذرة، كأنَّها تخشى أن توقظ غضبه قبل أن توقظ نومه.
وقفت عند الفراش تتابعه بصمت.
ثم نزعت روبها بهدوء، وتركته جانبًا.
ظلَّت للحظات تنظر إليه، وكأنَّها تخوض حربًا كاملة داخلها.
هل تعود، هل تحفظ كرامتها..
هل تنتظر حتى يأتي هو؟
لكن قلبها كان قد اتَّخذ قراره.
اقتربت ببطء.
ثم تسلَّلت إلى جواره، وكأنَّها تخشى أن يرفضها حتى وهي نائمة.
وضعت رأسها على صدره، ومدَّت يده حول جسده، ثم أغلقت عينيها.
وكأنَّها بمجرد أن دخلت أحضانه...
عاد قلبها إلى مكانه.
لم تمر سوى لحظاتٍ حتى استسلمت للنوم.
أمَّا يوسف...فقد فتح عينيه.
كان يستطيع أن يوبِّخها.
كان يستطيع أن يبعدها.
كان يستطيع أن يعيدها إلى مكانها، ويتمسَّك بعقابه حتى النهاية.
لكنَّه لم يفعل.
ظلَّ ساكنًا للحظات، ينظر إلى وجهها الهادئ بعد أسبوعٍ كامل من العذاب..
ثم تنهَّد.
رفع ذراعه أكثر حولها، وضمَّها إليه دون أن يشعر.
دفن وجهه في شعرها، واستنشق عطرها الذي اشتاق إليه حدَّ الوجع.
أغمض عينيه، وهمس بصوتٍ لم تسمعه:
_وحشتيني ...ثم شدَّها إلى صدره أكثر، 
كان غاضبًا منها...
نعم.
لكنَّه كان يحبُّها أكثر ممَّا يستطيع غضبه أن ينتصر عليه.

دلف للداخل، يبحث بعينيه عليها لم يجدها. 
صعد إلى غرفتها، دفع الباب وجدها تجلس على الفراش وبعض الملفَّات، رفعت عيناها على دخوله: 
_ما بتخبَّطش ليه قبل ما بتدخل، هتفضل لحدِّ إمتى انسان همجي متخلِّف كدا.
قطب جبينه من حالتها، اقترب منها، ثم انحنى وحاوط جسدها ينظر إليها بحدَّة: 
_مالك يا قليلة الحيا، هوّّ علشان بحبِّك هتسوقي بقلِّة أدبك.
اعتدلت على ركبتيها، تلكمه بصدره بجنون.. 
وكأنَّه تلبسها شيطان: 
_لأنَّك انسان قذر. 
تجمَّد جسد آسر للحظات من ردِّ فعلها ، طالعها بنظرةٍ كادت تحرقها، ثم اعتدل بجسده، وخرج دون أن ينطق، بينما هي ثارت في الغرفة كالمجنونة، تحطِّم أشياءها وتسبُّه بأبشع الشتائم، استمع إلى حالتها، ورغم ذلك دلف لغرفته وصفع الباب خلفه بقوَّة. 
دار بالغرفة يمسح على وجهه مرَّة وعلى شعره مرَّة، كاد أن يجن بما فعلته، ماذا حدث لها، لا يتذكَّر أنَّه فعل شيئًا.
تذكَّر جلوسها مع رولا.
رفع هاتفه وقام بمهاتفة أخته. 
لحظات وأجابت رولا: 
_أيوة حبيبي. 
_آسيا مالها؟.
صمتت رولا ولم تقوَ على الرد، ثم تنهَّدت وقصَّت له ما صار.
للحظة تجمَّد جسده، ولم يشعر سوى بنيران تحرق صدره، لم يفق سوى على كلمات أخته:
_خدها في حضنك يا آسر، آسيا بتخبّّط وغصب عنها. 
أغلق الهاتف دون رد، وجلس على فراشه لدقائق ربما مضت ساعات، إلى أن غلبه النوم وهو جالس. 
مضى أسبوعٌ والوضع أصبح أكثر تعقيدًا، تأتي من عملها تغلق على نفسها الباب، ذات يوم استمع إلى طرقاتٍ على باب المنزل، فتحت الخادمة الباب: 
_آسر يزن راجح موجود؟. 
نهض واتَّجه إلى الرجل. 
مدَّ يده بورقة وقال: 
_زوجتك آسيا كريم رافعة قضية طلاق. 
شعر بانسحاب الأرض من تحت قدميه. 
رفع الورقة ينظر إليها عدَّة مرَّات.
_امضي هنا.
فاق على صوت الرجل.
سحب القلم وكتب اسمه بصعوبة، ثم دلف مغلقًا الباب، يشعر بأنَّ الجدار يطبق فوق صدره، وغمامة سوداء تحيط به، تنقَّل بصعوبة، جلس على المقعد يحاول أن يسيطر على غضبه، مضت ساعات وهو على حاله، بلا حركة بلا حديث، رغم ارتفاع رنين هاتفه عدَّة مرَّات. 

ثم فجأةً نهض و اتَّجه إلى غرفتها وقد فقد كلِّ ذرَّة عقل.
دفع الباب بقوّّة، فوجدها جالسة في الشرفة، تضمُّ ساقيها إلى صدرها، وعيناها معلَّقتانِ بسماءٍ أثقلتها الغيوم، وكأنَّها تشاركها اختناقها.
التفتت على صوت الباب، وما إن وقع بصرها عليه حتى انتفض قلبها..كان وجهه شاحبًا، عيناه زائغتين، تحرَّك نحوها بخطواتٍ مضطربة.
اقترب منها ببطء، ومن يراه يقسم أنَّه يسير بجسده فقط، أمَّا روحه فغائبة عنه.
همست بقلق: 
_إنتَ بتعمل إيه هنا؟
نظر إليها، كانت ترتدي منامة سوداء كأيَّامه الأخيرة، تكشف جمالها باستفاضة، ظلَّ ينظر إلى ارتجافها.
فخرج صوته أجشًّا، مثقلًا بالغضب والخذلان:
_عايزك...قومي.
نهضت تتأمَّله بذهول، تتفحَّص ملامحه التي لم تعد تعرفها:
_إنتَ شارب حاجة؟
ضحك بمرارةٍ موجعة، ثم قبـ ض على ذراعيها بقوَّة أكبر ممَّا ينبغي، وهمس من بين أسنانه:
_آه...شارب منك وجعي، من القرف اللي بقيت حاسُّه جوايا.
نزعت ذراعيها من قبضته بعـ نف، وقد اشتعل الغضب في عينيها:
_إيه، شايفني حيو انة..بتشدِّني كده ليه؟ اطلع برّّه أوضتي حالًا..أنا مش عايزك تقرّّب منِّي.
لكن كلماتهما لم تعد تصل إلى بعضهما..كان كلٌّ منهما غارقًا في ألمه، حتى صارا يتحدَّثان بلغتينِ مختلفتين.
اندفع غضـ به الأعمى يد فعها للخلف، بينما تجمَّدت هي من الصدمة، تنظر إليه وكأنّّها ترى غريبًا يرتدي ملامح من أحبَّته يومًا.
اقترب منها لاغيًا عقله، وقاده قلبه المؤلم بين ضلوعه، حاوطها بجسده، يلتـ همها بعينهِ كالأسد المفتـ رس المتربِّص لفر يسته، وانحنى يسـ تبيح كل ما تطاله شفتـ يه، ولم يشعر سوى بدموعها، توقَّف فجأة... ينظر إليها بغضبٍ موجع.
ذاك الكره الذي لم يره يومًا حين كانت تنظر إليه.
ارتجفت أنفاسه، وكأنَّ الحقيقة صفعته بقسوة..ابتعد عنها فجأة، يمرِّر يديه في شعره بجنون، ثم أطلق صر خة مكتومة ملأت المكان.
راح يحطِّم كل ما تطاله يداه؛ وكأنَّه يحاول تكسير الألم الذي يسكن صدره، لكنّّه كان يحطِّم ما تبقَّى من روحهما معًا.
أمَّا هي، فظلَّت جالسة على حافَّة الفراش، تضمُّ نفسها بذراعيها، ودموعها تنساب بصمت، لا تبكي ما حدث فقط، بل تبكي الرجل الذي أحبَّته، والذي يقف أمامها الآن عاجزًا عن إنقاذ نفسه منها.
توقَّف فجأة وسط حطام الغرفة، يلهث بعنف، ثم رفع عينيه إليها.
كانت نظرتها إليه كفيلة بتمز  يقه.
لم يكن يرى فيها غضبًا، ولا كراهية.
فقط...انكسارًا.
وما من شيء يؤلم الإنسان أكثر من أن يرى نفسه سببًا في انكسار من يحب.
في تلك اللحظة، أدرك كلاهما أنَّ أسوأ ما قد يحدث للحب ليس الفراق...بل أن يتحوَّل الأمان بين ذراعي الحبيب إلى خوف، وأن يصبح الشخص الذي كان ملاذك الوحيد، مصدر وجعك الأكبر.. 
ارتجف جسـ دها بالبكاء، ليصيح بصوتٍ أذهلها حتى انتفض جسدها:
_مش عايز أسمع صوتك، اخرسي بقى.
قالها وانحنى يسحبها من فوق الفراش بقوَّة، وانقـ ضَّ على فكَّيها ينظر إليها بدموع وهو يهمس بفحيح:

_أنا عشقتك...وإنتِ قتلتيـني وأنا حي. بعد كل ده عايزة تطلَّقي! طب ليه..عملت إيه؟!
ارتجف صوته، وانكسرت حدَّته للحظة، كأنَّ الكلمات خرجت من قلبه قبل أن تمرَّ على لسانه:
_كل اللي عملته إنِّي حبِّيتك...حبِّيتك وبس!
جذبها إليه من عنقها،  وضع جبينه فوق جبينها، وانفلتت من صدره آهة حارقة، حرقت قلبهما معًا:
_ليه..ليه كسرتيني كده؟
أغمض عينيه، وارتجفت أنفاسه:
_أنا بكره نفسي...بكرهها علشان حبِّيت واحدة متخلِّفة زيك!
خرجت الكلمة كصرخةٍ موجوعة، وما إن نطق بها حتى بدا كأنَّه ندم عليها، لكنَّه لم يملك شجاعة التراجع.
ابتعد عنها فجأة، واستدار مغادرًا الغرفة.
يتخبَّط في خطواته، يجرُّ قدميه كأنَّهما أثقل من أن تحملا هذا القلب المنهك. وحين بلغ الجدار، مدَّ يده إليه، واستند بكفِّه عليه، ثم أسند كتفه...كأنَّه يتشبَّث به حتى لا يسقط.
لم يعد ذلك الرجل القوي، كان مجرَّد رجل مكسور.
رجل أحبَّ حتى انتهى به الحب إلى هذه اللحظة.
وانهارت دموعه..
لم يحاول إخفاءها، ولم يمسحها، فقط تركها تسقط واحدة تلوَ الأخرى، بينما يختنق صدره بشهقاتٍ مكتومة.
ومن يخبرنا أنَّ بكاء الرجل ضعف؟
أحيانًا...يكون بكائه هو آخر درجات الانهيار.
راقبته بقلبٍ يصرخ، وجسدٍ ينتفض، وعيناها معلَّقتان به حتى اختفى خلف باب غرفته.
وبمجرَّد أن أغلق الباب خلفه بقسوة، انتفض جسدها من الصوت.
انفجرت في البكاء.
بكت حتى ارتجف جسدها كلِّه، وضمَّت ذراعيها إلى صدرها كأنَّها تحاول أن تمنع قلبها من الانهيار.
كلَّما تذكَّرت حالته، شعرت أنَّ شيئًا بداخلها ينهار من جديد.
هي تعشقه، ولكنَّها خائفة..من ماضٍ يصل بهما إلى الشك.
خائفة من نفسها، ومن مستقبلها معه، ومن ذلك الوجع الذي لا تعرف كيف تواجهه.
لكن رؤيته الآن حطَّم كل دفاعاتها.
نهضت بصعوبة، وترنَّحت خطواتها وهي تتحرَّك خارج الغرفة.
لم تكترث لشظايا الزجاج المتناثرة تحت قدميها، ولم تشعر حتى بوخزها.
لم تفكِّر..لم تحسب شيئًا.
كان عقلها يصرخ بأن تتركه وحده، لكن قلبها كان يركض إليه.
لم تكن تريد شيئًا سوى أن يهدأ قلبه...
وقلبها معه.
دفعت باب غرفته ودخلت.
وجدته ممدَّدًا على ظهره فوق الفراش، عيناه معلَّقتان بالسقف، وجسده ساكن بصورة مخيفة، لم يلتفت.
لم يتحرَّك حتى إنشٍ واحد.
اقتربت منه ببطء، وانحبست أنفاسها حين رأته على تلك الحال.
ذلك الرجل الذي كان منذ دقائق يصرخ، أصبح الآن صامتًا تمامًا..وكأنَّ كل ما بداخله قد مات.
صعدت إلى الفراش وجلست بجواره.
ظلَّت تنظر إليه طويلًا، والدموع تنساب بصمتٍ على وجنتيها.
ثم مدَّت يدها بتردُّد، وأدخلت أصابعها بين خصلات شعره، تمرِّرها برفق.
همست باسمه:
_آسر.
لم يجب..لم يلتفت حتى إليها.
اقتربت أكثر، وانحنت نحوه، وصوتها خرج مرتجفًا من بين دموعها:
_آسر...بصِّلي.
ظلَّ ساكنًا.
فأغلقت عينيها للحظة، وكأنَّها تجمع شتات قلبها، ثم همست:
_أنا آسفة...
لأوَّل مرَّة تحوَّلت قسوتها إلى رجاء.
_آسفة إنِّي وجعتك...بس أنا تعبانة، لأ موجوعة. 
فتحت عينيها، ونظرت إلى وجهه الجامد، ثم وضعت كفَّها فوق صدره:
_أنا كمان بموت...مش لوحدك.
عندها فقط تحرَّك ببطءٍ شديد، أغمض عينيه، وانزلقت دمعة وحيدة من طرف عينه.
وكانت تلك الدمعة أوجع من كلِّ الكلمات التي قالها.
دمعة وحيدة من عينيه أخبرتها أنَّ قلبه لم يكن غاضبًا منها..بل غاضبًا بما يصير حولهما.
انحنت تضع رأسها على صدره، تحاوط جسده بذراعيها وخرج صوتها مخنوقًا، مبلَّلًا بالدموع:
_أنا بحبَّك أوي يا آسر...أوي لدرجة إنِّي مش قادرة أتنفَّس من غيرك...بس مش قادرة أقرَّب منك.
شهقة مرتجفة أفلتت منها، وضمَّت نفسها إليه أكثر:
_أنا بتقطَّع كلِّ يوم يا آسر...طلعت بحبَّك لدرجة إنِّي مش مستحملة حتى فكرة إنَّك تلمس واحدة غيري..مش قادرة أنسى.
قلبي بيتقطَّع، عايزة أضربك وأموِّتك، وعايزة تاخدني في حضنك، قلبي وجعني أوي، داوي قلبي يا آسر.

التفت برأسه إليها ببطء، وكأنَّ كلماتها أصابت جرحًا ظلَّ مفتوحًا داخله طويلًا.
رفعت عينيها إليه، وكانت نظرتها تحمل كل ما عجز لسانها عن قوله:
_الطلاق أكتر ألم ليّّا...بس أرحم من إنِّي أفضل أتوجع كل دقيقة وأنا بحاول أقرَّب منك وأنا جوَّايا ألف حاجة بتمنعني.
استدار بكامل جسده نحوها.
رفع يده، وأخذ يمسح دموعها بأطراف أصابعه، واحدة تلوَ الأخرى، وكأنّّه يحاول أن يمحو بإصبعه كل وجع  بسببه.
هزَّت رأسها وهي تبكي:
_عارفة إنِّي غلطانة...عارفة إنِّي وجعتك، بس والله يا آسر أنا بموت... بموت بجد، مبقتش قادرة أبعد عنَّك، ومبقتش عارفة أقرب منك.
ظلَّ ينظر إليها طويلًا...ثم اقترب..
قبَّل دمعتها قبل أن تهبط، وكأنَّ حتى دموعها أصبحت شيئًا لا يحتمل أن يراها تسقط أمامه.
أغمضت عينيها، واستسلمت لدفء قربه، بينما أخذت شفتاه طريقهما فوق وجهها، يطبع على جبينها، وجنتيها، ودموعها قبل أن تسبقها يده..لم تمنعه.
بل تشبَّثت به أكثر، وكأنَّها للمرَّة الأولى منذ زمنٍ طويل تسمح لقلبها أن يأخذ ما حُرم منه.
همست، وصوتها يرتجف بعشقه:
_وحشتني...وحشتني أوي.
ارتفعت أنفاسه..أغمض عينيه للحظة، كمن يحارب نفسه بكل ما تبقَّى فيه من قوَّة، لكنَّه كان قد أُنهك من المقاومة.
لقد اشتاق إليها حتى أصبح الاشتياق وجعًا يسكن عظامه.
فتح عينيه، فوجد عينيها معلَّقتين بعينيه.
تلاقت النظرات...
وفي تلك اللحظة لم يحتج أيٌّ منهما إلى سؤال..فهمت ما يريده.
وفهم هو أنَّها لم تعد تهرب منه.
رفعت ذراعيها ببطء، وأحاطت عنقه، ثم قالت بصوتٍ خافت، لكنَّه كان أقوى من أي اعتراف:
_مش هسمح لأي واحدة تقرَّب منك... حتى لو كانت أقرب شخص ليَّا.
توقَّف للحظة..كأنَّ كلماتها أعادت إليه قلبًا ظنَّ أنَّه مات منذ قليل.
ضمَّها إليه بقوَّة، حتى اختلطت أنفاسهما، ثم دفن وجهه في شعرها وهو يغمض عينيه...كم تمنَّى هذه اللحظة...
كم ليلة نام وهو يتخيَّلها بين ذراعيه.
وكم مرَّة أقنع نفسه أنَّه يستطيع العيش من دونها، بينما كان كل شيء فيه يصرخ باسمها..مرَّرت أناملها على وجهه، ودنت من وجهه أكثر، تتنفَّس أنفاسه.
وفي تلك اللحظة...صمتت الألسنة.
لم يعد هناك عتاب، ولا خوف، ولا طلاق، ولا أيام قاسية فصلت بينهما.
لم يتبقَّ سوى قلبين أنهكهما البعد، ووجدا أخيرًا الطريق إلى بعضهما.. التحمت الأرواح قبل الأجساد، وغرَّد النبض بالعشق، وهما يغرِّدان بأجمل اللحظات. 
دقائق...وربَّما ساعات...
لم يعرف أيٌّ منهما كم مضى من الوقت.
فحين يكون المرء مع من يحب، يتوقَّف الزمن عن الحساب.
وحين ينتهي وجعٌ طويل، تصبح اللحظة الواحدة عمرًا كاملًا.
أخيرًا هدأت أنفاسهما، بقيت هي بين ذراعيه، وخرج منها أنين خافت مثقل بكل ما عاشته، فانزلقت دمعة من عينيها...
وفي اللحظة ذاتها، انحدرت دمعة من عينيه.
انحنى ووضع جبينه فوق جبينها.
كان يبتسم، لكن عينيه كانتا تفضحان رجلًا على وشك البكاء من شدَّة السعادة.
همس:
_أنا أسعد راجل في الدنيا دلوقتي.
ضحكت وسط دموعها، ونظرت إلى عينيه اللتين عاد إليهما بريق الحياة بعد أن أطفأتهما الخلافات والوجع.
_مش قادرة أبعد عنَّك.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّ الكلمة وحدها كانت كافية لتسقط عنه كل ما حمله فوق كتفيه.
ثم ضمَّها إليه..
رفعها فوق صدره، واحتواها كما لو أنَّها أثمن ما امتلكه في حياته...
وكأنَّ العالم كلِّه يمكن أن يُنتزع منه، إلَّا هي.
شعرت بنبضات قلبه تحت خدِّها.
كانت قبل قليل تعصف كطبول حرب، والآن بدأت تهدأ شيئًا فشيئًا.
مدَّت أصابعها تتحسَّس موضع نبضه، ثم ابتسمت وسط دموعها، وانحنت تطبع قبلة فوق قلبه.
تجمَّد للحظة..ثم أغمض عينيه، وابتسامة عميقة ارتسمت على شفتيه.
قبلة واحدة منها...يشعر وكأنَّه امتلك الكون وما فيه.
شدَّها إليه أكثر، وهمس بالقرب من أذنها:
_متبعديش عنِّي تاني...أنا تعبت من غيرك.
أغمضت عينيها، ودفنت وجهها في صدره.
_ولا إنتَ تسبني لوحدي تاني.
فرد ذراعيه حولها، وكأنَّه يعاهدها بصمته قبل كلماته...
أنَّ ما انكسر بينهما لن يُسمح له أن ينكسر مرَّةً أخرى.
فهما لم يكونا مجرَّد عاشقين التقيا...
كانا قلبين عادا إلى مكانهما بعد أن قضيا وقتًا طويلًا يبحث كلٍّ منهما عن نفسه في غياب الآخر.
ظلَّ لساعات وهو مستيقظ، يتطلَّع إلى نومها، ورغم أنَّها ليست المرَّة الأولى التي تغفو بتلك الطريقة أمامه، إلَّا أنَّها غير كلِّ مرَّة، دسَّ أنامله بخصلاتها الصفراء، يرفعها بعيدًا عن وجهها، لينبض قلبه مرَّةً أخرى بعدما ظهرت آثار ما تركته ليلتهما، وضع رأسها بعيدًا عن صدره، ثم وضع رأسه بجوار رأسها وعيناه تلتهم ملامحها، ومشاهد سريعة منذ أن دقَّ القلب لها تمرُّ أمام عينيه، حتى فقد السيطرة واقترب يتشرَّب أنفاسها، ورغم أمنيته أن تفتح عيناها، إلَّا أنَّه خشي أن يفقد سيطرته 
أمامها، تقلَّبت وأزاحت الغطاء بقدمها، لينكشف جسدها أمامه.
أغمض عيناه، فجنيَّته لم ترحم قلبه الضعيف، ماذا عليه أن يفعل الآن، وهي تؤدِّي به إلى الهلاك، دقيقة اثنتان، ثلاثة وهو يحاول ألَّا يقترب منها، تململت وفتحت عيناها، كأنَّها بين الخيال والحلم، وهي تراه أمام وجهها مباشرة، من يرى قربه يقول أنَّه يقبِّلها.
لحظات قليلة، إلى أن هبَّت بعدما وجدت نفسها عا. رية، سحبت الغطاء سريعًا، راقبها بابتسامةٍ لعوب: 
_دي صباح الخير، وصباحية مباركة لحبيبك.
أنزلت عيناها ولم ترد عليه، ولم تقوَ على النظر إليه. 
رفع ذقنها ونظر لعينيها مباشرة: 
_عارفة أنا حاسس بإيه؟. 
نظرت إليه منتظرة حديثه، ولكنَّه اقترب وضمَّ كرزيتها يقبِّلها بجنون العاشق حتى سلب أنفاسها، دفعته بوهن وأخذت تتنفَّس بهدوء. 
سحبها لأحضانه، لتدفن رأسها بصدره تغمض عيناها من جمال ما تشعر به. 
استمعت إلى همسه الخافت: 
_شكرًا لأنِّك عيَّشتيني أجمل ليلة في العمر كلُّه.
استمعت إليه بابتسامة، انحنى أكثر ورفع ذقنها: 
_يعني لو مت دلوقتي هكون فرحان. 
وضعت أناملها على شفتيه سريعًا: 
_بعد الشر. 
 أمسك كفَّها وقبَّله ثم نظر لعينيها: 
_لسة بتحبِّيني؟ 
_أوي، أوي...معرفش إزاي وليه، بس بحبَّك أوي للأسف بعد اللي عملته.
ضمَّ وجهها وهمس اسمها بعدما فقد قدرته: 
_وحشتيني...لدرجة المو ت. 

باليوم التالي.. 
طرق يوسف الباب ودلف لوالده: 
_فيه موضوع محتاج التدخُّل يا باشا.
_خير...مصيبة من مصايب مراتك.
اقترب يوسف يسحب مقعد وجلس بمقابلة والده: 
_بابا...كفاية كدا على ضي، هيَّ عرفت غلطها.
_ما تدخَّلش بيني وبين ضي يا يوسف، مش هيَّ مراتك بس ليَّا فيها أكتر منك.
_هعمل مصدَّقك، مع إنِّي مبحبِّش حد يشاركني في حاجة.
_إنتَ هتستهبل يا دكتور.
_حضرتك قولتها، دكتور يا بابا، مش طفل. 
تراجع إلياس وعيناه تحتضن ابنه:
_عايز إيه يا يوسف؟ 
_تدخَّل في موضوع بلال ورولا، عمُّو أرسلان مش عايز يظلم حد فيهم، بيقولِّي تعب منهم، والاتنين ظالمين ومظلومين. 
_طيب..هشوف بلال وأكلِّمه، عايزك ما تتحرَّكش من غير حراسة مهما كان التمن. 
_أمممم...دارين ولَّا حد تاني. 
_للأسف...تسرُّع ضي بوَّظ اللي خطَّطناه. 
نهض يوسف وهو يومئ برأسه:
_متشغلش بالك بيَّا..
لازم  أروح المستشفى عندي عملية.
_ربِّنا يوفَّقك حبيبي. 
بعد عدَّة ساعات، تحرَّك إلياس للخارج وهو يتحدَّث بهاتفه:
_مالك، عايزك إنتَ بنفسك، تخلِّي بالك من يوسف، أمِّن المستشفى كويس، مفيش حد مجهول الهوية يدخل، الأسطح حول المستشفى، وكلِّ يوم طريقه يتغيَّر.
_متقلقش، أنا بنفسي معاه، وهوَّ فاهم خطورة الوضع. 
أنهى حديثه، مع نزول بلال من سيارته، واقترابه منه.
_جاي بدري يعني، فيه حاجة؟
_لا...كسلان شوية، إيه دوشة الحرس اللي ماشية ورايا دي، هوَّ أنا هتعيَّن رئيس جمهورية؟
_يمكن يا أخويا، أهو نهدَّك بالشغل، بدل ما إنت تاعب الكل معاك.
_يكرم أصلك يا عمُّو، معنديش طاقة للجدال عايز أروح، يوسف وحشني.
_وحشك دبَّة من فوق شجرة قرعة. 
أفلت بلال ضحكة: 
_جنتلة إلياس باشا ضاعت في غياهب بلال.
_حلوف...قالها إلياس واستدار بينما تحرَّك بلال وهو يلوِّح:
_نهارك سعيد عمُّو الحبيب.
_بلال..!! 
_الله يخربيت بلال وسنين بلال في الأرض، التفت إلى إلياس:
_نعم يا عمُّو، هوَّ مفيش في العيلة دي غيري.
أشار إلياس على عينيه، ثم الى بلال وقال:
_عيني عليك، بقالك تكَّة معايا.
_عمُّو، مش عايز تاخد مرات عمِّي فسحة، الستِّ وشَّها كرمش من قعدة البيت. 
سبَّه إلياس، بينما تحرَّك الآخر وهو يدندن. 
دلف يبحث عنها، لم يجدها بالغرفة، توقَّف يدور بالغرف، ثم هبط للأسفل يشعر بالضيق، لقد وصل اليوم قبل موعده بساعتين، أراد أن يفاجئها، اتّّجه للخروج ولكنَّه توقَّف حين استمع إلى دندنتها بالمطبخ، خطا بهدوء، توقَّف لدى الباب، تجمَّد جسده وهو يراها ترتدي قميصه الذي يصل إلى ركبتيها تفتح أوَّل أزراره؛ وترفع خصلاتها للأعلى تتراقص مع نغمات الموسيقي التي تصدر من الهاتف وهي تقف أمام الغاز. 
ألقت ما بيدها تضع كفَّيها على صدرها تشهق، ثم صمتت:
_أنا شهقت معملتش صوت ليه؟ 
يوووه، دول بيضحكوا علينا.
تسمَّرت وهي تشعر بأنفاس أحدهم بجوار أذنها:
_لا إنتي اللي فاشلة.
استدرات إليه سريعًا:
_خضِّتني..قالتها وهي تشير إليه بالملعقة.
نظر لما بيدها، ثم إليها: 
_لابسة قميص بالدولارت وواقفة تعملي بيه ملوخية!
شهقت بعدما تذكَّرت ما ترتديه.
اقترب منها وعيناه على فتحة القميص.. 
تراجعت للخلف تشير بيدها:
_قولت إنَّك قليل أدب محدش صدَّق.
حاوطها بذراعيه:
_يابت دا شرف، مين قالِّك أنا مؤدب، طب وحياة رحمة أبويا أنا ما تربِّيت.

لكزته في صدره بكل ما أوتيت من قوَّة، ودفعته بعيدًا عنها وهي تصرخ بانفعال:
— ابعد عني، أنا قاعدة غصب عنِّي معاك!
لم يمهلها حتى تستوعب ردَّه، وفجأة وجدت نفسها معلَّقة بين ذراعيه، فشهقت بفزع وراحت تضرب صدره بقبضتيها:
— بلال! نزِّلني!
ارتفعت ضحكته رغم غضبها، وقال وهو يحملها وكأنَّ وزنها لا يعني له شيئًا:
— يا بنتي اهدي...علشان تشوفي معالم القاهرة من فوق!
— نزِّلني يا مجنون!
وبهدوء أنزلها إلى الأرض، لكنَّه لم يتركها، بل حاصر جسدها بذراعيه، وانحنى قليلًا حتى أصبحت عيناها في مرمى عينيه:
— نزِّلتك أهو...فين الحضن بقى؟
لكزته في صدره مرَّةً أخرى، لكنَّه أسرع بضمِّها إليه، احتواها بقوَّة حتى اختفى جسدها داخل ذراعيه:
— مش وحشتك يا رولا؟
ظلَّت صامتة، تقاوم ارتعاشة قلبها، بينما ابتعد برأسه قليلًا ليرى وجهها:
— وحشتيني أوي...
ابتلعت غصَّتها، وقالت بعنادٍ تخفي خلفه وجعًا أكبر:
— إنتَ ما وحشتنيش...وابعد عنِّي، علشان أنا رافعة عليك قضية طلاق.
تجمَّدت ملامحه للحظة.
ثم انحنى وحملها بين ذراعيه من جديد، متجاهلًا اعتراضها:
— طيب..قضية الطلاق دي يا روحي، مش عايزاني أمضي عليها.
— بلاااال..نزِّلني!
وضعها فوق الفراش، لكنَّه ظلَّ قريبًا منها، يحاصرها بذراعيه، وعيناه معلَّقتان بعينيها كأنَّه يحاول أن يقرأ كل ما تخفيه عنه.
خرج صوته منخفضًا، مبحوحًا من شدَّة ما بداخله:
— فاكرة لو قرَّرتي تبعدي...أنا  أسيبك؟
ارتعشت عيناها.
— حتى لو إنتِ اللي طلبتي البعد؟
سكت لحظة، ثم تابع بصوتٍ أكثر صدقًا من غضبه:
— أنا عشت البعد عنك...وعرفت إنُّه بيقتلني حتَّة حتَّة.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّ مجرَّد تخيُّلها بعيدة عنه يؤلمه:
— أنا وإنتي...والبعد بينَّا موت يا رولا.
نظرت إليه بعينينِ ممتلئتينِ بالدموع:
— ويهون عليك يوسف يعيش من غيري؟
تبدَّلت ملامحه فورًا، وكأنَّ اسم ابنه أعاده إلى الواقع.
ابتعد قليلًا، ثم مرَّر يده على شعرها بحنانٍ يناقض العاصفة التي كانت منذ لحظات في عينيه:
— مبهزرَّش معاكي.
اقترب أكثر، وأسند جبهته إلى جبهتها:
— أنا موجوع يا رولا...موجوع منك، ومن نفسي، ومن كلِّ حاجة حصلت بينَّا.
ارتجفت شفتاها:
— لمَّا إنتَ بتحبنِّي كده...ليه وجعتني؟
أغمض عينيه، ومسح بإبهامه دمعة هربت من عينها:
— غصب عنِّي...مش منك.
فتح عينيه، وكانت نظراته هذه المرَّة عارية من الغضب:
— النار اللي جوَّايا كانت أكبر مني، كل ما أفتكر..بتجنِّن.
ثم همس:
—  أنا عارف إنِّي وجعتك...ودي حاجة مش قادر أسامح نفسي عليها.
شهقت شهقة صغيرة، بينما اقترب أكثر، وقال بصوتٍ مرتجف:
— رولا...أنا بعشقك بجنون.
تعلَّقت عيناها بعينيه:
— عايز أهد الدنيا كلَّها علشان أحميكي... 
سقطت دمعة على وجنتها.
مدَّ يده ومسحها، ثم قال:
— قلبي ما عرفش النبض الحقيقي غير معاكي...ولا عرفت يعني إيه خوف غير لمَّا بعدتي.
ظلَّت تنظر إليه للحظات، وكأنَّ كل مقاومتها انهارت أمام صدقه.
ثم همست:
— أنا بحبَّك أوي يا بلال...
توقَّفت أنفاسه للحظة.
وكأنَّ تلك الكلمات وحدها أعادت إليه الحياة.
ضمَّها إلى صدره، فاستسلمت بين ذراعيه، وأخفت وجهها عند عنقه وهي تبكي.
شدَّ عليها أكثر، وهمس قرب أذنها:
— وأنا تعبت من الحرب دي يا رولا... تعبت من إنِّي أحبِّك وأحاربك في نفس الوقت.
رفعت وجهها إليه، فالتقت عيناهما وسط دموعهما.
ولم يبقَ بينهما سوى ذلك الحب الذي أرهقهما طويلًا...
اقترب منها، فاحتضنها كما يُحتضن العائد إلى وطنه بعد غيابٍ طويل، بينما أحاطت ذراعاها بعنقه، ليدنو أكثر وأكثر، يسحبها لعالمه، يعزف لها كم كان عشقها يسري بوريده.
مضى شهرٌ كامل، هدأت الأوضاع كثيرًا، وتمَّ القبض على دارين ومن معها، بعدما مهَّد إسحاق دخولهم إلى منزله، حتى يصل إلى مبتغاه. 
مساء يومٍ أنار الحي بإضاءة القلوب قبل المصابيح. 
طرقات على باب الغرفة، ارتفع صوته: 
_ادخلي يا ميرال.
أدخلت رأسها من الباب وقالت:
_طيب أنا منفعش ولَّا لازم ميرا؟ 
رفع رأسه على صوتها، للحظة ارتجف صدره من رؤيتها، فشهرٌ كاملٌ عقابًا لها حتى انطوت عن تجمُّعات العائلة.
صمت ينظر إليها فقط، اغروقت عيناها بالدموع: 
_أنا آسفة، عارفة إنِّي غلطت، بس غصب عني والله يا عمُّو، لمَّا تحس إنِّ حد حرمك من حاجة كان أملك الوحيد، بتبقى عايز تحـ رقه حي، وهيَّ أصلًا تستاهل، شخصية إجر امية. 
أشار إلياس إليها بالتوقُّف عن الكلام:
_إنتِ ما صدَّقتي، هتصاحبيني!
_هوَّ إنتَ تطول تبقى صاحبي.
كبح ابتسامته، ونهض من مكانه: 
_هوَّ أنا قولت لك ادخلي؟
نظرت خلفها للباب، ثم اتَّجهت إليه:
_إيه دا هوَّ أنا دخلت، تصدَّق ما أخدتش بالي، ما هو أنا معذورة، حضرتك هيبة برضو، وتخلِّي الجسم بلا عقل. 
رفع حاجبه ينظر إليها بسخرية:
_وأنا بقى أصدَّق وأخدك في حضني وأقولِّك مش زعلان.
_مطلبتش من حضرتك تاخدني في حضنك، حضن جوزي مكفِّيني. 
وقعت عيناه على وقوف ميرال خلف الباب: 
_ادخلي يا ميرال، ادخلي مستخبية ليه، تعالي تعالي، مين بقى اللي قال للتاني خطِّة الأطفال دي؟
_عيب يا عمُّو على فكرة، متنساش إنِّ حضرتك اللي مربِّيني. 
_محصلش يا بت، عايزة تتمسَّحي فيَّا وخلاص. 
مطَّت شفتيها كالأطفال:
_وبعدين بقى، دا بابا ماخدش منِّي دقيقة واحدة، وحضرتك بقالي عشر دقايق، ووقتي غالي على فكرة. 
اقترب منها إلياس، وعيناه تحـ رق وقوفها ورغم ذلك لم تتحرَّك إنش واحد، بل رفعت عيناها التي تجمّّعت بالدموع:
_والله لو ما أخدتنيش في حضنك دلوقتي لأعيَّط.
اقترب منها مع اقترابها، وسحبها بقوَّة لأحضانه، بكت بشهقاتٍ مرتفعة:
_آسفة يا عمُّو، والله عملت كدا غصب عنِّي، مفكَّرتش غير في قهرتي بس. 
احتضن وجهها وأزال دموعها بإبهامه:
_عملت كدا من خوفي عليكي يا غبية.
_آسفة...عارفة إنِّي غلطت، بس وجعي كان أكبر من عقلي، متزعلش منِّي. 
ضمَّ رأسها لصدره 
يمسِّد على خصلاتها، بينما توقَّفت ميرال تتابع المشهد بعيونٍ سعيدة، سعت كثيرًا كي يغفر لها، ولكنَّه عاقبها أشدَّ العقاب. 
وصل يوسف، نظر لوقوف والدته على باب غرفة المكتب، اقترب منها، توقَّف بجوارها ينظر للداخل.
شهق بتصنُّع: 
_ألويا ومراتي...يا للهول! 
لكزته ميرال ضاحكة، بينما أشار إليه إلياس:
_إنتَ مصدَّق إنّّك دكتور.
_مش عارف. 
سحب ضي من أحضانه:
_كفاية تلزيق يا ختي.
مضت عدَّة أسابيع أخرى، بعد إجازة لشهرين له من الجامعة، بسبب سفره لمرض عمِّه. 
دلف المدرَّج  ملقيًا التحيَّة، وبدأت عيناه تبحث عنها حتى وقعت عليها، كانت تجلس بوسط أصدقائها لا تكترث بما يدور معها، اليوم تشعر بالمرض، جسدها يؤلمها، وضعت رأسها على المدرَّج، منتظرة دخول أستاذ المادَّة، ولكن فجأة استمعت إلى صوته.
اعتدلت علهَّا تتخيَّل، ولكن وجدته أمامها، نعم هو، هو من قرَّب ثم ابتعد، ظلَّت تنظر إليه بصمت، وعيناه تلتهمها باشتياق، أقسم فترة سفره، أنَّه اشتاق إلى ضحكةٍ واحدة له... تلاقت الأعين، ولكن نظراتها كانت باردة، حدًّا أوجعه، حتى همس لنفسه:
_هل لم تشتاق إلي مثل اشتياقي لها؟. 
حمحم وبدأ يشرح كعادته، وعيناه كل فترة تتَّجه إليها من حينٍ لآخر، تحرَّك بين الطلبة كعادته، إلى أن توقَّف بجوارها، سحب كتاب مادَّته وهو يشير للطلبة عن ما به، ثم اتَّجه إلى مكانه، ظلَّ لفترة إلى أن انتهت المحاضرة، جمع أشيائه ثم رفع عيناه لفرح
وخرج وبيده كتابها.
ظلَّت بمكانها لوقت، تشعر الألم يفتك بجسدها، نهضت بتكاسل ثم اتَّجهت إلى مكتبه.
طرقت الباب، سمح بالدخول، رفع عيناه إليها، وليته لم يرفعها، لقد اشتاق إليها، حتى فقد السيطرة ونهض من مكانه: 
_عاملة إيه. 
_كويسة.
أفلتتها من بين شفتيها.
دنا حتى وقوفها، وظلَّ ينظر لملامحها: 
_مفيش حمد الله على السلامة؟ 
رفعت عيناها إليه: 
_حمد الله على سلامتك، بس مش لمَّا أعرف كنت فين. 
ابتسم على كلماتها ونبض القلب بعنف: 
_دا اهتمام ولَّا اشتياق. 
_معرفش...سحب كفَّيها بين كفَّيه: 
_وحشتيني أوي. 
ابتعدت قليلًا 
_لازم أمشي، تعبانة. 
_عندك لسة محاضرة؟ 
_تعبانة ومش قادرة. 
هنا لمح الألم على ملامحها: 
_مالك يا فرح؟ 
شعرت بالسخونة تجتاح جسدها، حتى ضعف جسدها، فجلست على المقعد وأخرجت هاتفها: 
_هكلِّم رائد يعدِّي ياخدني، عايزة أروح. 
سحب الهاتف، وانحنى لجلوسها، يضع كفِّه على جبينها:
_إنتِ سخنة أوي. 
أومأت بضعف، لم يفكِّر كثيرًا، سحب جاكيت بدلته من فوق المقعد، واتَّجه إليها، احتضن كفَّها وساعدها على الوقوف.
نظرت إليه بإرهاق، خرج من المكتب وهو يحتضن كفَّها بكفِّه، ممَّا لفت انتباه الجميع. 
كانت تتحرَّك بجواره بوهن، همست بخفوت:
_عمران سيب إيدي. 
لكنَّه لم يكترث لكلماتها، اتَّجه إلى سيَّارته وساعدها بالصعود، كل هذا تحت أنظار الطلبة. 
بعد فترة وصل بها إلى المشفى، كان جسدها مرهقًا لدرجة لم تقوَ على النزول. 
انحنى وحملها وصعد بها إلى الطبيب..
ثم قام الاتِّصال بأبيها.

انتظروا الخاتمة الثالثة
تعليقات