رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل العاشر 10 بقلم اماني سيد


 رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل العاشر 

ذهبت مهرة مع صفوان ورشا إلى أحد المولات التجارية الكبرى، وتوجّه الثلاثة إلى أحد الأقسام الخاصة بالمفروشات والأدوات المنزلية.
كانت رشا مندمجة تماماً في الاختيار؛ تمسك بقطع الأقمشة وتقلبها، ثم تعرضها على صفوان لتأخذ رأيه. كان صفوان يومئ برأسه بـ "أه" أو "لا" وهو يكتفي بالنظر إلى الشكل الخارجي فقط، فهو لا يفهم كثيراً في تفاصيل هذه الأنواع، وتعتبر هذه المرة الأولى في حياته التي يشتري فيها مثل هذه الاحتياجات بنفسه.
لاحظت رشا حيرته الطريفة، فاقتربت منه وقالت بعفوية ودلال:
ـ يا صفوان... فكك من الشكل دلوقتي، ركز في الخامة! أنا وانت اللي هنام عليها سوا  انت أكيد هترتاح أكتر لما بشرتك تلمس حاجة زي دي.. أنا بختار القطن الخالص لأن خامته أعلى بكتير، وبحاول أنقى أفضل شكل فيهم.
دخلت كلمات رشا العفوية كالصاعقة إلى عقل مهرة التي كانت تقف غير بعيدة عنهما. سرعان ما سرحت مهرة بعيداً، وتجمّدت عيناها في الفراغ بينما انعصر قلبها بألم شديد خانق.
راحت تتخيل المشهد بوضوح موجع؛ ذلك الشخص الذي تعشقه روحها سيشارك اخرى فراشها ، وستكون رشا هي امرأته التي تنام بجواره كل ليلة، تتقاسم معه حياته وتفاصيله وخاصته. أما هي؟ فأقصى ما ستناله من هذا الحب هو أن تظل تلك الأخت أو ابنة العم البعيدة، التي إن اجتمعت به يوماً، ستكون أقصى وأعنف علاقة بينهما هي مجرد مصافحة عابرة باليد أو تحية رسمية باردة!
شعرت مهرة أن الأكسجين نفد من حولها، وبأن الأرض تميد من تحت قدميها من قسوة الفكرة، لكنها جمعت كل ذرات كبرياءها وثباتها، وألزمت نفسها بالصمت والجمود لئلا تظهر أي ضعف أمام عيني صفوان. 
استمع صفوان إلى كلمات رشا، وابتسم بهدوء 
ـ تمام يا رشا، عندك حق.. اختاري اللي يناسبك وأنا معاكي في اللي تشوفيه.
وبدأ بالفعل يركز معها ويشاركها اختيار الملايات والأقمشة، متبيناً التفاصيل التي ترتاح لها، بينما كانت مهرة واقفة تتابع المشهد بعيون حارقة وقلب يتقطع من الداخل.
وفي تلك اللحظة، لفتت انتباه مهرة قطعة مفروشات معلقة بعناية على أحد الأرفف الجانبية؛ كانت ملاية بتصميم فريد وألوان هادئة وراقية خطفت قلبها من أول نظرة. اقتربت منها بخطوات بطيئة، وتلمست أنسجتها برقة وابتسامة خفيفة زينت محياها دون أن تدري، متمنية لو أن حياتها كانت بهذا الجمال والترتيب.
لاحظت رشا وقوف مهرة وتأملها لتلك القطعة، فاقتربت منها بابتسامة واسعة ومرحة، وقالت:
ـ الله! دي شكلها تحفة وذوقها راقي جداً يا مهرة.. 
وسالتها بعفويه 
ـ هتفرشيها فى اوضتك 
رفعت مهرة عينيها بسرعة،  وهي تخفي ارتباكها، فردت بصوت ثابت لكنه يخفي خلفه براكين من الألم:
ـ لأ.. دي مش للفرش دلوقتي، أنا هشيلها لجهازى أنا.. عجبني شكلها قوي، وخفت إن وقت ما أجي أجهز فعلاً ما ألاقيش نفس الشكل ولا الجمال ده قدامي، فقلت ألحقها من دلوقتي!
عقدت رشا حاجبيها بدهشة ومفاجأة، وانتقلت بنظراتها بينها وبين صفوان الذي تسمّر في مكانه وتوقف عن الحركة تماماً فور سماع الكلمة، وقالت رشا بعفوية:
ـ جهازك؟! هو انتِ يا مهرة... خطبتي ولا إيه؟!
التقت عيون مهرة المفاجئة بعيني صفوان الذي كان يطالعها بنظرات حادة ومشتعلة كالجمر. أخذت مهرة نفساً عميقاً، وقالت بكل ثقة كاذبة وصوت مسموع:
ـ أه يا رشا.. في حد متقدملي، وأنا فكرت كويس ومرتاحاله، وقريب هتم الخطوبة رسمى! 
التزم صفوان صمتًا مطبقاً، ولم يعلق بحرف واحد على كلامها، لكن ما إن استقرت تلك الكلمات في عقله حتى اشتعلت بداخله نيران غامضة ومزعجة. تخيل فكرة أن تنام مهرة قريباً في مكان واحد، وعلى فراش واحد، مع رجل غريب عنها... رجل آخر غيره! ظل صدى كلام رشا يتردد في رأسه وكأنه طرقة مزعجة لا تتوقف. حاول بكل ما أوتي من قوة أن ينفض هذه الأفكار المشتتة عن راسه، وأن يجبر نفسه على التركيز مع رشا ومتابعة جولتهما.
أتمت مهرة شراء المفرش الذي أعجبها، وتحرك الثلاثة بعدها إلى القسم المخصص للفوط والبشاكير. هناك، توقفت رشا باهتمام واختارت طقماً فاخراً ومزدوجاً من البشاكير المشتركة لها ولصفوان، وابتسمت بسعادة وهي تستعرضهما أمامه.
في تلك اللحظة، اقترب صفوان بخطوات بطيئة نحو مهرة بينما كانت رشا منشغلة باختيار قطعة أخرى، وانحنى قليلاً ليهمس لها بصوت خفيض وحاد يحمل سخريّة مكتومة: 
ـ إيه... مش هتشتري زيه لجهازك دلوقتي، زي الملاية كده ؟
التفتت إليه مهرة ببطء، ورمقته بنظرة سخرية لاذعة وباردة، ثم ردت عليه بصوت همس لا يقل حدة:
 ـ لأ... ده أنا هشتريه مع زوجي المستقبلي عشان نختار الالوان سوا !
وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة ومستفزة، تركته يشتعل غيظاً وصمتاً بينما تابعت جولتها بثبات ظاهر. 
أكل الغيظ قلب صفوان بصمت، وجعلت نبرتها المستفزة والدبرة التي أظهرتها تشتعل في صدره نيرانًا لا يستطيع إخمادها. ظل واقفا مكانه لثانية يحاول ابتلاع تلك الصدمة الممزوجة بالغيرة العمياء، بينما استدارت رشا إليهما بابتسامة واسعة وهي تحمل طقم البشاكير بين يديها، قائلة بحماس:
ـ صفوان! بص كده على ده كمان، لونه تحفة وهيليق بذوقنا في حمام البيت.. إيه رأيك؟
استعاد صفوان رباطة جأشه بسرعة وأجبرها على الابتسام، فاقترب منها وقال بنبرة هادئة ومجاملة:
ـ جميل يا رشا، اللي تشوفيه ويناسبك اختاريك، ذوقك دايماً ممتاز وانا موافق على اى حاجه 
أما مهرة، فوقفت بعيداً عنهما قليلاً، تحاول أن تلتقط أنفاسها المنتظمة وتخفي ذلك الارتجاف الحقيقي الذي سرى في جسدها بعد جملتها الساخرة. كانت تشعر بأن القناع الذي ترتديه يوشك على السقوط، وأن بقاءها دقيقة واحدة إضافية في هذا المكان سيجعلها تفقد السيطرة على دموعها وثباتها الوهمي.
انتهت الجولة أخيراً، ذهبوا جميعا للسياره وجلست رشا بجانب صفوان ومهره بالخلف 
بعد أن تحركت سيارة صفوان، كان الصمت يملأ المكان بينه وبين رشا، لكن بركانًا من الغضب والغيرة والهوس كان يغلي داخل صدره. صدى كلماتها الباردة وابتسامتها المستفزة وهى تتحدث عن زوجها المستقبلي كان يتردد في رأسه كالصاعقة.
دون أن يدري لماذا، أو كيف سيطر عليه هذا الدافع المفاجئ، شعر برغبة عارمة وحارقة في "معاق.بة" مهرة، في إذابة هذا الجمود والبرود الذي واجهته به، وفي إشعال النار في قلبها تماماً كما أشعلت النار في صدره. هو نفسه لم يكن يفهم سبب هذا التصرف الأرعن؛ كان هناك شيء خفي وعميق يحركه من الداخل، قوة غريزية وعمياء يتجاهلها عمداً ويحاول قمعها بكل قوته، لكنها رغم إرادته كانت تقوده.
التفت صفوان إلى رشا التي كانت تجلس إلى جواره تتحدث بحماس عن تفاصيل اليوم والمشتريات، وقرر أن يلعب لعبته القاسية.
ابتسم لها بابتسامة واسعة ومفاجئة، وبدلاً من جفافه المعتاد، بادرها الحديث بدلال واهتمام بالغ، ماداً يده ليشبك أصابعه بأصابعها برقة، وقال بصوت دافئ ومسموع:
ـ تعبتى  يا رشا انهارده .. بس تصدقي؟ طول إحنا في المول كنت بكرر لنفسي إني محظوظ بيكي جداً، 
اتسعت عينا رشا بصدمة  ومفاجئة، وغمرتها موجة طاغية من السعادة والفرح، فمالت برأسها على كتفه بقوة ودللته قائلة .
ـ بجد يا صفوان؟! مش مصدقة نفسي... أخيرًا اخدت القرار ده؟ أنا بحبك أوي!
أومأ صفوان بابتسامة مزيفة، بينما كان عقله معلقاً بخلفية المشهد؛ كان يرى مهله فى مراه السياره ويرى سرحانها فى الشارع امامها هل لم تسمع حديثه أم سمعته وتجاهلته ؟؟ ام لم يهمها ذلك الحديث برمته 
لم يكتفِ صفوان بذلك الكلام المعسول، بل أراد أن يرفع سقف "الع.قاب" ليكون وقعه أشد وأقسى. انحرف بالسيارة قليلاً وغير مساره، والتفت إلى رشا ليقول بصوت يحمل اهتماماً مصطنعاً:
ـ أصلاً أنا كنت حاطط في بالي حاجة تانية.. إيه رأيك نعدي دلوقتي على محل الذهب اللي في المول الكبير؟ عايز اجبلك ، هدية بسيطة .
كادت رشا تطير من شدة الفرحة، وتهلل وجهها بسعادة عارمة وهي تجيبه بصوت متهدج من كثرة التأثر:
ـ بجد ؟! يا صفوان انت بجد مفاجأة.. أنا مش مصدقة نفسي!
أوقف صفوان السيارة أمام أحد أشهر محلات الصاغة والمجوهرات الفاخرة، ودخل معها وهما يداً بيد. وبينما كان الصائغ يعرض عليهما أحدث التشكيلات والتشكيلات الماسية الباهرة، انشغلت رشا باختيار أجمل الأشكال وهي تقيس الخواتم بفرحة طفولية.
لكن خلف تلك الابتسامة التي أراد صفوان إظهارها، كان عقله وروحه مشتتين تماماً؛ كان ينظر إلى الخاتم الذهب وهو يتخيل وقعه كالشوك في قلب مهرة، وكان يسترق النظر من زاوية المرآة أو واجهة المحل ليرى انعكاس ظلها أو يتخيل صدمتها لو كانت تراهم الآن. كان يعاقبها، أو هكذا توهم نفسه، بينما في الواقع لم يكن يفعل سوى إشعال جمر العذاب في صدره هو قبل أي شخص آخر، مستجيباً لتلك الرغبة العمياء والهوس الخفي الذي يرفض الاعتراف به.
فى تلك اللحظه كان يرى نظرات مهره معلقه بخلخال تقليدى اشاح بنظره عنها وجعلها لم تلاحظ نظراته اليها وعندما انتهوا طلب منهم صفوان ان ينتظروه داخل السياره واشترى صفوان ذلك الخلخال ووضعه فى علبه صغيره فى جيبه 
لا يعلم لما اشتراه ولكنه اشتراه وحسم الامر ولم يدرك احد بما فعله 
وصل صفوان السياره وجلس فى مقعد السائق 
وقبل أن تتحرك السيارة من مكانها بعد انتهاء الجولة، التفت صفوان إليهما بنبرة عادية وهادئة، وقال:
ـ إيه رأيكم نعدي نتعشى بره في أي مطعم قريب بالمرة قبل ما نرجع الفيلا؟
قبل أن ترد رشا، التقطت مهرة الفرصة وسارعت بالإجابة بصوت هادئ ومتحفظ، محاولة إخفاء الإعياء الواضح:
ـ لا يا بشمهندس.. معلش، أنا عن إذنكم هستأذن أمشي، لأن رجلي بدأت توجعني جداً من كتر الوقفة والحمل اللي حملته عليها النهارده.
نظرت إليها رشا بتعاطف هادئ، 
ـ سلامتك يا مهرة.. خلاص براحتك يا حبيبتي، ارتاحي أنتِ 
حاول صفوان الحفاظ على هدوئه وبروده الظاهري، لكنه قال بنبرة عملية مقتضبة:
ـ سلامتك.. بس لو رجلك تعبتك للدرجادي، خليني أطلب الدكتور يجي الفيلا يفحصها أول ما نوصـ...
قاطعته مهرة سريعاً وبنبرة قاطعة وبرود مصطنع:
ـ لا شكراً يا بشمهندس.. مفيش داعي لأي دكتور، مجرد ما أفردها وأرتاح هتبقى كويسة لوحدها!
شعر صفوان بغصة حادة من جفاء ردها وتعمُّدها صدّه، فالتفت ببرود وهتفة مقتضبة لرشا قائلاً:
ـ تمام.. مادام كده، يبقى نأجل العشا العشا ليوم تانى 
ردت رشا بتأكيد 
ـ ياريت أنا كمان حاسه بإرهاق مانمتش امبارح كويس 
توجّه صفوان بالسيارة أولاً لتوصيل رشا إلى بيتها، وهناك ودّعته بابتسامة دافئة وكلمات مقتضبة قبل أن تترجل وتدخل منزلها.
بمجرد أن تحركت السيارة من أمام منزل رشا عائدة باتجاه الفيلا، عمَّ الصمت المطبق أرجاء السيارة. كانت مهرة جالسة في المقعد الخلفي، تحاول إخفاء ألمها الواضح وإجهادها بصمت، متمسكة بكبرياؤها الأخير لكي لا تظهر أي ضعف إضافي أمامه.
وما إن توقفت السيارة في مرآب الفيلا، حتى سارعت مهرة بفتح الباب ونزلت بخطوات متثاقلة، محاولة الاعتماد على عصاتها والتحامل على قدمها لتتجه بمفردها نحو الداخل. لكنها لم تكد تخطو خطوات قليلة حتى ترجل صفوان من السيارة بخطوات واسعة وسريعة، ووقف أمامها مباشرة ليقطع طريقها، وقال بصوت حاسم لا يقبل النقاش:
ـ استني عندك.. رايحة فين لوحدك وأنتِ مش قادرة تدوسي على رجلك ؟
رفعت مهرة عينيها إليه بغضب مكتوم، وقالت بصوت متمرد وبارد:
ـ شكراً يا بشمهندس.. مفيش داعي، أنا قادرة أمشي لوحدي كويس، مش محتاجة مساعدة من حد!
لم يعر صفوان اعتراضها أي اهتمام؛ فقبل أن تكمل جملتها، وبحركة مباغتة وصارمة، انحنى بخفة ومد يديه القويتين ليحملها من على الأرض بكل سهولة، متجاهلاً تماماً اندهاشتها وصدمتها المفاجئة.
اتسعت عينا مهرة من هول الموقف، وهرعت تقول بإنفاس مضطربة واعتراض خجول:
ـ أنت... أنت بتعمل إيه؟! نزلني لو سمحت! أنا قادرة أكمل... صفوان، بقولك نزلني!
لم يجبها بحرف واحد؛ بل ظل صامتاً، محاطاً بهالة من العناد والاصرار، ومتحملاً وزنها بين ذراعيه وهو بخطوات ثابتة وواسعة يخترق بها مدخل الفيلا، حتى وصل بها إلى غرفة الاستقبال القريبة، وانحنى برفق ليضعها تجلس على أقرب كرسي مريح بعناية.
استمرت مهرة في إبداء اعتراضها بتوتر، وقالت بصوت متهدج وهي تحاول تعديل ملابسها بإنفاس حادة:
ـ كان ملوش داعي أبداً ! أنا قلتلك أعرف أتصرف...
وقبل أن تكمل مهرة حروف اعتراضها أو يجد صفوان فرصة للرد على كلماتها، انفتح باب المكتب  لهما على مصراعية، وخرج عمها  بخطوات سريعة وملامح تهلل بالبشر، وهو يقول بصوت مسموع:
ـ كنت لسة بستناكم... بقولك ايه يا مهرة يا بنتي، أبوكِ كلمنى وجايين بكره هيشوفوكى ويطمنوا عليكى ، ويمشوا على طول امك قلقانه عليكى ونفسها تشوفك 
ـ منا بكلمها فى الموبايل كل يوم 
ـ هى يا ستى نفسها تطمن عليكى بنفسها 
ـ تمام يا عمى بس ممكن اطلب منك طلب 
ـ خير يا مهره
ـ مش عايزه بابا يعرف انى بشتغل لانه ممكن يعند معايا ويرجعنى معاه تانى وانا عايزه اكمل اللى وصلتله مش عايزه اهد كل اللى بنيته 
هيسكت عمها فتره يفمر فى كلامها 
ـ تمام يا مهره انا معاكى انتى كده كده مش بتعملى حاجه غلط 
تظاهرة بالهدوء أمام عمها وصفوان، وألجمت لسانها عن أي رد إضافي، ثم نهضت بحذر مستندة على عصاتها، واستذنت بصوت خافت متعب لتصعد إلى غرفتها.
وما إن أغلقت باب غرفتها خلفها، واختفت عن أعين الجميع، حتى انفرط عقد تماسكها. استندت بظهرها إلى الباب المغلق وتنفس بعمق، بينما سرى في جسدها شعور عارم بالقلق والخوف المرير من زيارة أبيها غداً. كانت تسأل نفسها مراراً عن سبب ذلك الهلع الغريب الذي ملكها؛ فهي تفتقد أبويها وتشتاق لرؤيتهما، لكنها كانت تخشى أكثر من أي شيء أن يلاحظ أبوها الحقيقة الموجعة التي تحاول إخفاءها عن العالم أجمع.
فهي لا تريد لأبيها أن يرى إلى أي مدى وصلت من الضعف والانكسار بسبب حبها لصفوان، والأهم من ذلك... أنها كانت مرعوبة من أن يلاحظ التغير الذي طرأ على ملامح جسدها وشكلها! صحيح أنها خاضت معركة شرسة مع وزنها، ونجحت أخيراً في خسارة الكثير، وبدأ جسدها يتخذ الشكل الذي تمنته وتعبت من أجله، لكنها كانت تعلم يقيناً أنها لم تصل بعد إلى خط النهاية. ما زال يفصلها عن وزنها المثالي وطموحها المنشود عشرة كيلوغرامات كاملة لم تتخلص منها بعد، وكانت تخشى أن يتدخل أبوها بملاحظاته التقليدية المعتادة أو يفسد عليها ذلك المجهود المضني، فيهدم في لحظات كل ما بنته وقاومت أجله طوال الفترة الماضية.
عقدت حاجبيها بحيرة وقلق، وأخذت تروح وتجيء في غرفتها بخطوات بطيئة ومتألمة، حتى استقرت عيناها على المرآة الكبيرة المعلقة في زاوية الغرفة. وقفت أمامها، تأملت انعكاسها بملامح شاحبة، ثم اتخذت قرارها الحاسم

تعليقات