رواية حب بين السطور الفصل العاشر 10 بقلم وعد محمد

 

رواية حب بين السطور الفصل العاشر بقلم وعد محمد


طلعت السلم بخطوات متثاقلة جدًا. كل درجة كنت بطلعها، كنت بحس إن جزء من طاقتي بيتسحب مني.

رجليا كانوا تقال، كأنهم شايلين جبل فوقهم. وكل خطوة كانت بتفكرني بالوجع اللي عشته النهارده. وبالحقيقة اللي اكتشفتها وغيّرت كل حاجة جوايا.

وصلت قدام باب الشقة. طلعت المفتاح من شنطتي بإيد بتترعش، وحطيته في الباب.

لفّيته ببطء شديد. كنت بحاول أتحكم في أنفاسي، عشان محدش يحس بيا.

فتحت الباب ودخلت بهدوء، من غير ما أعمل أي صوت. حتى وأنا بقفل الباب ورايا، كنت حريصة إنه ميخبطش.

مكنتش عايزة ألفت نظر حد. ولا كنت مستعدة أواجه أي سؤال.

أنا مكنتش خايفة من الضلمة، ولا من الوحدة، ولا حتى من الوجع اللي كان بياكل في قلبي.

أنا كنت خايفة أمي تشوفني بالمنظر ده. تشوف وشي المطفي، وعينيا اللي غرقانة في الدموع، وتسألني السؤال اللي مكنتش مستعدة أجاوب عليه.

«مالك يا ملك؟»

يا ترى كنت هقولها إيه؟

أحكيلها إزاي إن الناس اللي اديتهم قلبي وثقتي هما نفسهم اللي كسروني؟ إزاي أشرح لها إن الشخص اللي كنت بشوفه سندي طلع سبب وجعي؟

وإن الشخص اللي حبيته اختار يصدق غيري بدل ما يسمعني؟

مكنش عندي طاقة أتكلم. ولا حتى قدرة إني أرتب أفكاري.

كل اللي كنت محتاجاه إني أوصل لأوضتي. وأقفل الباب على نفسي.

اتسحبت على أطراف صوابعي، ودخلت أوضتي بهدوء. قفلت الباب ورايا، ولفّيت المفتاح تكّتين.

أول ما سمعت صوت التكة الأخيرة، حسيت إن قوتي كلها سابتني.

سندت ضهري على الباب الخشب. رجليا خانتني، ونزلت بجسمي واحدة واحدة، لحد ما قعدت على السيراميك البارد.

حطيت وشي بين إيديا، وحاولت أمنع دموعي من النزول.

لكن كل اللي كنت كاتماه طول اليوم انهار في اللحظة دي.

دموعي نزلت من غير صوت. كأن قلبي حتى في بكاه مكنش عايز يزعج حد.

عقلي مكنش قادر يستوعب اللي حصل. كمية الكذب والتخطيط والخذلان كانت أكبر من قدرتي على الفهم.

كنت برجع كل موقف عشته في دماغي. وكل كلمة صدقتها، وكل مرة دافعت فيها عن ناس مكانوش يستاهلوا دفاعي.

ممدوح!

البني آدم اللي اتولدت ولقيته قدامي. الشخص اللي كنت بشوفه أخويا وسندي وملجئي الآمن.

كنت فاكرة إن وجوده في حياتي نعمة. وإن مهما حصل، هيفضل الشخص اللي أقدر أرجع له وأنا مطمنة.

لكن الحقيقة كانت أقسى من أي توقع.

هو نفسه اللي خطط ودمّر حياتي. وكسر ثقتي فيه بأنانيته ومشاعره اللي مكنش قادر يتحكم فيها.

إزاي قدر يعمل فيا كده؟ إزاي هانت عليه العِشرة والسنين وكل الذكريات اللي جمعتنا؟

إزاي قدر يشوفني بتألم، وهو عارف إنه السبب في كل ده؟

أما أدهم، فكان وجع تاني خالص.

الشخص اللي حبيته من قلبي. واللي اخترته من بين الدنيا كلها.

طلع أضعف بكتير من إنه يحارب عشاني. صدّق كلام اتقال له، وسمح لشكوكه وكبريائه إنهم يتحكموا فيه.

مكنش محتاج يعمل معجزة عشان يعرف الحقيقة. كان محتاج يسألني بس.

يسمعني، ويديني فرصة أدافع عن نفسي.

لكنه اختار يمشي. وسابني أواجه كل حاجة لوحدي.

وفجأة، موبايلي اتهز في إيدي. صوت الرنة المكتومة قطع السكون اللي كان مالي الأوضة.

بصيت للشاشة بعينين مغرورقتين بالدموع. كان اسم ممدوح منوّر قدامي.

فضلت باصة للاسم ثواني. حسيت إن مجرد ظهوره قدامي رجّع كل الوجع من أوله.

فصلت المكالمة بسرعة، وحطيت الموبايل على الأرض. وبعدها خليته صامت تمامًا.

مكنتش عايزة أسمع صوته. ولا كنت مستعدة أسمع أي تبرير منه.

مهما قال، مفيش كلام هيقدر يمسح اللي عمله.

عدّت دقيقتين، والشاشة نوّرت برسالة جديدة.

فتحت الشات وإيدي بتترعش. وبدأت أقرأ كلامه بصعوبة.

ممدوح:

«ملك، أنا عارف إنك مش طايقة تسمعي اسمي ولا تشوفيني، بس أرجوكِ متعمليش في نفسك وفيّا كده.

أنا والله العظيم بحبك، وما حسّيتش بنفسي وأنا ببعده عنك. أنا كنت بشوفك بتضيعي مني.

اديني فرصة واحدة بس أشرحلك ونتكلم!»

ضحكت بمرارة وأنا بقرأ رسالته.

حتى وهو بيعترف بغلطه، كان لسه بيحاول يبرر أنانيته بحبه ليا.

مسحت الرسالة، وقفلت الشات من غير ما أرد. مكنتش محتاجة أشرح له حجم الأذى اللي سببهولي.

هو عارف كويس عمل إيه. وعارف إن مفيش اعتذار هيقدر يرجّع ثقتي فيه زي الأول.

عدّى حوالي نص ساعة، وأنا لسه قاعدة مكاني. مش قادرة أتحرك، ولا حتى أوقف تفكيري.

فجأة، شاشة الموبايل نوّرت بإشعار جديد.

المرة دي كان أدهم.

فتحت الرسالة، وبدأت أقرأ كلامه بعيون مليانة دموع.

أدهم:

«أنا مش عارف أنام يا ملك، ومش قادر أستوعب إن كل اللي عشناه وضاع مننا كان بسبب سوء فهم ولعبة أنا بلعتها بكبريائي وشكوكي.

أنا عارف إن كلمة آسف صغيرة جدًا ومش هترجع السنين اللي ضاعت. بس والله العظيم ما حبيت ولا هحب حد غيرك.

لو إديتيني فرصة واحدة أصلّح كل حاجة، أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان أرجعك لحضني تاني.»

إيدي ارتخت، والموبايل كاد يقع مني.

كنت بقرأ كلامه والدموع بتنزل على الشاشة. لكن المرة دي مكنش وجعي زي الأول.

كان فيه جزء جوايا لسه فاكر حبه. ولسه بيتوجع على الأيام اللي عشناها سوا.

لكن كان فيه جزء تاني بدأ يفهم إن الحب لوحده مش كفاية. وإن اللي بيحبك المفروض يسمعك قبل ما يحكم عليك.

فضلت باصة للرسالتين قدامي.

واحدة من الشخص اللي خدعني وسرق مني إحساسي بالأمان. والتانية من الشخص اللي سابني وقت ما كنت محتاجاه يتمسك بيا.

الاتنين كانوا بيطلبوا فرصة. لكن محدش فيهم فكر وقتها إن قلبي هو اللي دفع تمن اختياراتهم.

ضحكت بمرارة، وهمست لنفسي بصوت مكتوم:

– جايين دلوقتي؟ بعد ما كل حاجة جوايا اتكسرت؟

بعد ما بقيت مش عارفة أثق في مين، ولا أصدق إيه؟

قمت بالعافية من على الأرض. رجليا كانوا لسه تقال.

وصلت للسرير وقعدت على طرفه. بعدها مسكت الموبايل وفتحت محادثة ممدوح.

كتبت له آخر رسالة، وأنا بحاول أخلي إيدي ثابتة.

«أنت متّ بالنسبة لي يا ممدوح.

وجودك في حياتي انتهى للأبد. متتكلمش معايا ولا تحاول تقرب مني تاني، لأنك أكتر بني آدم أذاني في حياتي.»

بعت الرسالة، وعملت له بلوك من الشات والمكالمات. ومن كل مكان ممكن يربطني بيه.

بعدها فتحت محادثة أدهم.

قلبي وجعني وأنا بشوف اسمه. لكن المرة دي مخلّيتش وجعي يقرر مكاني.

كتبت له:

«أنت اخترت تسيبني زمان وتتخلى عني بأسهل طريقة يا أدهم.

والمرة دي أنا اللي بختار أمشي بمحض إرادتي. متطلبش مني فرصة تانية ولا تحاول ترجعني، لأن اللي اتكسر بيننا مينفعش يرجع زي الأول.»

بعت الرسالة، وعملت له بلوك هو كمان.

قفلت الموبايل وحطيته على الشاحن بعيد عن السرير. كأني أخيرًا قررت أبعد نفسي عن كل حاجة بتشدني للماضي.

اتمددت على السرير، وبصيت للسقف وسط ضلمة الأوضة.

كنت حاسة بفراغ كبير جوايا. لكن وسط الوجع ده، كان فيه إحساس غريب بدأ يظهر.

إحساس بالحرية.

لأول مرة من سنين، مكنش فيه حد مستني مني أبرر قراراتي. ولا حد بيضغط عليا عشان أعمل اللي هو عايزه.

لكن الحرية دي كان تمنها غالي.

قلبي، وسنين عمري، وثقتي اللي اديتها للناس من غير حساب.

أنا مكنتش زعلانة بس عشان أدهم مشي، ولا عشان ممدوح خاني.

كنت زعلانة على نفسي. على ملك اللي ضاعت وهي بتحاول ترضي الكل، وتحافظ على ناس مكانوش بيحافظوا عليها.

غمضت عينيا، وأخدت نفس عميق. طلّعت معاه كل الوجع اللي قدرت أطلّعه.

وقلت لنفسي بصرامة:

– من بكرة، فيه ملك جديدة خالص هتتولد.

ملك اللي محدش هيقرر عنها، ولا هيكسرها، ولا هيسمح لنفسه يحدد مصيرها تاني.

المرة دي، أنا اللي هختار طريقي.

ومش هسمح لحد ياخد مني نفسي تاني.


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات