رواية قدر لا يشبهنا الفصل العاشر 10 بقلم ايه محمود


 رواية قدر لا يشبهنا الفصل العاشر 

في منزل أسلم...

كان أسلم واقف عند باب الشقة، مش قادر يستوعب اللي بيحصل قدامه.

روفانا... روفانا اللي كان آخر مرة شافها فيها بتحاول تبان قوية رغم كل اللي مرت بيه، واقفة دلوقتي قدامه منهارة تمامًا، بتعيط بطريقة وجعت قلبه قبل ما يفهم حتى سبب دموعها.

كانت متعلقة فيه بإيديها، وساندة راسها على صدره، وكل ما يحاول يتكلم أو يسألها عن اللي حصل، يسمع شهقة جديدة تقاطعه.

أسلم بص ناحية باب الشقة المفتوح، وبعدها رجع بص لها، وبصوت هادي حاول يتكلم:

أسلم: روفانا... طب ادخلي الأول، إحنا واقفين على الباب ليه؟

مافيش رد.

أسلم: يا روفانا، اسمعيني بس... تعالي ندخل.

حاول يتحرك خطوة لجوه، فدخلت معاه من غير ما ترفع راسها، ولسه متمسكة بيه بنفس القوة.

قفل الباب برجله بهدوء، وفضل واقف مكانه لحظات، مش عارف هل المفروض يبعدها عنه عشان يقعدها، ولا يفضل سايبها كده لحد ما تهدى.

رفع إيده بتردد، وبعد لحظة حطها على كتفها وربت عليه برفق.

أسلم: خلاص... اهدي، مفيش حاجة، إنتِ هنا، متقلقيش.

لكنها فضلت تعيط.

أسلم: طب بصيلي يا روفانا.

حاولت ترفع وشها، لكنها ماقدرتش، وفضلت مخبية ملامحها.

أسلم: طيب... مش لازم تبصيلي، بس اسمعيني. خدي نفس كده بالراحة.

أخدت نفس متقطع، وبعدها رجعت تعيط تاني.

أسلم تنهد بخفة، وبص للكرسي القريب منهم.

أسلم: طب تعالي نقعد، رجلك أكيد تعبت من الوقفة.

بدأ يتحرك ببطء، وهي معاه، لحد ما وصلوا للكرسي. حاول يساعدها تقعد، لكنها فضلت واقفة ومتمسكة فيه.

أسلم: يا بنتي اقعدي، أنا مش هسيبك.

قعدها أخيرًا، لكنه أول ما حاول يبعد عنها عشان يجيب لها كوباية مية، إيدها اتحركت بسرعة ومسكته من إيده.

روفانا بصوت مخنوق: ماتمشيش.

وقف أسلم مكانه، وبصلها.

أسلم: مش همشي، أنا بس هجيبلك مية من المطبخ.

هزت راسها بالرفض.

روفانا: مش عايزة.

أسلم: طب تشربي إيه؟

ما ردتش.

أسلم ابتسم ابتسامة صغيرة، محاولًا يخفف عنها:

أسلم: طب قوليلي أعملك إيه؟ أجيبلك المطبخ كله هنا؟

ما ابتسمتش، ولا حتى رفعت عينيها له.

أسلم: خلاص، ولا يهمك.

سحب الكرسي اللي قصادها وقعد عليه، وفضل ساكت.

كان حاسس إن أي كلمة زيادة ممكن تضايقها، وإنه مهما حاول يسألها مش هيقدر ياخد منها إجابة وهي بالحالة دي.

فضلت إيدها ماسكة في إيده، وهو ما حاولش يسحبها.

مر وقت مش قليل، بدأ صوت بكائها يقل تدريجيًا، وبقت شهقاتها متباعدة، لحد ما قدرت أخيرًا تاخد نفسها بشكل طبيعي.

أسلم كان كل شوية يبصلها، ولما لاحظ إنها بدأت تهدى، اتكلم بصوت منخفض:

أسلم: أحسن دلوقتي؟

هزت راسها هزة بسيطة.

أسلم: الحمد لله.

سكت شوية، وبعدها سألها:

أسلم: تشربي مية؟

المرة دي ما رفضتش، فقام بهدوء، لكنه قبل ما يتحرك قال:

أسلم: هروح المطبخ وأرجع في ثواني، اتفقنا؟

بصت له للحظة، وبعدين سابت إيده.

اتجه للمطبخ، جاب كوباية مية، ووقف عند الحوض لحظة قبل ما يرجع. كان بيحاول يرتب أفكاره، ويفهم إيه اللي ممكن يكون وصلها للحالة دي.

رجع وحط الكوباية قدامها.

أسلم: اتفضلي.

أخدتها منه بإيديها الاتنين، وشربت شوية، وبعدها حطتها على الترابيزة الصغيرة اللي جنب الكرسي.

فضل أسلم واقف للحظة، وبعدين قعد مكانه تاني.

أسلم: تحبي أغسلك وشك؟ يعني... تجيبي نفسك شوية؟

روفانا مسحت تحت عينيها بإيدها.

روفانا: أنا كويسة.

أسلم بص لملامحها، وبعدين بص للكوباية.

أسلم: آه، واضح جدًا.

رفعت عينيها له.

روفانا: يعني إيه؟

أسلم: يعني لو دي حالة كويسة، أمال لو مش كويسة كنتي هتعملي إيه؟

روفانا بصت له بضيق، لكنه ما كملش كلام.

بعد لحظات، قامت من مكانها ببطء، وأخدت نفس طويل.

روفانا: ممكن أغسل وشي؟

أسلم: طبعًا، الحمام من هنا.

أشار لها ناحية الحمام، ووقف مكانه لحد ما دخلت.

دخلت روفانا، وقفت قدام المراية، وبصت لنفسها.

عينيها محمرة، ورموشها مبلولة، وشعرها اللي كانت مرتباه قبل ما تخرج بقى مشوش شوية. رفعت إيديها وغسلت وشها بالمية، مرة واتنين، وبعدها فضلت واقفة قدام المراية تحاول تستعيد شكلها المعتاد.

لكنها ماكانتش زعلانة من شكلها قد ما كانت محرجة من اللي حصل.

إزاي جريت عليه بالشكل ده؟ وإزاي فضلت متعلقة فيه ومش راضية تسيبه؟

غمضت عينيها للحظة، وبعدها نشفت وشها وخرجت.

كان أسلم قاعد على الكرسي، ولما سمع صوت الباب رفع عينه ناحيتها.

شافها وهي خارجة بخطوات هادية، بتحاول ترتب شعرها بإيديها، وباين عليها الخجل الشديد.

أسلم: أهلاً... رجعنا للناس الطبيعية؟

روفانا وقفت مكانها وبصت له.

روفانا: هو أنا كنت مش طبيعية؟

أسلم: لا خالص، أبدًا... إنتِ بس كنتِ عاملة زي الأطفال اللي بيعيطوا ومش عايزين حد يقرب منهم، وفي نفس الوقت مش عايزين حد يبعد عنهم.

روفانا فتحت بقها تعترض، لكنها ما لقتش رد مناسب.

روفانا: أنت... أنت بتوصفني كده عادي؟

أسلم: أمال أوصفك إزاي؟ كنتِ ماسكة فيا ومش راضية تسيبيني أتحرك حتى أجيبلك مية.

روفانا: أنا مكنتش واخدة بالي!

أسلم: ودي المصيبة.

روفانا: أسلم!

ضحك أسلم وهو بيرفع إيده باستسلام.

أسلم: خلاص، خلاص، مش هقول حاجة.

روفانا بصت له بشك.

روفانا: أنت بتضحك عليا؟

أسلم: لا والله.

روفانا: أمال بتضحك ليه؟

أسلم: أصل افتكرت حاجة.

روفانا: إيه هي؟

أسلم: إنك أول ما دخلتي كنتِ عايزة تخلعي دراعي من مكانه من كتر ما كنتِ ماسكة فيه.

روفانا شهقت، وحطت إيدها على صدرها.

روفانا: أنا عملت كده؟!

أسلم: لا، ده أنا اللي كنت بتخيل.

روفانا: أنت مستفز!

أسلم ضحك أكتر، وهي حاولت تبان متضايقة، لكن ملامحها بدأت تلين.

أسلم: طب اقعدي بدل ما تفضلي واقفة كده.

روفانا قعدت على الكرسي، وعدلت هدومها، وبصت حواليها للمرة الأولى من ساعة ما دخلت.

كانت الشقة بسيطة وهادية، وكل حاجة فيها في مكانها تقريبًا. ترابيزة صغيرة، وكنبة، ومكتبة عليها شوية كتب، ورف فيه حاجات بسيطة. مفيش أي حاجة ملفتة أو فخمة، لكن المكان كان مرتب ونضيف.

روفانا: أنت كنت نايم؟

أسلم: آه.

روفانا بصت له باستغراب.

روفانا: وصحيت على صوت الجرس؟

أسلم: أيوه، وكنت لسه بحاول أفهم مين اللي بيخبط في الوقت ده.

روفانا نزلت عينيها بخجل.

روفانا: أنا آسفة إني قلقتك.

أسلم: قلقتيني؟ لا خالص، ده أنا كنت مستني حد ييجي يعيطلي على باب الشقة من زمان.

روفانا رفعت عينيها له بسرعة.

روفانا: أنت مش هتبطل؟

أسلم: أحاول، بس مش واعدك.

روفانا ضحكت ضحكة صغيرة، وحاولت تخبيها وهي بتبص بعيد.

أسلم لاحظ، لكنه المرة دي ما علّقش.

كان مبسوط إنه قدر يشوف ابتسامتها بعد كل الدموع دي، حتى لو كانت ابتسامة بسيطة.

قام من مكانه واتجه للمطبخ.

أسلم: هعملك حاجة تشربيها.

روفانا: مش عايزة تتعب نفسك.

أسلم: هو أنا هتعب نفسي في إيه؟ هحط مية في الكوباية يعني؟

روفانا: خلاص، ماشي.

أسلم: تشربي إيه؟

روفانا فكرت لحظة.

روفانا: أي حاجة.

أسلم: إجابة ممتازة، كده أنا قدامي اختيارات كتير جدًا.

روفانا: أسلم، هو أنت لازم تعلق على كل كلمة بقولها؟

أسلم من المطبخ: طبعًا، دي من حقوقي الدستورية.

ابتسمت وهي بتبص ناحية المطبخ.

بعد شوية رجع ومعاه كوباية عصير، وحطها قدامها.

أسلم: اتفضلي.

روفانا: شكرًا.

أسلم: العفو.

قعد قصادها، ومد إيده ناحية الكوباية بتاعته، وبعدها بص لها.

أسلم: على فكرة، أنا لسه ماعرفش إنتِ جيتي هنا ليه.

اختفت ابتسامتها تدريجيًا، وبصت للكوباية اللي في إيدها.

أسلم لاحظ تغير ملامحها، فاستدرك بسرعة:

أسلم: مش لازم تحكي دلوقتي، أنا بس بسألك عشان أطمن عليكي.

روفانا فضلت ساكتة شوية، وبعدها رفعت عينيها له.

روفانا: أنا... كنت محتاجة أشوفك.

أسلم سكت.

ماكانش متوقع الإجابة دي، وبص لها للحظات قبل ما يبعد عينيه ناحية الكوباية اللي قدامه.

أسلم: طب الحمد لله إنك وصلتي بالسلامة.

روفانا هزت راسها، وبدأت تشرب العصير بهدوء.

عدت لحظات من الصمت، لكن الصمت المرة دي ماكانش تقيل زي الأول.

روفانا كانت بتبص حواليها، وأسلم كان بيحاول يتصرف بشكل طبيعي، لحد ما عينه وقعت على الكوباية اللي في إيدها.

أسلم: إيه رأيك في العصير؟

روفانا: حلو.

أسلم: بجد؟

روفانا: أيوه.

أسلم: الحمد لله، دي أول حاجة أعملها النهارده وتطلع مظبوطة.

روفانا بصت له.

روفانا: يعني إنت بتعمل حاجات كتير ومش بتطلع مظبوطة؟

أسلم: على حسب، بس أنا مش بحب أتكلم عن إخفاقاتي قدام الضيوف.

روفانا ضحكت.

روفانا: ضيوف؟! هو أنا ضيفة؟

أسلم: أمال إيه؟ صاحبة البيت؟

روفانا: لا، بس...

أسلم: بس إيه؟

روفانا: مفيش.

أسلم: لا، كملي، أنا مركز معاكي جدًا.

روفانا: أنت بتستفزني عن قصد.

أسلم: أخيرًا وصلنا لنقطة اتفاق.

ضحكت روفانا، وبصت له وهي بتهز راسها باستنكار.

روفانا: أنا مش عارفة إزاي بتستحمل نفسك.

أسلم: بالعافية والله، بس بنحاول.

روفانا: ربنا يعينك على نفسك.

أسلم: آمين، ادعيلي.

ضحكت تاني، المرة دي بصوت أعلى شوية.

أسلم رفع عينه ليها، وفضل مبتسم.

كان مستغرب منها.

مش بس لأنها بتضحك، لكن لأنها بقت تتكلم من غير ما تحسب كل كلمة، وترد عليه بعفوية، وتتعصب من تعليقاته الصغيرة، وبعد ثواني ترجع تبتسم.

روفانا اللي قدامه دلوقتي ماكانتش السيدة الأنيقة اللي بتدير شركة كبيرة، ولا البنت اللي بتعرف تخفي خوفها عن الناس.

كانت بنت بسيطة، بتضحك وتزعل وتتخانق على أتفه الأسباب.

والجانب ده منها كان جديد عليه تمامًا.

روفانا لاحظت إنه سرح تاني.

روفانا: أنت روحت فين؟

أسلم رجع انتباهه ليها.

أسلم: أنا هنا أهو.

روفانا: لا، أنت بتسرح كتير النهارده.

أسلم: أصل عندي ضيفة مش سايباني أركز.

روفانا: أنا؟!

أسلم: أيوه، إنتِ.

روفانا: طب خلاص، أنا همشي.

قالتها وهي بتحاول تقوم من مكانها، لكن أسلم رد بسرعة:

أسلم: لا لا، اقعدي، أنا كنت بهزر.

روفانا رجعت قعدت، وبصت له بانتصار.

روفانا: أهو، خفت!

أسلم ضيق عينيه وهو بيبصلها.

أسلم: إنتِ بتلعبي عليا؟

روفانا ابتسمت ببراءة مصطنعة.

روفانا: أنا؟ لا خالص.

أسلم: طيب يا ستي، ماشي.

روفانا: ماشي.

فضلوا يبصوا لبعض لحظات، قبل ما يضحكوا هما الاتنين في نفس الوقت.

وبدأت المناكشات بينهم تزيد، مرة هو يعلق على طريقة كلامها، ومرة هي ترد عليه بكلمة تخليه يسكت، وبعدها يرجع يفتعل موضوع جديد عشان يكمل استفزازه ليها.

ومع كل دقيقة كانت بتعدي، روفانا كانت بتنسى شوية من الوجع اللي دخلت بيه البيت.

أما أسلم، لأول مرة من وقت طويل، ماحسش إنه مستعجل يرجع للصمت المعتاد.

كان مستمتعًا بوجودها، حتى لو كانت بتجادله في كل كلمة.

وروفانا كمان، كانت مستمتعة إنها أخيرًا قدرت تضحك من قلبها، من غير ما تضطر تمثل إنها بخير.

وفي تلك اللحظات البسيطة، لم يكن أيٌّ منهما بحاجة إلى أكثر من ذلك... مجرد حديث عادي، وضحكات متقطعة، وشعور بالراحة لم يعرفا كيف بدأ، ولا متى أصبح وجود الآخر بهذه الأهمية.

ظل الحديث بينهما مستمرًا، وكل واحد منهما يحاول أن يجد موضوعًا جديدًا للمناكشة، حتى هدأت روفانا قليلًا، وأصبحت تجلس براحة أكبر من لحظة وصولها.

كانت تمسك بكوب العصير، تحركه بين يديها دون أن تشرب، بينما أسلم يتابع حديثها بابتسامة هادئة.

روفانا: على فكرة، أنا اكتشفت إنك شخص رخم جدًا.

أسلم: اكتشفتي؟ ده أنا كنت فاكر إن الموضوع واضح من أول مقابلة.

روفانا: لا، أنت كنت مخبي الحقيقة كويس.

أسلم: أهو الواحد بيحاول يحافظ على صورته قدام الناس.

روفانا: صورة إيه؟ دي وقعت خلاص.

أسلم: طب الحمد لله إنها وقعت قدامك إنتِ بالذات.

ضحكت روفانا، ثم سكتت قليلًا، وكأن سؤالًا ما خطر ببالها فجأة.

رفعت عينيها إليه.

روفانا: أسلم؟

أسلم: نعم؟

روفانا: هو... ممكن تتجوز واحدة من ديانة مختلفة؟

توقفت ابتسامة أسلم للحظة.

لم يكن السؤال غريبًا في حد ذاته، لكنه لم يتوقعه منها، وبالتحديد في هذا التوقيت.

نظر إليها محاولًا أن يفهم ما وراء السؤال، بينما بدأت الأفكار تتزاحم في رأسه.

هي تقصد إيه؟

هل بتسأل لمجرد الفضول؟ ولا فيه حاجة تانية؟

يا ترى ممكن تكون بتفكر فيا بنفس الطريقة اللي أنا بفكر بيها فيها؟

ثم وجد نفسه يفكر في احتمال لم يجرؤ على التفكير فيه من قبل.

طب وهي ممكن توافق أصلًا؟ ممكن تشوفني زوج ليها؟

لكن سرعان ما انطفأ ذلك الأمل الصغير.

إنت بتفكر في إيه يا أسلم؟ دي بنت ليها عالمها وحياتها ومكانتها، وإنت عارف كويس إن بينكم اختلافات كتير. مش كل حاجة القلب يتمناها تبقى ممكنة.

أخذ نفسًا هادئًا، ثم أجابها:

أسلم: أيوه، عادي. في الإسلام يجوز للرجل المسلم إنه يتجوز واحدة من أهل الكتاب، يعني مسيحية أو يهودية، بشروط الزواج المعروفة طبعًا.

هزت روفانا رأسها ببطء، وكأنها تستوعب إجابته.

أسلم ابتسم ابتسامة بسيطة، ثم سألها:

أسلم: بس هو إيه السر ورا السؤال ده؟

ارتبكت روفانا، وحركت عينيها بعيدًا عنه.

روفانا: سر إيه؟

أسلم: يعني إنتِ فجأة قررتي تفتحي موضوع الجواز واختلاف الأديان، فقولت يمكن فيه سبب.

روفانا: لا، مفيش سبب.

أسلم: متأكدة؟

روفانا: أيوه، مجرد فضول. حبيت أعرف مش أكتر.

ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم أومأ برأسه.

أسلم: تمام، فضولك وصل.

روفانا ابتسمت بخفة، لكنها لم تكن قد انتهت من أسئلتها.

روفانا: طب سؤال تاني؟

أسلم: هو إحنا هنخلص إمتى من التحقيق ده؟

روفانا: لو مش عايز تجاوب قول.

أسلم: لا، اتفضلي يا فندم، أنا تحت أمرك.

روفانا: في حد في حياتك؟

تغيرت ملامح أسلم قليلًا.

لم يرد فورًا، بل نظر إليها، ثم استقرت عيناه على عينيها العسليتين.

كان لون عينيها يبدو مختلفًا تحت ضوء الغرفة الهادئ، وكان في نظرتهما شيء يجعله ينسى أحيانًا ما كان يريد قوله.

روفانا: أسلم؟

انتبه إلى نفسه، لكنه لم يبعد عينيه عنها.

أسلم: أيوه.

اتسعت عينا روفانا قليلًا.

روفانا: أيوه إيه؟

أسلم ابتسم دون أن يشعر.

أسلم: فيه واحدة في حياتي.

حاولت روفانا أن تبدو طبيعية، لكنها لم تستطع منع فضولها من الظهور.

روفانا: بجد؟

أسلم: بجد.

روفانا: وإنت بتحبها؟

ابتسم أسلم، ثم أراح ظهره إلى الكرسي.

أسلم: بحبها جدًا.

لم تعرف روفانا لماذا شعرت بانقباضة صغيرة في قلبها، لكنها حاولت أن تخفي ذلك.

روفانا: طب... وهي بتحبك؟

سكت أسلم لحظة.

كان يستطيع أن يقول لها الحقيقة، لكنه لم يكن يملك الشجاعة الكافية ليضع قلبه أمامها ويترك لها حرية كسره.

فقرر أن يتحدث عنها دون أن يذكر اسمها.

أسلم: معرفش.

روفانا: إزاي يعني معرفش؟ وإنت بتحبها جدًا كده ومش عارف هي بتحبك ولا لأ؟

أسلم: أصل هي مش عارفة.

روفانا: مش عارفة إيه؟

أسلم: إنها سرقت قلبي مني.

ابتسمت روفانا دون أن تنتبه إلى أن ابتسامتها ظهرت بوضوح.

أسلم أكمل، وعيناه ما زالتا معلقتين بها:

أسلم: هي واحدة مختلفة... عندها قوة غريبة، حتى وهي بتكون ضعيفة بتحاول تبان قوية. ساعات بتكون عنيدة بشكل يخليني أفقد أعصابي، وساعات بتعمل حاجات من غير ما تفكر، وبعدين تفضل تتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.

روفانا كانت تستمع إليه باهتمام شديد.

أسلم: بس أكتر حاجة بحبها فيها إنها مش دايمًا زي ما الناس شايفاها. ورا كل القوة دي فيه جانب تاني، جانب بسيط وعفوي... بيظهر فجأة ومن غير مقدمات.

ابتسم وهو يتذكر ضحكتها منذ قليل.

أسلم: ولما بتضحك، بتحس إن الدنيا كلها بقت أهدى. ولما بتزعل، الواحد بيبقى نفسه يعرف يعمل أي حاجة عشان يشوفها مبسوطة تاني.

سكت قليلًا، ثم أضاف بصوت أكثر هدوءًا:

أسلم: هي مش عارفة إنها بقت جزء من يومي، وإن وجودها بيفرق معايا، وإن مجرد إني أشوفها بخير بيخليني مطمن.

كانت روفانا تنظر إليه دون أن ترمش تقريبًا.

كل كلمة قالها كانت تقترب من قلبها أكثر، وكل وصف كان يجعلها تشعر أنه يتحدث عنها هي، لا عن فتاة أخرى.

روفانا بابتسامة خجولة: واضح إنك بتحبها أوي.

أسلم: أكتر مما تتخيلي.

خفضت عينيها، وبدأت تعبث بأصابعها، محاولة إخفاء سعادتها.

روفانا: طب ما تتجوزها؟

اختفت الابتسامة من وجه أسلم تدريجيًا.

نظر إلى عينيها، ثم أبعد نظره.

أتجوزها؟

يا ريت الموضوع بالسهولة دي.

كان يتمنى أن يخبرها أنها هي تلك الفتاة، وأنه لا يريد من الدنيا أكثر من أن تكون بجانبه، لكنه كان يخشى أن يخسر حتى المساحة الصغيرة التي أصبحت تجمعهما.

أسلم: مش كل اللي بنحبه بنقدر نوصل له.

روفانا: ليه؟

أسلم: ساعات الظروف بتكون أصعب من إن الواحد يقدر يتخطاها.

روفانا: يعني إنت شايف إن مفيش أمل؟

أسلم ابتسم ابتسامة حزينة.

أسلم: مش عارف... بس مش كل أمنية بنتمناها لازم تتحقق.

لاحظت روفانا الحزن الذي ظهر في صوته، فشعرت برغبة في سؤاله أكثر، لكنها لم تفعل.

أما أسلم، فكان قد بدأ يشعر أنه اقترب أكثر مما ينبغي من الاعتراف.

لذلك قرر تغيير الموضوع.

أسلم: طب سيبينا من حكايتي أنا، وقوليلي بقى... إنتِ كنتِ جاية عندي بالحالة دي ليه؟

تغيرت ملامح روفانا فورًا.

انخفضت عيناها، وعادت إلى ذاكرتها صورة ما حدث في منزلها.

صفعة أمها.

والنظرة التي صاحبتها.

والألم الذي لم تستطع حتى الآن أن تفهم سببه.

أسلم لاحظ صمتها، فتحدث بهدوء:

أسلم: بصي، أنا مش هضغط عليكي تحكي حاجة مش عايزة تحكيها. بس واضح إن فيه حاجة حصلت ضايقتك جدًا، وأنا لو أقدر أساعدك في أي حاجة...

روفانا قاطعته بابتسامة صغيرة حاولت أن تبدو طبيعية.

روفانا: أنا عايزة أخرج.

أسلم: نعم؟

روفانا: عايزة أخرج أتمشى شوية.

نظر إليها أسلم، ثم إلى الساعة، وعاد ينظر إليها.

أسلم: دلوقتي؟

روفانا: أيوه.

أسلم: طب ماشي، زي ما تحبي.

روفانا: مش هتسألني رايحين فين؟

أسلم: إنتِ اللي عايزة تتمشي، يبقى نشوف هنروح فين وإحنا ماشيين.

ابتسمت روفانا.

روفانا: موافق؟

أسلم: موافق.

روفانا: من غير اعتراض؟

أسلم: هو أنا لو اعترضت هتسمعي كلامي؟

روفانا ضحكت.

روفانا: لأ.

أسلم: أهو، يبقى وفرنا وقت ومجهود.

نهض أسلم من مكانه، واتجه إلى غرفته ليغير ملابسه، بينما بقيت روفانا جالسة تنتظره.

كانت تنظر إلى المكان من حولها، ثم عادت بذاكرتها إلى حديثهما.

في واحدة في حياته...

ابتسمت دون أن تشعر.

طب لو أنا هي؟

ثم هزت رأسها بخفة، وكأنها تحاول أن تمنع نفسها من التفكير أكثر.

بعد دقائق خرج أسلم، وأغلق باب الشقة بعد أن تأكد من أنه أخذ مفاتيحه وهاتفه.

أسلم: جاهزة؟

روفانا: جاهزة.

خرج الاثنان، ونزلا الدرج بهدوء.

في أحد شوارع المنطقة...

كان الشارع هادئًا نسبيًا، والحركة فيه ليست مزدحمة، وبعض المحلات ما زالت مفتوحة، بينما بدأ أصحاب محلات أخرى يستعدون للإغلاق.

كان أسلم يسير بجوار روفانا، محافظًا على مسافة مناسبة بينهما، ويتحدثان في أمور بسيطة لا تحمل أي أهمية كبيرة.

روفانا: هو إنت بتخرج تتمشى هنا كتير؟

أسلم: ساعات، لما أبقى محتاج أغير جو.

روفانا: ومبتزهقش؟

أسلم: من إيه؟

روفانا: من نفس الشوارع، نفس المحلات، نفس الناس؟

أسلم: لأ، بالعكس. ساعات الواحد بيبقى محتاج يشوف الحاجات اللي متعود عليها.

روفانا: غريبة.

أسلم: ليه؟

روفانا: أنا بحب الأماكن الجديدة، بحب أروح أماكن مختلفة وأشوف حاجات أول مرة أشوفها.

أسلم: كل واحد وله طريقته.

روفانا: يعني إنت مش بتحب المغامرة؟

أسلم: بحبها، بس مش لازم كل يوم أصحى ألاقي نفسي في مغامرة جديدة.

ضحكت روفانا.

روفانا: عندك حق.

واصلا السير، حتى توقفت روفانا فجأة أمام أحد المحلات.

كان محلًا لبيع ملابس المحجبات، وواجهة العرض تضم مجموعة من الخمارات والإسدالات بألوان مختلفة.

روفانا اقتربت من الواجهة، وبدأت تتأمل المعروضات.

أسلم لاحظ توقفها، فوقف بجانبها.

أسلم: مالك؟

روفانا: بص!

أشارت إلى أحد الخمارات المعروضة.

كان خمارًا إندونيسيًا بلون هادئ، بتصميم منسدل وأنيق، يختلف قليلًا عن الأشكال التي اعتادت رؤيتها.

روفانا: شكله جميل أوي.

أسلم بص إلى ما تشير إليه.

أسلم: أيوه، شكله حلو.

روفانا: أنا أول مرة أشوف الشكل ده.

أسلم: ده خمار إندونيسي.

روفانا: إنت عرفت منين؟

أسلم: يعني هو لازم أكون خبير أزياء عشان أعرف؟

روفانا: لا، بس استغربت.

أسلم: شكرًا على الثقة.

ابتسمت روفانا، ثم عادت تنظر إلى الخمار.

روفانا: تتوقع هيبقى شكله حلو؟

أسلم: على مين؟

روفانا: عليا.

التفت إليها أسلم.

أسلم: إنتِ عايزة تجربيه؟

روفانا ترددت قليلًا.

روفانا: مش عارفة... هو عاجبني، بس مش متأكدة.

أسلم: طب ما تدخلي تجربيه.

روفانا: بجد؟

أسلم: أيوه، هو في حاجة تمنع؟

روفانا: أصل...

أسلم: أصل إيه؟ لو عجبك يبقى كويس، ولو معجبكيش يبقى جربتي حاجة جديدة وخلاص.

نظرت إليه للحظات، ثم ابتسمت.

روفانا: ماشي.

دخلا المحل، واستقبلهما أحد العاملين بابتسامة.

العامل: أهلاً وسهلاً، اتفضلوا.

روفانا: لو سمحت، الخمار اللي في الفاترينة ده ممكن أشوفه؟

العامل: طبعًا يا فندم، لحظة واحدة.

أحضر الخمار، وناولها إياه.

أخذته روفانا بين يديها، وبدأت تتأمل خامته وتفاصيله.

روفانا: هو ده بالظبط اللي عجبني.

أسلم: طب جربيه.

روفانا نظرت إليه بتردد.

روفانا: هنا؟

أسلم: أمال هتجربيه في الشارع؟

روفانا ضحكت بخفة.

روفانا: ماشي، ماشي.

العامل: فيه غرفة قياس هنا يا فندم، اتفضلي.

أخذت روفانا الخمار ودخلت غرفة القياس، بينما وقف أسلم ينتظرها.

مرّت دقيقة، ثم دقيقتان.

كان أسلم يتفحص بعض المعروضات القريبة، إلى أن سمع صوتها من الداخل.

روفانا: أسلم؟

أسلم: أيوه؟

روفانا: هو أنا محتاجه أظبطه من هنا ولا كده كويس؟

اقترب من باب غرفة القياس، لكنه توقف على مسافة مناسبة.

أسلم: مش شايفك عشان أقدر أحكم.

روفانا: طب استنى.

بعد لحظات خرجت.

وكانت ترتدي الخمار الإندونيسي، وقد انسدل حول وجهها بطريقة رقيقة، وأبرز ملامحها الهادئة وعينيها العسليتين.

وقفت أمامه، تحاول أن ترى شكلها في المرآة الكبيرة الموجودة بالمحل.

روفانا: إيه رأيك؟

لكن أسلم لم يجب.

توقف للحظة، وكأن الكلمات اختفت من ذهنه.

لم يكن يتوقع أن يراها بهذا الجمال.

كانت ملامحها مختلفة، أكثر هدوءًا ورقة، وكأن الخمار أضاف إلى جمالها شيئًا لا يستطيع وصفه.

روفانا لاحظت صمته، فالتفتت إليه.

روفانا: أسلم؟

انتبه إلى نفسه، وحاول أن يستعيد هدوءه.

أسلم: إيه؟

روفانا: أنا بسألك، شكله حلو؟

ظل ينظر إليها لحظة أخرى، ثم ابتسم.

أسلم: جميل.

روفانا: بس؟

أسلم: جميل جدًا.

روفانا ابتسمت، وعادت تنظر إلى المرآة.

روفانا: أنا كمان حاسة إنه لايق عليا.

أسلم: أيوه، لايق عليكي فعلًا.

اقتربت من المرآة قليلًا، ورفعت طرف الخمار لتتأكد من طريقة انسداله.

روفانا: بس أنا مش عارفة... حاسة إن شكلي مختلف.

أسلم: مختلف إزاي؟

روفانا: مش عارفة أوصف، بس حاسة إن فيه حاجة جديدة عليا.

أسلم: يمكن عشان أول مرة تجربيه.

روفانا: ممكن.

ثم التفتت إليه بابتسامة.

روفانا: طب إنت رأيك أجيبه؟

أسلم: لو عجبك، هاتيه.

روفانا: يعني مش بتقول كده وخلاص؟

أسلم: لا، أنا بقول رأيي.

روفانا: طب خلاص، هجيبه.

عادت إلى غرفة القياس لتخلعه، بينما وقف أسلم مكانه، يحاول أن يتصرف بشكل طبيعي.

لكنه كان لا يزال يتذكر اللحظة التي خرجت فيها أمامه.

إيه الجمال ده؟

ابتسم دون أن يشعر، ثم هز رأسه كأنه يحاول أن يطرد الفكرة من ذهنه.

بعد قليل خرجت روفانا، وسلمت الخمار للعامل حتى يجهزه لها.

دفعت ثمنه، ثم أخذت الكيس وهي سعيدة باختيارها.

روفانا: شكرًا يا أسلم.

أسلم: على إيه؟

روفانا: إنك شجعتني أجربه.

أسلم: العفو، بس أنا ماليش دعوة لو رجعتي البيت وقررّتي إنك مش عايزاه.

روفانا: لا، خلاص، ده بتاعي.

أسلم: تمام، ألف مبروك.

روفانا: الله يبارك فيك.

خرجا من المحل، وعادا للسير في الشارع.

كانت روفانا تمسك بالكيس بسعادة واضحة، وكل فترة تنظر إليه وتتأكد من أنه معها.

أسلم: واضح إنك مبسوطة بالخمار ده.

روفانا: جدًا.

أسلم: أهو كويس إننا خرجنا.

روفانا: أيوه.

سارا قليلًا في صمت، ثم توقفت روفانا فجأة.

أسلم التفت إليها.

أسلم: إيه تاني؟

روفانا لم تجب فورًا.

كانت تنظر إليه، وكأنها تحاول أن تجمع شجاعتها لقول شيء ظل يدور في عقلها منذ فترة.

أسلم: مالك؟

روفانا أخذت نفسًا عميقًا.

روفانا: أسلم... أنا عايزة أقولك حاجة.

أسلم: قولي.

روفانا: بس متضحكش عليا.

أسلم ابتسم.

أسلم: هحاول.

روفانا: أسلم!

أسلم: خلاص، خلاص، مش هضحك. اتفضلي.

نظرت إليه، ثم خفضت عينيها للحظات.

روفانا: أنا مش عارفة أبدأ إزاي.

أسلم شعر أن نبرة صوتها اختلفت، فاختفت ابتسامته قليلًا.

أسلم: خدي وقتك.

رفعت عينيها إليه من جديد.

روفانا: إنت عارف البنت اللي كنت بتحكيلي عنها؟

توقف قلب أسلم للحظة.

أسلم: أيوه...

روفانا: اللي بتحبها جدًا؟

أسلم: أيوه.

روفانا ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم قالت بصوت خافت:

روفانا: أنا كمان بحبك يا أسلم.

...


تعليقات