رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الثالث عشر 13 بقلم نسرين نادر


 رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الثالث عشر 

بعد الصاعقة التي أطلقها يونس دفاعًا عن غالية وانفضاض المجلس، انسحبت «غالية» بخطوات متسارعة والدموع تملأ عينيها الخضراوين من كلام راوية القاسي، ورافقتها «حكمت» التي كان قلبها يعتصر ألمًا وحزنًا على ابنتها المسكينة.

انزوت غالية في الغرفة، وتبعتها «كريمة» و«زينب» اللتان جففتا دموعها وحاولتا مواساتها، فقالت زينب بحنان:

ـ «ما تزعليش حالك يا غالية، راوية دي عقلها ناقص وكلامها يطيره الهوا! يونس وقفها عند حدها وجاب لك حقك قبال النجع كله.»

لكن غالية هزت رأسها بكسرة ونبرة خافقة تقطر حزنًا:

ـ «ما زعلاناش يا زينب.. هما معاهم حق في كل كلمة قالوها! أنا ماليش أهل هني، وما خابراش مين هيكون وكيلي في كتب الكتاب.. هقول للمأذون إيه لمن يسألني عن أهلي وفصلي؟!»

في تلك اللحظة، كانت «حكمت» تقف على باب الغرفة تتسمر مكانها، وقلبها يتمزق وجعًا وندمًا وهي تسمع انكسار غالية.. فلم تعد تتحمل الصمت أكثر من ذلك، وشعرت أن كل دقيقة تتأخر فيها عن كشف الحقيقة هي جريمة في حق هذه المسكينة!

بلعت حكمت غصتها وقالت للفتيات بصوت تحاول إخفاء ارتباكه:

ـ «خليكم هني يا بنات مع غالية وسلوها.. أنا هقوم أعمل لها كاس عصير يرطب على قلبها وجاية طوالي.»

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

خرجت حكمت تتنقل بخطوات سريعة ومترددة نحو الفراندا الخارجية، حيث كان «يونس» يجلس بهيبته المعتادة ومعه «منصور» و«حمزة» و«أيمن»، وأمامهم دفاتر الحسابات والأوراق الخاصة بالنجع.

اقتربت حكمت بملامح شاحبة ونظرات يملؤها القلق، وقالت بصوت خفيض:

ـ «يونس يا ولدي.. كنت رايدة أتحدث وياك في موضوع مهم جوي بيني وبينك.»

رفع يونس رأسه من بين الأوراق، ونظر لها باحترام وقال بنبرة هادئة:

ـ «خير يا خالة حكمت؟ هخلص شوية الحسابات والورق اللي في يدي ده وأجيلك جوة طوالي.»

شدت حكمت على شالها بقلة صبر وقالت بإصرار:

ـ «لاه يا ولدي.. الموضوع ضروري جوي وما يحتملش التأخير واصل! هستناك في المكتب جوة لمن تخلص.»

قطب يونس حاجبيه باستغراب من لهجتها المتوترة، ثم حرك رأسه وقال:

ـ «ماشي يا خالة حكمت.. هخلص اللي في يدي وأجيلك طوالي.»

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

وفي زاوية مظلمة ومكتومة من الدوار، كانت «نعمة» و«وصال» و«راوية» و«سمر» يجتمعن حول طاولة صغيرة، والغل يلتهم قلوبهن والأفكار المسمومة تتصارع في أذهانهن بعد إعلان خطوبة يونس وغالية.

ضربت «راوية» بيدها على الطاولة وهتفت بغيظ شديد:

ـ «شفتوا؟! شفتوا يونس وقف وزعق لي وعمل إيه عشانها قبالنا كلنا؟! البت دي لو اتجوزت يونس، يونس هيخلينا كلنا تحت رجليها ونخدموها!»

انتفضت «سمر» وعيناها تشتعلان بالشر والشرار، وهتفت بنبرة حادة يملؤها التحدي والغل:

ـ «على جثتي! على جثتي إن يونس يتجوز البت دي واصل! والله ما هنيها على فرحتها بيه، ولازمن أكسر فرحته وفرحتها، وهرد له كل اللي عمله معايا!»

التفتت «نعمة» نحو ابنتها سمر باستغراب وضيقت عينيها وقالت متسائلة:

ـ «عمل وياكِ إيه يا بت؟! هو عمل معاكِ حاجة وأنا ما خابراهاش؟!»

ارتعبت سمر وارتبكت ملامحها خوفًا من أن ينكشف أمرها وما حدث ليلة البارحة في غرفة يونس، فبلعت ريقها وسارعت بالترقيع بتمثيل وخوف:

ـ «قصد.. قصدي كلامه العفش معايا ياما!.. دايمًا يتحدث معايا بطريقة ناشفة وعفشة كأني غريبة، وكان المفروض يعبرني أنا الأول بدل الخدامة دي!»

تبادلت «وصال» و«راوية» النظرات الملتوية، ولفت كل منهما عينيها بسخرية وازدراء وعدم تصديق لكلام سمر.

أما «نعمة» فنظرت لسمر بحدة وغل وقالت بقسوة:

ـ «ما تقلقيش يا بتي.. إحنا مش هنسيبوها تهنى بالعمودية ولا بالبيت الكبير! هنربوها ونعرفوها مقامها زين.»

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

قام «يونس» من مجلسه بالفراندا، ولملم الأوراق التي بين يديه وهو يقول بنبرة هادئة:

ـ «بعد إذنكم يا رجالة.. هقوم أشوف الخالة حكمت رايدة إيه وراجع لكم طوالي.»

وقف «منصور» بحماس وابتسامة واسعة تملأ وجهه وقال باللهجة الصعيدية وهو يربت على كتف حمزة:

ـ «روح أنت شوف اللي وراك يا خوي، وأنا هاخد حمزة وأيمن وننزلوا السوق نجهزوا للفرح.. ننقي القماش للجلاليب، ونتفقوا مع الفراشة والمزيكا عشان ننزينوا النجع كله.. ده هيبقى كتب كتاب ولد العمدة!»

ضحك «يونس» بنبرة رجولية دافئة وقال:

ـ «وماله يا منصور، على بركة الله.. روحوا أنتوا وأنا أخلص مع الخالة حكمت وهحصلكم على طول.»

اقترب «أيمن» وقال وهو يستعد للمغادرة:

ـ «بس ما تتأخرش علينا يا يونس.. في موضوع مهم رايدكم فيه أنتوا الكل لمن نجمعوا.»

نظر له يونس باهتمام وسأله:

ـ «خير يا أيمن؟ موضوع إيه؟»

رد أيمن بابتسامة:

ـ «بعدين يا خوي لمن نجمعوا.. يلا على خير الله.»

انطلق الشباب بضحكاتهم، بينما التفت يونس ليتوجه نحو المكتب، ولكن خطواته توقفت فجأة عندما وجد «زينب» تقبل عليه بخطوات متسارعة والهم يملأ وجهها.

قالت زينب بنبرة متوسلة:

ـ «تعالى يا خوي الحقنا.. غالية مقطعة روحها من البكاء ومش راضية تسكت واصل ولا تسمع لأحد!»

انعقد حاجب يونس بقلة صبر وظهر القلق في عينيه فورًا وقال حازمًا:

ـ «هي فين دلوكت؟»

ردت زينب:

ـ «قاعدة في أوضتها القديمة ومعاها كريمة بتهدي فيها.»

قال يونس وهو يغير اتجاهه سريعًا:

ـ «تعالي وياي..»

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

في هذه الأثناء، كانت «حكمت» تجلس في المكتب تروح وتيجي بقلة صبر، ويدها ترتجف وهي تمسك بالسلسلة والورقة، وتتساءل بتوتر:

ـ «تأخرت ليه كده يا يونس؟.. خلّص يا ولدي وتعالى خليني أقول لك اللي في جوفي وأرتاح من الحمل اللي جاسم على قلبي كل السنين دي!»

أما في أوضة غالية، فقد فتح يونس الباب ودخل ومعه زينب، ليرى غالية جالسة على طرف السرير تبكي بحرقة ودموعها تسيل على وجنتيها.

استقبلته «كريمة» بقلة حيلة وقالت:

ـ «زين إنك جيت يا خوي.. قاعدة مموتة حالها من البكاء ومش راضية تأكل ولا تشرب ولا تسمع منا كلمة واصل!»

قعد يونس على الكرسي قصاد غالية تمامًا، ثم التفت لزينب وكريمة ونظر لهما نظرة معبرة.. ففهمت الفتاتان الإشارة وانسحبتا بهدوء وأغلقتا الباب خلفهما ليدعا لهما المساحة.

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

مدّ يونس يده برفق وأمسك وجه غالية بين كفيه، ثم مسح دموعها بإبهامه ببطء وحنان، وقال بنبرة دافئة وهو ينظر في عينيها الخضراوين:

ـ «بصي لي هني يا غالية.. بصي لي.»

رفعت غالية عينيها المغرورقتين بالدموع ونظرت له بكبرياء مجروح، فقال لها يونس بابتسامة خفيفة يمازحها ليخفف عنها:

ـ «هابلة.. هابلة والله!»

فتحت غالية عينيها بذهول وقالت بصوت متهدج من البكاء:

ـ «أنا هابلة يا يونس؟!»

رد يونس وهو يهز رأسه بنظرة حنونة:

ـ «وعبيطة كمان!»

استنكرت غالية بغصة واندفاع:

ـ «وليه بقى إن شاء الله؟!»

قال يونس بحزم ودفء:

ـ «عشان كلامهم ده لا هيقدم ولا هيأخر وياي في حاجة واصل، وأنتِ عارفة إني شاريكي وعارف قيمتك زين!»

ردت غالية بنبرة انكسار تقطر وجعًا:

ـ «مش هيقدم وياك أنت.. لكن وياي أنا بيموتني كل دقيقة! وكل كلمة قالوها صح وعندهم حق فيها يا يونس.. أنا ماليش أصل ولا أهل!»

وضع يونس يده برفق على شعرها، ومرر أصابعه بين خصلاتها بحنان بالغ وقال:

ـ «يا هابلة.. أنا مش قلت لك قبل كده إني أنا أهلك وأنا ناسك وكل دنيتك؟»

نظرت له غالية ونظراتها تتذبذب بين الحب والخوف، وقالت بنبرة شجية:

ـ «الكلام حاجة والحقيقة حاجة تانية يا يونس.. أنا عارفة إنك أهلي وناسي وما حيلتيش غيرك، بس تخيل لو كنت هربت من يومين تلاتة وزينب وكريمة ما خبتنيش.. كان زماني رحت فين ولا لمين وفي أنهي أراضين؟! ولا إيه اللي جرى فيّ؟! أنا ماليش حد خالص، وعمري ما حد طبطب عليّ غيرك أنت والبنات والخالة حكمت.. لو كان حد رمى بيا برة الدوار كان زمان كلاب السكك نهشت في لحمي لأني ماليش حد!»

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

شهقت غالية بغصة وجع، وتابعت بنبرة خافقة وهي تمنع يونس بيدها قبل أن يتحدث:

ـ «من غير ما تتكلم يا يونس.. أنا عارفة أنت رايد تقولي إيه زين، والله العظيم أنا راضية بقضاء ربنا، وهو ليه في كل شيء حكمة سبحانه.. بس كنت بتمنى من قلبي يكون لي حد من لحمي ودمي وياي، على الأقل كان هيلاقي حد يفرح لي بجد في يوم زي ده، وما كانش لا راوية ولا سمر ولا الخالة نعمة ولا وصال يلاقوا فرصة يتنكزوا عليّ ويوجعوني!»

مسك يونس كفيها بصلابة ونظر في عينيها بثبات يبعث الأمان وهتف بحزم ودفء:

ـ «من هنا ورايح مش عايزك تشيلي هم أي حاجة واصل يا غالية! أنتِ هتبقي مدام العمدة.. ست الدوار ده كله، وما حدش في النجع ده كله هيستجري يرفع عينه فيكِ ولا يقول لك كلمة ما تعجبكيش! الكلمة هني هتبقى كلمتك بعد أمي الحاجة صفية، ومش رايد أشوف الدموع دي في عينيكِ تاني. أنا عايز غالية القوية بتاعة زمان ترجع.. غالية اللي سابها يونس قبل ما يسافر، اللي كان لسانها زي المبرد وما كانتش بتخلي حد يبص لها بصة ما تعجبهاش ولا تتعدى حدودها وياها! انسي فكرة إنك كنتِ بتخدمي هني دي خالص، أنتِ دلوك ست البيت ده والأصل كله.»

هزت غالية رأسها بقلة حيلة وقالت بصوت متهدج:

ـ «حاسة إني مش هقدر على الحمل ده كله يا يونس.. خايفة ومسؤوليته كبيرة عليّ.»

امتدت يدا يونس لتقبضا على يديها بقوة، وقال بنبرة ملؤها الثقة والمحبة:

ـ «هتقدري يا غالية.. فاكرة زمان لما كنت صبي صغير ومش قادر على معاملة أبويا الشديدة ولا الشغل الثقيل اللي كان بيكلفني بيه؟ أنتِ الوحيدة اللي كنتِ بتيجي تطبطبي عليّ وتهوني عليّ وتقولي لي هتقدر يا يونس وكنتِ بتساعديني.. وجّه دوري دلوك! أنا في ظهرك دايمًا، وهساعدك وهعينك على أي حاجة خايفة منها وما تقدريش عليها، أنتِ مش بطولك واصل.»

نظرت له غالية بعينين تلمعان بالحب والامتنان وقالت بنبرة شجية:

ـ «ربنا يخليك ليا يا يونس.. أنت الفرحة والرحمة اللي ربنا بعتهالي بعد السنين والتعب ده كله!»

رد يونس وهو ينظر لها بعشق خالص:

ـ «مش أكتر مني يا غالية.. أنتِ أغلى حاجة ربنا عطاهالي في دنيتي كلها.»

انحنى يونس وقبّل رأسها بحنان بالغ، ثم وقف وهو يبتسم وقال:

ـ «يلا قومي نشفي دموعك دي، وجهزي حالك عشان هاخدك أنتِ وزينب وكريمة وأمي وننزلوا السوق تنقوا فساتين الفرح والذهب.. وعايزك تتزيني وتبقي منيحة يا مليحة!»

ابتسمت غالية بكسوف وقالت:

ـ «حاضر يا يونس..»

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

خرج يونس من غرفة غالية والابتسامة تزين وجهه، لكنه التفت نحو ساعة الحائط في الممر ليتفاجأ بالوقت، فتمتم لنفسه باعتذار:

ـ «يا مَرّي! الساعة عدت والخالة حكمت قاعدة مستنياني في المكتب كل ده!»

اتجه يونس فورًا بخطوات متسارعة نحو غرفة المكتب، وفتح الباب ليجد الخالة حكمت تقف بجوار النافذة، يداها ترتجفان بقلة صبر والقلق يأكل ملامحها.

أسرع يونس نحوها وقال بنبرة معتذرة:

ـ «حقك عليّ يا خالة حكمت.. اتأخرت عليكِ، بس غالية كانت تعبانة ومقومة الدوار وكان لازمن أهديها.»

تنهدت حكمت بتعب وجلست على الكرسي قبالته، ثم أخرجت الورقة المطوية بالسلسلة الذهبية القديمة وضعتها على الطاولة أمام يونس وهتفت بنبرة مبحوحة:

ـ «ولا يهمك يا ولدي.. المهم إنك جيت، اقعد يا يونس واستمع لي زين.. عشان الكلام اللي هقوله لك ده حمل ثقيل جاسم على قلبي من تسعتاشر سنة، وجه الوقت اللي أزيله من فوق صدري!»

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

في غرفة المكتب، نظر يونس للورقة المطوية بالسلسلة العتيقة بعينين تملؤهما الدهشة والاستغراب، ثم رفعهما ونظر للحاجة حكمت وقال متسائلًا:

ـ «خير يا خالة حكمت؟ في إيه؟ وإيه الورقة والسلسلة دي؟! ما تقلقينيش عليكِ!»

تنهدت حكمت بتعب ونظرت له بعينين ملؤهما الندم والتردد، ثم قالت بصوت متهدج:

ـ «هقول لك على كل حاجة يا ولدي.. هحكي لك السر اللي كاتماه في جوفي من سنين طويلة، بس توعدني تتأنى وتسمعني للآخر..»

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

في تلك الأثناء، كانت «غالية» تصعد الدرجات متجهة لغرفتها بخطوات واثقة، لكنها تفاجأت بوجود «سمر» و«راوية» و«نعمة» و«وصال» يجلسن في صالة الدور الثاني.

أول ما رأتها سمر، أكلتها الغيرة والغل، فنظرت لها بازدراء وهتفت بنبرة حادة ومستفزة:

ـ «على فين يا غندورة أنتِ وإنتِ ماشية كده براحتك في الدار وشايفة روحك؟!»

توقفت غالية على الدرج، وتذكرت في لحظة كلام يونس لها وتشجيعه بأن تكون قوية وتأخذ حقها بلسانها، فنظرت لسمر بثبات وقوة وقالت بنبرة نارية:

ـ «وأنتِ مالك يا سمر؟! أمشي براحتي، أتغندر.. أنا حرة في بيت خطيبي!»

انتفضت النساء الأربع من أماكنهن بذهول، وهتفت راوية بشرار يخرج من عينيها:

ـ «لا ده أنتِ الظاهر قلبك قوي جوي من ساعة خبر جوازك من يونس!»

في هذه اللحظة، كانت «زينب» نازلة من على السلم، فسمعت الشجار وأسرعت تقترب منهن لتهدئة الوضع، لكن غالية رفعت رأسها بكبرياء وقالت أمامهن جميعًا:

ـ «وما يقواش ليه؟! بكرة هبقى ست الدار دي كلها بعد الخالة صفية طوالي!»

صمتت نعمة لحظة من الصدمة، ثم تقدمت بخطوات حادة وهتفت بقسوة وغل:

ـ «ست إيه يا بت أنتِ؟! أنتِ آخرك تكوني الخدامة هني اللي تجلي الصحون وتجلي الحمامات وراءنا! ولا نسيتي أصلك يا بنت الحرام؟!»

نزلت الكلمة كالصاعقة، فأسرعت زينب وتدخلت بغضب:

ـ «عيب اللي بتقوليه ده يا خالة نعمة! الزمي حدودك!»

ردت وصال بجفاء وقسوة:

ـ «خليكِ أنتِ برة يا زينب، إحنا بنتحدثوا مع الخدامة دي!»

شارت غالية لزينب بيدها وقالت بثبات ونبرة مليئة بالسخرية:

ـ «اهدي أنتِ يا زينب.. لاه يا خالة نعمة، مش ناسية واصل! بس عايزاكم تفتكروا زين إن زي ما كنت بجلي الصحون وأمسح الحمامات وراءكم، الظاهر إن إيديكم كانت مشلولة عشان كده أنا كنت بقوم بالواجب! لكن من بكرة، أنا هبقى ست البيت ده، وهيبقى عندي الخدم والحشم تحت رجلي، وهبقى مدام العمدة!»

ابتسمت زينب بنصر ونظرت لهن بسخرية واعتزاز بقوة غالية، بينما اشتعل الغيظ في قلب سمر وراوية ونعمة ووصال، وفقدن عقلهن من جراءة غالية!

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

هجمت «سمر» و«راوية» و«نعمة» و«وصال» الأربع معًا على غالية بجموح وغل شديد، وبدأن في ضربها وشد شعرها وتمزيق ملابسها، وحاولت «زينب» جاهدة أن تحجز بينهن وتدفعهن بعيدًا عن غالية، لكنهن كنّ أربعة ينهلن عليها ضربًا بقسوة وشراسة، ولم تستطع زينب حمايتها!

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

في غرفة المكتب، قام «يونس» من مكانه بسرعة متجهًا نحو الباب ليستكشف مصدر الهرج، ولكن الحاجة «حكمت» أسرعت وأمسكت بيده بقوة، وصاحت بنبرة يملؤها التوسل والرجاء:

ـ «لا يا ولدي! ما تمشيش ولا تفوتني غير لما أقول لك على اللي في جوفي الأول!»

نفض يونس يده برفق وقال وعيناه تتطلعان للخارج بقلق شديد:

ـ «يا خالة حكمت! فيه صريخ وهرج هازز الدوار كله! سيبيني أشوف فيه إيه برة!»

في هذه اللحظة بالذات، ارتفع صوت زينب من الخارج وهي تصرخ بأعلى صوتها بنبرة مفزوعة تهز الأرجاء:

ـ «يا أبوي! يا أما! يا يونس! حد يلحق غالية يا ناس! الحقوا غالية!»

وقع الاسم كالصاعقة على يونس، فالتفت للحاجة حكمت وعيناه تشتعلان بالخوف والغضب، وهتف بحزم:

ـ «سيبيني يا خالة حكمت! الظاهر إن غالية فيها حاجة ولا وقعت في مصيبة!»

شدّت حكمت على يده بأقصى ما عندها من قوة، والصدمة والخوف يعتصران قلبها، ثم صرخت فيه والدموع تتفجر من عينيها لتفجر المفاجأة الكبرى:

ـ «ما تسيبهاش يا يونس! اسمعني يا ولدي.. غالية من دمكم يا يونس! غالية بتكون بنت عمك رضوان!»

بقلم الكاتبة: نسرين نادر

تجمّد يونس في مكانه كأنه تحوّل إلى صخرة، واتسعت حدقتا عينيه بصدمة مذهلة جعلت عقله يتوقف عن الاستيعاب.. نظر للحاجة حكمت بذهول وعدم تصديق، ولم يكد ينطق بكلمة واحدة، حتى اندفعت زينب داخل المكتب وهي تلهث بشدة والذعر يكسو وجهها.

صرخت زينب وهي تبكي وتشد ثوب يونس بانهيار:

ـ «الحق يا يونس! الحق يا خالة حكمت! نعمة ووصال وسمر وراوية مسكين غالية فوق ونازلين فيها ضرب مبرح ومش قادرة أحوشهم عنها واصل!»

كان يونس يقف مسمّرًا في منتصف الغرفة، نظره معلق على الحاجة حكمت بذهول شديد وهو يحاول معالجة الجملة القاتلة التي ألقتها على مسامعه: «غالية بنت عمك رضوان!» وفي نفس الوقت يتردد في أذنه صراخ زينب بأن غالية تُضرب وتُهان في الأعلى!

لم تنتظر زينب استيعابه، بل أمسكت يده وقامت بشده بكل قوتها وهي تصرخ بلوعة:

ـ «تعالى معايا بسرعة يا يونس! الحقها هيقتلوها في إيديهم!»

انفجر قلب الحاجة حكمت بالخوف، وصرخت بلوعة أم هزت جدران المكان:

ـ «بتيييي!»

وجرت حكمت بخطوات متسارعة، لكنها قبل أن تتجاوز الطاولة لمحت الورقة المطوية بالسلسلة الذهبية العتيقة، فأسرعت بلمهما وجمعتهما وخبأتهما فورًا داخل صدر ثوبها، ثم انطلقت تجري خلف زينب ويونس نحو السلم الصاعد.

في هذه اللحظة، كان صراخ زينب قد أيقظ الدوار بأكمله، فنزل الحاج نعمان والحاجة صفية وكريمة من غرفهم مفزوعين، وتجمع الجميع عند بداية السلم في حالة من الذهول والرعب، ليصعدوا جميعًا نحو المعركة المشتعلة في الأعلى!


تعليقات