رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الثالث عشر 13 بقلم اماني سيد


 رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الثالث عشر 

انعزل كل فريق منهمان عن الآخر تماماً؛ إذ اختار يزيد أن يقود مهرة إلى طاولة هادئة وبعيدة في أقصى القاعة لتنعم بالخصوصية والتركيز، بينما استقر صفوان ورشا على طاولة أخرى في الاتجاه المعاكس، ليفصلا بينهما بمسافة تكفي لقطع أي فرصة للتشتت أو تداخل الأنظار.
أما على طاولة صفوان، فقد كان الجو محملًا بطاقة صامتة وثقيلة. جلس صفوان يقلب قائمته بذهن شارد، وعقله مشغول بتلك المفارقة القاسية التي جمعتهما في مكان واحد. أدرك فجأة أن الاستمرار في الهروب وتزييف الواقع لن يحل شيئاً، وأنه إن أراد حقاً أن يطوي صفحة مهرة ويبني حياته الجديدة، فعليه أن يكون صادقاً أولاً مع من ستشاركُه تلك الحياة.
رفع عينيه الحادتين نحو رشا التي كانت تتفحص القائمة بهدوء، وتنحنح بخفة قبل أن يخفض صوته ليكون مسموعاً بينهما فقط، وقال بنبرة جادة ومباشرة خالية من أي مواربة:
ـ رشا.. محتاج أسألك سؤال، وعاوزك تجاوبيني فيه بصراحة تامة من غير أي مجاملة أو تردد.
رفعت رشا عينيها نحوه ببطء، وتوقفت عن تقليب القائمة، وبدت ملامحها متأهبة للجدية الظاهرة في صوته، لتومئ برأسها بهدوء قائلة:
ـ اتفضل يا صفوان.. سامعاك، واسأل براحتك.
أخذ صفوان نفساً عميقاً، وثبت عينيه في عينيها ليقرأ صدق حروفها، وأردف بصوت هادئ :
ـ رشا.. إنتِ بتحبيني؟ وعاوزك تجاوبي بصراحة.. هل شايفة بينا مستقبل حقيقي نقدر عليه نبنى حياتنا واحنا مرتاحين، ولا احنا بنكمل طريق مرسوم وخلاص؟
سادت لحظة من الصمت الثقيل على الطاولة؛ أتلفت رشا عينيها عنه للحظات، وظهرت على ملامحها حيرة واضحة وكأن كلمات صفوان فاجأتها وأصابت وتراً حساساً في قاع نفسها. تذكرت فجأة حديثها الطويل مع صديقتها ومحاولاتها المستميتة والدؤوبة للتقرب منه واحتلال مكانة خاصة في قلبه، لكنها بالرغم من كل ذلك الجهد كانت تشعر دائماً بذاك الجدار السميك والخفي الذى لم تستطع كسره ، والذي جعلها تعجز عن تخطيه مهما بلغت محاولاتها.
أخذت نفساً عميقاً، ثم أعادت عينيها إليه، وبدت على وجهها مسحة من الصدق والشجاعة النادرة وهي ترد بهدوء:
ـ بصراحة يا صفوان.. منكرش إنك شخص قوي وليك هيبه ، وأي بنت تحبك وتتعلق بيك، ومنكرش إني مبهورة بيك وبشخصيتك، وإني حاولت كتير أحبك وأقرب منك.. إلا إن الحب والمشاعر دي.. لأ، لسه محستهاش بالشكل الكافي.
أنهت جملتها، وعلقت أنفاسهما في منتصف المسافة بينهما، منتظرة كيف سيتقبل صفوان هذا الاعتراف الصريح والجريء.
صفوان صدمة اعترافها بصمت وهدوء، ولم تبدو عليه علامات الغضب أو التمرد، بل على العكس؛ شعر وكأن حملاً ثقيلاً انزاح عن كاهله، وكأن اعترافها فتح الباب أمامه ليكون هو الآخر صادقاً وشفافاً تماماً معها.
نظر إليها بتقدير لا يخفيه، وقامت هى أيضا بسؤاله
ـ وأنت يا صفوان مشاعرك ليه ايه ؟؟
ـ وأنا كمان يا رشا.. مش هكذب عليكِ ولا أنكر إنك إنسانة محترمة وفيكى كل الصفات الحلوه، وأنا معجب بيكى مش هنكر ده ، بس… مشاعر الحب اللي تخطف القلب زي ما بتقولي؟ لأ، لسه محستهاش. .
ابتسمت رشا بابتسامة خفيفة
، وكأن عبئاً كبيراً هبط عن كتفيها هي الأخرى، لتستطرد بصدق وصراحة وهي تتأمل وجهه:
ـ عارف يا صفوان؟ برغم كل مميزاتك وقوتك اللي الكل بيحسد أي بنت عليها، إلا إن أنا ليا مواصفات خاصة جداً في شريك حياتي.. وللأسف مش فيك.
رفعت عينيها نحوه بجرأة، وأكملت ببساطة:
ـ أنا نفسي أرتبط بواحد رومانسي، أبقى أهم حاجة في حياته، يتصل بيا يطمن عليا، يسمعني كلام حلو طول الوقت، يكون دمه خفيف ويخليني أضحك وأنا معاه.. مش شخصية عملية وصارمة زيك يا صفوان. إحنا الاتنين بندور على حاجة مش عند التاني، وصح إني اعترفت بده دلوقتي أحسن ما نكتشفه بعد ما نكون ربطنا مصيرنا ببعض للأبد!
عقد صفوان حاجبيه بذهول خفيف، وبدت على وجهه علامات الاستفهام وهو يستوعب أبعاد حديثها، ليسألها بنبرة مشوبة بالفضول والدهشة:
ـ قصدك إيه يا رشا؟
أجابت بحسم وثبات، وقد بدت وكأنها حسمت أمرها نهائياً:
ـ قصدي إن كلامنا دلوقتي وصراحتنا أكدتلي إننا فعلاً مش هنقدر نكمل مع بعض يا صفوان.. أنت مش هتعرف تكون زي ما بحلم، وأنا مش هقدر أكمل في علاقة باهتة عارفين من البداية إن ملهاش روح. الأحسن لينا إننا ننهي الخطوبة دي بهدوء وبكل احترام. وتفضل علاقتنا فيها احترام متبادل واعجاب افضل ما تبقى علاقه مليانه بالمشاحنات وكل واحد فينا بعد كده ينتقد التانى إنه مش عارف يديله اللى هو عايزه
بينما كانت الكلمات تتردد في أذنيه، تسلل إلى داخل صفوان شعور غريب ومباغت؛ فبدلاً من أن يشعر بالصدمة أو الغضب، وجد نفسه يطلق ضحكة خافتة وساخرة في قرارة نفسه. يا لها من مفارقة قدرية مضحكة!
هو من كان يعاني طوال الفترة الماضية من صراع داخلي هائل حول كيفية الانسحاب وإنهاء هذا الارتباط دون جرح كرامتها، لتأتي هي بنفسها وتختار النهاية وتتركه وتتنازل عنه بكل رضا. وكأن العبء قد أُزيح عنه بضربة تراب، وجاءته الفرصة على طبق من ذهب ليبتعد بكامل إرادته ودون أن يتحمل ذنب البداية!
نظر إليها بعينين تحملان قدراً كبيرًا من الاحترام الممزوج بالراحة الخفية، وقال بهدوء وهو يميل برأسه:
ـ عندك حق يا رشا.. الصراحة راحة، وكويس إننا اكتشفنا ده بدري قبل ما نتورط في خطوة أكبر. تسلمي لصراحتك، وأنا باحترم قرارك جداً.
تغيرت أجواء الطاولة كلياً؛ فبدلًا من ذلك التوتر الثقيل الذي كان يلفهما، تحول الموقف إلى جلسة هادئة ومريحة تشبه جلسة صديقين قديمين تصافيا بعد غياب. ابتسمت رشا براحة حقيقية، وكأن جبلاً قد انزاح عن صدرها، وبدآ يتناولان طعامهما بهدوء وسط أحاديث خفيفة وودية.
وانتقل حديثهما بسلاسة ليتطرق إلى أمور العمل والمشاريع المشتركة بينهما؛ استعرضا بعض النقاط المهنية بحيادية تامة، واتفقا بكل نضج على أن طبيعة العمل بينهما ستظل كما هي ولن تأثر بهذا الانفصال الودي، فكل منهما يقدر الآخر كشريك وعملهم خط أحمر مستقل عن المشاعر الشخصية.
ومع اقتراب الجلسة من نهايتها وانصرافهما، نهض صفوان وهو يعدل سترته بنبرة تحركها الشهامة والحرص على أصول الاحترام، وقال بصوت خافت:
ـ تسلمي على صراحتك يا رشا، .. وبمناسبة بقى الخطوة دي، لو تحبي أكلم والدك بنفسي عشان أمهده بالموضوع وما يحصلش أي مشاكل أو زعل من ناحيته، أنا تحت أمرك وفي أي وقت.
هزت رشا رأسها برفض هادئ وثابت، وابتسمت بثقة وهي تجمع حقيبتها:
ـ لا يا صفوان، متشکرا جداً.. سيب الحكاية دي عليا، أنا اللي هكلم بابا بنفسي وأفتح معاه الموضوع، لأن ده في الآخر قراري وحياتي، وأنا قادرة أقنعه بهدوء من غير ما تحمل أنت الهم ده.
أومأ صفوان برأسه احتراماً لشجاعتها واستقلاليتها، وودعها بابتسامة أخيرة صادقة، وهما يغادران المطعم، وقد طوى كل منهما صفحة الماضي ليبدأ حياة جديدة بخطى ثابتة وواضحة.
على الطاولة المقابلة، كان يزيد يحاول كسر الجليد وخلق مساحة من الأمان والتقارب بينهما. مال بكتفيه قليلاً إلى الأمام، متحدثاً بنبرة هادئة ودافئة، وكأنه يحاول أن يطمئنها ويخرجها من صمتها

ـ عارف إن كل اللي بيحصل ده جديد عليكِ، وإنك لسه مشغولة بحاجات كتير.. بس عايزك تعرفي حاجة عني بجد؛ أنا مش جاي أفرض نفسي ولا أبقى عبء عليكِ. أنا تعبت لحد ما وصلت للي أنا فيه، وعارف يعني إيه حد يبقى عنده طموح ومشلاقي اللي يدعمه. عشان كدة.. أنا مش هعطل خطوتك، بالعكس، أنا حابب أكون سندك،
ـ شكراً يا يزيد انا كمان وافقت نتقابل انهارده عشان نتكلم مع بعض اكتر ونفهم بعض اكتر
انا لسه يبدأ حياتى ولسه برتب افكارى مش عايزه اقولك وعود واوهام ومبقاش قدها
ـ ماتقلقيش يا مهره انا حاسس بده وشايف طموحك
ولو تحبي في يوم نكبر سوا ونعمل كيان يخصنا، أنا جاهز لكل ده نعمل شكره منفصله باسمر واسمك . الأهم عندي تكوني مرتاحة وحاسة بأمان.
كانت مهرة تستمع إليه وعيناها معلقتان على الكوب الذي بين يديها. كانت كلماته عاقلة ومريحة إلى حد كبير، وربما هذا ما جعلها تشعر بشيء من الاطمئنان الخفي،
لكن جزءاً كبيراً من عقلها ظل معلقاً بتلك الصدمة القريبة، وبهذا العزف المنفرد الذي يعيشه قلبها. هزت رأسها بابتسامة خفيفة ومصطنعة، وقالت بصوت هادئ:
ـ شكراً يا يزيد.. كلامك جميل، وأنا بجد مقدره ده كله.. محتاجة بس وقت آخد عليك انا مكنش عندى تجارب قبل كده لانى من وانا طفله كانوا بيقولوا البنت لابن عمها لكن لما كبرت فهمت إن كل حاجه بتتغير وهو خطب وشاف حياته
لكن صدقني.. أنا جيت هنا النهارده لأني فعلاً عايزة أبداء صفحة جديدة وأدي لنفسي فرصة أتعرف عليك بجد.
ابتسم يزيد بارتياح كبير لتجاوبها، وشعر أن الحصن الذي كانت تبنيه حول نفسها بدأ يلين قليلاً، بينما ظلت مهرة تحاول بكل قوة أن تقنع نفسها بأن هذه هي البداية الصحيحة، محاولة طرد أي طيف أو خيال قد يربك خطواتها الجديدة بعيداً عن صفوان
ابتسم يزيد بتهذيب، وحاول أن يضيف لمسة ودية تبدد أي توتر متبقي بينهما، فمال قليلاً إلى الأمام ليؤكد على حسن نبيته تجاه عائلتها، وقال بنبرة صادقة:
ـ وبالمناسبة يا مهرة.. أنا لازم أقولك، بجد أنا ارتحت لباباكى جداً. راجل عملي وفاهم الدنيا، وعنده رؤية صح في الشغل والحياة، ومش هخبي عليكِ، أنا مستنى بفارغ الصبر اليوم اللي يكلمني فيه عشان نيجي ونعمل الخطوبة رسمية زي ما اتفقنا، وأدخل البيت من بابه بجد.وعلى فكره انا كلمت بابا وهو رحب جدا
رفعت مهرة عينيها إليه بوهج خافت وابتسامة مقتضبة حاولت أن ترتسم على شفتيها،
بينما عبرت في ذهنها ومضة سريعة من سخرية القدر؛ فهو لا يعلم أن إعجاب والدها به لم يكن لشخصه أو لعيونها، بل لما يمثله من وجاهة ووسيلة لفرض هيبته أمام اخيه وابن أخيه وأهل البلد!
لكنها أزاحَت تلك الفكرة القاسية عن رأسها سريعاً، وابتلعت غصة خفية، لتومئ برأسها بهدوء مصطنع قائلة:
ـ إن شاء الله.. خير.
مرت دقائق أخرى من الحديث الهادئ بين يزيد ومهرة، قبل أن ينكسر هدوء المكان على نحو مباغت. وقبل أن ترد على كلماته، شعرت بظل داكن وثقيل يقف فوق رأسها. رفعت عينيها بفزع لتجد صفوان واقفاً أمام طاولتهما مباشرة، وقد علت وجهه نظرة حادة وباردة، ليقول بصوت خشن يحمل أمراً لا يقبل النقاش:
ـ مش يلا عشان نروح يا مهره؟ أظن أخدتوا الوقت الكافي وزيادة عشان تتعرفوا على بعض!
تسمّرت مهرة في مكانها، وانعقد لسانها من هول المفاجأة، بينما ارتسمت على وجه يزيد علامات الضيق والاستفزاز الشديد من هذه الإهانة الواضحة لخصوصيتهما. اشتعلت النظرات بين الرجلين، ليرد يزيد بحدة واقتضاب وهو يقف محاولاً حفظ ماء وجهه:
ـ إحنا قربنا نخلص وممكن تروح أنت مع خطيبتك.. ومهرة براحتها، وأنا اللي هقوم أوصلها بنفسي.
لكن صفوان لم يتحرك خطوة واحدة للخلف؛ بل ثبّت نظراته الحادة في عيني يزيد، وابتسم بتهكم مستفز وتحدٍ سافر قبل أن يقول بصوته الخشن والعميق:
ـ أنت واخد الموضوع ببساطة ليه كده؟! أنتوا لسه مافيش حاجة رسمي بينكم، ورغم كده أنا سمحت لها بالقاعدة دي معاه لأني راجل مودرن مش متسلط …. إنما فى الأصل احنا صعايدة، ومعندناش جو الخروجات والتعارف ده! أنت لا قريت فاتحة، ولا كتبت كتاب، ولا خطبتها رسمي.. يا دوب اتكلمت مع أبوها في كلمتين بتوع الشغل والمصلحة ويادوب كان تعارف ، والكلمتين دول ما يدوش لأي حد في الدنيا الحق إنه ياخدها ويخرج بيها على حل شعرها! يلا قدامي يا مهرة.
بدأ الدم يتدفق في عروق مهرة من شدة الحرج والتوتر، وامتلأ وجهها بحمرة الخجل والغضب من طريقة صفوان الفظة والمتعمدة لإحراجها أمام يزيد. لم تستطع تحمل تلك النظرات المحيطة أو جفاف الموقف، فتحركت بسرعة ووقفت من مكانها فوراً بخطوات مرتبكة، محاولة إنهاء هذا المشهد الخانق والهرب من وسط هذا الشجار الوشيك.
لكن يزيد ظل واقفاً مكانه، ولم تحرك طريقِة صفوان المستفزة شعرةً في ثقته الظاهرة. بل العكس؛ رفع يزيد رأسه ونظرات تحدى ، ورسم على شفتيه ابتسامة باردة ومستفزة، ليواجه صفوان بندية واضحة وهو يقول بنبرة هادئة وحاسمة:
ـ ماتقلقش خالص يا صفوان.. المرة الجاية أنا بنفسي هاخد موافقة أبوها الرسمية، وساعتها مش هحتاج إذن من حد غيره، وأعتقد مافيش كلمة بعد كلمة أبوها، ولا إيه؟!
توهجت عينا صفوان بشرارة غضب عارمة كادت تطيح بكل هدوئه المصطنع، واقترب خطوة أخرى ليواجه تحدي يزيد بندية مشتعلة، صوته يخرج خشناً وحاداً كصك الحديد:
ـ والله.. لما يبقى رسمي وبموافقة أبوها، وقتها أنتوا حرين.. لكن على ما ييجي الوقت ده، هيكون فيه حدود وأصول تحترم !
استدار صفوان بعدها بخطوات سريعة وعنيفة، وكأن الأرض تشتعل تحت قدميه، مغادراً الطاولة دون أن يلتفت ورائه. أما #مهرة، فقد تكالبت عليها #مشاعر القهر والخزي؛ شعرت وكأن كرامتها سحقت بين تسلط صفوان واستفزاز يزيد، ولم تملك سوى أن تتبع خطوات #صفوان بخطوات مرتعشة ومذعورة، ناكسة رأسها للأسفل هرباً من نظرات من فى المطعم.
في نفس اللحظة، كانت رشا تقف قرب السيارة بانتظار صفوان بهدوء، ملامح وجهها خالية من أي توتر بعد أن انتهت من فصلها القديم تماماً بسلام ونضج. وقررت أن تبدأ بطريقة جديدة
وما إن اقترب صفوان بخطواته الثقيلة والعصبية، وفتحت مهرة الباب لتصعد إلى السيارة التي تقلها بعيداً، حتى تحرك الموكب الصامت.
طوال طريق الإرجاع، كان الصمت المهيب يلف سيارة صفوان، لم تنطق مهرة بحرف واحد، وكانت عيناها تغرقان في الدموع بصمت قاتل، بينما كان صفوان يمسك بمقود السيارة بقوة تكاد تكسر أصابعه، ووجهه متجهم ومحمل بعواصف غيرة وعجز لا تطاق.
توقف صفوان بسيارته أمام منزل رشا. ترجلت بهدوء، وألقت عليه نظرة أخيرة هادئة ومحترمة، وقالت بصوت خفيف:
ـ شكراً يا صفوان.. مع السلامة، وخير إن شاء الله لكل واحد فينا.
أومأ لها برأسها دون أن تنطق شفتيه بكلمة، ومضت رشا في طريقها باب بيتها، مطوية صفحة الماضي بلا رجعة. # دهب
وما إن أغلقت رشا باب السيارة واستقرت بمفردها، حتى التفت صفوان ببطء شديد، ومدّ يده اليمنى إلى أصبعه. التقط خاتم الخطبة الفضي، ونزعه بعنف وكأنه يقتلع شوكة غارسة في لحمه. استقر الخاتم بين كفيه لثوانٍ معدودة، يعكس أضواء الشارع الخافتة، قبل أن يفتحه ويزلقه بقسوة داخل درج السيارة، ويطبقه بصوت “طقطقة” حادة أعلنت بوضوح تام وفاة آخر خيط كان يربطه بالماضي، معلناً بداية صراع مرير مع واقع جديد لا يملك فيه سوى مراقبة مهرة وهي تبتعد عنه بمحض إرادتها! # دولار


تعليقات