رواية اقتحمت جنتي الفصل الخامس عشر 15 بقلم اسماء المصري


 رواية اقتحمت جنتي الفصل الخامس عشر 


إن أقصر السبل إلى حل المشاكل هو المواجهة والوضوح، وقد تكون المواجهة قاسية لكنها أرحم من الهروب، وقد يكون الوضوح مؤلماً لكنه أقل ضرراً من التجاهل.

فرج فودة
لمعت عينا محسن وهو ينظر إليهما؛ فجنة تقف شامخة بتحدٍ رافعة بصرها لأعلى محدقة بسليم بصورة كبيرة، أما الآخر فهو يشعر أنه بداخل دوامة لا يستطيع الخروج منها، فكلما وجد حلاً لمشاكله ولقربه منها، كلما تعقدت أكثر وأكثر.
حرك محسن رأسه باتجاه سليم بعد أن استرجع بعض أحداث اليوم وحواراته مع ياسر ومع رجاله وما حدث مع المختطفين بذلك المخزن فردد بذهول
سليم... إيه الكلام ده يا بني؟ اللي بتقوله جنة ده مظبوط؟
صرخت جنة بشراسة وعيون محتقنة
مش حيحيقدر ينكر... أنا بنفسي اتأكدت لما شفت الرجالة اللي كانوا خاطفني خافوا منه لما شافوه وكانوا بيتعاملوا معاه إزاي... هو مش محتاج يقول حاجة يا بابي.
ظل صامتاً محدقاً بها، صاراً على أسنانه، فهتفت توبخه
ها يا سليم بيه!!... عندك رد؟ ولا خلاص كده تاخد بعضك وتتفضل من هنا؟
لم ينبس ببنت كلمة، فانتفخت أنفاسها وهي تحاول كتم عبراتها، وتحشرج صوتها وهي تحاول كتم صراخها فخرج مبحوحاً ضعيفاً وهي تهتف بتوسل
اتكلم يا سليم... قولي إن الكلام ده كدب وأنا حصدقك.
نزلت دموعها تنهمر على وجنتيها ورددت بإصرار
اكدب عليا وأنا حصدقك... قولي أي كلام وأنا حصدق، بس متقولش الحقيقة أرجوك.
مسحت دموعها بظهر يدها واستنشقت ماء أنفها وصرخت بأنين مكتوم
اتكلم يا سليم عشان خاطري... اتكلم.
حاول أن يقترب منها وفتح فمه لتخرج منه الكلمات غير منظمة بعد أن قرأ لغة جسدها وأيقن أنها توشك على الانهيار، فرقق صوته هاتفا
اسمعيني يا جنة أناااا...
صرخت تقاطعه
لأااا... متتكلمش، أنا مش عايزة أسمع غير حاجة واحدة وبس.
.. أنت فعلاً تاجر سلاح؟
حدق بها ولمعت عيناه؛ فقد قرر أن يصارحها بكل شيء، فقد تعب كثيراً من محاولاته الفوز بها، فعل المستحيل لأجلها والآن قد وصل للنهاية.
سيخبرها بكل شيء وهي ما عليها سوى الاختيار بين أن تتقبله كما هو مثلما تقبّلها هو، أو أن تبتعد عنه فيعود لحياته قبلها، بعد أن شعر أنها لا تحارب من أجله كما يفعل هو من أجلها.
نعم، يحارب وحربه غير عادلة إطلاقاً؛ فتارة يحارب ضد عائلته لكسب ودهم واقتناص مكانة وسطهم ودفع النفيس والغالي ليصبح فرداً من عائلته... دفع ثمناً باهظاً ليُعامل كفرد أساسي من عائلة الراوي، إُضطر لتسيير أعمالهم بتجارتهم الخطرة حتى يعلو شأنه ويصبح ما هو عليه الآن.
وحارب أيضاً في الخارج حتى يستطيع أن يسير أمور العمل... فمن جهة عمله بالتجارة، ومن جهة أخرى أعمال العائلة، فتعاون مع الجميع حتى يستطيع تنفيذ تلك المعادلة الصعبة.
وعاد ليحارب أعداء عائلته ولكن طبقاً لقوانينهم... هو كان يستطيع أن ينهي عائلة الحديدي بإشارة من إصبعه فقط لتأتي المافيا الإيطالية وتصفي كل فرد منهم، ولكنه اختار اللعب حسب قواعد بلده والتي هزمته لتجبره على الزواج.
نعم، حارب أيضاً مشاعره واضطر لإتمام زيجته حتى لا يأوي أفعى سامة تتربى وسطهم وتنقل أخبارهم كما نبهه أخوه الأكبر، معرضاً حبه وعشقه للخطر فقط من أجل حربه لصالح عائلته.
حارب مشاعره وقبل بتلك الزيجة غير المتكافئة، فهو لم يسبق له الزواج حسب عرفهم وهي أرملة لديها من الأطفال ثلاثة، ناهيك عن التناقض الفكري والعقلي بينهما، ومع ذلك اختار الجانب الخاسر وهو جانب العائلة.
ليأتي دورها فيحارب من أجلها بعد أن علم ما قاسته، ولم يجرؤ حتى ليسألها عن الماضي أو يقلل من شأن ما عاشته من آلام وقسوة مع زوج والدتها؛ بل اختار الحب فوق أي نزعة أو أفكار موروثة... اختارها وهو يعلم كم سيتعب معها، ولكنها تركته بأول منعطف.
حارب عائلته ولأول مرة يقف أمام أبيه ويصر على رأيه فقط من أجلها، وكان بداخله إن استمر رفض والده سوف يخرج عن طوعه ويذهب خلف قلبه.
والآن قرر أنه سيحارب لآخر مرة من أجلها ولتكن النهاية... فإما كل شيء أو لا شيء؛ إما حبها وعشقها وثقتها وقبولها به قلباً وقالباً، وإما خسارتها لتصبح ذكرى جميلة يعيش عليها ما تبقى من حياته البائسة.

تنفس بعمق ساحباً أكبر قدر من الهواء داخل رئتيه وزفره بقوة وردد
كل اللي عايزة تعرفيه عني، أنا مستعد أقولهولك... بس قبل أي كلام لازم تفهمي حاجة مهمة جداً؛ إني بحبك وعندي استعداد أعمل أي حاجة عشانك.
ابتلعت لعابها وهي تنظر له مترددة، خائفة من سؤاله، ولكن بالأخير يهتف محسن بعد أن فاض به مردداً
أنت تاجر سلاح؟
أومأ سليم بالإيجاب، فوضعت كفها على فمها تكتم بكاءها أو بالحرى صرخاتها، فهرع ناحيتها يمسك يدها ويهتف بتوسل
اسمعيني قبل ما تحكمي وتاخدي قرارك.
ضحكت باكية وكركرت بهستيرية وهي تصرخ به
دكتورة بتنقذ أرواح الناس وتاجر سلاح بيموتهم... معادلة صعبة أوي يا سليم بيه.
أردف بحدة مستنكراً
أنا عمري ما قتلت حد.
ابتسمت بحزن تصرخ
مش لازم تموتهم بإيدك... تقدر تقولي بتبيع السلاح ده لمين؟ أيد للارهاب ما هو مفيش غير الجيوش والارهاب بس اللي بيشتري سلاح.
نظر لها معترضاً فأبدى رأيه بموضوعية
أنا عارف إنها تجارة غير مشروعة... بس أحب أفهمك إنها غير مشروعة دولياً بس يا جنة ومش محرمة في الدين، ممكن تكون تجارة غير مستحبة عشان الأذى اللي بتسببه للناس، بس ده لو إحنا بنبيعها اعتباطاً.

ابتسمت ساخرة وأظهرت ملامح وجهها مدى استهزائها بحديثه مرددة
لكن طبعا أنت تجارتك هادفة ومش بتبيع لأي حد... يا ترى بتبيع لمين يا سليم؟
ضحكت وضحكت ورددت بسخرية لاذعة
أوعى تقولي إنك وطني والسلاح ده بيروح لفلسطين مثلاً؟!
نظر بعينها وحملق بهما ونطق بثقة
وليه بتقوليها بسخرية كده؟ جزء كبير من الأسلحة اللي بشتريها بتروح فعلاً لغزة، ولو أنتِ شايفه إن ده غلط عشان اتفاقيات الدول مع بعضها، فأنا شايف إنه حق ليهم.
ضغطت بأسنانها تقضم شفتاها وهتفت بحنق
تفتكر تحليلك ده حيغير من الوضع حاجة؟ في النهاية أنت بتشتغل شغلانة ممنوعة دولياً، ده غير خطورتها بما إنك ليك علاقة بالمافيا كمان.
ابتسم لها وأحنى رقبته مردداً بتأكيد
أنا مش بشتغل مع المافيا يا جنة، وأظن إني قلتلك علاقتي بيهم عاملة إزاي؟
أجاب محسن بفضول
أنا كمان عايز اعرف علاقتك بالمافيا عاملة إزاي يا سليم بعد اللي سمعته منك وأنت بتتكلم قدام رجالتك.
تحدث باستفاضة يقص عليه ما قصه على جنة سابقاً بأنقاذه للكابو الحالي ونشأت علاقة صداقة وطيدة بينهما ليردد بتأكيد
يعني كل علاقتي بيهم هي الصداقة وبس.
رددت جنة باستخفاف
برضه حتفضل تاجر سلاح.
كور قبضة يده محاولاً التقاط أنفاسه الهاربة وردد بثقة زائفة
أنا تعبت كتير أوي في حياتي يا جنة... وحقيقي أنا مخترتش الطريق ده.
زفر بأنفاس حارقة ولمعت عيناه بعبرات مكتومة وأكمل
دي تجارة عيلتي من عشرات السنين، وكل رجالة العيلة بتطلع تشتغل فيها، وعندنا في الصعيد الشغل ده تجارة ومش معترفين أبداً إنها حاجة غلط.

جلس على الأريكة وتنهد بإجهاد ورمقها بنظراته العاشقة وهتف بتساؤل
أنتِ إيه اللي يرضيكي يا جنة؟ لو عايزاني أبطل الشغل

ده حبطله، حتى لو كان على حساب علاقتي بأهلي.
اقترب منه محسن وجلس
إلى جواره وهتف بصوت هادئ
أنت إنسان كويس جداً يا سليم، وحرام عليك تضيع نفسك في شغلانة خطر بالشكل ده.
أجابه على الفور
كل همي في الوقت اللي مسكت فيه شغل العيلة هو إني أعلى في نظرهم... عارف ليه يا عمي؟
ابتسم بمرارة وأردف
عشان أنا كنت طول عمري الفرد المنبوذ في العيلة، ابن المصراوية اللي مكروه من الكل حتى من إخواته، وفي الآخر ملقتش غير الطريق ده عشان يحسوا بوجودي ويعرفوا قيمتي.
قاطعته جنة بمعاتبة
بس الطريق اللي اخترته ده أسوء بكثير من أي حاجة في الدنيا و...
انتفض من مكانه وأمسك راحتيها يردد بتوسل
والله العظيم لو قلتيلى بطل الشغل ده فأنا مش حخليكي تعيديها تاني لو ده الثمن اللي حدفعه عشان تبقي معايا.
هللت
وأهلك؟
حرك رأسه بعنف مردداً
ميهمنيش غيرك... مش عايز غيرك.
شعرت بصدق حديثه من عينيه المتوسلتين، فاضطربت ودارت حول نفسها وهو ينظر لها بترقب، فالتفتت تنظر له تردد بتأكيد
والمفروض أصدقك إنك حتبطل بالسهولة دي؟ وحتأكد منين إنك مش بتضحك عليا؟
أجابها مبتسماً بعد أن شعر ببارقة أمل
لأني مش مضطر أكدب عليكِ يا جنتي... لو كان في نيتي الكدب كنت كدبت من الأول ومقلتلكيش حقيقة شغلي.
هدرت به بحدة
ما أنت كدبت عليا في الأول!
أجابها بتسرع على الفور وهو يحيط وجهها بكفيه
أنا مكدبتش... أنا خبيت الحقيقة، في فرق يا جنة، احتفظت بالسر ده لنفسي زي ما أنتِ أكيد مخبية عني حاجات شايفه إنها سر من حقك تخبيه.
نظرت له بألم وهتفت بضعف
أنت عارف عني كل حاجة يا سليم.
أومأ لها رافضاً
لا مش كل حاجة... ومش عايز اعرف، بس عايزك تقدري وتفهمي إن أي حاجة خبيتها عنك مكانش قصدي أكدب عليكِ فيها، لكن كان خوف من خسارتك.

استمعت لحديثه فتنبهت لما قاله وهتفت بتعجب
هو أنت لسه في حاجة مخبيها عليا يا سليم؟
رددت كلماتها وهي تؤكد على بعض حروفها حتى ترى ردود أفعاله، فصرّ على أسنانه ونظر للأرض بخزي لتشعر هي بتصدع عالمها من حولها وتختنق بالبكاء هاتفة ببحة صوتها الحزين
شكلها حاجة كبيرة... قول يا سليم.
أغمض عينيه وفتحهما مرات متتالية وهتف أخيراً
جوازتي...
صمت ولم يعد يستطيع إكمال حديثه فور أن قرأ لغة جسدها وتشنجها، لتغمض هي عينها بأسى وتبكي بحرقة، فتحرك محسن ناحيتها واحتضنها ونظر لسليم بضيق واستنكار مردفاً
كفاية كده يا سليم... روح يا بني شوف طريقك.
احتقنت عيناه بحمرة حزينة وابتلع لعابه بغصة مؤلمة مردداً
أنا محبتش غيرك يا جنة، بس الحياة في الصعيد صعبة، ولو كنت قصرت ناحية قمر كانت سيرتي حتبقى على كل لسان في البلد، خصوصاً إني متجوز في سن كبير بالمقارنة بسن الجواز في عرفنا.
أمسك راحتيها ونظر بأعمق نقطة بحدقتيها وردد بتوسل
صدقيني إن الجوازة دي اتفاقية صلح، واللي بيني وبينها مجرد...
قاطعته ساخرة
مجرد حبر على ورق... أنت قلت لي كده.
تضرع بألم
أنا اتحطيت في اختبار صعب ومش قادر أحارب لوحدي... حاربي معايا يا جنة.
في منزل عائلة الحديدي
تقوس فمها بشبح ابتسامة باهتة وهي تستمع لخطة أباه للاستيلاء على شحنة السلاح القادمة من عائلة الراوي.
أخذت تستمع له جيداً حتى تفهم تماماً ما عليها فعله من التلصص على مكتب فرج ومتابعة سليمان عن كثب حتى تعلم بالتحديد موعد وصولها.
ردد تهامي بتحذير
خدي بالك يا بنتي، الشحنة دي لو أخدناها منهم حتنقلنا نقلة تانية... بس الخطر موجود يا قمر.
نظرت له بتحفظ ورددت متخوفة
إني بس خايفة الصلح يبوظ بسبب الحكاية دي يا أبوي، وهم اللي ليهم التار ولو أخدوه حيبقى من جابر أخوي.
ابتسم بخبث مردفاً
ده لو عرفوا إننا اللي أخدناها، وزي ما فهمتك هم أصلاً ما حيحسوش بحاجة واصل إلا متأخر قوي نكون إحنا ختنا السلاح وكله بقى تمام.
نظرت قمر لأخيها تهتف
وأنت رأيك إيه يا أخوي؟
حرك رأسه جانباً يردد بحيرة
محتار يا قمر... بس طالما أبوكي شايف اكده يبقى خلاص عاد.
تدخل تهامي يتحدث بحدة
إني خابر إنك خايف، بس متخافش وهم عمرهم ما حيعرفوا إننا اللي عملناها، بس قمر تتجدعن اكده وتعرف معاد وصول السلاح ميته؟

أومأت له تهتف بتحذير
بس من غير ما حد يتأذى يا أبوي الله يرضى عليك... في الأول والآخر بقوا أهل جوزي.
ابتسم لها يردد مؤكداً
طبعا يا بتي... إني مش عايز مشاكل.
تنهدت بصوت خافت ومسحت وجهها بكلا كفيها، لقد أصبح وجهها متورماً من كثرة البكاء، حالتها يرثى لها، تتألم وتعيش بصراع داخلي؛ فدائماً لم تجد أي تضارب بين قلبها وعقلها... دائماً ما يعملا سوياً، أما الآن فهي في حيرة من أمرها وكأنهما عقدا اتفاقية معاً لتعذيبها.
فقلبها يعشقه ويتمناه بلهفة طفل ظل طوال عمره يشتهي المثلجات وكانت أمه تمنعها عنه، والآن هو أمام مخروط كبير من أفضل نكهات المثلجات ولا يستطيع أن يمد يده ليتذوقها.
أما عقلها فيرفض تماماً أن ينصاع لمشاعرها فيوبخها كثيراً ويظل يرسل لها إشارات سيئة وتوقعات لمستقبل أسوء إن استمرت بتلك العلاقة... والأسوء من ذلك أنه يذكرها بماضيها وما عانته في حياتها بل ويعقد المقارنات ليريها إلى ما ينتهي بها الأمر.
تذكرت موقف الزوجة الأولى لعصام الشاطر زوج والدتها
عندما تزوج عليها، فاقتحمت منزلهما بضراوة ووقفت تضع يدها بخاصرتها تردد بحدة
اتجوزت عليا يا عصام؟ طيب وعيالك وبيتك وأنا؟
نظر لها بضيق ونفور وردد بإهانة
أنتِ عارفة كويس إني عمري ما حبيتك ومع ذلك قبلتي بالعيشة، وأنا من حقي اتجوز اللي بحبها.
نظرت لهبة بازدراء ورددت
وهي دي اللي بتحبها؟ مطلقة وعندها ولاد؟ لا وكمان متجوزها من ورايا يا عصام... بجد حرام عليك!
أمسكها من ذراعها بقسوة وهدر بها
اسمعي... أنا استحملتك كتير أوي، وأنتِ معندكيش غير حل من اتنين يا تعيشي وتحطي جزمة في بوءك فمك، يا أطلقك وملكيش عندي غير نفقتك ونفقة الولاد... اختاري.
بكت وانتحبت وصرخت لتنقض على هبة تشدها من شعرها وهي تسب وتصرخ
خربتي بيتي منك لله... أنتِ السبب، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي!
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
عادت من ذكرياتها متخذة قرارها الحاسم؛ فهي لن تكون تلك المرأة التي تخرب البيوت وتسرق زوجاً من زوجته.
لن تكون الجانب القبيح بالرواية والذي يغوي رجلاً لتستأثر به لنفسها على حساب ظلم امرأة أخرى، فابتلعت لعابها بحزن وألم وهي تعلم تماماً أنها ليست وحدها من سيتألم من ذلك القرار الصعب، بل هو أيضاً.
في تلك الأثناء جلس سليم أمامها يقرأ لغة جسدها، فعلم أنها تتخبط باتخاذ قرارها، فحاول أن يعطيها دفعة كما تعامل معها من قبل حتى لا تتخذ قراراً يؤلمه ويؤلمها على حد سواء.
تنحنح قليلاً ليزيل حشرجة صوته الخشن وردد بيأس
لو قررتي تسيبيني حكون عايز منك تعرفي إنك بتحكمي عليا بالإعدام، أما بقى لو قررتي إنك تديني فرصة... فساعتها فعلاً ممكن قلبي يقف من الفرحة.
رفعت وجهها
تنظر له وظلت على وضعها تتمعن بملامحه لتحفرها بداخلها حتى تتذكرها دائماً وتتذكر نظراته العاشقة لها، ورددت بحسم
مش حينفع

يا سليم... أنا حتى لو وافقت على وضعك وشغلك وصدقت إنك حتبطل عشاني، حيفضل عائق كبير أوي بينا وهو جوازك؛ لأني مستحيل أخد راجل من مراته وده كان وما زال رأيي حتى من قبل ما اعرف إن جوازكم حقيقي.

تنهد عميقاً يزفر أنفاسه الحزينة وأغمض عينيه ليمنع عبراته من الانسياق لأحاسيسه وردد بصوت مختنق
مفيش أمل؟
حركت رأسها بالرفض، فأومأ لها راضعاً لقرارها، ورمقها بنظرة والهه مبتسماً بألم، وعاد ينظر لمحسن مردداً بأسى
أنا أسف يا أستاذ محسن على كل حاجة، يا ريت تسامحني.
شعر محسن بالحزن على حالهما، ولكنه آثر عدم التدخل في شؤون ابنته؛ فهي لأول مرة تعاصر الحب، وأراد تركها تتخذ جميع قراراتها بنفسها حتى تتعلم درسها لربما تصبح أصلب مما هي عليه الآن، ولكنه هتف متخوفاً
ناوي تعمل إيه في ياسر يا بني؟ رجالتك أخدوه معاهم وبصراحة أنا قلقان عليه.
تعجب سليم من قلقه... أبعد ما فعله بابنته وغاليته لا يزال يشعر بالقلق؟ فردد مطمئناً
متقلقش... حربه شوية بس لأن الواضح إن أبوه معرفش يربيه.
أومأ له محسن بالموافقة، فتذكر أمراً
اعمل إيه في البلاغ اللي قدمته؟
أجابه سليم ببساطة
روح وخد معاك جنة واسحبه، ولو اتسألت كانت فين؟ عادي جداً حتقول كانت بتستجم لوحدها بعيد عن ضغط الشغل.
أنهى حديثه ومد ساعده ليودعها وردد بأسى
أشوفك على خير يا جنة.
صافحته بصمت، فردد بهيام
أنا بحبك.
استأذن ليخرج وهو متهدل الأكتاف يشعر بتصدع عالمه من حوله، فقد خسرها وهو يعلم أنه لا رجعة حتى وإن أخبرها برغبته الانفصال عن زوجته فلن يغير من الأمر شيئاً، بل ستظن أنها كانت سبباً أساسياً ورئيسياً في انهيار زيجته.
بدأت خطتها بالتلصص على كل من حولها في محاولة منها لاستخلاص المعلومات التي
يريدها والدها، فبدأت بالاقتراب من غرفة المكتب الخاصة بفرج ووضعت أذنها تستمع لما يقال، وركزت سمعها بشدة فور سماعها صوت فرج يهتف
إني حكلم سليم وأهو كويس إنه مسافر يشوف الشحنة وصلت لفين عاد؟
أجابه سليمان بتردد
يا أبوي سليم في أمريكا، إيه اللي حيسفره إيطاليا دلوج؟
صاح فرج يهتف بحدة
لا بقولك إيه... هو حيفضل قاعد جار بجوار السنيورة اللي عيحبها ويسيب مصالحنا تخرب؟ لو من أولها اكده يبقى عليه العوض.
زغر سليمان بضيق محاولاً الدفاع عن أخيه، فردد بهدوء رزين
يا أبوي بكفاية عاد على سليم... متبقاش أنت والزمن عليه، طول عمره مظلوم ومستخسر فيه يعيش له يومين مع اللي قلبه اختارها.
زغر بعينه يردد
ما أنت بسبب حديثك معايا وبسبب شكله وزعله عليها خليتني وافقت ع الجوازة دي وهى لا من ثوبنا عادتنا ولا كان عندي استعداد أخاطر بالصلح.
أجابه سليمان زافراً
وه يا أبوي عليك... مفيش في دماغك غير الصلح، طيب وولدك؟ سليم مظلوم يا أبوي من صغره ومشافش يوم حلو، غير إنه اتجوز على كبر وكلنا اتجوزنا أصغر منه ييجي بعشر سنين، ومتآخذنيش يا أبوي يعني في الآخر متجوز أرملة يعني مش بنت بنوت عاد...
قاطعه والده
وهي اللي عاوزها دي بنت بنوت؟ دي عايشة ومتربية في أمريكا، يبقى إيه الحال؟
لمعت عين سليمان فور أن هتف والده بتلك الكلمات، فنظر أمامه شارداً حتى صاح فرج بتوعد
عارف لو طلعت كسر ولا معيوبة، يبقى أخوك اتجنن وأني محسمحش بالتهريج ده.
أجابه سليمان بهدوء
ربنا يقدم اللي فيه الخير يا أبوي.
وفي الخارج، بعد أن استمعت لمعظم حديثهما، شعرت قمر بالضيق والحزن على حالها ورددت في نفسها بتوعد
بقى اكده!! خلاص أبوك وافق ع الجواز؟ الله في سماه ما يحصل، ده إني قمر بنت تهامي الحديدي ومش حسمح أبداً إن يكون لي ضرة.
مرت أيام على الجميع وانشغل كلٌ بحاله؛ ففرج أخذ على عاتقه حل مشكلات العمل المتأخر بعد أن تعذر عليه التواصل مع سليم الذي انقطعت أخباره عنهم.
وأما سليمان فقد انتبه لحركة قمر غير المطمئنة بالمنزل، فبدأ بمتابعتها عن كثب حتى يعلم ما يدور بخلدها بعد أن تخوف من أن تنقل لعائلتها أخبارهم، خصوصاً مع كثرة زياراتها لمنزل والدها بحجة رؤية أبنائها.
وأما قمر فظلت تتنصت على كل ما حولها وتخبر والدها بما يهمه من أخبار تخص الأعمال والتجارة، ولكنها لم تتوصل حتى الآن لأي أخبار تخص شحنة السلاح القادمة قريباً.

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
لننتقل ليحيى والد ياسر، الذي أخذ يبحث عنه كالمجنون في كل مكان بعد مرور أيام على اختفائه، فاقتحم مكتب شريكه وصديقه القديم يردد بصياح
أنا حتجنن يا محسن... الولد اختفى كأن الأرض انشقت وبلعته، أنا عايز اعرف راح فين؟
ردد محسن بتوتر ظاهر على ملامحه
ربنا يرده بالسلامة.
أغمض يحيى عينيه وزفر بغضب يهتف
آخر يوم لما أنت اتصلت بيه عشان يساعدك تدور على جنة... وبعدها اختفى وبنتك ظهرت، تقدر تقولي إزاي وليه في التوقيت ده بالذات؟
هتف محسن بغضب
أنت بتتهمني بإيه دلوقتي؟
أجابه بإجهاد
أنا مش بتهمك يا محسن... أنا بفكر معاك، بنتك مقالتش كانت فين؟
أجابه بفروغ صبر
قلتلك للمرة المليون، راحت تريح دماغها عند واحدة صاحبته وقفلت التليفون ومجاش في بالها إننا حنقلق عليها كده.
جلس يحيى يحرك قدمه بلازمة متوترة يردد
أمه حتموت نفسها وأنا مش عارف اعمل إيه؟

أجابه محسن وهو يستعد للمغادرة
متخافش عليه يا يحيى... ياسر راجل مش عيل صغير، تلاقيه بس بيتفسح ولا بطنطط هنا ولا هنا.
خرج محسن محاولاً الهروب من استجواب يحيى له، وأمسك هاتفه فور أن ابتعد عن المكتب وهاتف جنة على الفور لتجيب من مقر عملها بعد أن عادت لتواظب حياتها كالسابق في محاولة منها أن تعتاد على فراقه
خير يا بابي؟
ردد محسن بتسرع
مش عارف أقولك إيه بس يا بنتي!!
تخوفت فرددت
في إيه يا بابي؟ قلقتني!!
أجابها بتلعثم، فهو يعلم تأثير تلك الذكرى عليها
يحيى كل يوم بيسأل على ياسر ومش عارف اعمل معاه إيه، وصعبان عليا ومراته حتتجنن.
أجابت بصرامة وحدة غير قابلة للنقاش
وهي لما كان خاطفني... مش كان شايف حضرتك عامل إزاي وبتموت في اليوم كام مرة وأنا بعيد عنك؟!... مصعبتش عليه ليه يا بابي؟
حاول أن يحدثها بالعقل والمنطق فهتف
معلش... خلينا إحنا الأحسن منه يا بنتي.
زفرت بخضوع وهتفت
خلاص يا بابي اللي تشوفه.
أجاب بهدوء
طيب كلمي...
قاطعته بحدة
أوعى تكمل... أنا مش حكلم حد، حضرتك أكيد تعرف تتواصل معاه أو مع مراد اللي شغال عنده، واتكلم معاه وخليه يسيبه ده لو وافق أصلاً.
حاول تهدئتها مردداً
منا عارف يا بنتي إنه ممكن ميوافقش عشان كده بقول تكلميه أنتِ.
أجابته بتأكيد
لا يا بابي، أسفة... حضرتك كلمه وأنا بره الموضوع ده.
زفر بضيق واستسلام؛ فها هي تعود لجنية القديمة الصارمة الجامدة والتي لا تتعامل بالمشاعر، فقط عقلها ما يحركها، ليشعر محسن بالضيق والألم الشديد على حالها ويدعو الله
ربنا يهديكي يا جنة وييسرلك أمرك معاه لو ابن حلال وحيصونك.
اقتحم أبواب الشركة بقسوة ودلف يصرخ بمراد
أين هي؟
واللعنة عليكما مراد! أنا أبحث عنها منذ يومين وأعلم تمام العلم أن له يداً باختفائها.
وقف من مكتبه يهتف بجمود في تعابيره
أنت لا

تتعلم مايك... اللعب مع سليم الراوي خطر يا أخي، وماريا لم تلعب فقط ولكنها تسببت بانفصاله عن حبيبته التي بحث عنها طويلاً، والآن لا يوجد باستطاعتي أن أفعل شيئاً.

ابتلع لعابه بخوف وردد بتحفز في جسده وتشنج أطرافه وارتعاش جفنيه
استمع إليّ مراد... وأخبره أنني لن أتأزل عن الأخذ بالثأر من أجل أختي الصغرى، وإن أرادها حرباً فأنا على أتم استعداد... يا أخي.
يردد آخر كلمة باستهزاء وكأنه يتوعد لهما بوابل من العذاب، وخرج كالبرق مسرعاً من أبواب الشركة ليمسك مراد هاتفه ويحدث سليم بتوتر جلي
كفاية يا سليم... الموضوع بيكبر مننا، أنت مش عارف مايكل بيموت على أخته إزاي؟
ردد سليم بلامبالاة
أعلى ما في خيله يركبه، أنا مش حتنازل عن حقي.
أثناء حديثهما دلفت السكرتيرة تهتف باحترام
سيدي... هناك شخص يود مقابلتك.
نظر لها بتعجب وردد
من؟
أجابته بعملية
يدعى السيد محسن الصاوي، قد سأل عن السيد سليم وعندما أخبرته أنه مسافراً طلب مقابلتك.
أومأ لها لتدخله وسليم ما زال على الخط فهتف
مالها أستاذ محسن؟ عايز إيه؟
أجابه مراد
دلوقتي نعرف.
دلف محسن وصافحه مراد بحرارة
أهلاً وسهلاً، نورت الشركة يا أستاذ محسن.

أجابه الأخير وهو يجلس على المقعد
يعز مقدارك يا بني، أنا كنت عايز اتواصل مع سليم لو أمكن؟ لأن موبايله مقفول.
ابتسم مراد بزهو وألفة وهتف بلهفة
ده حضرتك ابن حلال والله، سليم معايا على الخط اهو.
وبالفعل أعطاه الهاتف ليردد سليم بترحاب
أهلاً وسهلاً يا عمي، أخبارك إيه؟
ردد بصوت حزين
نحمد الله يا بني.
توتر سليم من نبرته فهتف
خير يا عمي؟ جنة فيها حاجة؟
أومأ برأسه وكأن الطرف الآخر يراه وردد بحيرة
هي كويسة الحمد الله، يعني بتحاول تبين إنها كويسة.
تنهد عميقاً يهتف
أنا والله يا عمي مش عارف أعيش أصلاً من ساعة الموضوع بتاعنا ما اتفركش، بس معلش ربنا لو شايف لنا خير أكيد حيقربنا من بعض.
ابتسم بحبور وردد
ونعم بالله يا بني.
صمت قليلاً وعاد يستطرد
الحقيقة أنا كنت جايلك في حكاية تانية كده.
ردد بصوت متعجب
اتفضل يا عمي!!
أجابه محسن
كفاية على ياسر كده عشان الموضوع ميكبرش، وكمان أمه وأبوه ملهمش ذنب.
ردد بحدة صارخة
وحضرتك كان ليك ذنب لما كنت حتموت من القلق عليها؟ وأنا كان ليا ذنب لما نجحوا إنهم يفرقونا عن بعض؟
أجابه هاتفا
أنت كان ليك يد في الحكاية دي يا سليم لأنك خبيت عليها حياتك، وجنة عمرها ما بتسامح.
ضحك بمرارة تجمعت بحلقه وأجابه
حاضر يا عمي، بكرة الصبح ياسر حيكون في بيته... حضرتك عايز مني حاجة تانية؟
أجابه بالرفض واستأذن ليخرج، فعاد مراد يهتف بحيرة
حتسيب ماريا معاه؟
أجابه بقسوة وش
راسة
لا... ماريا حسابها معايا كبير أوي لسه، ده غير إنها طلعت سر شغلي، وأنت فاهم الأسرار دي لما بتطلع من حد بيكون مصيره إيه من التجار!!!
حاول إثناءه عن ما يدور بعقله فردد متوسلاً
بلاش اللي في دماغك يا سليم... محدش من التجار حيعرف إنها طلعت السر غير منك أنت، خلي الموضوع يعدي ويتقفل على كده... إحنا محتاجين أخوها و...
قاطعه سليم
أنا حبطل شغل السلاح وحخلي أي حد تاني من العيلة يمسكه.
تعجب مراد من قراره المفاجئ وهتف بحدة
موضوع جنة السبب في القرار ده؟
أجابه بإيجاز
اه.
زفر بضيق وأضاف
ومش عايز كلام تاني في الحكاية دي، ومتخافش أنت حتفضل زي ما أنت عشان اللي حيمسك مكاني أكيد حيحتاجك يا مراد.
هتف مراد بحذر بعد أن استشعر
الغضب بصوته والتحذير الضمني بعدم التدخل
طيب الحاج فرج عارف بقرارك ده؟
أجابه سليم
لا لسه مقلتش حاجة... حخلص الشحنة الجاية وأبلغه وأنا في مصر أحسن من التليفون.
توجه سليم لمقابلة بعض التجار لإتمام باقي أعماله العالقة بأمريكا، حتى يتفرغ للشحنة الأخيرة بالنسبة له، والتي تتطلب منه التوجه لإيطاليا أو روما بالتحديد.
أثناء قيادته لسيارته، وجد عدة سيارات واقفة تقطع عليه الطريق، فنظر خلفه ليجد أخريات تتشابه معها تسد عليه طريق العودة.
أوقف سيارته بمنتصف الطريق الفارغ ونظر أمامه وخلفه، فوجد العديد من الرجال المسلحين واقفين حاملين بأيديهم الرشاشات والبنادق الآلية، وجميعها موجهة لسيارته.
نظر بمرآته فوجد تلك النقاط الحمراء لمرقاب عدسات البنادق الحديثة المعروفة ببنادق القنص وهي ترتكز جميعها على صدره، فعلم أنها النهاية.
ترجل من السيارة ووقف قبالتهم يفتح ذراعيه على مصراعيهما، وأغمض عينيه ليستدعي صورتها في خياله، لتكون آخر ما يراه في حياته.
شعور بالوهن أصابه فجأة ودوار برأسه، وثقلت خطواته ليرتمى على الأرض غارقاً في ظلام دامس، لا يرى فيه سوى طيفها أمامه، حتى سكن جسده واستسلم للغيبوبة.


تعليقات