رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الخامس عشر 15 بقلم اماني سيد


 رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الخامس عشر 

دخلت خديجة غرفة صفوان. ظلّت خديجة واقفة أمام صفوان، تراقب ملامحه التي لم تستطع أن تعرف من خلالها فيما يفكر عكس مهرة. جلست خديجة على المقعد المقابل له، وسألته بجدية عن علاقته بمهرة وعن وضع رشا، وأخبره صفوان لكن دون أن يعطي تفاصيل. صمتت لبعض ثوانٍ فلم تكن تلك هي الإجابة التي تريدها.

ـ طيب، وبعدين يا صفوان؟ إنت دلوقتي عرفت إن مهرة بتحبك، وهي كمان خلاص مبقتش قادرة تخبي مشاعرها، بس لسه في حكاية يزيد.

رفع صفوان عينيه إليها، وقد اختفت من ملامحه أي لمحة تردد، ثم قال بهدوء حاسم:

ـ يزيد ده أنا هخلّص منه، بس مش بالطريقة اللي تخلي مهرة تبقى في الموضوع أو تتحمل أي مسؤولية. ومش هروح أواجهه وأدخل في خناقة معاه، ولا هسيب له فرصة يقلب الدنيا عليها أو يستغل علاقتها بيه ضدها.

ـ أمال هعمل إيه؟

أخرج صفوان هاتفه، واتصل بأحد رجاله، وما إن جاءه الرد حتى قال بنبرة عملية لا تقبل الجدال:

ـ عايزك تجمع لي رجالتك الموثوقين، وتبدأوا بحث شامل عن يزيد. عايز أعرف كل حاجة عنه، شغله، علاقاته، تحركاته، الناس اللي بيتعامل معاهم، وأي مشاكل قديمة أو جديدة تخصه. مش عايز كلام يتنقل من شخص للتاني، أنا عايز معلومات مؤكدة، وكل تفصيلة يكون وراها دليل.

صمت يستمع إلى الرد، ثم أضاف بلهجة أكثر صرامة:

ـ وخلي بالك، أنا مش عايز حد يتعرض له أو يفتعل معاه مشكلة. المطلوب إننا نعرف عنه كل حاجة بالتفصيل، مش نصنع له حقيقة على مزاجنا. والراجل اللي يقدر يوصل لحاجة مهمة ومثبتة عليه، هياخد مكافأة كبيرة مني. بلّغهم إن المكافأة دي غير أي أجر متفقين عليه، وأي حد يجيب لي معلومة جديدة نعرف بيها إحنا واقفين قدام مين، مش هنسى تعبه.

أنهى المكالمة، ووضع الهاتف أمامه، بينما ظلت خديجة تنظر إليه بإعجاب وشيء من القلق.

ـ إنت ناوي تعمل إيه بالضبط يا صفوان؟ يعني لو طلع يزيد مفيهوش حاجة، هتعمل إيه؟

ابتسم صفوان ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه، وقال بثقة:

ـ كل واحد له نقطة ضعف يا خديجة، مش شرط تكون مصيبة أو جريمة، ممكن تكون حقيقة مخبيها، أو مصلحة بيجري وراها، أو سبب يخليه متمسك بمهرة بالشكل ده. أنا عايز أعرف هو عايزها ليه، وإيه اللي مستنيه من الجوازة دي. ولما أعرف، هتصرف على أساس الحقيقة، مش على أساس الظنون.

ـ وعمك، لو عرف إنك بتدور ورا يزيد، ممكن يعتبرها إهانة ليه.

ضحك صفوان ضحكة قصيرة، ثم مال بجسده إلى الأمام وقال بنبرة قاطعة:

ـ عتمان لو اختار يزيد لمهرة، يبقى مختاروش لأنه شايفه مناسب ليها، هو اختارها كيد في عمك وزيدان عشان يثبت لهم إنهم كانوا غلطانين لما سابوها. أنا لو قررت أتقدم لمهرة، هروح له من الباب، وهطلبها منه قدام الكل، وهو عارف كويس أنا مين، وعارف إن طلبي مش هيرفضه. بالعكس أنا لو رحت له هو مش بس هيوافق ده ممكن يجراله حاجة من الفرحة.

صمت، وتغيّرت ملامحه عندما تذكّر نظرة مهرة وهي تقول له إنها لا تستطيع ترك يزيد، وكأنها محاصرة بحياة اختيرت لها دون أن يكون لها رأي فيها.

ـ بس قبل ما أطلبها، لازم أضمن إن يزيد مش هيقدر يستخدمها ورقة ضغط، أو إنه يحفز جواها إحساسها بالذنب لأنه ممكن بعد كده يدخلها من النقطة دي يقولها أنا بحبك وليه سبتيني وده جزاتي.

ابتسمت خديجة، وقد اطمأن قلبها قليلًا، ثم قالت:

ـ أهو ده الكلام اللي كنت عايزة أسمعه منك. بس خليك فاكر إن مهرة عمرها ما كانت قوية قدام أبوها زي ما هي قوية قدام أي حد تاني، ولو الموضوع اتقلب عليها، ممكن تسكت وتتحمل عشان متمخلش في مواجهة معاه ولا مع حد. مهرة اتربت على عدم الثقة بالنفس.

نظر إليها صفوان بثبات، وقال:

ـ عشان كده أنا اللي هتصرف، وهي مش مطلوب منها تحارب حد عشاني. كل اللي مطلوب منها إنها متخافش، والباقي سيبيه عليّا.

نهض من مكانه واتجه نحو النافذة، يتأمل الحديقة التي احتضنت اعتراف مهرة الأول بمشاعرها. كان يعرف أن الطريق لن يكون سهلًا، لكنه لم يعد الرجل الذي يراقب من بعيد ثم يلوم نفسه على ضياع الفرص.

هذه المرة، لن يترك شيئًا للصدفة.

وفي اللحظة نفسها، كان يزيد يعيش حياته مطمئنًا، لا يعلم أن اسمه أصبح على رأس قائمة طويلة من الأسئلة، وأن صفوان بدأ بالفعل يبحث عن كل ما يمكن أن يكشف له حقيقة الرجل الذي يقف بينه وبين المرأة التي أحبها طوال تلك السنوات.

مرّت الأيام التالية ثقيلة على مهرة، فبعد تلك اللحظة التي احتواها فيها صفوان بين ذراعيه، وأخبرها أنه لن يتركها مهما حدث، كانت تتوقع أن يتغير شيء في حياتها، أن تراه يقترب منها ولو قليلًا، أن يمنحها إشارة تطمئن بها إلى أن ما حدث لم يكن مجرد لحظة اندفاع عابرة، لكنها فوجئت به يعود إلى هدوئه المعتاد، بل أصبح يتعامل معها وكأن شيئًا لم يحدث بينهما من الأساس.

كان يمر من أمامها في الصباح، يلقي عليها تحية مقتضبة، ثم ينشغل بهاتفه أو يتوجه إلى عمله دون أن يمنحها تلك النظرة التي اعتادت أن تبحث عنها في عينيه. وإذا اجتمعا على مائدة الطعام، تحدث مع خديجة في أمور عادية، وسأل والدته عن احتياجات البيت، بينما يترك مهرة في صمتها، لا يسألها عن يومها، ولا يحاول أن ينفرد بها ولو لدقائق.

في البداية، حاولت أن تقنع نفسها بأنه مشغول، وأن لديه ما يشغله عن الحديث معها، لكن الأيام توالت، وصفوان مستمر في تجاهله، حتى بدأت الحيرة تنهش قلبها. أكان قد تراجع عما قاله؟ هل ندم على احتضانه لها؟ أم أنه اكتشف أن الاقتراب منها لم يكن القرار الصحيح؟

كانت كلما تذكرت كلماته، شعرت بوجع غريب؛ فقد منحها الأمان للحظات، ثم تركها تواجه مخاوفها وحدها، دون أن تعرف ما الذي يدور في رأسه.

وفي إحدى الأمسيات، كانت تجلس في غرفتها حين رن هاتفها، فظهر اسم يزيد على الشاشة. تنهدت بضيق قبل أن تجيب، فقد أصبحت مكالماته عبئًا ثقيلًا عليها، لكنها لم تكن تملك الشجاعة الكافية لمواجهته أو إخباره صراحة بأنها لم تعد ترغب في إتمام تلك الزيجة.

ـ أيوه يا يزيد.

ـ إزيك يا مهرة؟ عاملة إيه؟

ـ الحمد لله، كويسة.

ـ صوتك مش عاجبني، مالك؟ تعبانة؟

ـ لا، بس عندي شغل كتير ومصدعة شوية.

ـ طب ما ترتاحي يا ستي، هو الشغل ده مش هيخلص؟ أنا بقالي يومين بحاول أكلمك، وكل مرة ألاقيكي مستعجلة وعايزة تقفلي. إنتِ متضايقة مني في حاجة؟

ترددت مهرة لحظة، ثم أجابت باقتضاب:

ـ لا يا يزيد، مفيش حاجة. أنا بس مضغوطة اليومين دول.

ـ طب ما تيجي نقعد مع بعض شوية، نتكلم ونخرج من جو البيت. أنا عايز أشوفك، وبعدين إحنا مش هنفضل نتكلم في التليفون طول الوقت.

شعرت مهرة بانقباض في صدرها؛ ففكرة الجلوس معه وحدهما أصبحت تؤرقها، وكلما تخيلت نفسها زوجة له، شعرت أنها تُدفع إلى حياة لا تريدها، لكنها لم تستطع أن تقول له ذلك.

ـ نشوف موضوع الخروج ده بعدين، أنا فعلًا ورايا حاجات لازم أخلصها.

تغيّرت نبرة يزيد قليلًا، وقال:

ـ بعدين إمتى يا مهرة؟ إنتِ كل ما أقولك نتقابل تقولي عندي شغل، وكل ما أكلمك تحسّسيني إنك مستنية تخلصي المكالمة. أنا مش فاهم إيه اللي حصل لك فجأة.

ـ مفيش حاجة حصلت، والله، بس أنا تعبانة ومش قادرة أتكلم دلوقتي. معلش، هقفل عشان عندي حاجة لازم أخلصها.

ولم تنتظر رده، بل أنهت المكالمة سريعًا، ثم ألقت الهاتف بجوارها، وأسندت رأسها إلى الوسادة وهي تزفر بضيق. كانت تعرف أن طريقتها لن تخفي عنه شيئًا إلى الأبد، وأنه سيأتي يوم يطالبها فيه بإجابة واضحة، لكنها لم تكن تعرف كيف ستواجهه، ولا كيف ستخبر والدها بأنها لا تريد الزواج منه بعدما أصبح الأمر شبه محسوم.

أما صفوان، فكان يراقب المشهد من بعيد دون أن يتدخل. لم يكن غافلًا عما يحدث، ولم يكن تجاهله لمهرة نابعًا من تراجع أو ندم، بل كان ينتظر أن تكتمل المعلومات التي طلبها من رجاله عن يزيد، ويعطي لمهرة مساحة أن تتأكد من داخلها أنها لا تريد يزيد، وحتى يتحرك بخطوات محسوبة لا تمنح ذلك الرجل فرصة لقلب الأمور على مهرة.

وفي اليوم التالي، كان صفوان جالسًا في مكتبه، يتابع بعض الملفات التي تراكمت عليه خلال الأيام الماضية، حين طرق أحد رجاله الباب ودخل بعدما أذن له. رفع صفوان عينيه إليه، ولاحظ من ملامحه أنه يحمل أخبارًا مختلفة عن التقارير السابقة، فأغلق الملف الذي بين يديه وأشار إليه بالجلوس.

ـ خير؟ وصلتوا لحاجة جديدة؟

وضع الرجل ملفًا أسود أمامه، ثم قال بجدية:

ـ أيوه يا صفوان بيه، ودي حاجة إحنا نفسنا اتفاجئنا بيها. إحنا بقالنا فترة مراقبين يزيد على مدار أربع وعشرين ساعة، وبنتابع تحركاته واتصالاته، وكل حاجة بيعملها تقريبًا، والنهارده قدرنا نوصل لحاجة مكنتش على بالنا خالص.

فتح صفوان الملف، وأخرج منه مجموعة من الصور، وما إن وقعت عيناه على أول صورة حتى انعقد حاجباه، ثم رفع بصره إلى الرجل من جديد.

ـ مين دي؟

ـ البنت اللي كان مرتبط بيها من أيام الجامعة يا فندم. اللي سابها من فترة، واللي كنا فاكرين إن علاقتهم انتهت تمامًا.

عاد صفوان إلى الصور، يتأملها واحدة تلو الأخرى. كانت إحداها ليزيد وهو يدخل إلى بناية سكنية، وأخرى له بصحبة الفتاة نفسها، وقد بدا من تكرار اللقاءات أنه لم يكن يزورها للمرة الأولى أو الثانية.

قال صفوان ببطء:

ـ يعني إيه؟ إنت عايز تقول لي إنهم لسه على علاقة؟

ـ أكتر من كده يا فندم. إحنا بعد ما تابعنا الموضوع كويس، اتأكدنا إن يزيد متجوز البنت دي عرفي.

ساد الصمت للحظات، حتى إن الرجل شعر بأن صفوان لم يستوعب ما سمعه بعد. أما صفوان، فظل ينظر إلى الصور بتركيز، ثم أغلق الملف نصف إغلاق، وأسند ظهره إلى مقعده.

ـ متجوزها عرفي؟

ـ أيوه يا فندم. واللي عرفناه إنه اتجوزها بعد ما أعلن إنه سابها، يعني قدام الناس هما منفصلين، لكن في الحقيقة علاقتهم مستمرة، وفي بينهم جواز عرفي.

مرّر صفوان يده على ذقنه، ثم عاد يسأل:

ـ وإنتوا متأكدين من المعلومة دي؟ أنا مش عايز استنتاجات ولا كلام منقول. عايز أعرف إيه اللي يثبت إن فيه جواز فعلًا.

ـ إحنا بنتأكد من كل التفاصيل يا فندم، وفيه معلومات وصلتنا من مصادر موثوقة، لكن لسه بنراجعها علشان نقدر نثبت كل حاجة بشكل قاطع.

أومأ صفوان برأسه، ثم أشار إلى الملف.

ـ كمّلوا شغلكم، وعايز أعرف كل حاجة تخص البنت دي، اسمها بالكامل، أهلها، شغلها، علاقتها بيزيد بدأت إزاي، وإمتى اتجوزوا. والأهم من ده كله، عايز أعرف هي عارفة إنه ناوي يتجوز مهرة ولا لأ.

تردد الرجل قليلًا قبل أن يسأل:

ـ حضرتك شايف إن جوازه من مهرة له علاقة بالموضوع ده؟

رفع صفوان عينيه إليه، وكانت نظرته تحمل قدرًا واضحًا من الحذر.

ـ أنا مش شايف حاجة لسه، أنا بسأل. لأن فيه فرق كبير بين واحد بيحب واحدة وعايز يتجوزها، وواحد متجوزها في السر، وسايبها قدام الناس، وفي نفس الوقت داخل على جوازة تانية ومتمسك بيها بالشكل ده. فيه حاجة مش راكبة، وأنا عايز أفهمها قبل ما آخد أي خطوة.

أنهى الرجل حديثه، ووعده بأنه سيعود إليه بكل ما يصلون إليه، ثم غادر المكتب، تاركًا صفوان وحده أمام الملف الذي قلب حساباته.

ظل صفوان يتأمل الصور طويلًا، ثم أمسك بإحداها، وكانت تجمع يزيد بتلك الفتاة في أحد الأماكن العامة. لم يكن في الصورة ما يثبت وحده طبيعة علاقتهما، لكنه كان يعرف الآن أن ما وراءها أكبر بكثير مما ظهر حتى اللحظة.

تمتم لنفسه:

ـ بتحبها من أيام الجامعة، واتجوزتها في السر، وبدل ما تكمل معاها رسمي، سايبها وداخل تتجوز مهرة! إيه اللي إنت مخبيه يا يزيد؟

لم يكن صفوان رجلًا يتسرع في إصدار الأحكام، ولم يكن مستعدًا لأن يتهم يزيد بشيء قبل أن يعرف حقيقته، لكنه أيضًا لم يكن من النوع الذي يتجاهل علامة مريبة حين تظهر أمامه. كان هناك سؤال واحد يلح عليه أكثر من غيره: لماذا مهرة تحديدًا؟

فلو كان يزيد يريد الزواج لمجرد الزواج، فلماذا أصر عليها؟ ولماذا لم ينهِ علاقته القديمة بصورة نهائية، ما دام قد اختار أن يبدأ حياة جديدة مع امرأة أخرى؟

أعاد الصور إلى الملف، ثم اتصل بأحد رجاله مرة أخرى.

ـ أيوه يا فندم.

ـ اسمعني كويس. عايزكم تركزوا على العلاقة بين يزيد والبنت دي بالذات. مش عايز أعرف بيتقابلوا فين وبس، عايز أعرف طبيعة علاقتهم، وهل هو اللي مخبي الجواز، ولا هي كمان بتخبيه، وهل فيه حد من أهلهم يعرف. وأي معلومة تخص سبب إصراره على مهرة، مهما كانت صغيرة، عايزها توصل لي.

ـ أوامرك يا صفوان بيه.

ـ وحاجة أخيرة، محدش يواجه يزيد، ومحدش يقرب من البنت أو يضايقها. إحنا بنجمع معلومات، مش بنهدد حد. لما أعرف الحقيقة، أنا اللي هقرر أتصرف إزاي.

أنهى المكالمة، ثم وقف أمام النافذة المطلة على المدينة. كان يستطيع أن يذهب إلى عتمان ويطلب مهرة في أي وقت، وكان واثقًا أن عتمان لن يرفض طلبه، لكن صفوان لم يكن يريد أن يبدأ حياته معها وهو يجهل حقيقة الرجل الذي كان من المفترض أن يصبح زوجها.

وفي مكان آخر، كانت مهرة تجلس إلى مائدة الإفطار، تحاول أن تبدو طبيعية رغم أن قلبها لم يعد يحتمل استمرار تجاهل صفوان لها. دخل صفوان إلى غرفة الطعام، ألقى التحية على الجميع، ثم جلس في مكانه المعتاد، وانشغل بحديث عادي مع والدته وخديجة.

رفعت مهرة عينيها إليه أكثر من مرة، منتظرة أن ينظر إليها ولو للحظة، لكنه لم يفعل. وحين انتهوا من الطعام، نهضت قبله، وحملت كوبها إلى المطبخ بحجة أنها تريد أن تساعد في ترتيب الأطباق.

لحقت بها خديجة، وما إن انفردت بها حتى سألتها:

ـ مالك يا مهرة؟ إنتِ من الصبح ساكتة كده ليه؟

ـ مفيش حاجة.

ـ مفيش حاجة إزاي؟ أنا شايفاكي، وبقالك كام يوم مش على بعضك. هو صفوان قالك حاجة ضايقتك؟

توقفت مهرة عن ترتيب الأطباق، ثم نظرت إليها بعينين امتلأتا بالحيرة.

ـ هو صفوان أصلًا بيكلمني علشان يضايقني؟ ده بقى بيتعامل معايا كأني مش موجودة. أنا مش فاهمة عملت إيه، ولا إيه اللي اتغير فجأة. يوم ما اتكلمنا حسسني إنه مش هيسيبني، وإنه عايزني أكون معاه، وبعدها رجع كأنه ما قالش أي حاجة.

تنهدت خديجة، وكانت تعرف أن صمت أخيها يؤلم مهرة، لكنها لم تكن تستطيع أن تكشف لها ما يجري خلف الكواليس.

ـ يمكن عنده حاجة شاغلاه يا مهرة.

ابتسمت مهرة ابتسامة حزينة، ثم عادت إلى ترتيب الأطباق.

ـ وأنا مالي بكل ده؟ هو اللي قال لي الكلام ده، وهو اللي حضني ووعدني. أنا ما طلبتش منه حاجة، ولا رحت له وقلت له إنه لازم يحبني. أنا بس صدقته، ودي يمكن أكبر غلطة عملتها.

تأثرت خديجة بكلماتها، واقتربت منها لتحتضنها، لكن مهرة تراجعت خطوة وهي تمسح دمعة تسللت إلى خدها.

ـ مش عايزة أتكلم في الموضوع ده تاني يا خديجة. خليني ساكتة أحسن، على الأقل السكوت مش هيوجعني أكتر من كده.

خرجت من المطبخ، تاركة خديجة تنظر خلفها بحزن. كانت تعرف أن صفوان لا يتجاهل مهرة لأنه نسي وعده، لكن ما لم تكن تعرفه هو ما الذي سيكتشفه أخوها عن يزيد، ولا كيف ستتغير الأمور حين تظهر الحقيقة كاملة.

أما صفوان، فكان قد اتخذ قراره: لن يواجه يزيد قبل أن يعرف سر زواجه العرفي، ولن يسمح في الوقت نفسه بأن تتحول مهرة إلى ضحية أخرى بسبب رجل لم يكشف بعد عن وجهه الحقيقي.

لم يستطع صفوان أن يتجاهل ما اكتشفه عن يزيد، فكلما أعاد التفكير في الأمر، ازداد اقتناعًا بأن إصراره على الزواج من مهرة لم يكن بدافع الحب وحده، وأن وراء هذا الإصرار حسابات لم تتضح له بعد. لذلك قرر أن يصل إلى الحقيقة من مصدرها، وأن يقابل الفتاة التي تزوجها يزيد عرفيًا، بعيدًا عن أعين الناس، قبل أن يتخذ أي خطوة.

طلب من رجاله تحديد موعد مناسب للقائها، وأخبرهم أنه سيتولى الأمر بنفسه. لم يكن يريد أن يرسل أحدًا ليتحدث معها نيابة عنه؛ فهناك أسئلة لن يحصل على إجاباتها إلا إذا جلس أمامها ونظر في عينيها وهو يستمع إلى ما ستقوله.

وفي المساء، اختار مكانًا هادئًا بعيدًا عن الزحام، وجلس ينتظر وصولها. وبعد دقائق، دخلت الفتاة بصحبة أحد رجاله الذي أرشدها إلى الطاولة، ثم تركهما وانصرف. كانت تبدو متوترة في البداية، تنظر إليه بحذر، وكأنها تحاول أن تفهم لماذا طلب مقابلتها رجل لا تعرفه، لكنه لم يتركها طويلًا في حيرتها.

ـ أنا صفوان القحطاني، وعايز أتكلم معاكي في موضوع يخص يزيد.

تغيرت ملامحها فور سماع اسمه، لكنها حاولت أن تخفي ارتباكها، وجلست في المقعد المقابل له وهي تقول:

ـ يزيد؟ خير، هو حصل له حاجة؟

ـ لا، هو كويس. بس أنا عرفت إنك متجوزاه عرفي، وعرفت كمان إنه ناوي يتجوز واحدة تانية اسمها مهرة. عايز أعرف إذا كنتِ تعرفي الموضوع ده ولا لأ.

ضحكت الفتاة ضحكة قصيرة خالية من أي فرح، ثم أشاحت بوجهها عنه، نظرت أمامها على مفرش الطاولة وأومأت برأسها.

ظل صفوان يراقب رد فعلها، محاولًا أن يعرف إن كانت تتظاهر بالجهل أم أنها فوجئت فعلًا، ثم قال:

ـ أنا مش جاي أحقق معاكي، ولا يهمني تفاصيل حياتك الشخصية. لكن مهرة بالنسبة لي مش مجرد واحدة يزيد ناوي يتجوزها، وأنا محتاج أفهم هو عايز منها إيه. لو عندك معلومة تساعدني، هتكوني مستفيدة وأنا كمان هعرف أتصرف على أساس الحقيقة.

فتح حقيبته وأخرج ظرفًا سميكًا، ثم وضعه على الطاولة ودفعه نحوها.

ـ المبلغ ده ليكي، ومش تمن كلامك، ولا هطلب منك تقولي حاجة مش حقيقية. أنا مستعد أساعدك، لكن في المقابل عايز إجابات واضحة عن أسئلتي. ولو عندك دليل على أي حاجة هتقوليها، يبقى أفضل.

نظرت الفتاة إلى الظرف طويلًا، ثم رفعت عينيها إليه. كان واضحًا أنها تفكر في الأمر، لكنها لم تكن مترددة بقدر ما كان متوقعًا؛ فقد عاشت مع يزيد ما يكفي لتعرف أن الوعود لا تعني شيئًا عنده، وأنها قد تصبح في لحظة واحدة شخصًا زائدًا عن حاجته.

مدت يدها وأخذت الظرف، ثم وضعته في حقيبتها وقالت بمرارة:

ـ أنا هاخد الفلوس، ومش هكدب عليك، مش عشان أنا طماعة، لكن عشان أنا عارفة إن يزيد ممكن يبيعني في أي لحظة عشان مصلحته، زي ما عمل قبل كده. الراجل ده عمره ما كان شايفني أهم من نفسه، وأنا لو فضلت مستنية منه يختارني، هفضل طول عمري مستنية.

لم يعلق صفوان، بل تركها تتحدث، فاستطردت وهي تنظر إليه مباشرة:

ـ إنت عايز تعرف هو ليه عايز يتجوز مهرة؟ هقولك. يزيد بيضرب عصفورين بحجر، ويمكن تلاتة كمان، لأنه عمره ما بياخد خطوة من غير ما يحسب هو هيكسب منها إيه.

عقد صفوان حاجبيه وقال:

ـ وضحي كلامك.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت تتحدث وكأنها تزيح حملًا ظل جاثمًا على صدرها طويلًا.

ـ يزيد من زمان وهو عنده مشكلة مع أبوه وأخوه. أبوه هو صاحب الكلمة في كل حاجة، وأخوه هو اللي المفروض يمسك الشغل من بعده، وده عامل له أزمة؛ لأنه شايف نفسه أحق بمكانة أكبر، ومش عاجبه إنه يفضل طول عمره في ضل أخوه. هو عايز يبقى صاحب قرار، والناس تحسب له حساب، ويبقى عنده شغل باسمه ومكانة محدش يقدر يقلل منها، لأن يزيد بيدخل مشاريع أكتر منه للشركة.

مال صفوان قليلًا إلى الأمام، وقد بدأ يربط بين ما يسمعه وبين إصرار يزيد على الزواج من مهرة.

ـ وإيه علاقة مهرة بالكلام ده؟

ـ علاقتها كبيرة. مهرة بنت عتمان، وإنت أكيد عارف إن عتمان مش راجل عادي، وإن عنده علاقات ومشاريع ونفوذ. يزيد شايف إن جوازه من مهرة ممكن يقربه من أبوها، ويفتح له أبواب عمره ما كان هيعرف يوصل لها لوحده. لو قدر يدخل مع عتمان في مشاريع، ويكسب ثقته، ممكن يبقى له مكان عنده، ومع الوقت يبقى هو اللي ماسك كل حاجة، أو على الأقل يبقى ليه نصيب كبير في الشغل والقرارات.

صمتت لحظة، ثم أضافت بنبرة أكثر وضوحًا:

ـ بس هو مش حاطط كل أمله في إنه يمسك شغل أبوه. هو عامل حساب لكل الاحتمالات. لو أبوه مات أو قرر يسيب الإدارة لأخوه، يزيد وقتها ممكن يقول إنه مش محتاج يفضل تحت جناح العيلة، ويبدأ شغل منفصل، ويستغل علاقات أهل مهرة عشان يدخل مشاريع جديدة ويكبر بسرعة. يعني في الحالتين هو كسبان، سواء قرب من أبوه عن طريق عتمان، أو خرج من جلباب أخوه وفتح لنفسه طريق لوحده.

ظل صفوان صامتًا، وعيناه ثابتتان عليها، بينما راحت تتكشف أمامه الصورة التي كان يحاول فهمها منذ قرأ التقرير الأول.

ـ يعني إنتِ شايفة إنه مش عايز مهرة عشان بيحبها؟

هزت رأسها نافية، ثم قالت بلهجة حاسمة:

ـ أنا مش هقدر أقول لك إنه عمره ما حس بحاجة ناحيتها، لأن أنا مش جوه قلبه، لكن اللي أعرفه إن يزيد عمره ما كان بيعمل حاجة من غير مصلحة. حتى علاقتنا أنا وهو، اللي بدأت من أيام الجامعة، انتهت بالطريقة اللي هو اختارها، ولما احتاجني تاني رجع لي في السر واتجوزني عرفي. قدام الناس سابني، وقدام أهله بيتصرف كأنه راجل فاضي يختار البنت اللي تناسبه. هو عايز يحتفظ بيا وقت ما يحتاجني، وفي نفس الوقت يفتح لنفسه باب أكبر من خلال مهرة.

اشتدت ملامح صفوان، لكنه حافظ على هدوئه وهو يسأل:

ـ طب وإنتِ وافقتِ على الجواز العرفي ليه، وإنتِ عارفة إنه ممكن يعمل فيكي كده؟

خفضت الفتاة عينيها للحظات، ثم أجابت بصوت أقل حدة:

ـ عشان كنت بحبه، وكنت فاكرة إنه مهما حصل هيرجع لي في الآخر. كنت بقول لنفسي إنه مضغوط، وإنه لما ظروفه تتحسن هيعلن جوازنا، لكن كل مرة كان يطلب مني أصبر شوية، وأنا أصدقه. لحد ما فهمت إن الصبر بالنسبة له معناه إني أفضل موجودة في حياته من غير ما يكون ملزوم بيا قدام حد.

ثم رفعت رأسها وأضافت:

ـ ولما عرفت إنه ناوي يتجوز مهرة، ما استغربتش قد ما اتأكدت إني كنت صح. هو مش بيختار واحدة ويكتفي بيها، هو بيختار اللي يقدر يوصله للمكان اللي عايزه، ولو لقى طريق تاني أفضل، ممكن يسيب الأول من غير ما يبص وراه.

ظل صفوان يفكر في كلماتها. لم يكن ما سمعه دليلًا قاطعًا على كل نوايا يزيد، لكنه كان تفسيرًا منطقيًا يفسر جانبًا كبيرًا من إصراره على الزواج من مهرة، ويكشف أن الأمر قد يكون أخطر من مجرد ارتباط لا يرغب فيه أحد الطرفين.

قال أخيرًا:

ـ الكلام اللي بتقوليه مهم، بس أنا محتاج أعرف إذا كان عندك حاجة تثبت إن دي خطته فعلًا. رسائل، كلام قاله لك، أي حاجة توضح إنه بيتكلم عن الجواز من مهرة باعتباره وسيلة لمصلحته.

أجابت الفتاة بعد تردد قصير:

ـ فيه كلام كتير اتقال بيني وبينه، وأنا ممكن أراجع رسايلنا وأشوف اللي عندي. بس عايزاك تفهم حاجة يا أستاذ صفوان، أنا مش مستعدة أتحمل نتيجة إن يزيد يعرف إني اتكلمت. الراجل ده لما بيحس إن حد ممكن يعطله، بيقلب عليه، ومش بيفكر إذا كان الشخص ده يستاهل اللي هيفعله فيه ولا لأ.

رد صفوان بثبات:

ـ أنا مش هطلب منك تعملي حاجة تعرضك للخطر، ومش هسمح لحد يضايقك بسبب الكلام ده. لكن لو عندك دليل، لازم نتأكد منه قبل ما نواجهه. أنا مش هظلم حد، وفي الوقت نفسه مش هسمح إن مهرة تدخل جوازة مبنية على حسابات ومصالح وهي مش عارفة الحقيقة.

ـ تمام، هبعت لك الورقة العرفي مع رجالتك وعليها إمضته وإمضة شهود، بس بشروط.

ـ إيه هي؟

ـ عايزة شقة في مكان بعيد ومحافظة تانية، بحيث أبدأ من جديد بعيد عن يزيد وما يعرفش عني حاجة.

انتهى اللقاء بعدما اتفقا على أن تراجع الفتاة ما لديها من رسائل وأدلة وترسلها له مع قسيمة الزواج العرفي. غارت المكان وهي تحمل الظرف في حقيبتها، بينما بقي صفوان جالسًا لبعض الوقت، يستعيد تفاصيل الحوار كلمة كلمة.

كان يستطيع الآن أن يذهب إلى عتمان ويطلب يد مهرة، لكنه لم يكن يريد أن يكتفي بإبعاد يزيد عنها؛ بل أراد أن يعرف إلى أي مدى وصل تخطيطه، وما الذي قد يفعله إذا شعر أن مشروع زواجه منها ينهار أمام عينيه.

نهض أخيرًا، وأخرج هاتفه، ثم اتصل برجاله.

ـ عايزكم تكمّلوا مراقبة يزيد، وتركزوا على أي تحركات تخص شغله أو علاقته بأهله. وكمان تابعوا موضوع المشاريع اللي بيتكلم عنها، من غير ما حد يتدخل أو يلفت نظره. أنا عايز أعرف هل اللي قالته البنت دي مجرد توقعات منها، ولا يزيد فعلًا بيخطط إنه يستغل جوازه من مهرة علشان يحقق أهدافه.

أنهى المكالمة، واتجه إلى سيارته، وقد حسم أمره في شيء واحد: لن يترك مهرة تواجه يزيد وحدها، ولن يسمح له بأن يحوّل حياتها إلى صفقة جديدة يربح منها كلما احتاج إلى ذلك. لكن قبل أن يكشف الحقيقة، كان عليه أن يتأكد منها كاملة، لأن ما ينتظره قد لا يكون مجرد رفض زواج، بل مواجهة مع رجل اعتاد أن يحسب مكاسبه قبل أن يفكر في عواقب أفعاله.


تعليقات