رواية الي ان نفترق الفصل السابع عشر 17 بقلم رقية الأنصاري

 

 

 

 


رواية الي ان نفترق الفصل السابع عشر بقلم رقية الأنصاري


رجعت من المطار، وطول الطريق تقريبًا كنت ساكتة… وكل شوية أبص للموبايل كأني مستنية خالد يبعتلي كل دقيقة رغم إني عارفة إنه لسه أصلًا يا إما في الطيارة يا إما بيخلص حاجاته، وإن قدامه وقت طويل قبل ما يوصل لندن ويدخل السكن ويستقر ويعرف يكلمني براحة. 

يمكن عشان كده كانت الساعات دي أبطأ من أي وقت عدى عليا من ساعة ما عرفنا بعض، لأن حتى الفيديو كول اللي كنت معلقة عليه أملي ماكانش ينفع يحصل دلوقتي، وكل اللي عندي كام رسالة سريعة منه قبل الإقلاع.

لما وصلت عند البيت كنت خلاص هديت شوية، أو على الأقل بقيت قادرة أتنفس من غير ما أحس إني هعيط كل دقيقة…طارق أصر يطلع  لحد باب العمارة، ويوسف كان مصمم يتأكد إني داخلة البيت فعلًا مش هقف تحت وأرجع المطار مثلًا، وفضلوا يهزروا لحد ما وقفت قدامهم عند المدخل.

_ خلاص، أنا وصلت.

يوسف بصلي بشك.

_ هتدخلي؟

= لأ هنام في الشارع.

_ عادي متوقع منك أي حاجة النهارده.

ضحكت، وطارق قال:

_ لو احتجتي حاجة كلمينا، انتي عارفة اننا أخواتك يا ليليا بجد مش هزار.

= حاضر.

مشيوا ودخلت، وأول ما باب العمارة اتقفل ورايا حسيت بالهدوء بينزل عليا مرة واحدة... طول الطريق كان في ناس حواليا وكلام وصوت العربية، لكن دلوقتي كل حاجة هديت، وأنا فجأة افتكرت إن لما أطلع فوق وأفتح باب الشقة مفيش حد مستنيني.

طلعت بالاسانسير، وكل دور كان بيعدي قدامي ببطء مستفز…لما وصلت فتحت الباب ودخلت، وأول حاجة عملتها من غير تفكير إني بصيت ناحية الصالة كأني متوقعة ألاقي خالد قاعد هناك، رغم إني بنفسي سيبته من ساعات في المطار. 

قفلت الباب ورايا وحطيت شنطتي على الكرسي، وبعدها وقفت في نص البيت ساكتة، والمكان اللي كنت متعودة عليه من شهور فجأة بقى واسع زيادة عن اللزوم.

مكنتش عايزة أعيط تاني، يمكن عشان حاسة إني عيطت بما فيه الكفاية النهارده، فبدل ما أقعد أفكر دخلت غيرت هدومي، وبعدها حاولت أشغل نفسي بأي حاجة…رتبت حاجات كانت أصلًا مترتبة، دخلت المطبخ وفتحت التلاجة وقفلتها، عملت لنفسي حاجة بسيطة آكلها وخدت منها لقمتين بس، وبعدها رجعت الصالة وأنا ماسكة الموبايل.

كانت فيه رسالة من خالد قبل الإقلاع:

ركبت.

وبعدها:

خلي بالك من نفسك لحد ما أكلمك.

قعدت أبص للكلمتين فترة أطول من المفروض، وبعدها كتبت:

وانت كمان.

طبعًا مفيش رد، وكنت عارفة إن مفيش رد، لكن برضو فضلت باصة شوية قبل ما أقفل الشاشة.

قعدت على الكنبة وحاولت أتفرج على حاجة، لكن بعد عشر دقايق اكتشفت إني مش عارفة حتى إيه اللي شغال قدامي…كل شوية أبص للساعة وأحسب في دماغي الرحلة هتاخد قد إيه، وبعدها المطار هناك، وبعدها الطريق للسكن، وبعدها لازم يدخل ويستلم المكان ويحط شنطته ويمكن ياكل حاجة، يعني منطقي جدًا إنه مش هيكلمني قريب، ومع ذلك كنت مستنية.

في الآخر قمت دخلت الأوضة، وأول ما شفت السرير حسيت قلبي اتشد…الناحية اللي كان نايم فيها امبارح لسه شكلها مختلف سنة، والمخدة نفسها مكانها، فبدل ما ألمسها أو أعمل أي حاجة درامية زي اللي عقلي كان بيقترحها، لفيت وخرجت تاني وأنا بقول لنفسي إني مش هبدأ الشهرين من أول ساعة بالشكل ده.

منة بعتتلي بعدها بشوية:

روحتي؟

رديت:

آه.

اخبارك إيه؟

فضلت أكتب وأمسح قبل ما أبعت:

كويسة.

ردت فورًا:

اكيد كدابة.

ضحكت رغمًا عني وكتبت:

يعني شوية.

عايزاني أجيلك؟

بصيت للرسالة، وكنت فعلًا محتاجة حد يقعد معايا، لكن في نفس الوقت كنت حاسة إني محتاجة أول ليلة دي أعيشها لوحدي شوية وأستوعب.

لأ يا حبيبتي، أنا كويسة بجد…خالد لما يوصل هيكلمني.

لو احتجتي أي حاجة رني.

حاضر.

عدى وقت طويل بعدها، يمكن ساعتين أو أكتر، وأنا بين الصالة والأوضة والموبايل…بعد فترة وصلتني رسالة منه:

وصلت لندن.

قلبي اتحرك فورًا، وكتبت بسرعة:

الحمد لله.

رد:

لسه في الطريق للسكن، أول ما أدخل هكلمك.

كتبت:

براحتك، متستعجلش.

رد بعدها:

مشتاقلك أصلًا وأنا لسه ما دخلتش.

ابتسمت وأنا حاسة دموعي هتنزل تاني، فكتبت:

وأنا كمان.

من بعد الرسالة دي الوقت بقى أهدى شوية، يمكن عشان عرفت إنه وصل بالسلامة…عملت شاي بدل القهوة، وقعدت في الصالة وأنا مستنية المكالمة، وبعد وقت طويل فعلًا، بعد ما كنت خلاص بدأت أحس إني ممكن أنام من التعب، الموبايل رن فيديو كول.

أول ما شفت اسمه على الشاشة قلبي ضرب بطريقة سخيف... رديت بسرعة، ووشه ظهر قدامي بعد ثواني. كان واضح عليه التعب، شعره متلخبط شوية، وورا ظهره أوضة بسيطة ولسه الشنطة مفتوحة على الأرض.

فضلت باصاله ثانيتين من غير ما أتكلم، وهو كمان فضل باصلي، وبعدها ابتسم.

_ مساء الخير من لندن.

ضحكت وأنا حاسة عيني بتلمع.

= وصلت؟

_ أهو قدامك.

= دخلت السكن خلاص؟

_ من حوالي ربع ساعة.

= ليه ما كلمتنيش أول ما دخلت؟

رفع حاجبه.

_ كنت داخل بالشنطة في إيد والحاجات في الإيد التانية، أعمل فيديو كول برجلي؟

ضحكت.

= رخم.

ابتسامته هديت وهو يبصلي كويس.

_ انتي عيطتي تاني؟

هزيت راسي بسرعة.

= لأ.

_ ليليا.

= شوية.

_ شوية دي قد إيه؟

= مش مهم.

_ عينيكي وارمة.

= من لما عيطت في المطار بس.

_ لأ، في زيادة.

بصيت بعيد عن الشاشة.

= البيت وحش من غيرك من اول ساعة.

ملامحه هديت فورًا، وسكت ثانية قبل ما يقول:

_ وأنا أول ما دخلت هنا حسيت إني كنت غبي لما قولت لنفسي هتعود.

بصيتله.

= يعني إنت متضايق؟

ضحك بخفة.

_ جدًا.

= طب كويس.

_ كويس؟

= عشان ما أبقاش أنا بس.

_ لا يا حبيبتي، متقلقيش، إحنا الاتنين في نفس المصيبة.

ابتسمت، وبعدها هو لف الكاميرا سنة.

_ شوفي، دي الأوضة، وده المكتب، ودي الشنطة اللي انتي حطيتي فيها نص دولابي.

= أنا قولتلك خد حاجتك كويس.

_ عندي أربع جاكيتات يا ليليا.

= يمكن تحتاجهم.

_ دول شهرين مش هجرة.

= اسكت.

ضحك ورجع الكاميرا على وشه، وبعدها قعد على طرف السرير.

_ أكلتي؟

بصيتله.

= اه شوية.

_ شوية دي إيه؟

= لقمتين كده.

_ ليليا.

= والله ماكانش ليا نفس.

_ قومي كلي حاجة.

= دلوقتي؟

_ آه دلوقتي.

= أنا تعبانة.

_ وأنا عارف، بس مش هنام وإنتي ماكلتيش ايه رأيك بقى.

ضحكت.

= هو إنت هتتحكم في أكلي من وانا في بلد تانيه كمان؟

_ آه، وبكل سهولة.

= مستفز.

_ طب قومي.

اتنهدت، لكن قمت فعلًا وأنا ماسكة الموبايل، ودخلت المطبخ…خالد فضل معايا على الفيديو وأنا بطلع أي حاجة بسيطة، وبعد ما قعدت آكل رجعتله.

= مبسوط؟

_ جدًا.

= دي أول ليلة وإنت صدعتني.

_ استحملي شهرين.

بصيتله بغيظ.

= ما تفكرنيش بقى.

ابتسامته هديت.

_ أنا آسف.

سكتنا شوية، وبعدها قلت:

= خالد.

_ نعم؟

= وحشتني.

ملامحه اتغيرت فورًا، والضحك اختفى.

_ وانتي كمان، أكتر مما توقعت.

= إحنا بقالنا كام ساعة بس.

_ ما أنا عارف ماهي المصيبة.

فضلنا نتكلم وقت طويل، عن الطريق، وعن السكن، وعن الاجتماع الأول عنده بكرة، وعن شغلي أنا، لحد ما التعب بدأ يغلبني وأنا ماسكة الموبايل.

خالد خد باله.

_ انتي هتنامي؟

= حاسة كده.

_ روحي السرير.

= مش عايزة أقفل.

سكت ثانية، وبعدها قال ببساطة:

_ ما تقفليش.

بصيتله.

= يعني؟

_ روحي نامي وسيبي المكالمة شغالة.

ابتسمت غصب عني.

= وهتفضل فاتح؟

_ آه.

= لحد ما أنام؟

_ لحد ما تنامي.

دخلت الأوضة وأنا ماسكة الموبايل، وحطيته على الكومود بحيث أشوفه، وبعدها دخلت تحت الغطا. أول ما نمت على الناحية بتاعتي بصيت للناحية الفاضية جنبي، وخالد واضح إنه لاحظ عيني راحت فين.

_ بصيلي.

رجعت بصيت للشاشة.

_ أنا هنا.

ابتسمت.

= دي شاشة.

_ معلش، مؤقتًا.

= بس مش زيك.

_ عارف.

سكت شوية، وبعدها قال:

_ غمضي عينيكي.

= مش عايزة.

_ ليليا.

= همم؟

_ أنا هفضل معاكي لحد ما تنامي، نامي.

فضلت باصاله شوية، وبعدها غمضت عيني فعلًا…كنت سامعة صوته كل شوية يسألني إذا كنت نمت، وأنا أرد بنص كلمة، لحد ما في آخر مرة ما رديتش أصلًا.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

أول كام يوم عدوا أصعب من ما كنت متوقعة، لكن في نفس الوقت أسرع من ما كنت خايفة. 

يمكن عشان الشغل فعلًا كان واخدني، ويمكن عشان أنا وخالد من أول يوم عملنا نظام غريب بينا من غير ما نتفق عليه رسميًا. 

أول ما أصحى ألاقي رسالة منه، ولو هو صحي قبلي يبعتلي صورة القهوة أو صورة من الشباك، ولو أنا صحيت قبله أبعتله أي حاجة سخيفة عشان أول ما يفتح يشوفها.

اليوم التاني بعتلي صورة لكوباية قهوة وكتب:

صباح الخير من المدينة اللي سرقتني منك.

رديت:

رجع نفسك بقى.

كتب:

هحاول.

وبعدها:

صباح الخير يا مراتي.

فضلت مبتسمة للموبايل فترة قبل ما أرد:

صباح النور يا جوزي.

الجملة نفسها كانت كفاية تغير مود يوم كامل.

الشغل عندي بدأ فعلًا ياخد منحنى أصعب، المشروع الجديد محتاج تركيز واجتماعات كتير، ومنة كانت معايا أغلب الوقت، وكل ما تلاقيني سرحت في الموبايل تبصلي النظرة اللي بقت محفوظة.

_ خالد؟

= آه.

_ غريبة.

= ايه مالك؟

_ ولا حاجة، بس انتي بقيتي مبتسمة للموبايل بشكل يجيب الضغط.

= غيرانة؟

_ جدًا، نفسي حد يبعتلي يسألني أكلتي؟ كل ساعتين.

ضحكت.

= ربنا يرزقك.

_ لأ شكرًا أنا مرتاحة كده.

وفي لندن خالد كان يومه أطول مني تقريبًا…الاجتماعات عنده كانت بتبدأ بدري، وفي أيام كان يرجع السكن متأخر، لكن برغم كده ما كانش بيسيب يوم يعدي من غير ما يكلمني…أوقات عشر دقايق بس، وأوقات ساعة كاملة، وأوقات نفتح الفيديو وكل واحد يكمل حاجة عنده لمجرد إننا شايفين بعض.

في تالت يوم مثلًا كنت قاعدة بخلص شغل على اللابتوب، والموبايل مسنود قدامي وخالد ظاهر على الشاشة بيكتب حاجة عنده.

= إنت ساكت ليه؟

رفع عينه.

_ بشتغل.

= طب اقفل.

_ لا.

= ليه؟

_ عايز أشوفك.

= ما إنت مش باصصلي أصلًا.

_ ببص كل شوية.

ضحكت.

= ده انت غريب.

_ إنتي اللي قولتيلي ما أبعدش.

سكت لحظة وأنا بابتسم.

= صح.

_ أهو، يبقى اسكتي وسيبيني أشوف شغلي.

= يا سلام.

لكن رغم إننا لقينا طريقة، كان في لحظات بتثبت إن الشاشة مش بديل كفاية…أول مرة صحيت من النوم ومديت إيدي تلقائيًا ناحية جنبه وما لقيتهوش، فضلت ثواني مش فاهمة أنا ليه حاسة بالفراغ بالشكل ده…وأول مرة هو رجع السكن بعد يوم طويل وبعتلي فويس قال فيه:

أنا عايز أرجع البيت…ممكن تشوفيلي حل؟

سمعته أكتر من مرة قبل ما أرد عليه:

ده بيتك برضو.

رد:

لا، البيت اللي انتي فيه.

فضلت الرسالة دي معايا طول اليوم.

••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

كنت متوقع إني هشتاق لليليا، لكن ماكنتش متوقع إن الموضوع هيظهر في كل تفصيلة صغيرة بالشكل ده…الشغل نفسه كان ممتاز، والمشروع فعلًا يستاهل إني أكون هنا، وده ريحني من ناحية القرار، لكن كل ما يحصل حاجة أول شخص ييجي في دماغي أحكيهاله هي. 

أول اجتماع يخلص، أول موقف يضحكني، أول مرة أرجع السكن متأخر، حتى أول مرة أشوف حاجة أعرف إنها كانت هتعجبها، إيدي تروح للموبايل تلقائيًا.

أكتر وقت كان صعب هو بعد ما أرجع…طول اليوم أنا مشغول والناس حواليا، لكن أول ما أدخل السكن وأقفل الباب، الهدوء يضرب مرة واحدة... في برشلونة كنت أرجع ألاقي صوتها، أو ريحتها في البيت، أو شنطتها مرمية على الكرسي، أو حتى أسمعها بتتحرك في الأوضة، دلوقتي كل اللي عندي شاشة.

في رابع يوم كنت راجع متأخر، وأول ما دخلت فتحت شات ليليا. آخر رسالة منها كانت من ساعة تقريبًا:

إنت خلصت؟

رديت:

دلوقتي.

ما ردتش، فكتبت:

نمتي.

استنيت شوية، وبعدها اتصلت فيديو…ما ردتش أول مرة، فاتصلت تاني…بعد شوية ظهرت على الشاشة وشعرها متلخبط وعينيها نص مقفولة.

= ألو؟

ضحكت.

_ صحيتك؟

= اه.

_ خلاص روحي .

= عادي.

_ كنتي مستنياني؟

فتحت عينها أكتر.

= آه.

_ ليه ما قولتيليش إنك هتنامي؟

= استنيتك لحد ما نعست، وبعدها قولت خلاص.

_ أنا آسف.

= خالد عادي ده شغل.

_ لأ، أنا قولتلك هكلمك.

= ما إنت بتكلمني أهو.

كان ممكن أعديها، لكن أنا كنت سامع من صوتها إنها زعلانة حتى لو شوية.

_ زعلانة؟

= لأ.

_ ليليا.

سكتت.

_ شوية.

اتنهدت.

_ حقك عليا.

= أنا والله مش قصدي أضغط عليك، أنا عارفة إنه مش بإيدك.

_ عارف، بس كان ممكن أبعتلك إني هتأخر بدل ما أسيبك مستنياني.

= خلاص والله.

_ لأ، مش خلاص عشان أقولها وخلاص، أنا هعمل كده من بكرة.

بصتلي وهي شبه نايمة.

= إنت تعبان؟

_ جدًا.

= طب نام.

_ وانتي؟

= هنام.

_ طب نامي وأنا معاكي.

ابتسمت.

= تاني؟

_ كل يوم لو عايزة.

حطت الموبايل على الكومود، وبعدها دخلت تحت الغطا، وأنا عملت نفس الحاجة…فضلنا كام دقيقة ساكتين، وبعدها سمعتها تقول:

= خالد.

_ نعم؟

= وحشتني.

غمضت عيني للحظة.

_ وإنتي وحشتيني بطريقة مستفزة.

ضحكت.

= تصبح على خير.

_ وانتي من أهله يا حبيبتي.

من اليوم ده بقيت حتى لو داخل meeting أو مشغول أبعتلها جملة واحدة لو هتأخر، وهي كمان بدأت تفهم إن في أيام مش هنعرف نتكلم براحتنا. 

كان البعد بيختبرنا في حاجات صغيرة، بس الفرق إننا المرة دي ما كناش بنسيب الحاجة الصغيرة تكبر لوحدها.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

بعد أول أسبوع تقريبًا بدأت آخد على شكل الأيام، مش بمعنى إن خالد بقى مش واحشني، بالعكس، لكن بقيت أعرف إني هصحى ألاقي رسالته، وهخلص الشغل غالبًا أكلمه، ولو اتأخر مش معناه إنه نسي أو إن المسافة كبرت فجأة. 

منة وهاجر بقوا فعلًا يمروا عليا كتير، وأحيانًا نقعد بعد الشغل في كافيه قريب أو يجوا البيت، وكان واضح جدًا إن خالد عامل شبكة مراقبة كاملة من غير ما يقوللي.

في مرة منة جت عندي بعد الشغل، وأول ما دخلت قالت:

_ أنا جاية بأمر مباشر.

بصيتلها.

= نعم؟

_ جوزك قالي اجي أأكلك.

فتحت بوقي.

= هو كلمك؟!

ضحكت.

_ بعتلي الصبح.

= والله لأقتله.

_ من لندن؟

= لما يرجع.

فتحت الشات بسرعة وبعتله:

إنت بتوصي منة عليا؟

رد بعد دقايق:

آه.

ليه؟

عشان بتنسي تاكلي لما تتشغلي.

أنا كبيرة.

ما أنا عارف.

ومش محتاجة مراقبة.

عارف برضو.

أمال؟

بحبك.

فضلت باصة للرسالة، ومنة كانت قاعدة قدامي مستنية.

_ رد قالك إيه؟

قفلت الموبايل.

= مالكيش دعوة.

ضحكت.

_ قالك بحبك صح؟

بصيتلها بغيظ.

= والله كلكم مستفزين.

في يوم تاني رجعت من الشغل مرهقة جدًا، وكنت فعلًا مش قادرة أفكر في الأكل…أول ما دخلت البيت رميت الشنطة وقعدت على الكنبة، وبعد حوالي عشر دقايق جالي منه:

افتحي الباب.

بصيت للرسالة باستغراب.

إيه؟

افتحي الباب.

قمت وأنا مش فاهمة، ولما فتحت لقيت دليڤيري واقف ومعاه أكل من المكان اللي بحبه…أخدت الحاجة، قفلت الباب، واتصلت بخالد فورًا.

رد وهو بيضحك.

_ وصل؟

= إنت اللي عامل ده؟

_ لا.

= خالد.

_ كنت عارف إنك هترجعي مهدودة النهارده ومش هتاكلي.

= عرفت منين؟

_ من صوتك الصبح، ومن إنك قولتي عندكم تسليم.

بصيت للكيس وبعدها للشاشة.

= إنت في بلد تانية ولسه مصدعني هنا.

_ دي وظيفتي.

ابتسمت.

= شكرًا.

_ كلي بس.

= بحبك.

سكت ثانية، وبعدها ابتسامته ظهرت بشكل هادي.

_ وأنا بموت فيكي.

قعدت آكل وهو معايا على الفيديو، ولأول مرة حسيت إن المسافة رغم إنها موجودة، إحنا بنحاول نكسرها بأي حاجة صغيرة نقدر عليها.

عدى أسبوع تاني، وبعده جزء من التالت، وبقينا تقريبًا عاملين نظام محفوظ. 

لو خالد صحي قبلي يبعتلي صباح الخير، ولو أنا صحيت قبله أبعتله…وقت الظهر رسائل سريعة، وبعد الشغل مكالمة لو قدرنا، ولو اليوم طويل نخلي المكالمة قبل النوم…وفي أيام فضلنا فاتحين الفيديو وإحنا كل واحد بيعمل حاجة مختلفة لمجرد إن الصورة موجودة.

وفي الفترة دي بدأت أحس بتعب زيادة شوية، بس ماخدتش الموضوع بجدية…المشروع فعلًا كان مطلع عيني، والنوم ساعات قليل، وفوق ده كله أنا لسه مش متعودة أنام كويس من غير خالد…في الأول كان مجرد إرهاق، وبعدها بقيت أصحى مش طايقة أقوم من السرير، وفي يوم كنت بعمل قهوتي الصبح كعادتي، وأول ما ريحتها طلعت قدامي حسيت نفسي اتقفلت منها بشكل غريب.

بعدت الكوباية عني وبصيتلها باستغراب.

منة كانت معايا بعدها بساعات في الشغل، ولما شافتني من غير القهوة قالت:

_ فين قهوتك؟

= مش طايقاها.

فتحت عينيها.

_ انتي؟

= آه.

_ دي علامة نهاية العالم.

ضحكت.

= يمكن معدتي تعبانة.

_ أكلتي الصبح؟

= شوية.

_ شوية دي رجعت تاني؟

= يا بنتي أنا كويسة.

هزت راسها، وأنا فعلًا ما اهتمتش.. بعد يومين حصلتلي دوخة بسيطة وأنا واقفة قدام المكتب، مسكت طرفه بسرعة لحد ما عدت، ومنة كانت أقرب واحدة ليا وخدت بالها فورًا.

_ ليليا؟

= أنا كويسة.

_ يا ليليا انتي كنتي هتقعي من طولك!

ضحكت بخفة.

= ياستي دوخت بس.

_ اقعدي.

= يا منة عادي.

_ اقعدي.

قعدت وأنا أتنفس بهدوء، وبعد دقيقة تقريبًا فعلًا رجعت طبيعية.

_ شوفتي؟ أنا كويسة اهو.

منة فضلت باصة لي.

_ انتي بقالك كام يوم تعبانة.

= من الشغل.

_ وقهوة مش طايقاها، وبتنامي بدري، ودلوقتي دوخة.

= انتي بتحققي معايا؟

_ لأ، بقولك روحي اعملي تحاليل عامة، يمكن أنيميا أو ضغطك واطي أو جسمك ناقصه حاجة.

هزيت راسي.

= حاضر يا دكتورة.

_ بتكلم بجد.

= ماشي، لو اتكررت هعمل.

_ لأ، اعمليها حتى لو ما اتكررتش.

ضحكت.

= حاضر.

اليوم ده رجعت البيت وأنا فعلًا مرهقة أكتر من الطبيعي…حطيت هدومي وغيرت، وبعدها قعدت على الكنبة ومستنية مكالمة خالد…لما كلمني بعد حوالي ساعة، أول ما ظهر وشي قدامه ملامحه اتغيرت.

_ انتي مالك؟ وشك مصفر كده ليه؟!

= مفيش.

_ ليليا.

= والله مفيش، بس تعبانة شوية.

_ بتقلك قد ايه تعبانة؟

اتنهدت.

= المشروع مطلع عيني بس.

_ ليه ما قولتيليش؟

= عشان بسيطة.

_ ليليا انتي وعدتيني لو تعبتي تقوليلي.

سكت.

= ما حبيتش أقلقك وإنت عندك شغل.

ملامحه اتشدت شوية.

_ وأنا قولتلك قبل ما أسافر ما تعمليش فيها قوية عشان انتي اللي قولتيلي أروح.

= أنا مش بعمل فيها قوية.

_ أمال؟

= بجد ماكانتش حاجة تستاهل يا خالد.

سكت لحظة، وبعدها صوته هدي.

_ طب اكشفي.

= منة قالت نفس الكلام.

_ يبقى لأول مرة في حياتي هقول منة صح.

ضحكت.

= هعمل تحاليل لو لقيت نفسي تعبانة بكرة.

_ لأ، اعمليها بكرة حتى لو صحيتي بتجري ماراثون.

= يا خالد.

_ يا ليليا.

بصيتله شوية، وبعدها استسلمت.

= حاضر.

ملامحه هديت.

_ شاطرة.

= متقوليش شاطرة.

_ حاضر يا شاطرة.

= رخم.

ضحك، وبعدها قال:

_ نامي بدري النهارده.

= طب والمكالمة؟

_ نتكلم عشر دقايق وبعدين تنامي.

= أنا مستنياها من الصبح.

ابتسامته هديت.

_ وأنا كمان مستنيها، بس أنا عايزك مرتاحة أكتر.

فضلنا نتكلم نص ساعة طبعًا بدل عشر دقايق، وبعدها دخلت السرير وهو لسه معايا على الفيديو.

= إنت بكرة عندك إيه؟

_ اجتماع الصبح وبعده مراجعة طويلة.

= هتخلص إمتى؟

_ غالبًا ستة أو سبعة عندي.

= ابقى ابعتلي.

_ وانتي أول ما تعملي التحاليل تقوليلي.

= حاضر.

_ وعد؟

= وعد.

بصلي شوية، وبعدها قال:

_ وحشتيني.

ابتسمت.

= وإنت كمان.

_ الأسبوع التالت اهو.

= ما تفكرنيش إن لسه باقي.

_ أنا بالعكس، بعدّ اللي عدى.

= وأنا بعدّ اللي باقي.

ضحك.

_ فرق ثقافات.

سكتنا شوية، وبعدها قلت:

= أنا بقيت بكره كلمة شهرين.

ابتسامته هديت.

_ وأنا بقيت أحب كلمة هرجع.

فضلت باصاله، والكلمة خلت حاجة جوايا تهدى.

_ هرجعلك.

= تاني.

ضحك.

_ هرجعلك يا ليليا.

ابتسمت وأنا بقرب الموبايل مني.

= ماشي.

_ ماشي إيه؟

= مستنياك.

_ وأنا بعد الأيام.

سكتنا، وبعدها خالد بص ناحية حاجة برا الشاشة قبل ما يرجعلي.

_ ليليا.

= همم؟

_ انتي لابسة التيشيرت بتاعي؟

بصيت لنفسي، وبعدها رجعتله.

= احم.

ضحك.

_ ده بتاعي فعلًا.

= عندك اعتراض؟

_ خالص، بالعكس خليه عندك.

= ما هو عندي أصلًا.

_ ماهو باين اهو.

ضحكت، وهو فضل باصلي بطريقة خلتني أحس إني لو فضلت ثانية أكتر هعيط، فقلت بسرعة:

= تصبح على خير.

_ بتهربي؟

= لأ.

_ يا كدابة.

ابتسمت.

= أنا بحبك.

ملامحه كلها هديت.

_ وأنا كمان بحبك يا روحي، يلا روحي نامي.

قفلت المكالمة بعدها بدقايق، لكن فضلت ماسكة الموبايل وأنا بابتسم…يمكن التعب كان موجود، ويمكن في حاجة فعلًا محتاجة أتأكد منها، لكن وقتها كل اللي كان في دماغي إن بكرة أعمل تحاليل عشان خالد يطمن وخلاص.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

تاني يوم الصبح صحيت وأنا تعبانة أكتر من الليلة اللي قبلها، بس مش بشكل يخوف، مجرد إحساس إن جسمي تقيل ومش عايز يتحرك. 

قمت بالعافية واتجهزت، وحاولت أشرب قهوة لكن مجرد ريحتها خلتني أبعدها تاني…بدالها شربت مية وأكلت حاجة بسيطة، وبعدها نزلت.

في الشغل منة أول ما شافتني قالت:

_ عملتي التحاليل؟

= هو انتي وخالد عاملين عليا لجنة؟

_ آه.

= لسه.

_ ليليا.

= هعمل بعد الشغل.

_ وعد؟

= وعد ياستي.

اليوم كان طويل جدًا، وفي نصه حسيت بنفس الدوخة البسيطة، بس المرة دي ماوقفتش؛ قعدت فورًا وشربت مية، ومنة لاحظت برضو.

_ كده خلاص، مفيش تفاوض.

= ما أنا قولت هعمل.

_ أنا هاجي معاكي.

= مش لازم.

_ مش بسألك.

ضحكت رغم التعب.

= انتي وخالد نفس الاستفزاز.

_ تستاهلي.

بعد الشغل خرجنا سوا، ومنة كانت مصممة نعدي على معمل قريب ونسأل على شوية تحاليل عامة…أنا أصلًا ماكنتش فاكرة الموضوع مهم للدرجة، لكن عشان أريحها وأريح خالد وافقت.

دخلنا وسألنا عن تحاليل للإجهاد والدوخة، والموظفة سألتني كام سؤال عادي عن الأعراض، وبعدها قالت إن الأفضل أعمل مجموعة تحاليل عامة وأكلم دكتورة لو التعب مستمر.

منة بصتلي.

_ اهو.

= أهو إيه؟

_ قولتلك.

= يا بنتي ما حصلش حاجة.

خرجنا بعد ما حجزنا للصبح، ومنة قالت:

_ هاجي معاكي.

= لا، عندك شغل.

_ هاجي برضو.

= منة.

_ خلاص هكلمك قبلها.

= كده أحسن.

وصلت البيت وأنا تعبانة، وحسيت إن نفسي مقفولة من الأكل رغم إني عارفة إني لازم آكل…سخنت حاجة بسيطة وقعدت قدامها شوية من غير نفس، وبعدها أخدت كام لقمة بالعافية.

خالد كلمني وقتها، وأول ما فتح الفيديو كان واضح إنه لسه في المكتب عنده.

_ عملتي التحاليل؟

= بكرة الصبح.

_ ليه بكرة؟

= عشان المعمل قفل الجزء ده النهارده، وحجزت.

_ طب كويس.

= اطمّنت؟

_ لما أشوف النتيجة.

ضحكت.

= موسوس.

_ عليكي آه.

بصلي شوية، وبعدها قال:

_ انتي شكلك مرهق.

= اليوم كان طويل.

_ نمتي كويس؟

= مش أوي.

_ طب ما تستنينيش النهارده، نامي بدري.

= إنت هتخلص إمتى؟

_ ممكن ساعة كمان.

= خلاص هستناك.

_ ليليا.

= هستناك.

ضحك وهز راسه.

_ عنيدة.

= بس بتحبني.

_ للأسف جدًا.

قفلت معاه مؤقتًا عشان يكمل شغله، وبعدها أخدت دش وحاولت أنام على الكنبة لحد ما يخلص، لكن لقيت نفسي فعلًا غفيت من غير ما أحس…صحيت بعد وقت على رنة الموبايل، لقيته خالد.

رديت بنص عين.

= ألو؟

_ نمتي؟

= اه محسيتش بنفسي.

ضحك.

_ قولتلك نامي.

= كنت مستنياك.

_ طب قومي روحي السرير.

= مش قادرة.

_ طب خليكي مكانك بس غطي نفسك.

سحبت البطانية اللي كانت جنبي، وهو فضل معايا شوية.

_ بكرة بعد التحاليل تكلميني فورًا.

= حاضر.

_ وما تروحيش الشغل لو انتي تعبانة.

= طبعا هروح.

_ ليليا.

= عندي حاجة مهمة.

تنهد.

_ طب لو تعبتي ارجعي.

= حاضر.

_ وحشتيني.

ابتسمت وأنا مغمضة عيني.

= وإنت كمان.

_ يلا روحي نامي.

= ماشي تصبح على خير.

_ وانتي من أهله يا حبيبتي.

قفلت ورجعت نمت تقريبًا فورًا.

الصبح روحت فعلًا عملت التحاليل العامة قبل الشغل، وبعدها بعت لخالد صورة الورقة كإثبات عشان يبطل زن.

رد:

شطورة.

كتبت:

هعملك بلوك على فكرة.

رد:

مش هتقدري.

ابتسمت وأنا بدخل المكتب.

اليوم بدأ عادي، لكن قبل الظهر بشوية كنت واقفة بتراجع حاجة مع منة لما حسيت الدنيا لفت سنة زيادة المرة دي…مسكت طرف المكتب بسرعة، ومنة خدتني من دراعي.

_ ليليا!

= أنا كويسة.

_ اقعدي.

قعدت فورًا وأنا أحاول آخد نفس، وبعد دقيقة رجعت الأمور طبيعية، لكن منة كانت باصة لي المرة دي بجدية أكتر.

_ انتي مش هتكملي اليوم.

= منة—

_ لأ، بجد…إنتي عملتي التحاليل، كويس، بس لازم لما النتيجة تطلع تكلمي دكتورة.

= حاضر.

_ وإيه حكاية إن نفسك مقفولة من القهوة والأكل؟

= معرفش، يمكن معدتي.

منة سكتت لحظة، وبصتلي بنظرة غريبة شوية، لكن ما قالتش حاجة فورًا.

= إيه؟

_ ولا حاجة.

= لا، انتي بصيتيلي بصة مش عاجباني.

_ بقول يمكن فعلًا مش إرهاق بس.

= يعني؟

هزت كتفها.

_ يعني لما النتائج تطلع نشوف، أو تكلمي دكتورة، مش لازم نفسر إحنا.

فضلت باصالها شوية.

= انتي مخبية حاجة في دماغك؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

_ ممكن أكون بفكر في احتمال، وممكن أكون بهبد، عشان كده مش هقولك حاجة وأوتّرك.

= منة.

_ لأ، استني التحاليل.

ضيقت عيني وأنا ببصلها، لكنها رفضت تكمل…حاولت أرجع للشغل، لكن الجملة علقت في دماغي بطريقة غريبة…احتمال إيه؟ في الأول فكرت أنيميا، ضغط، إجهاد، أي حاجة عادية، لكن نظرتها كانت غريبة زيادة.

رجعت البيت بدري بعد إصرارها، وقعدت على الكنبة وأنا ماسكة الموبايل. النتيجة لسه هتطلع بكرة، وخالد كان في شغل، فمعنديش حتى حد أتكلم معاه دلوقتي. فتحت شات منة وكتبت:

إنتي كان قصدك إيه؟

ردت:

ولا حاجة أكيدة.

مردتش...وهي بعتت تاني:

بجد يا ليليا، استني نتيجة التحاليل الأول أو كلمي دكتورة.

إنتي خوفتيني.

ردت بسرعة:

لا لا، مش حاجة تخوف خالص، أنا بس مش عايزة أقول احتمال وأنا مش متأكدة.

قفلت الشات، لكن الفضول اشتغل في دماغي…رجعت أفتكر آخر كام يوم: التعب، النوم الكتير، الدوخة، القهوة اللي بقيت مش طايقاها، الأكل اللي نفسي مقفولة منه…كلها حاجات ممكن تبقى من الشغل، وممكن تبقى من ألف سبب تاني.

حاولت أطنش، وقمت أعمل لنفسي أكل، لكن مجرد ما ريحة الأكل طلعت حسيت معدتي اتقفلت تاني، فطفيت النار ووقفت ساكتة ثواني.

وقتها لأول مرة حسيت إن يمكن منة فعلًا كانت شايفة حاجة أنا مش شايفاها.

رجعت للموبايل، فتحت شاتها تاني، وفضلت صوابعي واقفة فوق الكيبورد قبل ما أكتب:

منة… إنتي متأكدة إن الموضوع ممكن يكون حاجة غير الإرهاق؟

شافت الرسالة بسرعة، لكن الرد اتأخر شوية.

وبعدين جالي:

أنا مش متأكدة من أي حاجة، عشان كده مش عايزاكي تفكري لوحدك…استني التحاليل وكلمي دكتورة، تمام؟

فضلت باصة للرسالة، وقلبي بدأ يدق أسرع رغم إني لسه مش فاهمة أصلًا أنا متوترة من إيه.

في اللحظة دي الموبايل رن.

خالد.

بصيت لاسمه على الشاشة، وحسيت إني فجأة مش عارفة أرد عليه بنفس العادية اللي كنت برد بيها من يوم ما سافر…يمكن لأنه أول مرة من أسبوعين يبقى عندي إحساس إن في حاجة بتحصل معايا وأنا مش عارفة هي إيه، وهو بعيد.

رديت بعد ثانيتين.

ظهر وشه قدامي وهو مبتسم.

_ مساء الخير.

حاولت أبتسم.

= مساء النور.

ابتسامته اختفت فورًا.

_ مالك؟

= مفيش.

ضيق عينه.

_ ليليا.

اتنهدت.

= والله معرفش.

_ يعني إيه معرفش؟

بصيت قدامي شوية، وبعدها رجعتله.

= أنا بس تعبانة أكتر النهارده، ومنة قالتلي أستنى التحاليل وأكلم دكتورة.

ملامحه اتشدت.

_  دوختي تاني؟

= آه، بس راحت.

_ ليه ما كلمتنيش؟

= ما كنت في شغل.

_ وانتي عارفة إني مليش دعوة.

ابتسمت غصب عني وهو قال.

_ بكرة أول ما النتيجة تطلع تبعتيهالي.

= حاضر.

فضل باصصلي شوية، وبعدها قال:

_ انتي مخبية عني حاجة يابت؟

السؤال وقفني.

= لأ والله.

_ متأكدة؟

= آه…يعني، أنا نفسي معرفش في إيه.

_ طب ما تفكريش لوحدك.

ابتسمت بخفة، لأن الجملة دي بالذات شبه اللي منة قالتها من شوية.

= إنتو متفقين عليا؟

_ واضح إننا عاقلين وإنتي لأ.

= رخم.

_ بحبك.

سكت ثانية، وبعدها قلت بهدوء:

= وأنا كمان.

فضلنا نتكلم شوية، وهو حاول يغيرلي مودّي ويحكيلي عن يومه، وأنا حاولت أركز معاه، لكن لأول مرة من ساعة ما سافر كنت ببصله على الشاشة وفي دماغي سؤال أنا نفسي مش عارفة أصيغه.

ولما قفلنا بعد وقت طويل، فضلت قاعدة مكاني والموبايل في إيدي. البيت كان هادي، والنتيجة لسه بكرة، ومنة رفضت تقوللي الاحتمال اللي في دماغها، وأنا حاولت أقنع نفسي إن الموضوع كله غالبًا إجهاد وأنيميا بسيطة وهتخلص.

لكن رغم كل محاولاتي، وأنا داخلة أنام، فضلت كلمة واحدة من كلام منة معلقة في دماغي:

احتمال.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

نمت الليلة دي بالعافية، وكل شوية أصحى أبص للموبايل أو أفتكر إن النتيجة المفروض تطلع بكرة وأرجع أنام تاني، مع إني كنت بحاول أقنع نفسي إن الموضوع كله غالبًا إرهاق عادي من الشغل وإن منة هي اللي خلتني أفكر زيادة…أول ما صحيت الصبح مسكت الموبايل قبل حتى ما أقوم من السرير، ماكانش فيه حاجة من المعمل، لكن كان فيه رسالة من خالد من بدري.

صباح الخير ياحبيبتي…طمنيني عليكي أول ما تصحي.

ابتسمت غصب عني وأنا بقرأها، ورديت:

صباح النور…صحيت اهو، ولسه عايشة.

الرد جه بعدها بدقايق:

دمك خفيف…النتيجة إمتى؟

كتبت:

قالولي هتطلع النهارده، أول ما تطلع هقولك.

رد:

طيب متستنيش لما تروحي البيت، أول ما تعرفي تبعتيلي.

بصيت للرسالة شوية، وبعدها كتبت:

حاضر يا خالد.

قمت بعدها واتجهزت وأنا لسه مرهقة، بس الدوخة ما كانتش موجودة، وده خلاني أرتاح شوية وأقنع نفسي أكتر إن الموضوع بسيط…روحت الشغل، ومنة أول ما شافتني رفعت حاجبها.

_ النتيجة؟

= لسه.

_ أول ما تظهر تقوليلي.

= حاضر يا ماما.

_ ما أنا لو سيبتك لنفسك هتعملي فيها بطلة وتقولي مفيش حاجة.

ضحكت وأنا بقعد.

= والله بقيتوا حافظيني زيادة عن اللزوم.

حاولت أركز في الشغل، لكن كل شوية كنت بفتح الموبايل وأقفله، ومع كل إشعار قلبي يدق قبل ما أكتشف إنه أي حاجة غير المعمل…بعد الضهر بشوية أخيرًا جالي إشعار إن النتائج جاهزة وإن في جزء منها يفضل يتراجع مع دكتورة بسبب وجود قيمة محتاجة تفسير.،،الجملة لوحدها خلت القلق يرجع مرة واحدة، وقعدت أبص للشاشة كام ثانية قبل ما منة تلاحظ.

_ إيه؟

رفعت الموبايل ناحيتها.

= النتايج طلعت…بس بيقولولي أراجع دكتورة.

ملامحها اتغيرت سنة.

_ طب روحي.

= دلوقتي؟

_ آه دلوقتي، شغلك مش هيجري.

= طب يا منة ما يمكن حاجة عاديه.

_ ما إحنا هنروح نعرف إذا كان عادي ولا لا.

بصيتلها.

= هنروح؟

_ آه، أنا جاية معاكي.

= انتي عندك شغل.

_ أنا مش بستأذنك.

كنت هعاند، لكن الحقيقة إني المرة دي ماكنتش عايزة أروح لوحدي…أخدنا إذن وخرجنا، وطول الطريق كنت بقول أي كلام عشان ما أفكرش، ومنة كانت ماشية معايا من غير ما تفتح الموضوع إلا لما وصلنا.

استنينا شوية لحد ما دخلت للدكتورة، ومنة كانت عايزة تدخل معايا لكني قولتلها تستناني برا، مش عشان في سبب معين، بس يمكن لأني لسه مقتنعة إن كل الموضوع هيخلص في خمس دقايق بكلمتين عن أنيميا أو نقص فيتامينات.

دخلت وقعدت، والدكتورة فتحت النتائج على الشاشة وفضلت تبص فيها شوية….في الأول كنت عادية جدًا، لحد ما لاحظت إنها رجعت لسطر معين أكتر من مرة، وبعدها بصتلي وسألتني عن التعب والدوخة وقلة الشهية وريحت الاكل اللي بقيت مش طايقاها. جاوبتها، رجعت تبص للتقرير تاني.

ابتسمت بخفة وأنا أحاول أهزر.

{ حوار مترجم }:-

= أنا عندي أنيميا ولا إيه؟

هي ما ضحكتش، بس ردت بهدوء:

_ في حاجات بسيطة في التحاليل ممكن تفسر جزء من الإرهاق، بس في نتيجة تانية محتاجة نتأكد منها.

حسيت قلبي اتحرك سنة.

= نتيجة إيه؟

لفت الشاشة ناحيتها أكتر، وقالت:

_ في مؤشر هنا مرتفع بدرجة أكبر من الطبيعي.

فضلت باصالها.

= يعني إيه مؤشر؟

_ هو تحليل ممكن يتأثر بأكتر من سبب، ومينفعش أبدًا نعتمد عليه لوحده في أي تشخيص، عشان كده أول خطوة إننا نعيده ونعمل فحوص تانية.

بدأ صوتها يقل في ودني من أول كلمة “تشخيص”، لكن حاولت أفضل هادية.

= طب بيبقى عالي ليه؟

الدكتورة سكتت ثواني كأنها بتختار كلامها بعناية، وبعدها قالت:

_ له احتمالات مختلفة، وفي أسباب ممكن تكون بسيطة، لكن من ضمن الحاجات اللي النتيجة دي بتخلينا محتاجين نستبعدها وجود ورم.

فضلت باصالها من غير ما أتحرك، وكأن الكلمة أخدت ثانية زيادة عشان توصل لدماغي.

= ورم؟

_ أنا بقول نستبعد، مش بقول إن عندك ورم…التحليل الواحد مايشخصش حاجة زي دي، وعلشان كده لازم نكرر الفحص ونكمل تقييم بشكل صحيح.

رمشت كذا مرة وأنا حاسة إن نفسي بقى تقيل.

= يعني…ورم إزاي؟

_ دلوقتي مينفعش أقولك نوع أو مكان أو حتى أقول إن في ورم أصلًا، لأن معندناش تشخيص، عندنا نتيجة محتاجة تفسير ومتابعة.

بلعت ريقي بصعوبة، وعيني نزلت على الورق اللي قدامها كأني هفهم منه حاجة لو بصيت أكتر.

= يعني…يعني هو ممكن يكون كانسر؟

المرة دي الدكتورة سكتت لحظة قبل ما ترد، وبمجرد إنها ما قالتش “لأ” فورًا حسيت قلبي وقع.

_ ممكن النتيجة دي تظهر في حالات مختلفة، ومن ضمن الأسباب اللي لازم نستبعدها فعلًا أورام، لكن أكررلك تاني…ده مش معناه إن عندك كانسر، ومينفعش نبني التشخيص على التحليل ده بس.

كنت سامعة كلامها، بس كلمة “ورم” كانت أعلى من كل حاجة بعدها…منة من الصبح بتقولي احتمال، خالد في لندن بيسألني كل شوية أنا كويسة ولا لأ، وأنا من يومين بهزر وأقول ان المشروع اللي تاعبني، وفجأة أنا قاعدة قدام دكتورة بتقولي إن في حاجة لازم نتأكد إنها مش ورم.

مدت الدكتورة إيدها بورقة جديدة وبدأت تشرح:

_ هنكرر التحليل، وهنضيف شوية فحوص، وبعدها على أساس النتيجة نقرر هل محتاجين تصوير أو أي خطوة تانية…أهم حاجة دلوقتي إنك ماتسبقيش التشخيص وما تدوريش على الإنترنت لأنك هتخوّفي نفسك من غير سبب مؤكد.

هزيت راسي ببطء، لكني ماكنتش مركزة في نص اللي بتقوله.

= والنتيجة الجديدة إمتى؟

_ نقدر نعيدها بكرة، وبعدها نتحرك بسرعة لو احتجنا حاجة تانية.

= ولو طلعت نفس الرقم؟

بصتلي بثبات.

_ ساعتها هنحتاج نتوسع في الفحوص ونعرف السبب بالظبط.

فضلت ساكتة شوية، وبعدها السؤال خرج مني من غير ما أفكر.

= طب لو…لو طلع فعلًا حاجة وحشة؟

الدكتورة هدت صوتها أكتر.

_ ليليا، انتي دلوقتي بتروحي لآخر احتمال وإحنا لسه في أول خطوة….أنا فاهمة إن الموضوع مخيف ومقلق شوية، لكن لحد اللحظة دي انتي ماعندكيش تشخيص كانسر مؤكد، عندك نتيجة غير طبيعية محتاجة تأكيد، والفرق بينهم كبير جدًا.

هزيت راسي، وحاولت أتنفس بشكل طبيعي وأنا بجمع الورق قدامي. قبل ما أقوم سألتها آخر مرة:

= بس حضرتك لو النتيجة دي ماكانتش مقلقة…ماكنتيش هتقوليلي موضوع الورم، صح؟

سكتت ثانية، وبعدها قالت بهدوء:

_ النتيجة محتاجة ناخدها بجدية، عشان كده أنا بطلب إننا نتحرك بسرعة ونتأكد…لكن الجدية مش معناها إن أسوأ احتمال هو اللي حاصل.

الكلام المفروض يطمني، لكنه ماعملش…يمكن عشان دماغي وقفت عند كلمة واحدة من أول ما قالتها وماعرفتش تعديها.

خرجت من الأوضة ولقيت منة واقفة أول ما شافتني قامت بسرعة…قربت مني وهي بتبص لوشي.

_ ليليا؟

ما رديتش.

_ حصل إيه؟

بصيتلها، وحاولت أتكلم، لكن صوتي طلع أوطى بكتير من الطبيعي.

= قالت لازم أعيد تحليل.

_ طب ليه؟

فضلت باصالها كام ثانية، وبعدها حسيت عيني بتلمع.

= في نتيجة عالية.

منة ملامحها اتشدت.

_ عالية في إيه؟

هزيت راسي وأنا مش عارفة أشرح.

= قالت ممكن تبقى أسباب كتير…بس لازم يتأكدوا إن مفيش…

وقفت الكلمة في بوقي، ومنة قربت مني خطوة.

_ إن مفيش إيه؟

بلعت ريقي، وبعدها قلتها بالعافية:

= ورم.

منة سكتت تمامًا.

والسكوت اللي ظهر على وشها خوّفني أكتر من أي رد كان ممكن تقوله.

_ هي الدكتورة قالت عندك ورم؟

هزيت راسي بسرعة.

= لا قالت ممكن، وإن لازم يعيدوا التحليل ويتأكدوا، وإن التحليل لوحده مش تشخيص.

_ يبقى مفيش تشخيص…ما تخوفيش نفسك قبل ما نعرف.

بصيتلها وأنا حاسة دموعي بدأت تنزل.

= بس قالت الكلمة يا منة.

قربت حضنتني فورًا، وأنا في اللحظة دي بس حسيت إن رجلي مش شايلاني... فضلت ماسكاها وأنا بحاول ما أعيطش جامد وسط المعمل ، وهي بتكررلي إننا لسه ما نعرفش حاجة وإن بكرة هنعيد كل حاجة.

لكن وأنا في حضنها، الموبايل اهتز في إيدي.

بعدت عنها سنة وبصيت للشاشة.

خالد.

كان بعتلي:

جيبتي النتيجة؟

فضلت باصة لاسمه، وصباعي فوق الشاشة، وأنا لأول مرة من يوم ما سافر ماعرفتش أرد عليه.

منة بصت للموبايل وبعدها ليا.

_ هتقوليله؟

رفعت عيني لها، والدموع واقفة فيها.

= أقول له إيه؟

ورجعت بصيت للرسالة، وبعد ثواني وصلت واحدة تانية:

ليليا؟

قلبي اتقبض أكتر، لكن قبل ما أفتح الشات رجعت عيني للورقة اللي في إيدي، وللكلمات اللي لسه سامعاها بصوت الدكتورة كأنها بتتقال قدامي من جديد.

“من ضمن الحاجات اللي لازم نستبعدها وجود ورم.”

غمضت عيني للحظة، وافتكرت خالد وهو بيقولي إنه بيعد الأيام عشان يرجع، وأنا بقوله إني مستنياه، وإن أكبر خوف عندي كان الشهرين اللي بينا.

وفجأة الشهرين نفسهم بقوا أصغر حاجة ممكن أخاف منها.

فتحت عيني وبصيت لمنة.

= هي قالت لو النتيجة اتكررت هيعملوا فحوص أكتر.

_ يبقى نستنى بكرة.

= ولو اتكررت؟

منة قربت مسكت إيدي.

_ مش هنسبق الأحداث يا ليليا ، بلاش تفرضي اسوأ الاحتمالات.

هزيت راسي، لكن السؤال فضل واقف جوايا…بصيت للموبايل للمرة التالتة، ولقيت خالد بيتصل فيديو.

اسمه ظهر قدامي، وصورته على الشاشة، وأنا واقفة ماسكة في إيدي تقرير من دقائق بس كنت متوقعة يظهر فيه ان اللي عندي مجرد أنيميا.

سيبت الموبايل يرن وأنا مش قادرة أدوس رد.

مرة.

وبعدها المكالمة انتهت.

عدت ثانيتين.

ورجع اتصل تاني.

منة بصتلي، وأنا بصيتلها، وبعدها عيني رجعت لاسمه وأنا حاسة إن قلبي بيدق اسرع.

ماكنتش عارفة هقوله إيه.

ماكنتش عارفة أصلًا أقول لنفسي إيه.

كل اللي كنت عارفاه إن الدكتورة قالت إن التحليل الواحد ما يثبتش حاجة، وإننا محتاجين نعيده ونتأكد، لكن مهما حاولت أتمسك بالجملة دي، كان في كلمة واحدة غطت على كل حاجة.

ورم.


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات