رواية اسميتها ريحانة الفصل الثامن عشر
كان علي وياسمين يجلسان أمام التلفاز، حتى دوّى صوت رنين هاتف ياسمين.
ياسمين باستغراب:
«إيه ده؟»
لاحظ علي استغرابها، فقال:
«في إيه؟»
«يزن بيتصل بيا، غريبة! مش هو مع فتون؟»
«طيب ردي، شوفيه عايز إيه.»
أجابت ياسمين بهدوء:
«ألو، أيوة يا يزن.»
«ألو يا عمتو، إزيك؟»
«الحمد لله يا حبيبي، خير؟ فيه حاجة ولا إيه؟»
«معلش يا عمتو، خلي فتون ترد على موبايلها، عشان بقالي شوية بتصل بيها ومش بترد.»
اعتدلت ياسمين في جلستها وقالت بقلق:
«إزاي؟ هي مش فتون معاك؟ إنتوا مش خارجين مع بعض؟»
يزن باستغراب:
«لا، أنا آخر مرة شوفتها كان من كام ساعة، وبعدها وصلتها البيت وروحت على شغلي.»
نظرت ياسمين لعلي بخوف، وهمست:
«بنتي فين؟»
التقط علي الهاتف من ياسمين بسرعة، وقال بلهفة:
«يزن، هي فتون مش معاك؟»
بدأ القلق يتسرب إلى قلب يزن، ليقول بدهشة:
«يا جماعة أنا مش فاهم حاجة. هي فتون مش في البيت معاكم؟»
نظر علي بجانب عينه إلى ياسمين، وقال:
«فتون من نص ساعة كده خرجت من البيت على أساس إنكم هتخرجوا سوا.»
يزن بصدمة:
«محصلش، إحنا مخرجناش... بس ليه فتون تكذب وتقول كده؟»
علي بحيرة:
«معرفش... معرفش، بنتي ليه تكذب عليّا؟ دي أول مرة تعملها.»
يزن بغضب:
«طيب، إحنا هنفضل قاعدين كده بنسأل؟ إحنا لازم نتحرك.»
علي بلهفة:
«هنعمل إيه يا يزن؟ وأنا معاك.»
«أنا هنزل على الكافيه اللي متعودة تروحه، وإنتوا حاولوا تتصلوا بصحباتها القريبين، يمكن تكون راحت لواحدة فيهم.»
سمع يزن صوت بكاء ياسمين عبر الهاتف، وهي تقول بانهيار:
«أنا عايزة بنتي، هاتولي بنتي.»
قال يزن بنفاذ صبر:
«عمتي، أرجوكي أنا عايزك تهدي كده عشان نعرف نتصرف. إنتي تعرفي صحبات فتون المقربين، صح؟»
ياسمين بلهفة:
«أيوة، ومعايا أرقامهم.»
«طيب حلو، عايزك تتصلي بيهم واحدة واحدة وتسأليهم، يمكن يعرفوا حاجة.»
«حاضر.»
علي بقلق:
«أنا مش هفضل قاعد كده، أنا هنزل أنا كمان أدور عليها في الشوارع، يمكن ألاقيها.»
«ماشي يا عمي، اعمل كده... وأنا هلف على الأماكن اللي هي متعودة تروحها.»
عند يزن
كان يقود سيارته بسرعة جنونية في شوارع القاهرة، ينظر إلى جميع المارة في الشوارع على أمل أن يلمحها بينهم، وفي نفس الوقت ما زال يحاول الاتصال بفتون، لكن لا توجد إجابة.
ضرب عجلة القيادة بغضب عندما فصلت المكالمة للمرة التي لا يعلم عددها. التوتر بداخله قد وصل لذروته، لا يعلم أين هي الآن، وما حالتها، ولماذا كذبت بأنها معه.
كان قد وصل للكافيه، وما زال الهاتف على أذنه، يحاول مهاتفتها للمرة العاشرة. فتح باب السيارة، وكان على وشك الخروج، إلا أنه تصنم فجأة عندما فُتح الخط، وتبعه صوت صراخ عالٍ.
لم يستطيع سماع شيء، لكنه ميّز صوت صراخ فتون وهي تستغيث، ليهمس بصوت منخفض مليء بالرعب:
«فتون...»
في نفس الوقت عند فتون
في إحدى غرف الشقة، كانت فتون تصرخ بشدة، لدرجة إن صوتها اتنبح من شدة صراخها، تحاول الدفاع عن كرامتها أمام ذلك الحقير الذي يتهجم عليها.
تسمع صوت رنين هاتفها يدوي بالغرفة، لكن للأسف لا تستطيع الوصول إليه. وجهها أحمر بشدة، شعرها أصبح مشعثًا من أثر المقاومة، بينما يدها تدفع باسم ليبتعد عنها رغم بنيتها الضعيفة أمامه، لكن أخيرًا استطاعت دفعه بعد أن شتت انتباهه وخربشته في وجهه بأظافرها، ليسقط أرضًا بجانب السرير وهو يتألم.
التقطت حقيبتها الملقاة بجانبها، وحاولت إخراج الهاتف، لكن صرخت برعب وهي ترى باسم الذي نهض مجددًا وحاوطها بقوة، محاولًا تثبيتها.
فتون بصراخ عالٍ:
«ابعد عني، أرجوك سيبني»
باسم بقذارة:
«ما تهدي بقى يا قطة، أنا اه بحب النوع المخربش ده، بس صدقيني، عمايلك دي ملهاش لازمة. إحنا في شقة في مكان معزول، ده غير إن الأوضة اللي إحنا فيها بابها عازل للصوت، يعني مستحيل حد يسمعك.»
أثناء صراخها، سمعت صوت رنين هاتفها، لتنظر له وتتفاجأ بالهاتف داخل قبضة يدها، فهي مسكته في آخر لحظة قبل أن يصل لها باسم.
نظرت للهاتف بصعوبة لتجد اسم يزن يضيء، فبكت بشدة وهي تحاول مد أصابعها المرتعشة للوصول لزر الإجابة، لكن أعصابها كانت ضغيفه من فرط الرعب، لكن أخيرًا استطاعت لمس الشاشة بصعوبة لتفتح المكالمة.
فتون بصراخ:
«يزن الحقني .....»
قال باسم بسخرية:
«يزن مين يا قطة؟ أنا باسم.»
كان يزن يجلس بالسيارة ويصرخ برعب:
«فتون! فيه إيه؟ إنتي فين ؟يا فتون....»
يسمع صوت صرخاتها من الهاتف وهي تقول:
«اللوكيشن ... الحقني يا يزن ... اللوكيشن يا يزن»
يزن بعدم فهم:
«لوكيشن إيه؟»
ليسمع فجأة صوت غلق الخط، ليصرخ:
«فتون! فتون!»
رمى الهاتف بعنف على أرضية السيارة، ووضع رأسه بين يديه بجنون، يحاول فهم معنى كلماتها، لكن ثوانٍ وانتفض، ونظر أمامه بتركيز، وهو يدرك أن آخر لوكيشن أرسلته له كان مكان شقة.
التقط الهاتف بلهفة، وفتح محادثتة هو وفتون على واتساب، ليجد اللوكيشن الذي أرسلته له منذ بضع ساعات، وهو جاء ليأخذها من تلك المنطقة ثم خرجا سويًا.
لم ينتظر ثانية أخرى، وانطلق بالسيارة بسرعة رهيبة، لدرجة أن عجلات السيارة كانت تصدر صوت صرير عالٍ أثر احتكاكها بالأسفلت.
بعد عشر دقائق، وصل أخيرًا للمنطقة، والتي كانت مهجورة نوعًا ما. نظر أمامه على البناية. نعم، تلك نفس البناية التي كانت تنتظره فتون أمامها.
ترجل من السيارة بسرعة، وصعد درجات السلم وهو يهرول، أنفاسه تتسارع بجنون، ودقات قلبه تنبض برعب على فتون من أن يكون قد أصابها مكروه.
وصل أخيرًا لباب شقة ذو دهان حديث، استنتج أنها هي تلك الشقة، فواضح أنها ما زالت في مرحلة التشطيب.
تراجع للخلف بضع خطوات، ثم فجأة اندفع بجسده تجاه الباب، لينكسر الباب ويسقط أرضًا من قوة الدفعة.
دخل الشقة ببطء، وهو ينظر حوله، لكن المكان كان خاليًا تمامًا. علب الدهانات متناثره على الأرض، ورائحة البويا تملأ المكان.
نظر حوله بجنون، فلا يوجد أي شيء يدل على وجود أشخاص هنا، خصوصًا الصمت والسكون الرهيب المسيطر على المكان، لكن فجأة تصنم جسده، وتعالت أنفاسه وهو يلمح شيئًا على الأرض.
كتم أنفاسه وهو يميل ويلتقط ذلك الشيء. ثوانٍ لتتسع عيناه بصدمة عندما وجده إسكارف باللون الأحمر. علم سريعًا أن ذلك الإسكارف يخص فتون، ولِمَ لا؟ فهو الذي اشتراه لها بنفسه.
تحرك بسرعة للداخل ليجد طرقة طويلة بها أربع غرف. بدأ بفتح كل غرفة على حدة، لكن كان نفس الشيء بكل غرفة، بعض الكراكيب والكراتين.
توقف أمام آخر غرفة موجودة بالطرقة، ذات باب معدني ضخم مختلف عن باقي الغرف. مد يده التي ترتعش ووضعها على مقبض الباب، سحب نفسًا عميقًا، ثم فتح الباب ببطء ونظر للداخل.
ثوانٍ وتجمد جسده، وشعر ببرودة تسري بأوصاله، بينما عيناه متسعتان، تنطلق منهما شرارات الغضب والشر.
زوجته نائمة على السرير بهدوء، جسدها ساكن تمامًا كأنها غائبة عن الوعي، بينما يقف أمامها شاب يرتدي فانلة حمالات، ينظر لها بمكر ويمسك بيده أباجورة صغيرة بعد أن كسرها على رأس فتون، ففقدت وعيها على الفور.اقترب من السرير ببطء، غير واعٍ للواقف عند الباب ينظر له بشر.
مد باسم يده ليلمس شعر فتون بابتسامة انتصار:
«أخيرًا يا فتون استسلمتي وبقيتي ليا.»
وقبل أن تلمس يده القذرة شعر فتون، شعر فجأة بشخص يقبض على ظهره ويبعده عنها.
ثوانٍ وتلقى لكمة عنيفة على وجهه، سقط أثرها على الأرض.
كاد أن يرفع رأسه لرؤية من ضربه، لكنه لم يلحق حتى أن يفعل ذلك، فقد انهال عليه يزن باللكمات والركلات في جميع أنحاء جسده، بينما يسبه بأبشع الألفاظ.
يزن بجنون:
«يا ابن الـ*** يا وسخ يا ***»
بعد دقائق، ابتعد يزن أخيرًا بعدما لاحظ سكون باسم الملقى على الأرض كالقمامة، بينما الدماء تملأ وجهه وآثار الكدمات واضحة على باقي جسده.
كان يزن يقف بصمت، عيناه مغمضتان، وأنفاسه تتسارع بجنون، بينما قبضة يده مغلقة بقوة.
يشعر بأسوأ شعور قد يمر على أي رجل ... شعور العجز والكسرة.
على الرغم من أنه استطاع الوصول في التوقيت المناسب، فإن كان تأخر لدقيقة أخرى، كان ذلك القذر سيترك بصماته على فتون.
ظل على تلك الحالة لدقائق، ليفتح عينه أخيرًا ويدير رأسه ببطء، لتقع عينه على النائمة على السرير بسكون.
خصلات شعرها تغطي جزء من وجهها، وأنفاسها، على الرغم من نومها، إلا أنها ما زالت سريعة.
لاحظ بضع قطرات من الد.م بجانب رأسها، أثر ارتطام الأباجورة.
اقترب منها بخطوات بطيئة جدًا، يتحرك كما لو أنه تمثال. مد يده التي ترتعش وأزاح شعرها من على عينها، نظر لها بوجع:
«ليه يا فتون؟ ليه عملتي كده فيا وفي نفسك؟ أنا عمري ما هسامحك.»
حملها بهدوء، ثم التقط حقيبتها وهاتفها وتوجه للباب، لكنه توقف فجأة ونظر لباسم الفاقد الوعي على الأرض، ليبصق عليه بقرف، ثم يغادر ذلك المكان.
نزل درجات السلم وهو يحملها، ووجهه جامد لا يوجد عليه أي تعبير. نظر لها فجأة، ليرتسم الحزن على ملامحه.على الرغم من وجعه، إلا أنه يتألم على حالتها.
وصل للسيارة، ليفتح الباب ويضعها على الكنبة. كاد أن يغلق الباب، لكنه لاحظ جسدها الذي يرتعش من البرد، بينما كانت تحاوط نفسها بخوف.
نفخ بضيق، ثم غاب لثوانٍ وعاد مجددًا وبيده شرشف ثقيل اعتاد أن يحتفظ به في حقيبة السيارة.
وضع الشرشف على جسدها بحماية، ليلاحظ ارتياح ملامحها عندما شعرت بالدفء.
تنهد بهدوء وأغلق الباب عليها، ثم استدار وجلس في الكرسي الأمامي، التقط هاتفه وأرسل رسالة لعلي يطمئنه أنه وجدها، ثم رمى الهاتف بجانبه بإهمال، وأدار المحرك لتتحرك السيارة بعد ثوانٍ وتبتعد عن ذلك المكان.
في بيت علي
كانت ياسمين جالسة تبكي، وبجانبها علي يحاول تهدئتها.
ياسمين بشهقات متتالية: «يعني بجد يزن قالك إنه جاي ومعاه فتون؟»
علي بابتسامة: «والله قال كده، ولما اتصلت عليه طمني على فتون وقالي إنه في الطريق.»
ياسمين وما زالت تبكي: «يارب، يارب احفظلي بنتي، أنا مليش غيرها.»
قاطع حديثهم صوت دقات هادئة على الباب، لينتفض كلاهما ويركض علي بسرعة، وخلفه ياسمين.
فتح الباب بلهفة، لكنه تصنم بصدمة، وشهقت ياسمين بخوف.
اقتربت ياسمين بخوف من يزن، الذي يحمل فتون وهي غائبة عن الوعي: «فتون مالها يا يزن؟ هي نايمه كده ليه؟»
ظل يزن على صمته، ليقول علي بجمود: «تعالى يا يزن ندخلها أوضتها.»
بعد ثوانٍ، وضع يزن جسد فتون على السرير، ثم ابتعد وهو ينظر لها بهدوء، بينما بجانبه علي، ينظر لفتون بنظرات غريبة؛ شعرها المشعث، وآثار الدموع على وجهها، لكنه التزم الصمت.
قالت ياسمين، وبيدها ملابس فتون التي أحضرتها من الدولاب: «أنا هغيرلها هدومها لحد ما الدكتور يجي ويشوف جرح رأسها.»
أومأ يزن بهدوء وخرج من الغرفة، ليتبعه علي.
بالخارج
وقف علي أمام يزن وقال بشك: «يزن، إيه اللي حصل لفتون بالظبط؟»
ظل يزن على صمته، عينه موجهة لأسفل، بينما وجهه لا يوجد عليه أي تعبير.
ازداد شك علي، خصوصًا بعد صمت يزن، ليصرخ فيه بصوت عالٍ: «يززززن! بقولك بنتي كانت فين وإيه اللي وصلها للحالة دي؟»
لم يستطع يزن تمالك أعصابه، لينفجر وهو يصرخ بوجع: «الكلب اللي كانت بتعمل ديكورات شقته كان عايز يتهجم عليها.»
اتسعت عينا علي بصدمة وهز رأسه بعدم تصديق، بينما جلس يزن بتعب على الكرسي، وهو يضع رأسه بين يديه.
نظر علي تجاه باب غرفة فتون بوجع، واقترب من يزن حتى وقف أمامه مباشرة، وقال بتردد: «وفتون حصلها حاجة؟.. أقصد يعني إنت لما وصلت، كان لحق يعمل حاجة؟»
تحدث يزن وما زال على نفس حالته: «لا، أنا وصلت في الوقت المناسب. فتون فضلت تقاومه كتير، وده خلاني أكسب وقت لحد ما وصلتلها، لكن لقيت الو*سخ كسر الأباجورة على دماغها.»
علي بثقل: «وهو فين دلوقتي؟»
رفع يزن رأسه بغل: «مرمي في شقته زي الزبالة بعد ما خليته مينفعش تاني.»
أومأ علي برأسه وجلس هو الآخر، يلتقط أنفاسه براحة؛ فبعد رؤيته لحالة فتون وصمت يزن الغريب، رسم في مخه أسوأ السيناريوهات.
بعد دقائق، وصل الطبيب وبدأ بفحص فتون، وبعد انتهائه قال بابتسامة : «هي كويسة دلوقتي، الحمد لله إصابة رأسها سطحية، أنا طهرتلها الجرح وربطته، وعلقتلها محلول عشان تسترد طاقتها.»
قال يزن: «طيب وهي هتفوق إمتى يا دكتور؟ مادام الجرح سطحي، ليه نايمة لحد دلوقتي؟»
قال الطبيب بعملية: «هي نايمة من التعب مش من الإصابة، الخبطة أثرت على الوعي، مع التعب الجسدي خلتها تفقد الوعي، بس إن شاء الله شوية وهتلاقوها صحيت.»
علي بابتسامة: «شكرًا يا دكتور، اتفضل أوصلك للباب.»
غادر الطبيب، بينما بقى يزن بمفرده، يجلس على كرسي أمام سرير فتون، ينظر لها بعمق. ثم نهض فجأة وجلس بجانبها على السرير، يتأمل ملامحها النائمة بإرهاق. مد يده ببطء شديد يلمس ملامحها، يمرر أصابعه على عينيها المغلقتين، وجنتها وأنفها وشفتيها.
اقترب منها أكثر ودفن رأسه داخل تجويف عنقها، يتنفس بداخله بسرعة، ليهمس بتأثر:
«الحمد لله، الحمد لله يا رب.»
بعد دقائق، خرج يزن من غرفة فتون وتوجه للباب استعدادًا للمغادرة، ليوقفه صوت علي وهو يناديه: «يزن، رايح فين؟ مش هتستنى لما فتون تصحى؟»
جز يزن على أسنانه، ليقول ببرود: «لا، أنا خلاص اطمنت عليها. عن إذنك يا عمي.»
غادر يزن، ليظل علي واقفًا ينظر لأثره بصمت، قبل أن يفيق على صوت ياسمين تناديه: «علي، تعالى بسرعة، فتون صحيت.»
ركض بسرعة تجاه غرفة فتون، ليبتسم بفرحة وهو يجدها مستيقظة وتجلس على السرير، بينما ياسمين تحضنها بشدة.
اقترب منها واحتضنها بفرحة: «حمد لله على السلامة يا حبيبتي، الحمد لله إنك بخير.»
فتون بابتسامة: «الله يسلمك يا بابا.»
قالت ياسمين بعتاب: «ينفع اللي عملتيه ده يا فتون؟ إحنا كنا هنموت من قلقنا عليكي.»
صمتت فتون لثوانٍ، قبل أن تشرع فجأة في البكاء وهي تقول: «أنا آسفة، حقكم عليا، أنا غلطانة.»
فاحتضنها علي بقوة: «خلاص يا فتون، بلاش نتكلم دلوقتي يا حبيبتي.»
ابتسمت فتون بحب وهي تحتضن كلاهما وتتنهد براحة، لكنها فجأة أدركت شيئًا ما، لترفع رأسها وتسأل علي: «هو يزن فين؟ مش ماما بتقول إنه هو اللي جابني هنا؟»
نظر كلٌّ من علي وياسمين لبعضهما بتوتر والتزما الصمت، لتفهم فتون معنى ذلك الصمت وتطبق على شفتيها بحزن.
_____________________________________________________________
كان سليم يقف في مكان ما يشرف على تزيينه، فهو يحضر مفاجأة لريحانة. قاطع انشغاله صوت رنين هاتفه، نظر للشاشة ثم أجاب:
«ألو.»
جاءه صوت ياسين من الجهة الأخرى :«أنا هكتب كتابي، إنت فين؟»
اتسعت عينا سليم بصدمة:
«أفندم؟»
قال ياسين بملل: «أخلص، أنا هتجوز. لو عايز تيجي؟ أهلًا وسهلًا.»
قال سليم بغيظ: «وحياة أمك!؟ ده أنا أطلع ر.وحك لو اتجوزت وأنا مش موجود. فهمني، جواز إيه؟ هي الخطة نجحت؟»
تنهد ياسين بحالمية: «نجحت أوي، تسلم دماغك يا بوص.»
نظر سليم أمامه بغرور: «مش قولتلك؟ كل شيء متاح في الحرب والحب.»
ضحك ياسين: «ماشي يا خبرة. قولي إنت فين؟ أنا بتكلم بجد كتب كتابي اليومين الجايين.»
«لا يا قلبي إنت مضطر تأجل شوية. أنا في شغل في الغردقة ومش راجع قبل أسبوع ويمكن أكتر.»
شهق الآخر: «نعم يا أخويا؟ لا يا قلبي، اعتبرني مكلمتكش. إنت فاكر إني ممكن أجل أكتر من كده؟ ده أنا أموت فيها.»
قال سليم بتحدي: «تبقى تعملها يا ياسين وتتجوز وأنا مش موجود. شكل ضربي وحشك.»
ياسين بخوف: «لا يا عم خلاص، بس أبوس إيدك ما تتأخر. أنا لو صبرت أكتر من كده هيجرالي حاجة.»
ضحك سليم: «لا يا بطة، متخافش، مش هتأخر. اجمد إنت شوية، ومبروك يا ياسو.»
قال ياسين بفرحة «الله يبارك فيك يا سليم، عقبالك.»
تنهد الآخر بشوق: «ياااارب.»
_____________________________________________________________
في الغردقة
كانت تقف بشرفة جناحها، نسمات الهواء تداعب خصلات شعرها وهي تتنفس الهواء البارد، وابتسامة خفيفة على وجهها كلما تذكرت ما حدث. رفعت إصبعها الذي قبّله ونظرت له بشرود وهي تتنهد، لكن.. ثوانٍ ونزلت إصبعها وهي تهز رأسها بخجل.
فجأة دوّى صوت وصول رسالة على هاتفها، خرجت من الشرفة بسرعة والتقطت الهاتف الموضوع على السرير، لتجد رسالة من سليم.. مضمونها:
«ممكن تقبلي عزومتي على العشا؟ البسي فستان حلو زيك وقابليني في مطعم المنتجع اللي في..»
قرأت الرسالة، وابتسامة خفيفة على شفتيها. نظرت أمامها بشرود، تفكر: أتقبل عرضه أم لا؟
ظلت هكذا لثوانٍ، قبل أن تقول بعد تفكير: «أنا هشوفه بس عايز إيه، وهطلع علطول عشان أنام.»
لتركض بسرعة للداخل، وبداخلها حماس، تفكر ماذا سترتدي.
بعد مرور نص ساعة، نزلت لأسفل ووصلت للمطعم الذي وصفه لها في الرسالة.
كان المكان خاليًا تمامًا ومعتمًا، لا يدل على وجود أحد تمامًا. قطبت جبينها باستغراب، وكادت أن تستدير لتذهب ظنًا أنها وصلت للمكان الخطأ، لكن وبمجرد أن خطت أول خطوة أضيئت الأنوار، ليظهر جمال المكان.
ساحة واسعة بدون سقف، فالسماء بالأعلى مباشرة مزينة بنجوم لامعة، إضاءة خافتة بسبب ضوء الشموع الموجودة على الطاولات، والورود الحمراء متناثرة على الأرض، والكهارب ذات الأضواء الذهبية موزعة في أركان المطعم، موسيقى هادئة مشغلة في الخلفية، وبسبب انكشاف المكان فكان الجو باردًا بشكل لطيف، نسمات الهواء تحرك مفارش الطاولات بنعومه.
مدت نظرها أكثر، لتلمحه.. يقف بجانب إحدى الطاولات، يرتدي قميصًا كحليًا أنيقًا مع بنطال كلاسيك باللون الأسود، عطره المميز يصل لها بالرغم من المسافة بينهم.
أما هو، فاقترب منها بخطوات بطيئة، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة، يتأمل جمالها الساحر في الفستان الأبيض بقماش الدانتيل، ينساب برقة على جسدها ليصل لبداية ركبتها، بينما تركت شعرها حرًا خلفها بشكل مموج ليعطيها مزيدًا من الرقة والأنوثة، واكتفت بميكب خفيف أبرز ملامحها الملائكية.
وقف أمامها مباشرة وقال بصوته الرجولي العميق: «شكرًا إنك جيتي.»
فركت أصابعها بتوتر: «أنا جيت بس أشوفك عايز إيه، لتكون حاجه مهمه تبع الشغل، وبعدين أصلًا أنا لازم أطلع أوضتي عشان أنام، لأني مرهقة أوي.»
استدارت بجسدها وكادت أن ترحل، لكنها توقفت فجأة عندما شعرت بيده الصلبة تمسك يدها.
نظرت له بدهشة، ليقول: «ريحانة، ممكن تقعدي شوية؟ عايز أتكلم معاكي في حاجة مهمة.»
أومأت برأسها بدون وعي، وذهبت معه لطاولة، جلسا بهدوء لتنظر ريحانة له باستغراب، لا تعلم سبب موافقتها على أوامره في كل مرة، على الرغم من أنها تريد الرفض، لكنها بمجرد سماعها لصوته الرجولي المسيطر تشعر بغياب عقلها.
وقع نظرها على الطاولة، لتتفاجأ بأنها مليئة بأصناف متعددة من طعامها المفضل.
ريحانة بدهشة: «إيه ده؟»
ابتسم سليم ابتسامة دافئة: «أكلاتك المفضلة.»
هزت رأسها بدهشة: «بس إنت عرفت إني بحب الأصناف دي إزاي؟»
ضحك سليم بمرح: «ريحانة، إحنا نعرف بعض بقالنا أكتر من سنة ونص، فأكيد أعرف أكلاتك المفضلة.»
لكنه توقف فجأة عن الكلام عندما أدرك معنى كلماته. رفع عينه تجاهها ليجدها تنظر له بحزن وألم.
تنهدت ريحانة بوجع وقالت بنبرة مليئة بالسخرية: «آه، سنة ونص، منهم سنة مكنتش معايا فيها.. صح يا سليم؟»
تنهد سليم باستسلام: «ريحانة، أنا عرفت الحقيقة من بعد مرور شهر من يوم فرحنا، بس مرضتش أرجع أظهر في حياتك عشان مبوظهاش.»
لمعت عيون ريحانة بدموع وقالت بوجع: «متبوظهاش!؟ لا والله، كتر خيرك إنك مهتم بمصلحتي، بس معلش عندي فضول يا سليم بيه، إيه بالظبط اللي مكنتش عايز تبوظه في حياتي؟»
قال سليم بجدية: «أنا بعد ما عرفت الحقيقة كان نفسي أرجعلك، لكن لقيتك بدأتي ترجعي لحياتك من تاني وتنزلي الجامعة، اضطريت أستنى أما السنه تخلص عشان تكوني اتخرجتي، لأني عارف إني لو كنت ظهرت في حياتك في الوقت ده كنتي هتتشتتي.»
ظلت ريحانة تنظر له بذهول وعدم تصديق. ثوانٍ وبدأت في الضحك بشكل هستيري، لدرجة أنها أثارت استغراب وقلق سليم، ليقول بحنق: «ريحانة خلاص.»
لم تستمع ريحانة لكلامه، واستمرت في الضحك بصوت عالٍ، لينغاظ سليم من حالتها تلك ويخبط بيده على الطاولة بغضب: «ريحانة، قولتلك بسسس!»
توقفت ريحانة فجأة عن الضحك، وأغمقت عينيها ببرود، قائلة: «إنت غريب أوي يا سليم. حقيقي كل ما أفتكر إني بقيت فهماك، برجع أكتشف إني غلطانة.»
لتكمل بحنق: «يعني إنت استنيت سنة كاملة تمر وإحنا بعاد، لمجرد إن ظهورك في حياتي تاني هيبوظها؟ لا... أحب أعرفك حاجة،حياتي برجوعك مكانتش هتبوظ، لأن مكانش فيه حياة أصلًا.»
صمت سليم وهو ينظر بألم، لتكمل والدموع تلمع في عينيها الفيروزية، لكنها تأبى النزول: «انت دمرت حياتي قبل ما تسافر، فمتفتكرش إن السيناريو اللي لسه قايلة دلوقتي بتاع ... أنا بعدت لمصلحتك وكنت عايزك تتخرجي الأول عشان أرجع تاني أظهر في حياتك.
هيدخل عليا يا سليم.»
لتصمت لثوانٍ تسترد أنفاسها بصعوبة بسبب شهقات البكاء المسيطرة على صوتها: «إنت تعرف أنا كنت محتاجالك إزاي؟ عندك فكرة أنا كنت راسمة حياتي المستقبلية معاك إزاي؟ كنت بحلم إني بعد الجواز بكام شهر هكون بحضر لتخرجي، كنت راسمة في خيالي قد إيه اليوم ده هيكون جميل بوجودك جنبي، وإنت طالع على المسرح بتديني بوكيه الورد وأنا واقفة بستلم الشهادة ووو..»
ليقاطعها سليم فجأة بكلماته: «بس أنا كنت فعلًا موجود هناك يوم تخرجك يا ريحانة.»
صمتت ريحانة بصدمة، تقطب جبينها باستغراب، لتقول: «إزاي؟»
تنهد سليم: «أنا نزلت يومها مصر مخصوص.. عشان أشوفك وإنتي بتتخرجي.»
ابتسم ابتسامة دافئة وهو يتذكر: «كان شكلك جميل أوي، لابسة فستان نبيتي بحزام من عند الوسط، وعليه روب التخرج الأسود، ومسيبة شعرك، ولابس على راسك قبعة التخرج.
أنا كنت واقف بعيد، بعيد خالص، عند باب القاعة، شايف وهما بينادوا اسمك، وإنتي بتقومي وبتطلعي على المسرح. كنتي ماشية براحة بسبب الكعب اللي لابساه، وقفتي سلمتي على الدكاترة واستلمتي شهادتك.. وقفتي كام ثانية تتصوري، وإنتي بتصوري كنتي بتضحكي، لكن ضحكة مش حقيقية. لمحت دمعة نزلت من عينك وإنتي مسحتيها بسرعة، وبعدها نزلتي من الناحية التانية، سلمتي أهلك وصحابك.»
رفع سليم عينه لها وهو يقول بحب: «كنت متابع كل ده وباصصلك بفخر. كان نفسي أوي أدخلك وأضمك في حضني وبعدين واشيك وألف بيكي.»
مد سليم يده في جيب بنطاله وأخرج هاتفه، ليفتحه ثم يرفعه في وجهها، لتشهق ريحانة بصدمة، فهو يضع صورتها وهي تستلم شهادة التخرج خلفية لهاتفه.
كانت ستكذب كل ما قاله، كانت ستتهمه أنه شاهد صورها من أي مكان، لكن تلك الصورة على هاتفه ووصفه الدقيق لكل حركة فعلتها بذلك اليوم أكدت لها أنه بالفعل كان موجودًا.
رفعت عينيها المليئة بالدموع وهمست بضعف: «سليم، إنت عايز مني إيه؟»
ظل سليم ينظر لها بصمت لثوان، لكن فجأه نهض وتحرك خطوات ناحيتها، ثم مد يده لها.
رفعت رأسها له وهي تنظر بحيرة، لتجده يتأملها بحب واضح، عيناه السوداوان تلمعان من فرط المشاعر، وهو ينتظر أن تضع يدها بيده.
وجدت نفسها وكأنها مسلوبة الإرادة، تمد يدها وتضعها بين يديه، لتسري قشعيرة في أوصالها عندما شعرت بالدفء الذي أحاط بيدها.
جذبها برقة شديدة وأوقفها أمامه مباشرة، ثم مد ذراعه وأحاط بخصرها، وما زالت يده الثانية تحضن كف يدها. نظر لها بعشق دفين، ليجدها تنظر له بتوهان، عيناها شبه نائمتين من تأثير المشاعر بداخلها، لكنها انتفضت فجأة عندما طرقع بأصابعه في الهواء. ثوانٍ وتغيرت الموسيقى لإحدى أغاني عمرو دياب التي تعبر عن الحالة التي يعيشوها الآن.
بدأ سليم بالتحرك بها ببطء شديد، خطوات بسيطة تكاد تكون منعدمة، ذراعه يحتضن خصرها ليحيطه بالكامل، يضغط على خصرها برفق ليقربها منه بشدة، لدرجة أن أنفاسه الدافئة اختلطت بأنفاسها المتوترة.
<<مقدرش ع النسيان، ولو طال الزمان
دايما على بالي، وعمري ما نسيت
ياما قالي إحساسي، هنرجع في أمل
وبقلبي غنتلك، وفي دروبك مشيت
نظرت له ريحانة بتوهان، عيناها تزوغ من عينيه التي تلاحقها بإصرار، ليقوم سليم بمد يده ورفع ذقنها،يجبرها للنظر داخل عينيه ،ويكمل مع الأغنية.
<<أنا لسه عايش ليك وقلبي ليك بيحن
وكم ليلة من لهفة أشواقي ناديت
إزاي حبيبي أنساك؟ ومين غيرك أحن؟
عايش على الذكرى وعمري ما نسيت
سند جبينه على جبينها بشجن، يتنفس أنفاسها بجنون.
<<ترجعلي زي زمان مفيش وقت لزعل
أيامنا وحشاني إرجع مستني إيه؟
قولي أعمل إيه تاني، أكثر من اللي إتعمل
بعدك على عيني ومش قادر عليه
مع انتهاء آخر كوبليه في الأغنية، كان سليم يقترب بشكل خطر منها، بينما إنذارات التحذير تدوي داخل عقل ريحانة، لكن قلبها مستسلم تمامًا..
كلاهما مغلقان أعينهما، غائبين عن الواقع، وفجأة ... دوى صوت آخر شخص تمنى سليم أن يراه الآن، في هذا المكان.. وفي هذه اللحظة.
«سليم بيه وريحانة هانم، مساء الخير.»
لم تفق ريحانة، بل ظلت مغمضة عينيها، بينما فتح سليم عينه بضجر ونظر بطرف عينه لمصدر الصوت. ثوانٍ وسب في سره أسوأ الشتائم، وهو يرى على بعد خطوات منهم ... يقف مراد، واضعًا يده في جيب بنطاله، ينظر له بتحدٍّ واضح.
__________________________________________________
دخل القصر في وقت متأخر من الليل، كان يسير بخطوات بطيئة وملامحه مظلمة، وما إن خطى أول خطوة على درجات السلم حتى توقف على صوت والده يناديه:
«يزن.»
استدار يزن ناحية الصوت ليجد أدهم يجلس على أريكة في ردهة القصر.
قال أدهم: «تعالى يا يزن، عايزك.»
قال يزن بنبرة متعبة وملامح النوم، والإرهاق مرسوم على وجهه: «معلش يا بابا، أنا مش قادر، خليها بكره.»
نهض أدهم واقترب حتى وقف أمامه مباشرة، وسأله باستغراب: «مالك يا يزن؟ شكلك مش عاجبني.»
تنهد يزن: «مفيش يا بابا، مرهق بس شوية وعايز أنام.»
أدهم بشك: «متأكد إنك كويس؟»
أومأ يزن برأسه، ثم استدار: «عن إذنك يا بابا، تصبح على خير.»
صعد درجات السلم أمام أنظار أدهم، الذي يرمقه بحيرة من مظهره الغريب، ليهمس:
«يا ترى فيك إيه يا يزن؟»
_____________________________________________________________
ابتعدت ريحانة سريعًا بعدما لاحظت وجود مراد، لتضم شفتيها بإحراج، فبالتأكيد رآها مع سليم في هذا الوضع، لتقول بتلعثم:
«أنا هطلع أوضتي بقى عشان أنام، عن إذنكم.»
ركضت بسرعة خارج من المطعم، ليبقى بالمكان سليم ومراد ينظران لبعضهما بنظرات مليئة بالتحدي، خصوصًا سليم الذي يرمقه بنظرات شر وغضب؛ لأنه أفسد عليه اللحظة، فلو كانت النظرات تصيب، لوقع مراد صريعًا على الأرض.
اقترب مراد حتى وقف أمامه قائلًا بابتسامة سمجة: «سليم بيه، ده حظي حلو النهاردة إني أشوفك مرتين في اليوم.»
ظل سليم صامتًا ينظر له ببرود.
أكمل مراد وهو ينظر للمكان بعد أن لاحظ تجاهل سليم : «بس ذوقك حلو أوي يا سليم بيه، ده أنا معرفتش المطعم رغم إنه بتاعي.»
سليم بسخرية: «أنا طول عمري ذوقي حلو.»
مراد بحقد: «عندك حق، كفاية إنك اخترت ست زي ريحانة.»
جز سليم على أسنانه بغضب: «إنت اتجننت؟ أنا ميهمنيش إنك صاحب المنتجع، لو محترمتش نفسك، ملكش عندي إلا لوكمية في وشك، عشان اللي بتتكلم عنها دي تخصني.»
ضحك مراد بمرح وقال: «إنت محموق أوي كده ليه يا سليم بيه؟»
ثم أكمل بسخرية: «إنتوا مش اتطلقتوا؟ يعني خلاص مبقتش تخصك.»
رفع سليم حاجبه باستنكار، وقال: «ده إنت طلعت مش سهل بقى، وعرفت عننا كل حاجة في ظرف كام ساعة.»
مراد بابتسامة ماكرة: «مفيش حاجة صعبة عليا يا سليم بيه.»
أومأ سليم برأسه ببرود، قائلًا: «ماشي... بس متدورش كتير عننا بقى عشان متتعبش، وخليك في نفسك.»
ثم وضع يده على كتف مراد وقال بتحذير: «ملكش دعوة بريحانة عشان محطكش في دماغي.»
ضحك مراد: «وأنا طول عمري أتمنى إن سليم الدالي بنفسه يحطني في دماغه، بس أنا هكون صريح معاك عشان أنا بحترمك.»
أزال يد سليم عن كتفه وقال بتحدي: «الصراحة أنا معجب بريحانة.»
قبض سليم على يده بشدة لدرجة ابيضت مفاصله من قوة الضغط، وقال بغضب: «صدقني، هيكون آخر يوم في عمرك لو فكرت تقرب منها.»
قال مراد ببرود: «بس هي خلاص مبقتش مراتك، ومش من حقك تبعدني عنها.»
قال سليم بابتسامة سمجة: «خلاص، اعتبرها مراتي.»
قطب مراد جبينه باستغراب: «يعني إيه؟»
تنهد سليم وقال ببرود: «خليك في نفسك يا مراد، واحذر مني عشان قلبتي وحشه اووي، أتمنى متجربهاش.»
ثم غادر المكان، وهو يسير ببطء، يضع يديه في جيب بنطاله، ويصفر ببرود، تاركًا مراد الذي ينظر أمامه بشرود، يفكر في معنى كلمات سليم المبهمه.
_____________________________________________________________
في صباح يوم جديد،
دق ياسين على باب شقة آيات، وعلى وجهه ابتسامة واسعة. انتظر ثواني حتى فتحت آيات، التي بمجرد أن رأته ابتسمت بخفة، قائلة برقة:
«ياسين.»
قال الآخر بشجن، وهو يتأمل وجهها الملائكي الملوف بحجاب الإسدال:
«يا قلب ياسين، صباح الخير يا حبيبتي.»
ابتسمت بخجل من كلماته الرومانسية التي أصبحت معتادة عليها مؤخرًا، فهو لا يفوت فرصة إلا ويغدقها بكلماته العاشقة.
«صباح النور، رايح الشغل؟»
قال ياسين بابتسامة: «لأ، أنا مش رايح العيادة النهارده.»
آيات بتفاجؤ ممزوج بقلق: «ليه؟ إنت كويس؟ تعبان ولا حاجة؟»
رفع ياسين حاجبه بعبث، وقال بمكر:
«خايفة عليا ولا إيه؟»
ضمت شفتيها بتوتر: «ياسين، بس بقى، قول بجد مش هتروح العيادة ليه؟»
ابتسم بمكر وهو يرمقها بجانب عينه:
«أصلي كنت بفكر كده، بما إن النهارده الجمعة، نخرج أنا وإياد ونفطر برة في الكافيه اللي إياد بيحبه.»
شهقت آيات بفرحة:
«بجد يا ياسين؟»
رفع حاجبه باستنكار:
«إيه؟ حيلك، اتبسطتي كده ليه؟ ده إياد اللي هييجي معايا مش إنتي. »
عبست بوجهها بطفولة، وقالت بدلع:
«ياسين.»
تنهد بعشق : يا قلبه، ثم أكمل:
«خلاص، هعطف عليكي وآخدك معانا.»
سقفت بيدها بحماس:
«ماشي، أنا هدخل ألبس وأجهز إياد.»
همس ياسين بشجن وشقاوة:
«عقبال ما تجهزوا في بيتي يا رب. إمتى بقى يا سليم الزفت ترجع من الغردقة عشان نكتب الكتاب»
آيات بابتسامة خجولة:
«ياسين، بس.»
ضحك ياسين على خجلها الذي يعشقه، ثم قال:
«خلاص هسكت. يلا ادخلي اجهزي، عقبال ما أنزل أسخن العربية.»
أومأت برأسها بابتسامة، وكانت على وشك قفل الباب، إلا أنها توقفت فجأة وقالت:
«ياسين.»
استدار ياسين، الذي كان على وشك الوصول لباب المصعد:
«نعم؟»
ضمت شفتيها بابتسامة خجولة، وقالت بهمس مستحي:
«على فكرة أنا كمان مستنية سليم صاحبك يرجع عشان نكتب الكتاب.»
اتسعت عينا ياسين بصدمة، بينما آيات أغلقت الباب على الفور هاربة بعد ما قالته، وتركت ذلك المسكين يقف بمفرده، وما زال أثر الصدمة مرسومًا على ملامحه.
ليقول ببهوت:
«هي قالت إيه؟ ثواني، يعني معناها إنها مستنية نتجوز زيي؟»
شهق بخضة، وركض ناحية باب شقتها:
«استني هنا! إنتي قصدك إيه بالظبط؟»
بعد مرور نصف ساعة، خرجت آيات من بوابة العمارة برفقة إياد، الذي كان يقفز من السعادة.
ابتسمت بحب وهي تلمح ياسين يقف في الجهة الأخرى من الطريق، ينتظرهم بجانب سيارته ويؤشر لهم بابتسامة دافئة.
أمسكت بيد إياد وهي تعبر الطريق، بينما عيناها مركزة على ياسين، تنظر له بابتسامة سعيدة، لكن... فجأة تغير المشهد تمامًا.
صوت صرير عجلات سيارة يقترب بشدة تجاه آيات وإياد، وملامح ياسين تتغير. آيات تنظر بجانبها تجاه مصدر الصوت، قبل أن تتسع عيناها برعب وهي ترى سيارة على بُعد سنتيمترات منها. لتمسك إياد في حضنها بحماية، وياسين يركض تجاههم وهو يصرخ برعب... لكن فات الأوان، فقد كانت السيارة أسرع، وصدمت آيات وإياد ودفعتهم على الرصيف.
وفي نفس اللحظة، يخرج من السيارة شخص ملثم بيده سلاح، وأطلق رصاصة ... استقرت في ياسين.
