رواية كيس أسود الفصل الأول 1 بقلم ملك ابراهيم

 


رواية كيس أسود الفصل الأول بقلم ملك ابراهيم 


_في منطقـة الطالبيـة... لقـوا كيس أسـود مرمـي جنـب صنـدوق زبالـة في شـارع جانبـي، ولمـا واحـد مـن عمـال النظافـة قـرر يفتحـه علشـان يشـوف إيه إللي جـواه... اكتشـف إن إللي جـواه مـش مجـرد زبالـة، دي كـانت طفلـة صغيـرة!..

كُنت قاعـد مكانـي وأنا بحـاول أخلـص شـوية ورق متراكميـن على مكتبـي، وفي إيـدي كوباية شـاي بـاردة من كُتـر ما نسيتـها، لحد ما بـاب المكتب اتفتـح فجـأة ودخـل عليـا مُـراد ابن الست ميـادة الكيـادة، وهـو بيجـري وكأنـه خـارج من فيلم أكشـن فاشـل!..

رفعـت عينـي من على الـورق وبصيـتله باستغـراب، خصوصًا إنـه كـان ماسـك ساندويتـش في إيـده، والغريـب إنـه لسه بيـاكل فيـه رغـم إنـه داخـل عليـا بالشـكل ده!..

_في إيه يا مُـراد؟! إنتَ داخـل تجـري كده ليـه؟! حـد وراك ولا الساندويتـش خلـص؟!..

وقـف قُدامـي وهـو بياخـد نفسـه بالعافيـة، وبعدهـا بلـع آخـر حتـة في بُقـه وقـال..

_يا كريـم باشـا، عندنـا مصيبـة في الطالبيـة!..

حطيـت القلـم على المكتب وبصيـتله بتركيـز، لأن كلمـة مصيبـة دي بالتحديـد مبقتـش بسمعهـا منـه غيـر لمـا تكـون فيـه جريمـة جديـدة هتخلينـي أندم إنـي صحيـت من النـوم!..

_مصيبـة إيه تانـي؟! ما تتكلـم عـدل يا أخـي، هـو إنتَ بتدفـعلي على الكلمـة ولا إيه؟!..

قـرّب منـي ومـد إيـده بورقـة، وأنا أخدتهـا منـه وبدأت أقـرا إللي مكتـوب فيهـا..

«بلاغ بالعثور على طفلـة مجهولـة الهويـة داخـل كيس أسـود، مُلقـى بجـوار صنـدوق زبالـة في أحـد الشـوارع الجانبيـة بمنطقـة الطالبيـة»..

فضلـت باصـص للورقـة ثوانـي، وبعدهـا رفعـت عينـي لمُـراد وسألتـه بجديـة..

_الطفلـة دي عندهـا كام سنـة؟!..

_لسـه مش معـروف يا باشـا، بس إللي بلغـوا بيقولـوا إنهـا صغيـرة أوي!..

قومت من مكانـي وأنا بسحـب تليفونـي ومفاتيـح عربيتـي..

_طب إنتَ واقـف هنـا ليـه؟! يلّا قُدامـي!..

مُـراد بص للسندويتـش إللي في إيـده، وبعدهـا بصلي بتـردد وقـال..

_طب آخـد السندويتـش معايـا يا باشـا؟!..

بصيتلـه بصدمـة، والله العظيـم كنـت محتـار هـو بنـي آدم طبيعـي ولا حالـة محتاجـة دراسـة من الطـب النفسـي!..

_خـده يا أخـي، وخـد معـاه كيـس بطاطـس كمان، يمكـن الطفلـة تكـون مستنياك تتغـدى معاهـا!..

بصلي بغيـظ، وبعدهـا جـري ورايـا وهـو بيقـول..

_والله ما أنـا عـارف إنتَ بتتريـق عليـا ليـه، ما أنـا بسـأل سـؤال عـادي!..

خرجـت من القسـم، وركبـت عربيتـي، ومُـراد ركـب جنبي، وبعدهـا اتحركـت ناحيـة الطالبيـة، وطـول الطريـق كنـت بفكـر في البلاغ إللي وصـل لنـا..

طفلـة صغيـرة، مرميـة جـوا كيس أسـود، في شـارع جانبـي في الطالبيـة!..

ميـن إللي ممكـن يعمـل كده؟! وإيه إللي يخلي حـد يوصل بيـه الأمـر إنـه يتخلـص من طفلـة بالشـكل ده؟!..

أسئلـة كتيـر بـدأت تلف في دماغـي، لكـن مكنـش عندي إجابـة واحـدة أقـدر أعتمـد عليهـا..

وبعـد حوالـي نص ساعـة، وصلنـا لمـكان البلاغ..

نزلـت من العربيـة وأنا ببـص حواليـا، لقيـت عـدد من النـاس واقفيـن على مسافـة من صنـدوق الزبالـة، وفيـه اتنيـن من أفـراد الشرطـة بيحاولـوا يمنعـوا النـاس من الاقتـراب من المكـان..

طلعـت بطاقتـي، وعـديت من بينهـم، ومُـراد كـان ماشـي ورايـا وهـو بيبـص حواليـه بقلـق..

أول ما قـربت من مـكان العثـور على الكيس، وقفـت مكانـي..

كـان فيـه كيس أسـود كبيـر مرمـي على الأرض، جنـب صنـدوق الزبالـة مباشـرة، وحواليـه أفـراد الأدلة الجنائيـة إللي بـدأوا يفحصـوا المكـان ويسجلـوا كل تفصيلـة فيـه..

قـرّبت من أحـد الضبـاط وسألتـه..

_ميـن أول واحـد شـاف الكيس؟!..

رد عليـا وهـو بيشـاور ناحيـة راجـل واقـف بعيـد شويـة عن المكـان..

_عامـل النظافـة يا باشـا، بيقـول إنـه كـان بيلم الزبالـة، ولمـا شـاف الكيس تقيـل ومقفـول بطريقـة غريبـة، شـك إن فيـه حاجـة مش طبيعيـة، ولمـا فتحـه اكتشـف وجـود الطفلـة وبلـغ فورًا..

بصيـت ناحيـة الراجـل، وبعدهـا رجعـت بصيـت للكيس، وأنا بسـأل..

_حـد لمـس الكيس قبـل وصولنـا؟!..

_عامـل النظافـة فتحـه يا باشـا، لكـن أول ما شـاف الطفلـة، بعـد عنهـا ومقـربش منهـا تانـي، وإحنـا وصلنـا بعدهـا بدقايـق..

هزيـت راسـي، وبعدهـا بصيـت لفـرد الأدلة الجنائيـة إللي كـان واقـف جنـب الكيس..

_عـاوز فحـص كامـل للمكـان، وشوفـوا لو فيـه أي آثـار أو حاجـات متروكـة حوالين الكيس، ومحدش ينقـل أي حاجـة قبـل ما تتسجـل وتتوصّـف..

رد عليـا باحتـرام، وأنا بـدأت أبـص على الشـارع من حواليـا..

الشـارع كـان جانبـي وهادي نسبيًا، وفيـه محـلات صغيـرة ومبـاني سكنيـة، لكـن الغريـب إن محدش من الموجوديـن قـدر يقـول إنـه شـاف شخـص غريـب وهـو بيرمـي الكيس..

لفيـت ناحيـة عامـل النظافـة، وطلبـت منـه يقـرب..

كـان راجـل في منتصـف العمـر، بـاين علىٰ وشـه التـوتر، وعامـل يبـص ناحيـة الكيس ويرجـع يبعـد عينيـه عنـه..

_اسمـك إيه؟!..

_صبحـي يا باشـا..

_طيب يا صبحـي، احكيلي من الأول.. إنتَ لقيـت الكيس إمتى، وعملـت إيه بالظبـط؟!..

بلـع ريقـه قبـل ما يـرد..

_أنـا كنـت بلم الزبالـة زي كل يـوم يا باشـا، ولمـا وصلـت عند الصنـدوق ده، لقيـت الكيس مرمـي على الأرض بعيـد عنـه شويـة، وكـان تقيل، فافتكـرت إن حـد رامـي فيـه حاجـات قديمـة.. بس لمـا قـرّبت منـه، حسيـت إن فيـه حاجـة مش طبيعيـة، ففتحتـه، ولمـا شوفـت الطفلـة... والله ما عرفـت أعمـل إيه!..

فضلـت باصـصله شويـة، وبعدهـا سألتـه..

_الكيس كـان مربوط؟!..

_أيوه يا باشـا، كـان مقفـول، بس مش مربوط ربـط جامـد..

_طيب، شوفـت حـد وهـو بيرميـه؟! أو لاحظـت أي عربيـة واقفـة في الشـارع بشكـل غريـب؟!..

هـز راسـه بالنفـي..

_لأ يا باشـا، أنـا مشوفتـش حـد، بس فيـه حاجـة افتكرتهـا دلوقتي..

عقـدت حواجبي وأنا بقـرّب منـه خطـوة..

_إيه هـي؟!..

بص ناحيـة الشـارع، وبعدهـا رجـع بصلي وقـال..

_أنـا لمـا وصلـت هنـا الصبـح، الكيس مكـانش موجـود.. بس لمـا رجعـت من أول الشـارع، لقيتـه مرمـي في مكانـه..

بصيـت للمكـان مـرة تانيـة، وبعدهـا رجعـت بصيـتله..

_يعنـي إنتَ متأكـد إنـه مكـانش موجـود قبـل كده؟!..

_أيوه يا باشـا، متأكـد..

سكت شويـة وأنا بفكـر في كلامـه، وبعدهـا طلبـت من أحـد الضبـاط إنـه يسجـل أقوالـه كاملـة، ويتأكـد من توقيـت مـروره بالمكـان..

رجعـت ناحيـة الكيس، ووقفـت على مسافـة مناسبـة، وعينـي كانـت بتتنقـل بينـه وبين الشـارع إللي حواليـه..

كنـت بحـاول أرتـب كل تفصيلـة في دماغـي، لكـن مفيـش حاجـة كانـت كفايـة علشـان توصلنـي للشخـص إللي عمـل كده..

لحد ما مُـراد قـرّب منـي، وكـان لأول مـرة من ساعـة ما وصلنـا ساكـت تمامًا، وده في حـد ذاتـه كـان حاجـة تدعـو للقلـق!..

بصيـتله وقلت..

_مالك يا مُـراد؟! إنتَ سكت ليـه؟!..

بص ناحيـة الكيس، وبعدهـا بصلي بجديـة وقـال..

_يا كريـم باشـا، أنـا مش عـارف ليـه حـاسس إن الموضـوع مش مجـرد حـد رمـى طفلـة ومشـي!..

رفعـت حاجبـي وأنا بسألـه..

_أومـال إيه يا عبقـري زمانـك؟!..

بص ناحيـة الكيس، وبعدهـا قـال..

_بص يا باشـا، لو حـد كـان عـاوز يتخلـص من حاجـة ويرميهـا، كـان رماهـا وسـط الزبالـة وخـلاص.. إنمـا الكيس دا مرمـي على جنب، بعيـد عن الصنـدوق، وفي مكـان واضـح لأي حـد معـدي من الشـارع..

فضلـت باصـص للمكـان، وكلامـه بـدأ يخلينـي أفكـر في احتمـال مكنتش واخـد بالـي منـه..

هـل الشخـص إللي سـاب الكيس كـان بيحـاول يخفـي الطفلـة؟! ولا كـان عـاوز حـد يلاقيهـا؟!..

الفرق بين الاحتمالين كبيـر، وكل واحـد فيهـم ممكـن يغيّـر اتجـاه القضيـة بالكامـل..

وقبـل ما أرد عليـه، جه واحـد من أفـراد الأدلة الجنائيـة ووقـف قُدامـي وهـو بيقـول..

_كريـم باشـا، إحنـا هننقـل الطفلـة للمستشفـى علشـان يتـم فحصهـا طبيًا، وهنكمـل فحـص الكيس والمكـان..

هزيـت راسـي، وبعدهـا بصيـت ناحيـة الكيس للمـرة الأخيـرة قبـل ما ألف وشي وأتحـرك بعيـد عنـه..

مكنتـش عـارف ميـن الطفلـة دي، ولا أهلهـا فيـن، ولا إزاي انتهـى بيهـا الأمـر في شـارع جانبـي في الطالبيـة..

لكـن كنـت عـارف إن أول خطـوة في القضيـة دي مش هتكـون معرفـة ميـن رماهـا وبس..

كـان لازم نعـرف هـي ميـن الأول، وإزاي وصلـت للمكـان دا..

لأن من غيـر هويتهـا، هتفضـل كل الطـرق مفتوحـة قُدامـي، وكل الاحتمـالات واردة..

ركبـت العربيـة مع مُـراد، واتحركنـا ناحيـة القسـم، وأنا طلبـت منـه يتواصـل مع المستشفـى ويتابـع نتيجـة الفحـص الطبـي، وفي نفـس الوقـت بـدأت أجهّـز طلبـات الحصـول على تسجيلات كاميرات المراقبـة الموجودة في الشـوارع والمحـلات القريبـة..

كنـت محتـاج أعـرف ميـن دخـل الشـارع، وميـن خـرج منـه، وهـل فيـه حـد ظهَـر في توقيـت العثـور على الكيس أو قبلـه بساعـات..

وصلنـا القسـم، وطلعـت على مكتبـي، فتحـت ملـف جديـد وكتبـت في أول صفحـة..

«قضيـة طفلـة الكيس الأسـود ـ الطالبيـة»..

فضلـت باصـص للاسـم شويـة، وبعدهـا سنـدت ضهـري على الكرسـي وأنا بفكـر..

قضيـة جديـدة، وضحيـة مجهولـة، ومفيـش أي خيـط واضـح..

لكـن إللي كـان شاغـل بالـي أكتر من أي حاجـة، هـو سـؤال واحـد..

ميـن الشخـص إللي سـاب طفلـة صغيـرة في كيس أسـود، ومشـي وكأن مفيـش أي حاجـة حصلـت؟!..

ولسـه هبـدأ أراجـع البلاغـات وأرتـب خطـوات التحقيـق، لقيـت بـاب مكتبـي بيتفتـح فجـأة، ومُـراد دخـل وهـو ماسـك تليفونـه في إيـده، ووشـه متغيّـر تمامًا..

رفعـت عينـي ليـه وقلت بقلـق..

_في إيه يا مُـراد؟!..

قـرّب منـي، وحـط التليفـون قُدامـي، وهـو بيقـول بصـوت متوتـر..

_كريـم باشـا... إحنـا عندنـا مشكلـة أكبـر ممـا كُنـا متخيلين!..

بصيـت للتليفـون، وبعدهـا رفعـت عينـي ليـه..

_مشكلـة إيه تانـي؟! انطـق يا بنـي آدم!..

بلـع ريقـه، وقـال..

_المستشفـى لسه مبلغانـا بحاجـة عن الطفلـة... حاجـة مش مفهومـة خالـص!..

سحبـت التليفـون من إيـده وأنا ببص للشاشـة، لكـن أول ما قريـت الرسالـة إللي وصلتلـه، حسيـت إن القضيـة دي بـدأت تاخـد اتجـاه مختلـف تمامًا عن كل إللي كُنـت متوقعـه..

لأن الطفلـة إللي لقيناهـا في كيس أسـود في الطالبيـة...

مكنتش مجهولـة زي ما إحنـا فاكرين!..


تعليقات