رواية للصدفة حديث اخر الفصل الأول بقلم سلسبيل احمد
يا خديجة!
يا بنتي الساعة بقت تمانية إلا ربع، مش هتروحي الشغل النهارده؟!
فتحت عيني بفزع، وبصيت للساعة.
تمانية إِلَّا ربع؟!
— يا نهار أبيض يا ماماااااا!
قومت من السرير بسرعة، واتكعبلت في طرف السجادة، وكنت هقع لولا إني لحقت نفسي في آخر لحظة.
— يا رب صبرني على اليوم اللي بدأ ده!
دخلت الحمام أجهز نفسي، وبعدها لبست وفضلت ألف في الأوضة أدور على الطرحة اللي كنت حطاها قدامي من بالليل.
وطبعًا، زي أي حاجة بحطها في مكان واضح، اختفت.
— مامااااا!
شفتي الطرحة البيچ بتاعتي؟!
— في الدولاب يا خديجة!
— مش موجودة!
— أمال أنا اللي هاخدها وأخبيها منك يعني؟!
— ما أنا مش بقول إنك خبيتيها يا ماما، أنا بس بقولك إنها مش موجودة!
سمعت صوت نورا من الصالة.
— يا ديجا، ما هي على الكرسي اللي جنبك أهي!
بصيت جنبي.
الطرحة كانت على الكرسي فعلًا.
سكتُّ ثانيتين، وبعدين أخدتها وأنا بتمتم:
— ماشي يا خديجة، ماشي. يومك أسود من أوله.
خرجت من الأوضة وأنا بظبط الطرحة، لقيت نورا قاعدة على السفرة بتاكل، وأول ما شافتني انفجرت في الضحك.
— إيه يا بنتي، إنتِ خارجة تحاربي ولا رايحة الشغل؟
بصتلها بغيظ.
— والله لو ما سكتي لأخليكي تروحي الجامعة حافية!
ضحكت أكتر.
— بحبك أوي لما بتبقي متعصبة كده.
— وأنا بحبك أوي لما بتبقي ساكتة.
ماما خرجت من المطبخ وهي ماسكة لانش بوكس الأكل بتاعي .
— خدي يا حبيبتي، حطيتلك الأكل هنا.
وخلي بالك من نفسك وإنتِ سايقة.
أخدتها منها وبوست إيدها.
— حاضر يا ماما، ادعيلي بس أوصل من غير ما أقتل حد في الطريق.
سمعت ضحكتها ورايا، ونزلت وأنا بقول لنفسي إن اليوم ده لازم يعدي على خير.
---
ركبت عربيتي، وحطيت الشنطة على الكرسي اللي جنبي.
كان عندي ميتنج في الشركة الساعة تسعة، وأنا أصلًا متأخرة، والطريق كان زحمة بطريقة تخلي الواحد يفكر يسيب العربية وينزل يجري.
فضلت أتحرك بالعافية لحد ما وصلت المنطقة اللي فيها الشركة.
وأخيرًا، قلت في نفسي وأنا باخد نفس ارتياح:
— الحمد لله، فاضل بس أركن وأطلع.
دخلت الشارع اللي جنب الشركة، ولقيت مكان ركنة فاضي قدامي، بس كان فيه عربية جاية من الناحية التانية.
بصيت للعربية، وبصيت للمكان.
وبما إني كنت أقرب للمكان، قررت أركن.
لفيت الدركسيون، ودخلت بالعربية في المكان قبل ما العربية التانية تلحق توصل.
ركنت، وطفيت العربية، وابتسمت لنفسي بانتصار.
— صباح الفل على الناس الشاطرة!
كنت لسه بفك حزام الأمان لما سمعت خبطة خفيفة على الإزاز.
بصيت ناحية الشباك، لقيت شاب واقف جنب عربيته، بيبصلي باستغراب.
نزلت الإزاز.
— نعم؟
بصلي وقال بهدوء:
— معلش، إنتِ دخلتي ركنتي هنا ليه؟
عقدت حواجبي.
— نعم؟!
أشار للمكان وقال:
— أنا كنت مستني المكان ده، وكنت لسه هركن.
بصيت للمكان، وبعدين بصيت له.
— طيب.
رفع حاجبه باستغراب.
— طيب إيه؟ يعني أنا مستني من شوية، وإنتِ دخلتي أخدتي المكان.
فتحت باب العربية ونزلت، وأنا حاسة إن أعصابي اللي كانت بايظة من الصبح قررت تنهي خدمتها رسميًا.
— بص يا أستاذ، أنا مش فاضية لحضرتك، عندي حياة ومشاوير، فوسّع كده بدل ما أضطر أشرحلك إزاي الشارع مش ملك باباك!
فضل باصصلي ثانيتين، وكأنه بيحاول يستوعب أنا قلت إيه.
وبعدين أخد نفس طويل وقال بهدوء:
— أنا مش هتخانق معاكي، أنا بس بوضحلك إنك دخلتي على المكان وأنا كنت بركن فيه.
بصيتله من فوق لتحت، وقلت بكل ثقة:
— والله أنا غلطانة إني وقفت أتكلم معاك أصلًا.
لفيت وشي، وفتحت باب عربيتي عشان أجيب شنطتي.
كنت خلاص هركب وأمشي، لولا إني سمعته بيتمتم بصوت واطي، لكنه كان مسموع كفاية بالنسبة لي:
— دي عبيطة دي ولا إيه؟!
وقتها بس حسيت إن الميتنج ممكن يستنى شوية.
قفلت باب العربية، ولفيت ناحيته ببطء.
— نعم يا أستاذ؟! إنت قولت إيه؟!
بصلي باستغراب، وكأنه نسي أصلًا إني موجودة.
— نعم؟!
— لا، متعملش فيها مش سامع!
إنت لسه قايل إيه دلوقتي؟!
رد بمنتهى البرود:
— ولا حاجة، اتفضلي شوفي مشوارك.
ضحكت بصدمة.
— لا والله؟!
ده إنت قليل الذوق كمان!
ما شاء الله، باكدج كاملة!
هز راسه وهو بيبص للناحية التانية.
— يا رب صبرني.
— آمين يا رب، وصبرني أنا كمان على الأشكال اللي بشوفها كل يوم!
أخدت شنطتي وقفلت العربية، ومشيت من جنبه وأنا بتمتم بكلام كتير، نصه دعوات ونصه اعتراضات على تربية البشر في الزمن ده.
أما هو، فسمعته بيقول لنفسه:
— أنا إيه اللي جابني الشارع ده من الصبح بس؟
والله العظيم لو ما كنت متأخرة، كنت وريته الشارع ده معمول إزاي!
مشيت وأنا متعصبة، وفضلت أراجع الموقف في دماغي لحد ما وصلت باب الشركة.
وقفت قدام المبنى الزجاجي الكبير، وبصيت للوجو المكتوب فوق المدخل.
ASL.
المكان اللي بقضي فيه نص يومي، واللي المفروض إني داخلاه أبدأ يوم شغل طبيعي.
أخدت نفس طويل، وعدلت الطرحة، وابتسمت ابتسامة مصطنعة للأمن وأنا داخلة.
— صباح الخير يا أستاذ محمود.
— صباح النور يا آنسة خديجة، إيه الأخبار؟
— الحمد لله، زي الفل.
زي الفل مين يا أستاذ محمود؟
ده أنا كنت لسه هشاكل مع واحد في الشارع!
ركبت الأسانسير، وطلعت للدور بتاع تيم الماركتنج.
أول ما دخلت، لقيت صاحبتي ملك قاعدة على مكتبها، بتشرب قهوتها وبتقلب في الموبايل.
بصتلي أول ما شافتني.
— صباح الخير يا ديجا، مالك؟
شكلك كأنك كنتِ بتتخانقي مع حد!
حطيت الشنطة على مكتبي، وبصيتلها بغيظ.
— متفكرينيش، أنا اتخانقت مع أرخم بني آدم شوفته في حياتي!
رفعت حاجبها، وحطت القهوة على المكتب.
— استني، استني...
إيه ده؟! وإحنا لسه في أول اليوم؟
احكيلي!
قعدت على الكرسي، وبدأت أحكيلها كل اللي حصل، من أول ما خدت المكان لحد ما الراجل قال عليا عبيطة.
وفي نص كلامي، لقيتها بتضحك لدرجة إنها مش قادرة تتكلم.
بصيتلها بصدمة.
— إنتِ بتضحكي على إيه يا بنتي؟!
مسحت دموع الضحك من عينيها وقالت:
— إنتِ إزاي بتعرفي تدخلي في خناقات مع الناس بالشكل ده؟!
— أنا؟! هو أنا اللي قليلة الذوق؟ ده أنا كنت هادية جدًا على فكرة!
ضحكت أكتر.
— آه، واضح فعلًا!
كنت لسه هرد عليها، لما صوت مديرة التيم جه من ورايا:
— صباح الخير يا جماعة، يلا كلنا على الميتنج روم. عندنا شغل جديد، وعايزاكم تركزوا معايا.
قومت بسرعة، وخدت اللابتوب بتاعي.
بصيت لملك وقلت:
— الحمد لله، شغل بقى. حاجة مفيدة بدل ما أفتكر الواد الرخم ده وأتعصب تاني.
ملك ابتسمت ابتسامة غريبة.
— ربنا يستر من الشغل الجديد يا ديجا.
بصتلها باستغراب.
— نعم؟ ليه يعني؟
هزت كتفها.
— مش عارفة، حاسة إن يومنا لسه في أوله.
بصيتلها بتهديد.
— ملك، لو فتحتي بقك بكلمة كمان، هسيبك وأقعد قدام .
ضحكت، ودخلنا الميتنج روم.
بعد ما مريم، مديرة تيم الماركتنج، خلصت كلامها عن الشغل الجديد، فضلت باصة لينا بابتسامة وهي بتقلب في الورق اللي معاها.
مريم: «طيب يا جماعة، عايزاكم تركزوا معايا في كام نقطة مهمة.
عندنا سفرية شغل لإسكندرية، وهنطلع يوم الجمعة الفجر، والفريق اللي هيسافر هو خديجة وملك وهنا ومحمد وحازم.»
ملك بصتلي بفرحة، وأنا ابتسمتلها. بصراحة، فكرة السفر كانت حلوة، خصوصًا إني بقالي فترة نفسي أغيّر جو شوية.
مريم: «والسفرية مدتها أسبوعين، فعايزة كل واحد فيكم يرتب ظروفه ويكون جاهز.
هنشتغل هناك على مشروع مهم للشركة، والتفاصيل هتعرفوها في الاجتماع الجاي.»
هنا: «أسبوعين كاملين ؟»
مريم: «أيوه يا هنا، أسبوعين.»
ملك، وهي بتبصلي: «يا بنتي أسبوعين في إسكندرية! ده إحنا هنرجع مش عايزين نرجع القاهرة أصلًا.»
ضحكت وأنا بلم حاجتي من على المكتب.
خديجة: «طب استني بس لما نعرف جدول الشغل، بدل ما تكوني متخيلة إننا رايحين نقضيها على البحر.»
ملك: «حتى لو هنشتغل طول اليوم، كفاية إننا هنغيّر جو.»
خديجة: «عندك حق والله، أنا فعلًا محتاجة أغيّر جو شوية.»
خلصنا كلامنا، وكل واحد رجع لشغله، وأنا كنت بفكر إزاي هرتب حاجتي وأجهز نفسي في يومين.
وأول ما اليوم خلص، لمّيت حاجتي وخرجت من الشركة، وأنا بفكر في كل الحاجات اللي لازم أعملها قبل يوم الجمعة.
طلعت موبايلي وكلمت ماما وأنا في طريقي.
ماما: «أيوه يا خديجة، خلصتي شغل؟»
خديجة: «أيوه يا ماما، أنا في الطريق أهو. بس عندي ليكي خبر.»
ماما: «خير يا حبيبتي، قلقتيني!»
خديجة، بضحكة: «يا ستي مفيش حاجة تقلق، إحنا عندنا سفرية شغل لإسكندرية يوم الجمعة الفجر.»
ماما: «سفرية؟ طب تمام، ربنا يوفقك. هتقعدوا قد إيه؟»
خديجة: «أسبوعين يا ماما.»
ماما: «أسبوعين؟ ماشي يا حبيبتي، ربنا معاكم،لما ترجعي نكمل كلامنا .»
خديجة: «حاضر يا حبيبتي.
ضحكت معاها، وحسيت إني اتبسطت لمجرد إني كلمتها.
خديجة: «طب يلا سلام دلوقتي، عشان قربت أوصل.»
ماما: «سلام يا قلب أمك.»
---
في الناحية التانية من الشركة، كان يحيى واقف قدام تيم التصوير والمونتاج بتاعه، ماسك شوية ورق وبيشرح لهم تفاصيل السفرية الجديدة.
يحيى: «بصوا يا جماعة، عندنا شغل جديد في سيوة، وهنسافر يوم الجمعة الفجر.
السفرية دي مهمة، والمشروع محتاج تركيز من أول يوم.»
سليم: «سيوة؟
طب هو إحنا هنلحق نجهز كل المعدات قبل الجمعة؟»
يحيى: «أيوه، لو كل واحد خلص الجزء بتاعه في معاده، مش هيكون عندنا أي مشكلة.»
فارس: «يعني مفيش مجال إننا ننسى حاجة ونشتريها من هناك؟»
يحيى بصله بهدوء.
يحيى: «فارس، إحنا رايحين نصور مشروع، مش رايحين نلعب لعبة البحث عن الكنز.»
سليم ضحك، وزينة هزت راسها وهي بتبتسم.
زينة: «والله عنده حق يا فارس، خلينا نخلص تجهيزاتنا الأول.»
فارس: «طب خلاص يا جماعة، أنا هسكت.
بس لما نوصل سيوة وتكتشفوا إنكم ناسيين أهم حاجة، متجيش حد يلومني.»
سليم: «أهم حاجة إيه؟»
فارس: الأكل طبعًا!
إنتوا فاكرين إني هسافر من غير ما أأمّن مستقبلي الغذائي؟
ضحكوا كلهم، حتى يحيى ابتسم غصب عنه، لكنه رجع يكمل كلامه.
يحيى: «بصوا، أنا مش عايز أي حاجة تتساب لآخر لحظة. كل واحد مسؤول عن معداته، وعايز كل حاجة تكون جاهزة قبل السفر. أي مشكلة تظهر، تبلغوني من دلوقتي، مش وإحنا في الطريق.»
سليم: «تمام يا يحيى، اعتبر كل حاجة خلصت.»
زينة: «وأنا هراجع معاك قائمة المعدات قبل ما نمشي.»
يحيى: «تمام يا زينة، شكرًا.»
رجع يحيى بص في الورق اللي معاه، وهو بيراجع تفاصيل المشروع في دماغه.
بالنسبة له، السفرية دي كانت شغل جديد محتاج منه تركيز وتنظيم، زي أي مشروع تاني مسكه قبل كده.
عدّى يومين بسرعة جدًا، وجِه يوم الجمعة اللي كنت مستنياه عشان أسافر إسكندرية وأغيّر جو شوية.
صحيت من النوم الفجر بالعافية، مع إني أصلًا مكنتش نمت من امبارح بسبب ما كنت بجهز حاجتي، وكل شوية أفتكر حاجة نسيتها وأقوم أدور عليها.
لحد ما ماما قالتلي إني لو فضلت كده، مش هحتاج أسافر عشان أتعب، أنا هتعب لوحدي!
وصلت مقر الشركة وأنا شايلة شنطتي، وعيني حرفيًا بتقفل لوحدها.
ملك: صباح الخير.
خديجة: «صباح النور يا حبيبتي، متتكلميش بصوت عالي عشان أنا حاسة إن مخي بيلف جوا دماغي.»
ملك: «إنتِ نمتي إمبارح؟»
خديجة: «طبعًا نمت.»
ملك: «بجد؟»
خديجة: «لا يا ملك، كنت بجرب إحساس إني أكون عايشة من غير نوم!»
ملك ضحكت، وأنا ابتسمت وأنا بحاول أفتح عيني بالعافية.
كان فيه أتوبيسين واقفين قدام الشركة، واحد خاص بسفرية إسكندرية والتاني خاص بسفرية سيوة، والناس بتتحرك حواليهم وكل واحد بيلم حاجته وبيجهز للركوب.
بصيت للأتوبيسين، وبعدها بصيت للموبايل اللي كنت بحاول أركز فيه بالعافية.
إحنا أنهي واحد فيهم بقى؟!
قربت من السواق اللي كان واقف جنب الأتوبيس وسألته:
خديجة: «لو سمحت يا عمو ، أتوبيس إسكندرية أنهي واحد؟»
السواق أشارلي ناحية الأتوبيس اللي واقف قدامه.
السواق: «اتفضلي يا بنتي، اركبي ده.»
خديجة: «شكرًا جدًا.»
طلعت الأتوبيس وأنا مش شايفة قدامي من النعاس، حطيت شنطتي، واخترت كرسي جنب الشباك، وربطت الحزام، وبعدها سندت راسي على الكرسي.
آخر حاجة كنت بفكر فيها قبل ما أنام هي إني أخيرًا هعرف أرتاح شوية.
وبالفعل، في ثواني كنت دخلت في النوم.
---
مش عارفة عدى قد إيه من الوقت، بس اللي صحاني إني حسيت إن فيه حد قاعد جنبي.
فتحت عيني بالعافية، وبصيت ناحية الشخص اللي جنبي، لقيت بنت محجبة وقمر، شكلها لطيف جدًا، وبتبصلي بابتسامة.
البنت: «صباح الخير.»
فركت عيني وأنا بحاول أفوق.
خديجة: «صباح النور.»
البنت: «إنتِ كنتِ نايمة بقالك كتير أوي، شكلك مكنتيش نايمة إمبارح.»
ضحكت بخفة.
خديجة: «أبدًا، أنا بس كنت بجهز حاجتي طول الليل، فقلت أعوض النوم في الطريق.»
البنت: «طب حلو إنك عرفتي تنامي، عشان الطريق لسه طويل شوية.»
بصيتلها وأنا بحاول أستوعب كلامها.
خديجة: «هو فاضل قد إيه ونوصل؟»
البنت: «تقريبًا ساعتين ونوصل سيوة.»
فضلت باصة لها كام ثانية.
نعمممم؟!
سيوه اييي؟!
