رواية وهم السنة الواحدة الفصل الاول 1 بقلم سلسبيل احمد

 


رواية وهم السنة الواحدة الفصل الاول بقلم سلسبيل احمد 


أنا مش من البنات اللي بيحلموا بالفستان الأبيض والفرح وهيصته من وهي صغيرة.
أنا شغلي في الترجمة علمّني إن كل كلمة ليها معنى محدد، ومفيش حاجة اسمها "صدفة".. 
عشان كده لما لقيت حياتي كلها بتتغير في ليلة واحدة، كنت حاسة إني بقع في حفرة ماليش أي يد في حفرها.
​كل حاجة بدأت في الصالون بتاعنا..
​كنت واقفة ورا باب المطبخ، ماسكة صينية العصير وإيدي بترتعش خفيف. الصالون برة كان عامل زي ساحة حرب باردة.
​ماما (ناهد) قاعدة بفرده ظهرها المعتادة، كبرياء العيلة كله متجسد فيها، وقصادها طنط سعاد — أم يوسف — حاطة رجل على رجل وبتبص على تفاصيل الصالون بنظرات تفحصية مش عاجباني خالص.
وفي النص بينهم، بابا.. حبيبي.. قاعد على كرسيه، وشه شاحب من تعب الجلطة الأخيرة، وعيونه فيها رجاء مكسور يهد الحيل.
​— "والله يا فاروق يا اخويا، يوسف ابني مش عشان ابني، بس مهندس ومتربي وبيعرف ربنا.. 
والبيت اللي يدخله يشيله في عينيه." (طنط سعاد قالتها بنبرة اعتزاز فيها فرض سيطرة خفي).
​ردت ماما بابتسامة متكلفة من طرف شفايفها:
— "طبعاً يا سعاد هانم.. بس برضه حفصة بنتنا الوحيدة، خريجة لغات وترجمة ومستقبلها قدامها، وإحنا مش مستعجلين على جوازها لولا ظروف فاروق الصحية."
​كنت بضغط على سناني برة.. "ظروف فاروق الصحية"! الجملة دي بالذات هي السكينة اللي كان كل حد بيلوح بيها في وشي عشان أوافق.
​خذت نفس عميق، عدّلت الطرحة البيضا الخفيفة على شعري، ودخلت بخطوات ثابتة.
​رفعت عيني بالصدفة.. ولقيت يوسف قاعد.
​كان حاطط إيد على إيد، لابس قميص ابيض وبنطلون ابيض متفصل بمقاس مظبوط أوي، وهادي.. هادي بشكل ينرفز! ملامحه حادة ورزينة، وشعره أسود ومترتب.
أول ما دخلت، رفع عينيه الشبه حادة وبصلي مباشرة.
​بصيت له بنظرة تحدي صافية.. نظرة كنت عايزة أقوله بيها: "أنا مش وافقت عليك أنت، أنا وافقت عشان بابا!"
​سلمت على العصير ونزلت الصينية، وبابا ابتسم ابتسامة باهتة وقال وهو بيكح خفيف:
— "يا يوسف يا بني.. خد حفصة واطلعوا اقعدوا في البلكونة شوية، اتكلموا ونسقوا أموركم.. سيبونا إحنا الكبار نتفق."
​قمت بسرعة من غير ما أستنى، ومشيت قدامه بخطوات سريعة للبلكونة عشان أهرب من خنقة الصالون.
​أول ما دخلنا، لفت له وشي مرة واحدة، وسندت إيدي على السور وقلت له بصوت واطي بس حاد وزي السكينة:
— "بص يا بشمهندس يوسف.. عشان نكون على نور من أول دقيقة.. أنا مش عبيطة، وعارفة إنك وافقت على الجوازة دي بس عشان تريح طنط سعاد وتطمن بابا.. وأنا كمان وافقت عشان صحة بابا ومش أكتر من كده!"
​يوسف حط إيده في جيبه، وقرب خطوة هادية، وبصلي بابتسامة خفيفة أ استفزت كل عرق فيا:
— "خلصتِ؟ ولا لسة فيه بقية للبيان الصحفي؟"
​— "أنا بتكلم جد!" (قلتها بغيظ)
"الجواز ده بالنسبة لي مجرد حبر على ورق..
قدام الناس والأهالي إحنا متجوزين، بس جوة بيتنا..
كل واحد له أوضته ومساحته وحياته الخاصة، ومحدش يتدخل في شغل التاني..
سنة واحدة تطمن بابا، وبعدها نطلق بمنتهى الهدوء وكل واحد يروح لحاله."
​كنت مستنية يثور، يتضايق، أو حتى يرفض..
بس يوسف سند إيده على السور جنبي، وقال بنبرة هادية أوي ورزينة:
— "يا آنسة حفصة..
أنتِ افتكرتِ إني داخل الجوازة دي عشان أفرض نفسي عليكِ؟ أنا موافق جداً على شروطك..
بل وبطمنك كمان، سنتك اللي بتقولي عليها دي هتديرها بشروطك، وأنا مش الراجل اللي يجبر بنت على حاجة مش عايزة تعملها.. بس فيه شرط واحد عندي."
​ضيقت عيني بشك:
— "شرط إيه؟"
​— "قدام أمي وأمك وعمي فاروق.. 
نكون أذكى ثنائي، التمثيلية تمشي بامتياز عشان محدش فيهم يركب فوق دماغنا أو يعمل مشكلة.. اتفقنا؟"
​سكتت لحظة..
العناد اللي كان جوايا اهتز شوية. مرونته وهدوءه أربكوني.
​مديت إيدي الصغيرة له وقلت بثبات:
— "اتفقنا يا بشمهندس.. سنة واحدة بس."
​مسك إيدي وسلم عليا.. 
كانت إيده كبيرة، دافية، ومسكتها حاسمة.
​ما كنتش أعرف إن السكتة اللي افتكرتها هتبدأ وتبصم بالشروط دي.. 
هي أسرع طريقة عشان كل الشروط تتهد بالبطيء.
عدّى الشهر ده كأنه كابوس سريع ومفروم بالضغط.
​بين نزولات المفروشات مع ماما، وتحكمات طنط سعاد في أصغر تفصيلة في العفش، كنت حاسة إني عروسه بتتقفل غصب عنها في دريس مش مقاسها.
الشيء الوحيد اللي كان بيصبرني هو إن بابا كان وشه بيرد فيه الروح كل ما يشوف خطوات الجوازة بتمشي..
كنت ببلع غيظي عشان خاطره هو وبس.
​وجت ليلة كتب الكتاب..
​البيت عندنا كان زحمة وخنقة، ومعازيم وزغاريط طالعة من كل ناحية.
​كنت قاعدة قدام المراية في أوضتي، لابسة دريس أبيض رقيق ومطرز، وطرحة بيضا طويلة. كنت بصة لوشي في المراية وحاسة بإحساس غريب..
أنا خلاص كمان كام دقيقة هبقى "مدام يوسف".
​الباب اتفتح وفجأة دخلت ماما، ووراها طنط سعاد.
​ماما بصتلي وقالت بنبرة تحذيرية حاسمة:
— "افردي وشك يا حفصة.. 
الناس برة، وأم يوسف مش عايزاها تلمح إنك مغصوبة أو متكدرة."
​طنط سعاد قربت، وبصت على الطرحة بتاعتي بقلة إعجاب، وقالت وهي بتعدلها بإيدها بفرض سيطرة واضح:
— "بس الدريس بسيط أوي يا ناهد.. 
يوسف ابني مهندس مالي هدومه، كنت بحب أشفها بفستان أضخم من كده.. بس يلا، البركة في الهيبة بتاعته هو."
​ضغطت على المنديل اللي في إيدي لحد ما أطراف صوابعي بيضّت، وكنت لسة هرد وأقولها إن ده ذوقي وأنا حرة فيه، بس الباب اتفتح وبابا دخل وبصلي بعيون مليانة دموع.. مسكت نفسي وسكت.
​— "المأذون برة يا حفصة.. ويوسف بيوقع.. يلا يا حبيبت بابا."
​مسكت في دراع بابا وخرجت الصالون.
​كان يوسف قاعد على السفرة قصاد المأذون، لابس بدلة سودا متفصلة بعناية، وشعره متظبط. أول ما خرجت، رفع عينه وبصلي.. كانت نظرة طويلة، ثابتة، وفيها هيبة غريبة خلّت دقات قلبي تتلخبط رغماً عني.
​المأذون حط المنديل الأبيض على إيد بابا وإيد يوسف.. 
وسمعت جملته الشهيرة: "بارَكَ اللَّهُ لَكُما وبَارَكَ عَلَيْكُما وَجَمَعَ بَيْنَكُما فِي خَيْرٍ."
​الصالون انفجر بالزغاريط، والكل بدأ يبارك..
​يوسف قام من مكانه، وقرب مني بخطوات هادية وسريعة قبل ما أي حد من العيلة يسبقه. 

وقف قصادي تماماً، وبص في عيني بابتسامة خفيفة، ميل راسه وباس جبيني..
​مال على أذني وهمس بصوت واطي ومحدش سمعه غيري:
— "الفستان جميل جداً عليكِ يا حفصة.."
​بصيت له وذهولي باين في عيني..
الراجل ده عنده قدرة عجيبة إنه ينسف كل تحفزاتي بكلمة واحدة!
​مسك إيدي عشان نخرج قدام الناس، وكانت إيده كبيرة ودافية..
ومسكتها حاسمة زي ما تكون بتبعتلي مسج مكتومة: "أنا معاكِ مش ضدك."
​خرجنا على زفة الاغاني والناس، وأنا جوايا سؤال واحد بس بيزن:
 يا ترى البيت المقفول علينا هيحصل فيه إيه لما الباب يترزع ونبقى أنا وهو لوحدنا؟
أول ما العربيات نزلتنا قدام العمارة، والمعازيم والناس مشيوا وصوت الزيطه بدأ يختفي بالتدريج، حسيت برعشة خفيفة في طراف صوابعي.
​يوسف فتح باب الشقة بالمفتاح..
​البيت كان هادي أوي، وريحته لسة خشب جديد وعطر هادي.
الصالة كانت ضلمة شوية، بس نور الشارع المارر من الشباك العالي كان عكس على السجاد.
​دخلت ورجلي بتتقل مع كل خطوة بالفستان الأبيض النفاش. يوسف دخل ورايا، وقفل الباب بهدوء. 
​تكة المفتاح وهو بيلف في الكالون كانت حادة جداً.. كأنها إعلان إننا خلاص بقينا محبوسين في عالم واحد.
​وقفت في نص الصالة مش عارفة أروح فين ولا أعمل إيه، حاسة بإن المكان غريب عليا، وبصيت للأرض بقلة حيلة.
​يوسف قلع جاكيت البدلة ، رماه على ظهر الكنبة ببساطة، وفك أول زرارين من قميصه وهو بياخد نفس طويل جداً كأنه كان مكتوم.. لَفّ وبصلي، ولقاني واقفة متسمرة بالفستان.
​— "مبروك يا ستي.. وصلنا بالسلامة." (قالها بنبرة هادية بس كان باين عليها الإرهاق).
​بلعت ريقي، وحاولت أجمع شتات نفسي ورجعت كتفي لورا عشان أبان قوية ومسيَطرة على الموقف:
— "الله يبارك فيك.. يوسف، إحنا اتفقنا.. فين الأوضة بتاعتي؟"
​يوسف بصلّي لحظة، ورفع حواجبه باستغراب خفيف من إني ببدأ بالشروط والتحديد من أول ثانية، بعدين شاور بإيده ناحية الممر:
— "الأوضة الكبيرة اللي على اليمين دي فيها حاجتك وهدومك كلها..
والأوضة اللي في آخر الممر دي أوضتي أنا، حطيت فيها مكتبي وسرير صغير."
​مشيت خطوتين بالفستان التقيل، بس وقفت فجأة ولفت له بشك:
— "يعني مش هتدخل الأوضة دي خالص؟"
​ابتسم ابتسامة استفزازية خفيفة، وقرب مني خطوة هادية.. 
بص في عيني بثبات وقال وهو بيوطي صوته:
— "أنا راجل بوفِ بكلمتي يا آنسة حفصة.. الأوضة بتاعتك بالكامل، وتقفليها بالمفتاح لو تحبي كمان.. بس فيه حاجة واحدة لازم تفهميها."
​ضيقت عيني:
— "حاجة إيه؟"
​— "إحنا عايشين في بيت واحد.. 
يعني الصبح بنفطر سوا، وبنتكلم عادي، ولو حد خبط على الباب إحنا زوج وزوجة طبيعيين جداً..
أنا مش عايش مع شبح في البيت، اتفقنا؟"
​سكتت، وماقدرتش أرُد بغير كلمة واحدة:
— "اتفقنا.."
​سيبته ودخلت أوضتي بسرعة، قفلت الباب ورايا وسندت ظهري عليه.. 
قلبي كان بيدق بسرعة غريبة، مش عارفة من التوتر ولا من هيئة يوسف بالقميص الأبيض وهو بيتكلم بثقة وهدوء.
​فكّيت الفستان بالعافية، وغيرت هدومي ولبست بيجامة قطن واسعة، وقعدت على طرف السرير الكبير الفاضي.
الشقة كانت ساكتة خالص، مافيش غير صوت تكات السلسلة بتاعة الساعة اللي على الكومودينو.
​وفجأة..
سمعت صوت خبط خفيف ورقيق أوي على باب الأوضة.
​اتنفضت من مكاني:
— "ايواا؟"
​صوت يوسف جه من ورا الباب، هادي وناعم جداً:
— "حفصة..
أنا عملت كوبايتين شاي بنعناع، وسبت كوبايتك على التربيزة في الصالة لو حابة تشربي قبل ما تنامي.. تصبحي على خير."
​سمعت صوت خطواته وهي بتبتعد وبتدخل الأوضة الصغيرة وبابها بيتقفل بهدوء.
​خرجت ببطء من الأوضة.. 
لقيت الصالة فاضية، وعلى التربيزة الصغيرة كوباية شاي بخارها طالع، وجنبها ورقة صغيرة مكتوب ..
​"ماتقلقيش.. الباب مقفول، والأمان موجود."
​أخدت الكوباية، وبصيت ناحية أوضته المقفولة.. 
وحسيت لأول مرة إن يوسف ده فيه تفاصيل كتير أوي أنا لسة ما أعرفهاش، وإن سنتنا دي مش هتدور زي ما أنا متوقعة خالص.
صحيت الصبح بدري على صوت خبطة خفيفة وحركة برة في المطبخ.
​بصيت في الساعة.. 
كانت ثمانية الصبح. 
قمت من السرير وأنا نص نائمة، لافّة الشال الكحلي على كتفي وشعري كيرلي ومنكوش شوية. 
فتحت باب الأوضة ببطء أوي، ومشيت على أطراف صوابعي عشان أكتشف مصدر الصوت.
​وصلت عند باب المطبخ.. ووقفت متسمرة مكان.
​يوسف كان واقف قدام البوتجاز، لابس بنطلون ترينج رمادي وتيشيرت أسود ، وشعره نازل على جبهته بشقاوة ... 
كان ماسك طاسة ورشة فلفل أسود، وبيعمل بيض بالبسطرمة والجبنة الموزاريلا بنظام ودقة مرعبة..
كأنه بيرسم لوحة هندسية مش بيعمل فطار!
​من غير ما يلتفت، قال بصوته الدافي بتاع الصبح:
— "صباح الخير يا آنسة حفصة.. 
بدال ما أنتِ واقفة تتجسسي عليّا عند الباب كده، تعالي اعملي الشاي على ما أخلص البيض."
​اتخضيت ورجعت خطوة لورا:
— "أنت عرفت إزاي إني واقفة؟! وبعدين مين قالك إني بتجسس؟ أنا بس طالعة أشوف مين اللي بيعمل دوشة في بيتي!"
​يوسف لف وشة ليّا بالراحة، وبصلي بابتسامة خبيثة ورائقة وهو بيرفع حواجبها:
— "بيتك؟ أها.. ماشي يا ستي. 
انعكاس الشباك مبيّن الشال الكحلي من بدري..
وعموماً أنا أسف إني عملت دوشة وأنا بعملنا الفطار."
​حسيت بالكسوف ويا ريتني ما اتكلمت. 
قربت من الرخامة بخطوات متوترة، وبصيت على الأكل..
الصينية كانت متقفلة تقفيل فنادق! جبنة بيضا بالطماطم والزيتون، خيار متقطع شرائح مظبوطة بالمسطرة، وعيش متسخن.

قلتله بنبرة تحفزية وأنا بحاول أسترد كبريائي:
— "على فكرة.. أنا بعرف أطبخ كويس جداً، ومش محتاجة إنك تتعب نفسك وتعملي فطار.. إحنا اتفقنا كل واحد يعتمد على نفسه."
​يوسف طفّى النار، وشال الطاسة بهدوء، وقرب مني لدرجة إني شمت ريحة برفانه الدافية المخلوطة بريحة القهوة.
بص في عيني وقال بنبرة هادية جداً:
— "أولاً: الاتفاق كان إننا قدام أهلينا والناس نكون أذكى ثنائي..
وثانياً: الشراكة في الأكل مش جريمة خرق للاتفاق يا حفصة. 
ولا أنتِ خايفة تعجبي بأكلي وتخسري التحدي؟"
​— "أنا؟ خايفه من إيه؟!" (رديت بسرعة وبنبرة فيها غيظ).
​— "يبقى شيلي صينية ويلا على السفرة قبل ما البيض يبرد."
​مسكت الصينية وأنا ببرطم بيني وبين نفسي.
قعدنا قصاد بعض على السفرة الصغيرة اللي في المطبخ.
أخدت شوكة وأكلت حتة صغيرة جداً عشان أثبت لنفسي إنه أكل عادي..
بس للأسف، طعمه كان تحفة! 
الجبنة مع البسطرمة والتتبيلة كانت مظبوطة بالملي.
​يوسف كان بيراقب ملحوظاتي وشروسي وأنا باكل بفضول، وحاول يداري ضحكته بإن يسحب كوباية الشاي:
— "طمنينا يا فندم.. الأكل معتمد ولا نبعته للمختبر؟"
​رفعت عيني وبصيت له ببرود متصنع:
— "يعني.. شغال. محتاج شوية ملح زيادة، بس يتاكل."
​ضحك بصوت عالي.. 
ضحكة صافية من قلبه أول مرة أسمعها منه، خلّت قلبي يدق دقه مش مفهومه بالنسبالي .
​وفجأة


تعليقات