رواية امارلس انا نصف عمره الفصل الأول 1 بقلم هدير أسامة

 


رواية امارلس انا نصف عمره الفصل الأول بقلم هدير أسامة 


رأيته عدة مرات وفي كل مره أشعر وكأن طاقته هذه ليست مناسبة لعداد الزمن
وفي آخر مرة رأيته دققت في ملامحه وكأن الزمن وقف عند الثلاثين معه ،وجدت فيه النضوج والعقل والحنان والهدوء والمرح ، تحدثنا قليلا ولكن كان يود أن يسمعني أكثر وأنا أتحدث وأنا أحببت الحديث معه ،كانت لدي طاقة حديث رهيبة ،لعلي كنت بحاجه شديدة لأن يسمعني أحدهم ،ولكن كان يسمعني باهتمام ويبتسم ويمازحني كثيرا وأحكي له عن مواقف حياتي ويشعرني أني طفلة ناضجة في حديثي معه ،لمست فيه من تعبيرات وجهه أنه يريدني أن أستمر في الحديث ،كان لا يقاطعني إلا ليمازحني ليراني أبتسم ..
أنا نصف عمره ،نصف خبرته ،نصف هدوءه
أنا نصف كل شئ منه ..
سأحكي لكم كل الحكاية من بدايتها ..

**************************************
أنا أمارلس صاحبة الخمسة وعشرين عامًا ، أعمل في شركة للتسويق العقاري ،أبي وأمي انفصلا منذ طفولتي ،أمي تعيش مع زوجها في الشرقية ،وأبي يعيش مع زوجته في أسوان ،لدي أخوه من أبي وأخوه من أمي ..

تمنيت كثيرا أن يأخذني أبي من يدي ونخرج لنشم الهواء ولكن كان لا يهتم لهذا الأمر ،كأن حياته خلقت للكد والتعب والجلوس في المنزل في العطلات ، حدثته مرارا تكرارا أن نخرج في العطله ولكن كل المحاولات كللت بالفشل .

كانت زوجة أبي بالنسبة لي كأمي لم تقصر معي يوما ولم تكن كزوجة الأب التي أراها في التلفاز ،كانت رحيمة بي أكثر من أمي ،كانت تحتويني بين الحين والآخر حتى بعد أن أنجبت أخواي أمير وياسين
أما أمي فكانت كل حياتها لزوجها فهو رجل ريفي يلتزم بالقواعد ،كنت أزورها في إجازة آخر العام وفي كل مرة كنت أزورها فيه أجدها أنجبت طفلا جديدا وتقول لي
" العيال عزوة"
وأنا ! أين عزوتي؟!
بالمناسبة ؛ أبي هو الذي اختار اسمي "أمارلس" على اسم حبيبته الأولى التي لم يحالفه الحظ بالزواج منها..

قصدت القاهرة للعمل بعدما تخرجت من كلية التجارة بتقدير جيد جدًا .
أنا كأي فتاة عادية ليست لدي مقاييس جمال ملفته ،أراني كالجميع ،لا أرتدي الحجاب فأنا أحب شعري كثيرا ومع الأسف متقطعه في صلواتي ، تارة أصلي وتارة أهملها..

في ذلك اليوم جاء إلى شركتنا عميل مميز كان يتردد على شركتنا منذ أشهر قلائل ، وكان يلفت نظري كثيرًا من أول يوم جاء إلى شركتنا ، أراه وقورًا هادئًا عاقلًا مرحًا وسيمًا ..خليط من كل شئ .
المهم جاء إلينا لينتقل إلى ڤيلا صغيرة بالقرب من عمله .
وجاء لنكتب العقود وأخذت بطاقته
وما إن تطلعت إلى تاريخ ميلاده حتى أصابتها الصدمة ونظرت إليه في دهشة
- انت عندك ٥٠ سنه؟

ابتسم  ممازحًا
- باين عليا عجوز ولا ايه!

-شعرت أمارلس بالحرج :  مش قصدي ،بس مش باين عليك . شكلك صغير جدًا .

-    مهتم بنفسي شويه الحمد لله بس أنا عموما مش بقتنع بالعمر  ..

- انت عارف أنا تخيلاتي عن الخمسيني عامله ازاي؟

- هتقوليلي سنانه واقعه أكيد  وشعره ابيض وماشي بعكاز

- لا خلاص أنا شكلي كده بعك الدنيا

- لا ولا بتعكي ولا حاجه ، دي حاجه حلوه انك تشوفيني تقوليلي شكلك صغير ، انتي اسمك ايه؟

- أمارلس

-ايه!

-أمارلس دا اسم زهرة كده بيسموها ست الحسن

-ماشي يا ست الحسن .. مش هسألك انتي كام سنه علشان مش مهم السن المهم اللي بكلمه محتواه عامل ازاي .

- مش هقولك ان عندي ٢٥ علشان متفتكرنيش عيله صغيره.

- ماشي وانا كإني مسمعتش يا ست الحسن

ضحكت أمارلس من مزاحه ونظرت إليه وبداخل عينيها سؤال.
ضحكت آدم من عينيها التي تفضحها : اسألي يا ستي .

-هو أنا باين عليا للدرجادي

- لا خالص  .

- انت عازب فعلا زي ما مكتوب في البطاقة ؟

- اه اومال شكلي صغير ازاي لازم اكون عازب طبعا

- اممممم اتفضل بطاقتك يا أستاذ آدم مش هسأل تاني كفايه كده خلاص

- اسألي براحتك بس في وقت تاني أنا بس دلوقتي ورايا ميعاد مهم مضطر امشي .

- اه طبعًا بس هنتقابل بكره بإذن الله علشان نوثق العقود .

استأذن آدم بالانصراف وأمارلس تتطلع إليه في عجب . أصابتها الصدمة . وظلت تحدث نفسها .
بقا الصغنن دا خمسيني ! عملها ازاي !! دا أحمد عز الشركة دا ولا ايه ولا عمرو دياب ولا مين ! ما شاء الله عليه أحسن أحسده .
♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧
تبادلنا أرقام الهاتف واتفقت معه أن نتقابل في التاسعة صباحا أمام الشهر العقاري،ونسيت أن غدا الجمعة  ونسي هو الآخر ،وتقابلنا هناك ولكن عندما رأينا بعضنا البعض ضحكنا من الموقف ..

_ أنا آسفه نسيت إن النهارده الجمعه

- وانا كمان نسيت معرفش ازاي ،طالما بقا النهارده الجمعه تعالي أفطرك عند عم شوقي أحسن عربية فول ممكن تشوفيها.

- بس ازاي هقف ع عربية وكده ؟!

- متبصيش لحد وركزي في طبق الفول واستمتعي بس كده ..

- خلاص هحاول ،طيب تمام اطلع انت بعربيتك وانا هاجي وراك أنا راكنه هنا .

- لا هو مش محتاج عربية هما خطوتين تلاته من هنا.

- اممم طيب تمام أنا لابسه كعب راعي دا .

- بس دا عم شوقي 

_ طيب بما إننا ماشيين كده متحكيلي عنك شوية ،تعرف أنا عمري ما اتكلمت مع حد كده ، يمكن فيك حاجه من بابا بس معرفش ايه هي

- عارفه أنا لو كنت اتجوزت كان زمان بنتي من سنك كده .

-طب ومتجوزتش ليه ؟

- اممم حكاية طويلة أوي اختصارها إن حبيت زميلتي في الجامعه وكنت لسه في بداية حياتي وهي مستنتنيش وشافت حياتها بس حياتي موقفتش عندها الصراحه ،فاتعرفت على حد تاني اول ما اشتغلت بس مع الوقت حسيتها من غير محتوى ،وفضلت كده يا ستي لحد ما كرهت الفكره وقررت أعيش لنفسي وأشتغل.

-ومحسش خالص بالوحدة وإنك محتاج حد في حياتك

-بالعكس أنا مبسوط جدًا ...كنت عايش في شقة كبيره بس حسيت إني محتاج حاجه صغيره وأوفر المساحه دي للخضره أكتر ، عندي المساعد بتاعي عم أمين وهو أمين فعلا معوضني عن كل حاجه هو وأسرته ،زوجته وابنه آدم سماه ع اسمي بالمناسبه هو الشوفير بتاعي بس هو أجازه الفترادي علشان عنده امتحانات ...

_ كمل أنا عاوزه اسمعك،حساني مهتمه أوي

_ماشي يا ستي.. عم أمين دا كان راجل طيب كده كان عامل بوفيه في الشركة بتاعتنا أول ما اشتغلت والمدير كان دايما يخصمله ع أي حاجه ومبيتبقاش له مرتب
عرضت عليه يجي يعيش معايا في الشقه بتاعتي كانت صغيره ساعتها وعرضت عليه مرتب بسيط ،وافق وفرح ومن ساعتها عايشين سوا ،بعد فتره قالي هتجوز وكده كان ربنا فرجها عليا ،خدت شقه أكبر  وله فيها هو ومراته أوضه ،وبعدها ربنا كرمه بآدم ،انا اللي مربيه وعلمته السواقه ،آدم في أولى آداب فلسفة ،ومتفوق جدا ، ووالدته ست طيبه بسيطه ، فالحمد لله ربنا كرمني في شغلي وحبيت نوسع على حالنا شويه بفيلا كام أوضه صغيره كده وجنينة نتجمع فيها في الفطار الصبح ..

_ انت غريب جدا

-ليه بتقولي كده؟

-مش عارفه مافيش حد بيعمل كده .

- بصي هوضحلك حاجه المجتمع هو اللي غريب ..أنا فاهم تقصدي ايه لكن دي كلها ترتيبات ربنا علشان يبقالي عيلة لإن أنا معنديش عيلة وبدأت من الصفر وهما بدأوا معايا وساعدوني ،هما معملوش لنفسهم حاجه ولا سابوني لوحدي ، عم أمين بيعتبرني أخوه الصغير.
هحكيلك موقف ،في فترة من فترات حياتي كنت بشرب سجاير بطريقه بشعه وقررت إني أبطل ، زمايلي في الشغل مستحملونيش اللي استحملني عم أمين ومراته  بعد إلحاح منهم وصبر ، بصي أنا مهما أحكيلك عنهم مش هتستوعبي علاقتي بيهم .

-ياه للدرجادي

-واكتر من كده
عم شكري أهه يلا نلحق تربيزه فاضيه اهي قبل ما تتزحم .
يا صباح الروقان يا عم شكري عاوز طلبين بقا وصايه

_ صباح النور يا أستاذ آدم من عنيا .

جلست أمارلس أمامه وهي تنظر إليه في عجب ،رجل يأوي عائلة ليست منه وأنا لا عائلة لدي وأنا منهم ثم ضحكت أمارلس وهي تقول : أنا منبهره بيك

_ وانا كمان منبهر بيكِ

_ رغم إني محكتش حاجه ليك عني .

_ أنا ليا نظره في الناس ،المهم عجبك الفول؟

_ فظيع جدااااا ،عم شكري دا طلع حوار وأنا معرفهوش.

- هاتي صحابك بقا وتعالي هنا على طول هو طالما شافك كده حفظك .

_ بس أنا معنديش صحاب

_ ليه

_ محدش شبهي

_ واحنا بنصاحبهم علشان شبهنا ،ما نقعد مع نفسنا أسهل .

_ مش في مثل بيقول صاحبك مرايتك

_ ايوه وانا مش بقتنع بيه ،  أنا بقتنع بصاحبي اللي يكملني وأكمله ،أصل أنا مش هتجوزه ،المهم ميكونش فيه حاجات ديننا و أخلاقيتنا متقبلهاش ،أي حاجه خلاف كده عادي ..

_ هفكر في كلامك واتناقش فيه معاك بس بعد ما أفكر .

ابتسم آدم من طريقة تفكيرها ونظر إليه ممازحًا
_ ايه العقل دا كله

_ شغاله في التسويق العقاري بقا لازم محدش يمسك عليا غلطه انت مهندس ايه صحيح؟

_ مهندس ميكانيكا ، بتسألي ليه؟

_ بشوف لو ايه عندي باظ أكلمك

_ لا كلميني من غير ما حاجه تبوظ.

_أكيد هكلمك 


تعليقات