رواية ماتبقي من رؤي الفصل الأول 1 بقلم سلسبيل احمد

 


رواية ماتبقي من رؤي الفصل الأول بقلم سلسبيل احمد 


الساعة كانت أربعة العصر..

شمس سبتمبر الخفيفة كانت بتطل ع بلكونة بيتنا في الدور الثاني، وأنا واقف ماسك قلم رصاص وبحاول أظبط خطوط تصميم معماري في كشكولي، وصوت أم كلثوم طالع خافت من الراديو جوه الشقة.

وفجأة..
السكون ده كله اتكسر بصوت صريخ وبكاء عالي لطفل صغير في الشارع.

بصيت من سور البلكونة، لقيت ولد صغير عنده حوالي 6 سنين.. وقع من على العجلة بتاعته في نص الشارع، وركبته اتعورت وكان بيبكي بحرقة.

قبل ما أفكر حتى أنزل أساعده، لقيت "رُؤى" بنت عمي اللي طالعة من أول الشارع.
كانت لابسة فستان أزرق بسيط وماسكة شنطة في إيدها..
ما فكرتش ثانية واحدة، وما هتمتش إن الشارع تراب أو إن الفستان يتبهدل.
جريت عليه، ونزلت على ركبتها فوراً على الأرض عشان تبقى في نفس مستواه.

أنا كنت واقف فوق بتابعها من البلكونة..
 كأني بتفرج على لوحة بتترسم قدامي ببطء.
شفت إزاي طلعت منديل قماش أبيض من شنطتها، وبدأت تمسح دموعه بالراحة وهي بتبتسم له وبتهمس له بكلام أنا مش سامعه، بس أثره كان زي السحر..
الولد بدأ يهدا، وبكاه تحول لابتسامة خجولة.
سندته لحد ما قام، وعدلت له العجلة بصبر وحنية مش طبيعية.

في اللحظة دي بالذات..
القلم الرصاص وقف في إيدي على الورقة.
ما كنتش ببص على الشارع ولا على الولد..
كنت ببص على وشها المليان نور، على طريقة الحنية التلقائية اللي طالعة من قلبها من غير تصنع. حسيت بإحساس دافي وغريب اتسحب لصدري، كأن في حاجة جويا اتغيرت وما بقتش هترجع زي الأول أبداً.

رُؤى رفعت رأسها بالصدفة فوق عشان تطير خصلة شعر طارت على وشها..
فعينيها جات في عيني وأنا واقف في البلكونة.
ابتسمت لي بعفوية، ولوحت لي بإيدها الصغيرة كأنها بتقولي:
"خلاص متخافش.. الولد بقى كويس!"
أنا ساعتها اتسمرت مكاني وما عرفتش أرد الابتسامة من كتر ما قلبي كان بيدق..
اكتفيت إني هزيت رأسي ببطء، وفي نفس اللحظة، إيدي نزلت على طرف كشكول الرسم وكتبت السطر ده:
"في ناس لما بيظهروا.. الدنيا كلها بتهدا من حواليهم..ورُؤى كانت هي الهدوء ده."

بعدها بكام يوم..

اليوم ده كان أصعب يوم عدّى عليا في حياتي.. اليوم اللي حسيت فيه إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي بالبطء.
كانت ليلة شتا تقيلة، والمطر برة بيخبط في أزاز الشباك بصوت خافت وصادح في نفس الوقت.
باب شقتنا رنّ، فتحت..
 لقيت عمي (والد رُؤى) واقف، ووراه رُؤى. وشها كان أصفر، وعيونها فيها حزن وتايهة بشكل وجع قلبي.
دخل عمي وقعد مع أبويا، وقال الخبر اللي نزل على دماغي زي الصاعقة:
— "أنا جالي نقل وترقية مفاجأة لفرع الشركة في دبي يا جماعة.. والطيارة بعد بكرة الصبح."

الدنيا لفت بيا.
الصوت حواليا بقى معزول، كأني تحت المية.
بصيت لـ رُؤى، لقيتها انسحبت ببطء وطلعت البلكونة.. نفس البلكونة اللي شهدت أول مرة خطفت قلبي وأنا عندي 19 سنة.
 مشيت وراها بخطوات تقيلة، صدري كان مقفول ومش قادر أتنفس.
وقفت جنبها على السور، الشارع تحتنا كان مظلم ومبلول.
— "هتسافري يا رُؤى؟ هتسيبيني؟" (الكلمة خرجت مني مبحوحة ومكسورة، ما قدرتش أداريها).
لفت وشها ليا، وعيونها كانت مليانة دموع محبوسة، وقالت بصوت بيرتعش:
— "بابا شغله اتنقل فجأة يا ياسين..
 ومش هينفع أقعد لوحدي هنا.
أنا خايفة أوي ..
خايفة أبعد عن الشارع، وعن بيتنا.. وعنك."

في اللحظة دي بالذات..
الزمن وقف.
قلبي كان بيكسر ضلوعي وبيصرخ جوايا: "قولها دلوقتي!
اصرخ فيها وقولها متسافريش!
قولها إنك بتتنفس وجودها، وإنك من غيرها هتبقى مجرد جثة بتتحرك!
قولها إنك بتحبها من زمان وعايش على أمل إنها تكون ليك!"
لكن الخوف اللعين..
الجبن اللي اتخلقت بيه، والفكرة السوداء اللي ملازماني إنها ممكن تبصلي كأخ أو صديق أو ابن عمها عادي وتتصدّم مني وتضيع الصداقة.. شلّوا لساني.
كل الحب العظيم ده، كل السطور اللي كتبتها عنها في النوت بوك، اتلخصت في جملة باردة غبية خرجت من بين سناني:
— "تروحي وترجعي بالسلامة يا رُؤى.. دبي بلد جميلة وهتعجبك، ومستقبلك هناك هيكون أحسن."

رُؤى بصتلي بذهول..
 عيونها اتسعت بخيبة أمل غريبة وموجعة، كأنها كانت واقفة على طرف الهاوية ومستنية مني إيد تشدها، وأنا إديتها زقة!
هزت رأسها ببطء شديد، وابتسمت ابتسامة مكسورة وقالتلي بصوت واطي أوي:
— "تمام يا ياسين.. مع السلامة "

ما قدرتش أروح المطار.. ما قادرتش أشوف الطيارة وهي بتاخدها وبتبعد.
قعدت في البلكونة لوحدي، الليل كان كاحل والشارع تحت فاضي تماماً..
مسكت كشكول الرسم بتاعي، وبدأت أضرب سور البلكونة بإيدي بغل وندم بياكل في صدري أكل..
الدموع اللي حبستها انفرت من عيني وجمعت في حلقي غصة موت.
صرخت في نفسي بصوت مكتوم وأنا بنهت:
"يا جبان!
 يا أغبى وأضعف بني آدم على وش الأرض! خايف من إيه؟
خايف تترفض؟
 أهو أديك خسرتها خالص! سافرت وهي فاكرة إنها ولا حاجة بالنسبة لك.. سافرت وأنت سيبتها تمشي ومعاك ألف فرصة تقولها!
يستاهل قلبك الوجع ده يا ياسين.. تستاهل القهر والوحدة دي، لأن اللي يسكت عن حبه لما الدنيا تطلبه منه.. يستاهل يتساب في الضلمة لوحده!"

مرّت 4 سنين ..
 أطول وأصعب سنين عدّوا عليا في حياتي.
4 سنين وأنا عايش في نفس الشقة، بطلع نفس البلكونة، وبمارس مهنتي كمهندس ديكور بجفاف غريب. بقيت برسم بيوت دافية للناس وأنا بيتي من جوة بارد ومهجور.
كتاباتي اتملت حسرة، وكل ما أشوف بنت لابسه أزرق في الشارع، قلبي يتنفض فاكرها هي، وبعدين أفتكر إنها على بعد آلاف الكيلومترات في دبي.
لحد ما جه يوم في نص الأسبوع..
كنت راجع من موقع شغل، هدومي متتربة ومجهد من اللف طول النهار. أول ما دخلت الشارع بتاعنا، حسيت بحركة غريبة قدام عمارة عمي (والد رُؤى)..
 كان فيه عربية نقل كبيرة بتنزل عفش، والأبواب مفتوحة.
قلبي بدأ يدق بسرعة مش طبيعية.. رجلي كانت بتتقل مع كل خطوة بقربها.
وفجأة..
خرجت هي من باب العمارة.
كانت ماسكة في إيدها شنطة كبيرة، ولابسة دريس زيتي هادي وشال ناعم..
 كبرت، ملامحها بقت أنضج وأرق، عيونها كان فيها هدوء شاعري بس فيه لمحة تعب خفيفة ما لاحظهاش حد غيري.
أول ما رفعت عينها وشافتني واقف في نص الشارع بذهول..
اتسمرت مكانها. الشنطة وقعت من إيدها ببطء على الأرض.
مشيت ناحيتها وأنا مش مصدق عينيا، حاسس إنها طيف أو حلم وهيختفي لو رمشت.
— "رُؤى..؟" 
ابتسمت.. نفس الابتسامة الدافية اللي بتنور ضلمة قلبي، وقربت مني خطوات وقالت بصوتها الرقيق:
— "حمد الله على السلامة يا بشمهندس.. ولا خلاص نسيتنا وما بقتش بتسأل؟"
أنا ما قدرتش أرد..
كنت ببص في عيونها ومبهور. أخيرًا الهواء رجع لصدري، أخيرًا الشارع بقى فيه روح.
قالتلي إن باباها شغل دبي ما عجبوش، وقرر يصفّي هناك ويرجعوا يستقروا في مصر نهائي، وهي خلاص اتخرجت من تربية خاصة هناك ورجعت عشان تبدأ تفتح مركز ذوي الهمم هنا.
رجعت رُؤى..
ورجع معاها الأمل اللي كنت فاكره مات.
بس المرة دي..
 قطعت وعد على نفسي بيني وبين ربنا: "المرة دي مش هسيبك تضيعي يا رُؤى.. المرة دي هجمع كل شجاعتي وأعترفلك، حتى لو كان التمن إيه."


تعليقات