رواية مذبحة الشروق الفصل الأول بقلم يوسف مصطفى
إزاي أم وأطفالها الأربعة انتهت حياتهم في ليلة واحدة؟ وإيه السر اللي يخلي جريمة بالشكل ده تحصل جوه بيت المفروض إنه مكان الأمان؟ والأخطر..مين الشخص اللي كان مخبي الحقيقة لحد ما فات الأوان؟!
الساعة كانت داخلة على تلاتة الفجر، والهدوء مسيطر على واحد من شوارع مدينة الشروق، لحد ما صوت صريخ خرج من شقة في الدور التالت، وبعده سكون غريب خلى الجيران يفتحوا أبواب شققهم واحد ورا التاني.
واحد من السكان نزل يجري على البواب، والتاني اتصل بالشرطة، لكن محدش فيهم كان يتخيل إن اللي مستخبي ورا باب الشقة دي مش مجرد خناقة أسرية، ولا حتى جريمة قتل عادية.
دي كانت بداية واحدة من أبشع القضايا اللي وصلت لمكتب المقدم آدم النجار، ضابط المباحث المعروف عنه إنه ما بيقفلش قضية لمجرد إن كل الأدلة بتشاور على شخص واحد.
وصل المقدم آدم ومعاه قوة من الشرطة، وبدأوا يفحصوا المكان.
الشقة كانت صغيرة، والأثاث بسيط، وعلى الحيطة صور عائلية لراجل ومراته وأطفالهم الأربعة.
صورة أب مبتسم، وحواليه عياله، ومراته واقفة جنبه.
لكن المشهد اللي قابل الضابط جوه الشقة كان كفيل إنه يخلي حتى أفراد الشرطة أصحاب الخبرة يقفوا لحظات من غير كلام.
الأم وأطفالها الأربعة لقوا مصرعهم في جريمة بشعة، والأب اختفى من المكان وملهوش اي اثر .
مفيش آثار واضحة لاقتحام الباب، ومفيش حاجة في الشقة بتقول إن حد غريب دخل بالقوة.
كل حاجة كانت بتقول إن اللي ارتكب الجريمة كان عارف المكان كويس جدًا.
وقف المقدم آدم في نص الصالة، وبص لزمايله وقال:
محدش يستعجل..أنا عايز أعرف إيه اللي حصل هنا من أول لحظة، مش بس مين اللي عمل كده.
بدأت المعاينة، واتجمعت الأدلة، واتنقلت الجثامين للطب الشرعي، بينما فريق تاني بدأ يدور على الأب المختفي.
اسمه في الأوراق كان محمود سالم، عامل بسيط انتقل للشروق من حوالي سنتين، وكان عايش مع زوجته نجلاء وأطفاله الأربعة.
محمود ما كانش صاحب ثروة، ولا معروف عنه إنه داخل في مشاكل كبيرة مع حد.
كان بيشتغل باليومية، وبيحاول يوفر مصاريف البيت على قد دخله.
أما نجلاء، فكانت بتشتغل في تنظيف البيوت، وبتاخد مبلغ بسيط مقابل شغلها.
لكن لما المقدم آدم بدأ يسأل عن الأسرة، اكتشف إن فيه حاجات كتير حصلت قبل الجريمة، ومحدش اهتم بيها وقتها.
أول خيط ظهر في التحقيقات كان من خلال كلام واحدة من جارات الأسرة.
قالت إن محمود ونجلاء كانوا بيتخانقوا كتير في الشهور الأخيرة، وإن صوتهم كان بيوصل للشقق المجاورة.
وفي مرة، سمعت محمود بيزعق لمراته وبيسألها عن فلوس مش عارف مصدرها.
الجارة ما كانتش تعرف التفاصيل، لكنها افتكرت إن الخناقة دي تحديدًا استمرت وقت طويل، وإن محمود خرج بعدها من الشقة وهو في حالة غضب شديدة.
المقدم آدم طلب سماع أقوال الجيران واحدًا واحدًا، وبدأت الصورة تتجمع ببطء.
من حوالي أربعة شهور، محمود اكتشف كرتونة مستخبية تحت السرير، ولما فتحها لقى جواها مبلغ 45000 جنيه.
بالنسبة لراجل دخله محدود، المبلغ ما كانش صغير.
سأل مراته عن مصدر الفلوس، فردت عليه إنها تخص بعض الجيران، وإنها كانت محتفظة بيها عندها لسبب معين.
لكن محمود ما اقتنعش بكلام مراته ومن اليوم ده، بدأت الشكوك تكبر جواه.
بقى يراقب تحركات مراته، ويسألها عن كل مشوار، ويتضايق لما تتأخر، وكل خلاف صغير بينهم كان بيتحول لخناقة كبيرة.
ولما المقدم آدم سأل الجارة عن طبيعة العلاقة بين الزوجين، ردت بحذر:
بص يا بيه، أنا ما أقدرش أقول إن الست كانت وحشة، ولا أقدر أتهمها في حاجة.. بس اللي أقدر أقوله إن جوزها كان شاكك فيها جدًا، والشك ده قلب حياتهم لجحيم.
المقدم آدم كتب الملاحظة في دفتره.
الشك ممكن يكون دافعًا للجريمة، لكنه مش دليل على إن اللي اتقتل كان مذنبًا.
الجملة دي كانت قاعدة المقدم آدم في كل قضية بيتولاها.
لكنه لسه ما كانش يعرف إن مبلغ الـ45000 جنيه مش هو السر الوحيد اللي مستخبي في حياة الأسرة.
وفي أثناء مراجعة أقوال الجيران، ظهر اسم جديد.
عودة.. صاحب العمل اللي كان محمود بيشتغل عنده.
عودة كان صاحب ورشة كبيرة، ومحمود اشتغل عنده بعد ما انتقل للشروق، والغريب إن نجلاء هي اللي توسطت لجوزها عشان يحصل على الشغلانة دي.
في البداية، الموضوع كان طبيعي جدًا.
واحد محتاج شغل، ومراته تعرف صاحب شغل، فتساعده.
لكن محمود، حسب أقوال بعض المحيطين بيه، بدأ يتعامل مع الموضوع بشكل مختلف بعد فترة.
بقى يسأل مراته عن عودة، ويتضايق لو جابت سيرته، واتهمها أكتر من مرة إنها بتخبي عنه حاجات.
وفي إحدى المشاجرات، خرجت منه جملة سمعتها واحدة من الجارات: أنا عارف إن فيه حاجة بتحصل من ورايا!
لكن محدش عرف وقتها كان يقصد إيه بالضبط.
هل كان عنده دليل حقيقي؟
ولا كان مجرد شك بيتحول يومًا بعد يوم لوسواس مسيطر على تفكيره؟
المقدم آدم قرر يستدعي عودة لسماع أقواله.
حضر الراجل في صباح اليوم التالي، وكان واضح عليه التوتر.
سأله المقدم آدم: إنت تعرف محمود من إمتى؟
من سنتين تقريبًا، يا بيه. كان شغال عندي، وراجل غلبان وبيجري على أكل عيشه.
وعلاقتك بمراته كانت إيه؟عودة سكت لحظة، وبعدين قال: أعرفها زي ما أي صاحب شغل يعرف مرات العامل اللي عنده.
هي اللي طلبت مني أشغّله، وبعدها ما كانش بيني وبينها أي حاجة.
المقدم آدم فضّل باصص له من غير ما يرد.
وبعدين سأله: طب إيه سبب الخلافات اللي كانت بينك وبين محمود؟
عودة حرّك إيده بتوتر وقال: مفيش خلافات بيني وبينه.
هو بس كان شكاك، وكان فاهم حاجات غلط.
.. زي إيه؟عودة نزل عينه للأرض، وقال:
مش عارف أشرح لحضرتك... بس هو كان مقتنع إني السبب في مشاكل بيته.
المقدم آدم قرر ما يضغطش عليه في اللحظة دي، وطلب منه يفضل متاحًا للتحقيق.
لكن قبل ما عودة يمشي،المقدم آدم سأله سؤال أخير:
آخر مرة شفت فيها محمود كانت إمتى؟
عودة رد بسرعة: من يومين قبل اللي حصل.. في الورشة.
المقدم آدم لاحظ سرعة الإجابة، لكنه ما علّقش.
دوّن أقواله، وطلب من الفريق مراجعة تحركاته في الأيام السابقة للجريمة.
وفي الوقت نفسه، وصلت أولى نتائج الفحص الفني للمكان.
الباب ما اتكسرش، ومفيش دليل واضح على اقتحام الشقة.
وده معناه إن دائرة الاحتمالات لسه مفتوحة.
الأب ممكن يكون الجاني، وممكن يكون هرب بعد ما اكتشف الجريمة، وممكن يكون فيه شخص تاني كان قادر يدخل البيت من غير ما يلفت الانتباه.
كل الاحتمالات كانت مطروحة.. مكالمة قلبت التحقيق
في نهاية اليوم، كان المقدم آدم بيراجع أقوال الجيران لما مساعده دخل المكتب ومعاه ورقة صغيرة.
قال له: يا فندم، وصلنا لمعلومة جديدة عن محمود
المقدم آدم رفع عينه.. إيه هي؟
واحد من زملائه في الشغل بيقول إنه شافه قبل الجريمة بيوم، وكان في حالة عصبية شديدة، وسمعه بيتكلم في التليفون وبيقول: الليلة دي لازم كل حاجة تخلص عشان ارتاح .
المقدم آدم اعتدل في كرسيه.. كان بيكلم مين؟
مش معروف لحد دلوقتي، يا فندم.
والمكالمة دي كانت الساعة كام؟المساعد ذكر له التوقيت التقريبي.
المقدم آدم رجع يبص في ملف القضية، وبدأ يربط بين الخلافات القديمة، والفلوس، وعودة، واختفاء محمود.
لكن قبل ما يصدر أي قرار، رن تليفون المكتب.
كان اتصال من فريق البحث.
لقوا محمود.. اتقبض عليه في مكان بعيد عن الشقة، وكان في حالة نفسية سيئة.
ولما بدأوا يسألوه عن مراته وأطفاله، ما أنكرش وجود خلافات بينهم، لكنه رفض في البداية يتكلم عن اللي حصل ليلة الجريمة.
وبعد ساعات من التحقيق، قال جملة واحدة خلت المقدم آدم يطلب إيقاف الأسئلة مؤقتًا.
قال محمود بصوت مبحوح: أنا كنت فاكر إني الوحيد اللي مخدوع.. بس فيه حاجة اكتشفتها قبل الليلة دي، ولو قلتها لكم، هتفهموا إن الموضوع أكبر من مجرد خناقة بين راجل ومراته.
المقدم آدم قرب منه وقال: إيه الحاجة دي؟
محمود رفع عينه، وبص له طويلًا.
وبعدين قال: الكرتونة اللي لقيتها تحت السرير.. أنا ما كنتش أول واحد يكتشفها.
سكتت الغرفة التحقيق باكملها.. المقدم آدم بص للمحقق اللي بيسجل الاعتراف، وبعدين رجع لمحمود.
تقصد إيه؟ مين اللي كان عارف بوجود الفلوس قبلك؟
محمود ما ردش.. اكتفى إنه يطلب محاميًا، ورفض يكمل كلامه.
في اللحظة دي، المقدم آدم أدرك إن القضية لسه ما بدأتش فعلًا.
لأن فيه شخصًا آخر، لسه اسمه ما ظهرش في التحقيقات، ممكن يكون عارف سر الفلوس، وعلاقته بالأسرة أخطر بكتير مما الجميع متخيل.
والسؤال اللي فضّل يطارد المقدم آدم طول الليل: لو محمود كان شاكك في مراته من أربعة شهور، إيه اللي حصل في آخر ليلة خلاه يتحول من زوج غيور إلى متهم في جريمة قتل أربع أطفال وأمهم؟..يتبع
