رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل العشرون
بشقة نورهان
كانتا الاثنتين ينتهك عقلهن الحقد والغضب...
بغرفة المعيشة، وضعت الخادمة أمامهن صنية عليها كأسين من أحد العصائر، نظرت الى نورهان بريبة قائلة بتردُد:
مدام ممكن أمشي إبني كان...
قاطعتها نورهان بغضب:
بس مش ناقصة فال سيء غوري، بس بكره تجي بدري عشان تنضيف الشقة.
أومأت الخادمة لها ثم غادرت سريعًا تركتهن، يشعرن بغضب، جذبت نورهان كاسًا، إرتشفت القليل، ثم بصقته بغضب قائلة:
عصير ده ولا ماية وسكر، الخدامة الغبية ألف مرة أقول لها تقلل السكر.
لم ترد كارلا بل صمتت تنظر أمامها... إندهشت نورهان من ذلك... وكزتها بيدها، إنتبهت لها، تفوهت نورهان بسؤال:
مالك بكلمك سرحانه فى إيه.
نظرت لها كارلا للحظات صامته مما جعل نورهان تعود لسؤالها.. فأجابتها:
ميراچ خلفت ولد.
لم تنصدم نورهان... إستغربت كارلا ذلك وقالت بسؤال:
إنتِ كمان كنتِ عارفة.
سألتها نورهان:
ليه مين اللى كان عارف.
تعلثمت كارلا قائلة:
قصدي يعني...
تفهمت نورهان سبب علثمة كارلا أن الأمر ضايقها بشدة، فقالت:
للآسف عرفت النهاردة من الغبية درية... لا والأدهي حاولت أشكك فى عقلها، بس لأول مرة تدافع عن ميراچ.
تنرفزت كارلا قائلة بنبرة تهكمية :
يعني إيه تدافع عنها... إيه قلبها رق لما شافت حفيدها.
تهكمت نورهان قائلة:
واضح كده،بس أنا برضوا نبهتها وهي إترددت زي عادتها...وبعدين مش هي المهمه،المهم أديم...بقاله فترة بارد معاكِ،أنا خايفه بعد رجوع الغبية ميراچ ومعاها إبنه...ممكن...
قاطعتها كارلا بغيظ وسؤال:
ممكن إيه...
أجابتها نورهان:
كله من الغبي اللى يجحمه نبيل...وصيته الزفت هي اللى خلت ميراچ إتمكنت من أديم...وطبعًا دلوقتي بعد ما خلفت منه أكيد سهل تلعب على مشاعره بالولد...غبي زي أمه وكلمه توديه وكلمه تجيبه ودي مش بس كلام، ده إبنه.
تهكمت كارلا قائلة:
من قبل ما تخلف، وهو كان بدأ يرجع يجري وراها من تاني... قربها منه خطر، طول ما هي بعيدة عنه سهل أقدر أوقع بينهم، لكن دلوقتي الوضع اختلف، وجود الولد هيخلي أديم يتمسك بيها أكتر، ومش بعيد يكون ندم على كل اللي عمله فيها وقرر يعوضها عن السنين اللي ضيعها منهم.
ضربت نورهان كفًا بالآخر بعصبية، وردت بغيظ:
يعني إيه؟ هنفضل نتفرج عليها وهي بتاخد كل حاجة مننا... دي رجعت ومعاها ابنه.
ضيقت كارلا عينيها بمكر، ثم مالت نحو نورهان قائلة:
عشان كده لازم نتحرك قبل ما يفوت الأوان... إحنا مش هنقدر نمنع أديم إنه يحب ابنه، لكن نقدر نخليه يشك في ميراچ من جديد.
نظرت إليها نورهان باهتمام، وقد تراجع غضبها قليلًا أمام الفكرة التي بدأت تتشكل في رأسها.. وفالت باستفسار:
وهنعمل ده إزاي.. وهو بقي بيعاملك بحياد، زي ما بتقولى فى حدود الشغل.
ابتسمت كارلا ابتسامة باردة، وأجابتها:
ببساطة، هنخليه يصدق إن رجوعها مش عشانه ولا عشان ابنها... هنخليه يشك إنها رجعت علشان الفلوس والورث، وإن الولد مجرد وسيلة تضمن بيها إنها تفضل مسيطرة عليه.
هزت نورهان رأسها باعتراض:
أديم مش غبي للدرجة دي يا كارلا، وبعدين هو عارف إنها ليها حق في الورث من وصية جده، يعني مش محتاجة تعمل كل ده علشان الورث.
فكرت كارلا بدهاء:
أنا مش هقوله إنها عايزة الورث وخلاص، أنا هخليه يشوف بعينه حاجات تخليه يصدق إن ميراچ بتخدعه... فيه فرق كبير بين إنك تتهمي حد بالخيانة، وبين إنك تخليه يشك فيه من نفسه.. زي ما حصل قبل كدخ.
تأملتها نورهان للحظات، قبل أن تسألها بلهفة:
قصدك إيه؟ إنتِ ناوية تعملي إيه بالظبط.
اتسعت ابتسامة كارلا، ثم اقتربت منها وهمست:
كل اللي محتاجاه منك إنك تعرفيلي هي كانت فين طول فترة غيابها، ومين الأشخاص اللي كانوا معاها، خصوصًا في الفترة اللي قبل ما ترجع... عايزة أعرف كل تفصيلة في حياتها، حتى لو كانت صغيرة ومش مهمة.
تحدثت نورهان بسؤال:
ولو ملقيناش حاجة نقدر نمسكها عليها.
رفعت كارلا حاجبها بثقة، وأجابتها:
يبقى هنخلق الحاجة اللي محتاجينها... بس المرة دي مش هنستعجل، ولا هنسيب أي دليل يوصل لينا.
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تخرج كارلا زفرة حانقة وتقول:
أنا كل اللي يهمني إن ميراچ متتهناش بأديم، ولا تعيش معاه اللحظة اللي أنا كنت بحلم بيها... ولو اضطريت أهد كل حاجة حواليها، مش هتردد.
نظرت إليها نورهان نظرة ذات مغزى، تبسمت كارلا قائلة بلهجة حاسمة:
يبقى جهزي نفسك، لأن المرة دي مش هدفنا إن أديم يبعد عنها وبس... أنا عايزاه هو بنفسه يبقى السبب في وجعها، ويخليها تندم على اليوم اللي قررت فيه ترجع لحياته.
أومأت نورهان لكن فكرت للحظه وقالت:
أنا وصل لى من كلام درية إن ميراج المرة دي شكلها مش عايزاه أصلًا، وده أخطر من أي حاجة تانية... الست اللي بتجري ورا الراجل سهل تكسريها، إنما الست اللي تقرر تمشي وتعيش من غيره، حتى لو لسه بتحبه، دي بتخليه يفقد عقله.
تلاشت ابتسامة كارلا تدريجيًا، وراحت تفكر في كلمات قبل أن تقول:
طب ما يمكن تكون بتمثل عليه... يمكن عايزة تخليه يندم على اللي عمله فيها، ولما يضعف قدامها ترجع تسيطر عليه.
تفهمت نورهان قائلة.:
لو كان ده حقيقي، يبقى لازم نعرف هي بتخطط لإيه قبل ما نعمل أي خطوة.
عادت كارلا إلى الأريكة، ثم تناولت هاتفها وبدأت تتفحصه دون اهتمام حقيقي، قبل أن ترفع عينيها فجأة إلى نورهان... قائلة:
يبقي لازم نبدأ وأنا عارفة نقطة ضعف قديم..
هي.... الغِيرة والشك.
❈-❈-❈
بالعودة لبيت الشاطي
-الأسهم مقابل الطلاق.
وقعت الجملة على مسمعه كصاعقة...
نظر لها بذهول الهذه الدرجة وصل تفكيرها به...
تجمد أديم في مكانه للحظات، ونظر إلى يديها اللتين استقرتا فوق صدره، ثم رفع عينيه إلى وجهها الشاحب الذي اشتعل بالغضب، بينما كانت أنفاسها تتلاحق وكأنها تخوض معركة لم تعد تملك طاقة لخوضها...
أمسك بكفيها برفق، ضمهما لصدره دون أن يضغط عليهما، ثم قال بصوت خافت:
إنتِ فاكرة إن كل اللي يهمني في الدنيا هو الأسهم دي.
ضحكت ميراچ بسخرية موجوعة، وسحبت يديها من بين يديه... قائلة:
مش فاكرة يا أديم، أنا متأكدة إنت من يوم ما اتفتحت وصية جدو نبيل وإنت بتعاملني كأني واحدة داخلة حياتك عشان تسرق منك... وكل ما تكتشف إنك ظلمتني، تكون أذيتني أضعاف ما أقدر أتحمل.
ابتلع أديم مرارة كلماتها، ثم جلس على طرف الفراش، لكنه ترك بينهما مسافة كافية حتى لا تشعر بأنه يحاصرها... قال بندم:
أنا عارف إني غلطت في حقك.
انخفضت عيناه للحظة، وشعر كأن كل كلمة منها تنتزع جزءًا من كبريائه، لكنه لم يجد في نفسه رغبة واحدة للدفاع عن ذلك الكبرياء أمام وجعها... قائلًا:
أنا مش هبررلك اللي عملته، ومش هطلب منك تنسيه كأن مفيش حاجة حصلت، بس اديني فرصة أصلح اللي بوظته.
حدقت فيه طويلًا، ثم هزت رأسها وهي تحاول منع دموعها من النزول...ثم ضحكت بوجع قائلة:
فُرصة إيه يا أديم؟! إنت أخدت فُرص وزيادة
أنا استحملت شكك، وقسوتك، وإهاناتك، وكل مرة كنت بقول يمكن المرة الجاية يفهمني، يمكن المرة الجاية يصدقني... لحد ما اكتشفت إن مفيش فايدة.
توقف صوتها للحظة، ثم استطردت بألم:
خد كل حاجة يا أديم، بس رجعلي حقي في إني أعيش من غير ما أبقى خايفة من اليوم اللي هتقرر فيه تصدق كذبة جديدة عني.. كفاية مبقاش عندي قدرة تحمُل.
رفع أديم رأسه إليها، وكانت عيناه تحملان ندمًا لم تعتد رؤيته فيه... قائلًا:
أنا مش عايز أسهمك يا ميراچ... أنا بـ...
حدثته بتسرُع:
وأنا مش عايزة أفضل مراتك.. كده كفاية خلينا ننفصل بهدوء.. زي ما كان الاتفاق من البداية.
خرجت كلماتها حاسمة، فصمت أديم للحظات، ثم سألها بصوت خافت:
حتى لو قولتلك إني بحبك.
تصلبت ملامحها، وكأن اعترافه لم يلمس قلبها بقدر ما أعاد فتح جرح قديم...
نظرت إليه بعينين امتلأت بالدموع، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة كسيرة... وتهكمت قائله:
قولك كدب...
كنت محتاجاها يوم ما وقفت قدامك وأنا مترددة أصارحك بسبب سفري المفاجئ، ولما رفضت تسمعني وعاوز تصدق إن بابا حرامي... كنت محتاجاها يوم ما كنت بنام وأنا بعيط من كلامك، وإنت ولا فارق معاك... كنت محتاجاها يوم ما خرجت من حياتك وأنا مكسورة، مش يوم ما رجعت وبقيت مش قادر تستغنى عني.
مد يده نحوها بدافع تلقائي، لكنها تراجعت إلى الخلف، تفوهت بغضب:
متلمسنيش.
أنزل يده ببطء قائلًا:
مش هلمسك يا ميراچ، ومش هقرب منك غصب عنك... بس متطلبيش مني أطلقك وأنا لسه...
قاطعته بحدة:
لسه إيه.. لسه بتحبني... ولا لسه مش قادر تتقبل إن فيه حاجة خرجت من إيدك.
اشتد فكه، لكنه أجبر نفسه على الهدوء... قائلًا:
لسه عندي أمل إنك في يوم تسمحيلي أعوضك عن كل اللي فات.
تهكمت بوجع قائلة:
تعوضني عن ايه يا أديم... عن كسرة قلبي لما قولتلى انك بتحب كارلا، ولا لما يوم ما بعت لى اقابلك عاليخت عشان أشوف غرامك معاها.
هز رأسه بنفي قائلًا بندم:
لما طلبت نتقابل عاليخت صدقيني كنت هعترفلك إني كنت غلطان... وصدقت أكاذيب.
تهكمت ببسمة سخرية موجعة ونظرة عين كافية بأنها لن تصدقه... تنهد ثم استطرد حديثه
برجاء:
طيب، خلينا نتفق على حاجة واحدة... مش هضغط عليكِ عشان ترجعيلي، ومش هطلب منك تتنازلي عن أسهمك، ولا هستخدم جوازنا عشان أجبرك على أي حاجة.
ضيقت عينيها بترقُب... وتهكمت قائله:
وأنا المفروض أصدق الكلام ده إزاي.
تنهد بصبر قائلًا:
متصدقيهوش دلوقتي... استني وشوفي أنا هعمل إيه.
ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:
بس فيه حاجة لازم تعرفيها... أنا مش جايبك هنا عشان الأسهم، ولا عشان أساومك على استمرار جوازنا بالضغط عليكِ .
نظرت إليه بحذر، وشعرت بانقباض في صدرها من الطريقة التي تغير بها صوته... تفوه بندم واضح:
الحقيقة اللي كان المفروض أعرفها من زمان... واللي لو كنت عرفتها وقتها، كان زمان حياتنا كلها اتغيرت.
شحب وجهها، وتشبثت بأطراف الغطاء بين أصابعها... تفوهت بسؤال:
أديم، إنت بتتكلم عن إيه بالظبط.
لم يجبها فورًا، بل أخرج هاتفه من جيبه، وفتح إحدى الصور، ثم مد يده نحوها دون أن يقترب أكثر... قائلًا:
شوفي الصورة دي يا ميراچ... وقوليلي إنتِ حقيقة الصورة.
نظرت إلى شاشة الهاتف، وما إن وقعت عيناها على الصورة حتى اختفى الدم من وجهها، واتسعت عيناها بصدمة لم يستطع أديم تفسيرها... شعرت كأن آلام الماضي التي ظنت أنها أختفت عاد منها جزء مؤلم...
رفعت نظرها إليه ببطء، وهمست بصوت مرتجف:
الصورة دي وصلت لك إزاي، وإمتى.
تعلقت عينا أديم بملامح ميراچ التي تبدلت في لحظة، وقد أدرك أن الصورة لم تكن غريبة عنها، بل إن رد فعلها أكد له أنها تعرف أكثر مما كانت تريد أن يعرفه...
أنزل الهاتف قليلًا، وسألها بتركيز:
يعني إيه الصورة دي حقيقية.
مدت ميراچ يدها نحو الهاتف، لكنها توقفت قبل أن تلمسه، ثم سحبت يدها إلى صدرها وهي تحاول استعادة هدوئها... ثم عاودت السؤال:
إنت جبت الصورة دي منين يا أديم.
تفوه بضغط:
جاوبيني على سؤالي الأول.
نظرت إليه بغضب امتزج بشعور قديم موجع.. ثم قالت:
أنا مش في تحقيق عندك.. لو عايز تعرف حاجة، اتكلم بوضوح بدل ما تفضل تسألني وكأني متهمة قدامك.
أطبق أديم شفتيه للحظات، ثم أدار شاشة الهاتف ناحيتها مجددًا
صمتت ميراچ، وأشاحت بوجهها عنه... كانت تحاول ترتيب أفكارها، لكن عودة ذلك الماضي بهذه الطريقة جعلت قلبها يخفق بعنف... ليس خوفً بل ألم
لاحظ أديم ارتباكها، فتراجع خطوة إلى الخلف، ثم قال بهدوء:
ميراچ، أنا مش هضغط عليكِ... لو الصورة دي بتخص حاجة إنتِ مش مستعدة تتكلمي عنها، قوليلي...
ضحكت بمرارة دون أن تنظر إليه.
دلوقتي بقيت خايف عليا.
أغمض عينيه للحظة، وتلقى كلماتها دون اعتراض... وأجابها بتأكيد:
أيوه، خايف عليكِ... ويمكن دي أول مرة أكون فاهم إن خوفي مش مبرر إني أتحكم فيكِ أو أشك فيكِ.
التفتت إليه، وكأن اعترافه أربكها أكثر مما أراحها... قالت بأمر:
متعملش كده يا أديم... متخلينيش أصدق إنك اتغيرت، وبعدين أكتشف إن كل ده مجرد محاولة جديدة عشان ترجعني تحت سيطرتك.
هز رأسه نافيًا، ثم وضع الهاتف فوق الطاولة القريبة منها.. قائلًا
مش هطلب منك ترجعي معايا، لكن قبل ما تمشي، عايزك تعرفي إن الشخص اللي بعتلي الصورة دي مش هدفه يفرق بينا وبس... هو بيحاول يوصل لحاجة تخصك إنتِ.
تجمدت ميراچ، ثم سألته بصوت خافت:
وإنت عرفت الكلام ده إزاي.
أجابها:
لأن الرسالة التانية كانت أوضح.
لم يفت أديم ذلك الانهيار المفاجئ، فتقدم خطوة، لكنه توقف فور أن رآها تتراجع... وقال:
ميراچ... إيه اللي حصل في الليلة دي.
هزت رأسها بعنف... قائلة: عاوز تعرف إيه يا أديم، كل شئ كان واضح قدامك حتى مرضي كام مرة كنت ببقي قدامك
مش هقدر.
بسؤال:
مش هقدري إيه.. تحكيلي؟
أجابته:
لاء مش هقدر أرجع أعيش الليلة دي من تاني.
خرجت كلماتها مصحوبة بشهقة مكتومة، ثم غطت وجهها بكفيها، وكأنها تحاول حجب صور مؤلمة عن عينيها...
شعر أديم بعجز لم يعرفه من قبل... كان يريد احتضانها، أن يهدئ ارتجافها، لكنه أدرك أن اقترابه قد يزيد خوفها، فظل مكانه.
خلاص يا ميراچ، مش لازم تحكي دلوقتي. خدي وقتك.
رفعت وجهها إليه، وعيناها تلمعان بالدموع...
إنت مش فاهم حاجة... إنت عمرك ما هتفهم.
إقترب منها قائلًا:
ي أنا مستعد أسمعك من غير ما أحكم عليكِ قبل ما تكملي كلامك.
هزت رأسها بإنهاك، ثم نظرت إلى الصورة مرة أخرى... وفاضت بوجع:
الشخص اللي في الصورة دي... مات من اربع سنين يا أديم.
انعقد حاجباه بذهول قائلًا:
إيه.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشردت عيناها بعيدًا، وكأنها عادت بذاكرتها إلى تلك الأيام التي حاولت بكل قوتها أن تتجاوزها، ثم قالت بصوتٍ اختنق بالحزن:
كنت أنا وهو بنتعالج في نفس المستشفى... حالته كانت أحسن من حالتي بكتير، وكان قرب يخف، والدكاترة كانوا بيقولوا له إنه هزم المرض، وإنه شجاع وقدر يتغلب عليه... بس فجأة... هو اللي اتهزم، والمرض هو اللي كسب، واتوفى.
توقفت للحظات، تحاول السيطرة على ارتجافة شفتيها، بينما راحت أصابعها تعبث بتوتر في طرف ملابسها، ثم تابعت بصوتٍ خافت:
كان في أوقات كتير هو اللي بيشجعني وقت جلسات الكيماوي... لما شعري بدأ يقع، وكنت كل ما أبص في المراية أحس إني مبقتش أنا، كنت بعيط وأرفض أقابل أي حد... هو كان بيحاول يضحكني، ويقولي إن شعري هيرجع تاني، وإن اللي بيحصل ده مش معناه إني بقيت أقل جمال.. كان يقولي إن المرض ممكن يتعب جسمي، لكنه مش هيقدر يكسر روحي طول ما أنا متمسكة بالحياة.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيها، لكنها سرعان ما انطفأت، وغرقت عيناها بالدموع... وقالت:
تعرف إيه أكتر حاجة كانت بتوجعني إنه رغم تعبه، ورغم إنه كان محتاج حد يقويه ويقف جنبه، كان بيحاول ينسيني وجعي أنا... كنت ساعات أحس إني أنانية، لأني كنت بستمد قوتي منه، من غير ما أفكر هو نفسه كان بيحارب قد إيه عشان يفضل واقف على رجليه.
انخفض صوتها أكثر، وكأن الكلمات التالية كانت أثقل من أن يتحملها قلبها...
آخر مرة شوفته فيها، كان بيقولي إنه نفسه يخرج من المستشفى، ويرجع لحياته، ويحقق كل الحاجات اللي كان بيحلم بيها... وأنا صدقته، صدقت إنه هيخف، وإننا هنخرج من المستشفى سوا، ونضحك على الأيام الصعبة دي. بس تاني يوم...
عجزت عن إكمال جملتها، وانهمرت دموعها رغم محاولتها كتمها، قبل أن تهمس:
تاني يوم عرفت إنه مات... ساعتها حسيت إن الدنيا كلها وقفت، وإن كل الكلام اللي كان بيقولهولي عن الشجاعة والأمل مبقاش له أي معنى... هو مات، وأنا فضلت عايشة... ولفترة طويلة كنت حاسة بالذنب، كأني أنا اللي كان المفروض أموت مكانه.
شعر فى نفس اللحظة من كلماتها المؤلمة خوف... وعقله سأل:
لو حقًا كانت...
هز رأسه نافيًا... بتلقائية، ضمها بين يديه وجلس جوارها...
رفعت عينيها أخيرًا، وفي نظرتها وجع لم تستطع إخفاءه.
ومن يومها وأنا بخاف أصدق إن بكرة ممكن يكون أحسن... لأن أصعب حاجة مش إنك تحارب المرض، أصعب حاجة إنك تتعلق بالأمل، وبعدين تلاقيه بيتسحب من إيدك فجأة، من غير حتى ما تلحق تقول وداعًا.
ظل أديم ينظر إليها بصمت، وقد تبدلت ملامحه تمامًا وهو يستمع إلى كلماتها... لم يكن يتوقع أن وراء تلك الحكاية وجعًا بهذا العمق، ولا أن المرأة التي ظن يومًا أنها تخفي عنه الكثير، كانت تحمل في داخلها ذكريات كهذه، لم تندمل جراحها رغم مرور السنوات...
وقعت عيناه على دموعها، فشعر بانقباض مؤلم في صدره... ضمها إلى صدره أراد يخبرها أنها لم تعد مضطرة إلى مواجهة كل ذلك وحدها، لكنه تردد، متذكرًا أنها لا تزال تخشى الاقتراب منه، وأنه كان أحد الأسباب التي جعلتها تفقد شعورها بالأمان معه...
قال بصوت هادئ خالي من حدته المعتادة:
عشان كده كنت بتحاولي تظهري البرود.
رفعت ميراچ عينيها إليه، ولم تجبه، لكن صمتها كان كافيًا ليجعله يدرك أن سؤاله أصاب موضعًا حساسًا بداخلها... لاحظ توترهة ، وقال بنبرة اختلط فيها الندم بالألم:
أنا كنت فاكر إنك بتبعدي عني عشان مش بتحبيني، أو عشان شايفاني مجرد جواز مفروض عليكِ بسبب وصية جدي... مكنتش أعرف إنك من جواكِ لسه بتحاربي حاجات أنا معرفش عنها أي حاجة.
مسحت ميراچ دموعها سريعًا، وأشاحت بوجهها عنه... وقالت:
مش كل حاجة بنقدر نحكيها يا أديم، في حاجات بتفضل جوانا عشان مجرد ما نفتكرها بنحس إننا رجعنا لنفس اللحظة اللي اتوجعنا فيها.
أطرق أديم رأسه للحظات، ثم رفع عينيه إليها مجددًا... وقال بندم:
وأنا زودت وجعك بدل ما أكون سبب في إنك تتعافي منها.
نظرت إليه ميراچ بدهشة، فقد اعتادت منه أن يجد لنفسه مبررًا، أو أن يحول أي خلاف بينهما إلى معركة لإثبات أنه على حق، لكنها لم تجد في صوته هذه المرة سوى اعتراف صريح بذنبه.
تابع أديم، وقد ازدادت نبرته خشونة وهو يحاول السيطرة على مشاعره:
عارف إن كلمة آسف مش هتغير اللي حصل، ومش هتمسح الأيام اللي خليتك فيها تخافي مني، بس أنا فعلًا آسف يا ميراچ... آسف على كل مرة كنتِ محتاجة تحسي فيها بالأمان معايا، ولقيتيني أنا أكتر شخص بيحسسك بالخوف...
بس عايز أفهم حاجة واحدة... لما كنتِ بتتعالجي، ولما كنتِ بتواجهي كل الوجع ده، مين كان جنبك مين كان بيطمنك لما كنتِ بتخافي.. مين كان بيسندك لما كنتِ بتحسي إنك مش قادرة تكملي.
تجمدت ميراچ للحظة، ثم انخفضت عيناها، وكأن سؤاله أعاد إليها شعور الألم الذي حاولت طويلًا دفنه في أعماقها.
أجابته بصوت خافت:
مامي...وبابي ... أنا مكنتش بعرف أسند نفسي بنفسي.
كانت الجملة قصيرة، لكنها أصابته في مكان لم يكن مستعدًا لأن يُصاب فيه...
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت مبحوح:
وأنا كنت فين من كل ده.. ليه إختارتي تبعديني عنك.
توقف ابتلع غصة في حلقه، وأردف وهو ينظر إليها بعينين امتلأتا بالندم:
مش هقدر أرجع الزمن وأكون جنبك في الأيام اللي كنتِ فيها بتحاربي عشان تعيشي.
صمتت
بينما أديم، كان يعلم أن دموعها ليست دعوة لاحتضانها، وأن اعترافها بوجعها لا يعني أنها سامحته.
لحظات صمت وهي داخل أحضانه حتى جفت دموعها...
رفعت عينيها نظرت له... ولحظات وجع، حاولت الابتعاد عنه... لكن هو تمسك بها بين أحضانه... فتح هاتفه.. وقام بتشغيل فيديو قصير...
نظرت له، عاد الوجع الذي لم يهدأ...
كان الفيديو
لها ولذلك الشاب من يرا الفيديو يظن أنه لأثنين مننتشيان بعد علاقة جسدية...
لكن الحقيقة كانت مؤلمة...
فهي كانت لحظات ألم بعدما إنتهيا من إحد جلسات العلاج الكيماوي أنهكت جسدها وقبله روحيهما.
فهمت مغزى ما فكر فيه..ابتعدت عنه
وقالت بألم:
تعرف يا أديم لما كنت معاك، أوقات كنت بتمني لو كنت موتت ولا شوفت الكُره اللى كان فى عينيك.
ضمها وقال بصدق:
عمري ما كرهتك يا ميراچ بالعكس...
قاطعته وسحبت نفسها قائلة بتأكيد:
كداب يا أديم... فاكر يوم فتح الوصية
إنت قولت أنا أكتر شخص بتكرهه.. هي دي الحقيقة... واللى حصل بعدها أكد كلامك.
عاد يمسك يدها قائلًا بتوسل:
لا مش الحقيقة...
الحقيقة إني بحبك وإنتِ عارفه بكده
قاطعته بمرارة، وقد عادت نظراتها إلى القسوة وهي تتذكر كارلا، ذلك الاسم الذي ظل حاجزًا بينهما مهما حاول أديم إقناعها بتغيره..وفاضت بألم:.
كان كدب يا أديم... والدليل كارلا حبيبتك، واللي خطبتها، واللي لسه عاوزها جنبك.. والدليل شغلها في الشركة... أنت اللي طلبت منها تشتغل معاك عشان تفضل قريبة منك طول الوقت... خلينا ننفصل ونخلص حكايتنا، و...
لم يمهلها فرصة لإكمال جملتها؛ اجتاحه الغضب من فكرة أن تنهي علاقتهما وكأن كل ما يحمله لها لا يعني شيئًا، فجذبها نحوه، وأطبق ذراعيه حولها، ثم انحنى يُقبلها... قى البداية كانت قُبلاته
حادة، مشحونة باضطرابه ورفضه لفكرة ابتعادها، لكن سرعان ما خفت حدتها، وتحولت إلى قبلات أكثر رقة، تحمل شوقًا ظل يقاوم الاعتراف به طويلًا، وعطشًا إلى قربها الذي افتقده حتى حين كانت بين يديه...
شعر بأنفاسها تتسارع، وبجسدها يتصلب بين ذراعيه، لكنها لم تستجب له كما تخيل؛ دفعت صدره بكفيها، تحاول إبعاده عنها، وحين أدرك مقاومتها، توقف على الفور، مبتعدًا عنها بالقدر الذي يسمح لها بالتنفس...
ظلت تحدق فيه بصدمة، وراحت تلتقط أنفاسها المتلاحقة، بينما ارتجفت شفتاها من الغضب... وقالت باحتداد:
أنت اتجننت.
مرر أديم يده على وجهه، يحاول استعادة هدوئه، لكنه لم يستطع إخفاء اضطرابه وهو يجيبها:
مكنش في طريقة أسكتك بها غير دي.
ضحكت م بمرارة، ومسحت شفتيها بظهر يدها، في حركة آلمته أكثر مما توقع... وقالت بغضب:
هو أنت فاكر إن الموضوع مجرد إني زعلانة منك... أنت ليه كل مرة بتحسسني إن مشاعري ملكك، وإن من حقك تقرر عني... وحتى لما أطلب منك ننفصل، بتتصرف كأن قراري ملوش أي قيمة.
انقبض قلبه، لكنه لم يقاطعها هذه المرة... وهي تقول:
أنا مش كارلا يا أديم، ومش هقبل أكون واحدة من اتنين في حياتك طالما بتحبها، روح لها، ولو وجودها في الشركة مهم بالنسبالك للدرجة دي، خليها جنبك براحتك... بس متجيش بعد كده تقولي إنك بتحبني.
هز أديم رأسه نافيًا، ثم قال بحزم امتزج بألم واضح:
كارلا مش حبيبتي يا ميراچ،ولا عمرها كانت حبيبتي... ومستحيل تبقى مراتي، ووجودها في الشركة ملوش أي علاقة بمشاعري...
تهكمت بسخرية وقاطعته قائلة:
وأنا أصدقك ليه.
توقف للحظة، فقد كان سؤالها أبسط من أن يتهرب منه، وأصعب من أن يجيب عنه بكلمتين...تبسم قائلًا:
عشان هي دي الحقيقة يا ميراچ... قلبي وعقلي إنت صاحبة السيطرة عليهم... حتى وأنا بحاول أقنع نفسي بعكس كده، بلاقي نفسي برجعلك من تاني... فاكرة إني لما كنت ببعد عنك كنت مرتاح.. ده أنا كنت ببقى وسط الناس كلها، وعقلي مشغول بيكِ إنتِ وبس... كنت بشوفك في كل حاجة حواليا، وفي كل مرة كنت بفتكر فيها إني قادر أعيش من غيرك، كنت باكتشف إني بكدب على نفسي.
نظرت له نظرة غير واضحة، تبسم لها تنهدت بقوة قائلة:
إنت عرفت منين إني كنت حامل، كمان عرفت مكاني منين، وليه المرة دي دورت عليا بدون استسلام... رغم إن لما بابا قالك قبل كده إني سافرت مع خطيبي صدقت ومفكرتش تسأل عني.
نظر لها شعر بوجع قائلًا:
باباكِ وصلي اللى إنت أمرتيه يقوله وقتها، حتي كمان جدي نبيل كان عارف الحقيقة ومع ذلك أستسلم لرغبتك إنك تبعديني عن حياتك...
وعدك إنه مش هيتدخل في قرارك، وأنا وقتها كنت فاكر إنك فعلًا اخترتي تبعدي عني بإرادتك.. كنت موجوع، وغضبان، وكبريائي منعني إني أجري ورا واحدة مش عاوزاني في حياتها.
تنهدت بعناد قائلة:
ودلوقتي أنا فعلًا مش عوزاك فى حياتي، بس عندي فضول أعرف ... عرفت منين أخباري.
نظر لها كم شعر بإشتياق لتلك المتمردة القديمة التي يسير عشقها فى قلبه مثل أمواج البحر، بين مد وجزر...
جذبها عليه يضمها بقوة لم يستسلم لدفعها له بيديها وقبل أن تتحدث كانت شفتيها تغرق بين شفتيه بقبلات
دفعته بقوتها، ترك شفتيها
نظر إليها كم اشتاق إلى تلك المتمردة القديمة التي يسري عشقها في قلبه مثل أمواج البحر، بين مدّ وجزر؛ تقترب منه بعنادها فتشعل قلبه، ثم تبتعد بجرحها فتتركه غارقًا في بحر من الحنين لا يعرف له شاطئًا...
اشتاق إلى نظراتها الغاضبة، إلى ردودها التي كانت تفقده صوابه، وإلى تلك المرأة التي لم تخشى يومًا أن تواجهه بكلمة حق، حتى حين كان يظن أنه قادر على إخضاع الجميع لقراراته...
لكنها الآن لم تعُد تلك المرأة التي تعرف كيف تخفي وجعها خلف ابتسامة ساخرة، فقد تركت الأيام في عينيها حذرًا لم يعتده، وجعلت المسافة بينهما أكبر من أن تختصرها كلمات الحب...
تحرك نحوها مدفوعًا باشتياقه، وجذبها إليه محاولًا ضمها إلى صدره، إلا أن ميراچ انتفضت بين ذراعيه، وراحت تدفعه بكفيها في محاولة لإبعاده عنها...
لم ينتبه في اللحظة الأولى إلى ارتباكها، فقد غلبه حنينه، وانحنى نحوها محاولًا تقبيلها مرة ثالثة... لكنه ما إن شعر بمقاومتها حتى تجمد مكانه، قبل أن يبتعد عنها مضطربًا...
وضعت ميراچ يدها على شفتيها، ونظرت إليه بصدمة امتزجت بالغضب قائلة بحدة:
إنت مش بتفهم أنا لسه قايلالك إني تعبت من طريقتك، وإنك كل مرة بتتصرف كأن مشاعري وقراراتي ملكك.
مرر يده بين خصلات شعرها وأغمض عينيه للحظة، محاولًا السيطرة على ذلك الاضطراب الذي اجتاحه... قال ببسمة:
عندك حق... أنا آسف يا ميراچ. والله ما كان قصدي أخوفك أو أضغط عليكِ، أنا بس...
قاطعته بحدة:
بس إيه؟ وحشتك ولا افتكرت إنك لسه جوزي ومن حقك تقرب مني وقت ما تحب.
رفع عينيه إليها، وقد أصابه سؤالها في الصميم ضحك قائلًا:.
وحشتيني، أيوه... وحشتيني لدرجة إني ساعات ببقى مش عارف أتصرف إزاي وأنا شايفك قدامي وبحس إنك أبعد عني من أي وقت فات... بس ده معناه إن من حقي أفرض عليكِ.
ضحكت ميراچ بسخرية موجوعة، ثم أشاحت بوجهها عنه... وقالت بضيق من غروره:
المشكلة إنك عارف إنك غلطان... ومع ذلك بتكرر نفس الغلط.... إنت عاوزني أصدق إنك اتغيرت، وفي نفس الوقت مش قادر تتحكم في تصرفاتك لما حاجة متعجبكش... أنا مش هقدر أرجع أثق فيك لمجرد إنك بتقولي إنك بتحبني، ومش هسمح إن اشتياقك ليا يبقى مبرر إنك تتجاهل رفضي... لو فعلًا عاوزني في حياتك، اتعلم الأول تحترم حدودي.
أومأ أديم ببطء، ولم تنطفأ في عينيه تلك اللهفة التي دفعته إلى الاقتراب منها دون تفكير، لك حل معها ندم حقيقي... وقال:
هتعلم يا ميراچ... حتى لو أخدت وقت، وحتى لو اضطررت أستحمل إنك تبقي بعيدة عني وأنا شايفك قدامي... بس متتوقعيش إني مش هضغط عليك تاني.
نظرت إليه ميراچ للحظات، وقد ضاق صدرها بكلماته التي لا تخلو من التملُك، وبعادته القديمة في محاولة السيطرة على مجريات الأمور كلما شعر أنها على وشك الابتعاد عنه...
نهضت من مكانها، عازمة على إنهاء الحديث قبل أن يتحول إلى جدال جديد، لكنها فوجئت به يجذبها من يدها، فعادت وجلست على الفراش مرة أخرى، لتلتفت إليه بحدة.
أديم! هو إنت مبتزهقش؟ مش قولنا هتبطل حركاتك دي.
رفع كفيه أمامها، متظاهرًا بالاستسلام، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة
مال نحوها قليلًا، ثم همس جوار أذنها بنبرة حملت شيئًا من المشاكسة التي افتقدتها رغمًا عنها:
مش عاوزة تعرفي أنا عرفت إنك حامل إزاي.
تجمدت ميراچ في مكانها، واستدارت بوجهها نحوه بسرعة، وقد اختفت ملامح الضيق لتحل محلها الدهشة.
إنت عرفت إزاي.
ابتسم أديم، مستمتعًا للمرة الأولى منذ بداية حديثهما بأنه نجح في إثارة فضولها، ثم همس مجددًا:
عرفت منك... حتى مكانك.
ابتعدت عنه قليلًا، وحدقت في وجهه وكأنها تحاول فك لغز كلماته.
❈-❈-❈
بالفيلا
بغرفة ريان
خرجت كنزي من حمام الغرفة تنظر الى ذلك التيرميتر بين يدها بترقُب.. ذهبت نحو الفراش جلست، عيناها لا تفارق ذلك الاختبار...
بين الحين والآخر تنظر نحو ساعة معلقة بالغرفة... كأنها تعد الدقائق..
وضعت الاختبار فوق الكومود، ثم التقطته مجددًا بعد ثوانٍ قليلة، تتفحصه وكأن الوقت قد حان، لكنها أدركت أن الدقائق المحددة لم تمر بعد...
تنفست بعمق، وأسندت ظهرها إلى الوسادة، ثم وضعت كفها فوق بطنها في حركة عفوية، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة امتزجت بالخوف والأمل...
همست لنفسها:
يا رب أكون حامل... يا رب ما تخيبش أملي المرة دي.
عادت تنظر إلى الساعة، ثم أغمضت عينيها للحظات، تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة. كانت طبيبة وتعرف جيدًا أن التوتر لن يغير النتيجة، لكن الأمر هذه المرة لم يكن مجرد حالة طبية تنتظر تأكيدها،أمنية شخصية أصبح قلبها يتعلق بها.
فجأة، انفتح باب الغرفة...
انتفضت كنزي في جلستها، وأسرعت بإخفاء الاختبار خلف وسادة صغيرة، قبل أن ترفع عينيها نحو ريان الذي دخل الغرفة، وقد لاحظ ارتباكها منذ اللحظة الأولى...
عقد حاجبيه مستفسرًا:
مالك يا حبيبي إنتِ كويسة.
حاولت أن تبدو طبيعية، فأجابته بسرعة:
أيوه، كويسة... إنت رجعت إمتى.
اقترب منها وهو يفك أزرار أكمام قميصه:
لسه داخل أهو، بس واضح إن فيه حاجة شاغلة بالك... كنتِ بتعملي إيه.
هزت رأسها نافية، وأشاحت بوجهها عنه قائلة:
مفيش حاجة، هو لازم كل ما تسألني عن حاجة أفضل أشرح وأبرر.
توقف أمامها، وتأمل ملامحها التي لم تستطع إخفاء قلقها، ثم جلس بجوارها وقال بنبرة هادئة:
مش لازم تبرري يا ستي، بس أنا جوزك، ولما ألاقيكِ متوترة بالشكل ده طبيعي أسأل عليكِ.
لانَت ملامحها قليلًا، لكنها سرعان ما نظرت إلى الساعة مجددًا، فالتقط ريان حركتها ولاحظ أنها تخفي شيئًا خلف الوسادة...
مد يده محاولًا إزاحتها، لكنها أمسكت بمعصمه بسرعة.. وقاللت:
ريان، استنى.
توقفت يده، واتسعت عيناه بدهشة من رد فعلها، ثم نظر إليها بشك ممزوج بالقلق... وسأبها:
إيه اللي مخبياه يا كنزي.
ابتلعت ريقها، وشعرت بأن اللحظة التي انتظرتها لم تعد تخصها وحدها، لكنها لم تكن مستعدة بعد لمواجهة نظراته وأسئلته.
همست بتردد:
ممكن تديني دقايق بس.
تأملها ريان قليلًا، ثم أومأ برأسه دون أن يضغط عليها... قائلًا:
براحتك، بس أوعديني لو فيه حاجة مضايقاكي متفضليش شايلة همها لوحدك.
ابتسمت له ابتسامة مرتبكة، وما إن نهض واتجه نحو خزانة الملابس حتى أسرعت بإخراج الاختبار من خلف الوسادة... نظرت إليه مجددًا، ثم إلى الساعة... بم يتبقي سوى لحظات قليلة...
وضعت يدها على فمها، وبدأت عيناها تلمعان بالدموع، بينما راحت تهمس بالدعاء في سرها...
في تلك اللحظة، استدار ريان نحوها، فوجدها تحدق في شيء بين يديها، ودموعها تنساب على وجنتيها دون صوت.
تبدلت ملامحه في لحظة، واندفع نحوها بقلق.
- كنزي! مالك؟ إنتِ بتعيطي ليه؟!
رفعت عينيها إليه، ثم نظرت إلى الاختبار مرة أخرى، وكأنها تحاول استيعاب ما تراه قبل أن تخبره...
خرج صوتها مرتجفًا وهي تمد يدها إليه:
ريان... أنا عندي حاجة عايزة أقولها لك.
نظر إلى ما بين يديها، ثم عاد ببصره إلى وجهها،
وقد بدأ قلبه يخفق بعنف... وسألها باستفسار:
إيه ده يا كنزي.
لم تستطع الإجابة فورًا، بل وضعت كفها فوق فمها وهي تبكي، وابتسامة صغيرة تشق طريقها وسط دموعها...
اقترب ريان أكثر، وأمسك يدها برفق، ثم وقعت عيناه على اختبار الحمل...
تجمد للحظات، وحدق فيه غير مصدق، قبل أن يرفع عينيه إليها بذهول... قائلًا بترقُب:
كنزي... هو إنتِ...
أومأت برأسها وهي تبكي، ثم همست بصوت متهدج:
أنا غالبًا حامل يا ريان... يمكن ربنا استجاب لدعوتنا.
ظل ينظر إليها لثواني، وكأن الكلمات عجزت فجأة عن الخروج من حلقه، ثم جذبها إلى صدره بحنان، يضمها إليه بينما يحيط وجهها بكفيه... قائلًا بانشراح قلب:
إنتِ حامل... يعني هبقى أب يا كنزي.
ضحكت وسط دموعها، وأومأت برأسها مجددًا... وقالت:
أيوه يا ريان... بس لسه لازم نتأكد بتحليل.
ابتعد عنها قليلًا، وحدق في عينيها اللامعتين، ثم طبع قبلة على جبينها، قبل أن يضمها إليه مرة أخرى بقوة وحنان... قائلًا بأمنية:
يا رب يا حبيبتي... يا رب يتمم لنا على خير، وتبقي أحلى أم في الدنيا.
أغمضت كنزي عينيها، وأسندت رأسها إلى صدره، بينما راحت يده تمسح على شعرها بحنان...
لكن وسط فرحتها، تذكرت شيئًا جعلها ترفع رأسها فجأة وتسأله بقلق:
ريان، لو طلعت حامل فعلًا... إنت هتفرح بجد... يعني مش هتخاف من المسؤولية، ولا تحس إن حياتنا هتتغير.
ابتعد عنها بالقدر الذي يسمح له بالنظر إلى وجهها، ثم رفع ذقنها برفق حتى تلتقي عيناها بعينيه... قائلًا:
بصي لي يا كنزي... أنا من ساعة ما اتجوزتك وأنا بتمنى اليوم اللي أشوف فيه طفل منك، طفل يشبهك، وأشيله بين إيديا وأحس إنه حتة مني ومنك... إنتِ فاكرة إن فيه خبر ممكن يفرحني أكتر من ده.
عادت الدموع إلى عينيها، لكنها هذه المرة كانت دموع فرح خالص...
فابتسم ريان، ومسح دموعها بإبهامه، ثم أضاف
بمشاكسة خفيفة:
بس عندي سؤال مهم جدًا.
نظرت إليه باستغراب قائلة:
إيه هو.
ابتسم وهو يضع كفه برفق فوق بطنها قائلًا:
هو البيبي ده لسه صغير أوي لدرجة إنه مش عارف إن باباه مستنيه من زمان، ولا إيه.
ضحكت تلمع عينيها بسعادة وهي تنظر إليه، ثم وضعت كفها فوق يده المستقرة على بطنها، قائلة بدلال:
أهو لسه مجاش الدنيا، وأبوه بدأ يدلع فيه من دلوقتي.
ضحك ريان، وجذبها نحوه حتى استقرت بين ذراعيه، ثم قبل وجنتيها قائلًا:
ومش هدلع فيه بس... ده أنا هدلعه هو ومامته... إنتتم تطلبوا مني أي حاجة وأنا أنفذها من غير نقاش.
