رواية ديون النبض الفصل العشرون 20 بقلم مروه صياح


 رواية ديون النبض الفصل العشرون


اللحظات اللي قضيتها مع مجد كانت كلها جميلة. فضلنا مع بعض، نتمشى ونتحرك من مكان لمكان، ونتكلم ونضحك، لدرجة إني وأنا ماشية جنبه، لقيت نفسي من غير ما أفكر، ومن غير حتى ما آخد بالي، بشبك دراعي في دراعه.

بص لي وابتسم، وقال:

مجد: إنتِ أخدتي عليّا خالص.

أول ما انتبهت للي عملته، حسيت بخجل، ووطيت راسي.

مجد: وعد، مش أنا قلت لك ما توطيش راسك كده تاني؟

وعد: ما هو إنت اللي بتحرجني.

ضحك، وبص لي باهتمام.

مجد: أنا مش عايز أحرجك. إنتِ حاسة إنك غريبة عني؟

بصيت له بتردد، وبعدها رديت عليه:

وعد: لأ، بالعكس يا مجد، أنا حاسة إنك قريب مني جدًا. حاسة إن روحي بقت أقرب ليك عن الأول.

ابتسم مجد، وكأن كلامي لمس جواه حاجة كبيرة.

مجد: تعرفي يا وعد؟ أنا بحب أسمع منك الكلام ده أوي. بحس وقتها إن قلبي عايش بجد.

سكتُّ، لكن ابتسامتي فضلت على وشي وأنا ببص له.

يمكن فعلًا فيه لحظات في حياتنا بنكون محتاجين نعيشها بكل تفاصيلها، ونستمتع بوجود الأشخاص اللي بنحبهم جنبنا، من غير ما نفضل نفكر في بكرة أو نقلق من اللي ممكن يحصل بعدين.

ومجد كان عنده حق لما كان عايزنا نستمتع بوقتنا مع بعض، ونعيش اللحظات الحلوة دي من غير ما نضيّعها في التفكير.

اتحركنا لحد ما وصلنا للمكان اللي بنركب منه المراكب. وهناك، المسؤول قال لنا:

المسؤول: فيه حفلة زفاف كمان نص ساعة، لو حابين تحضروها.

وشاور لنا على مركب كبيرة.

بصيت للمركب، وبعدها بصيت لمجد. الفكرة عجبتني جدًا؛ تجربة جديدة عليّا، وعمري ما جربتها قبل كده.

وعد: إيه رأيك نحضرها؟

بص لي وابتسم.

مجد: موافق جدًا.

وفعلًا ركبنا المركب.

كانت كبيرة، أشبه بسفينة ليها كذا دور. طلعنا للدور العلوي عشان نقعد براحتنا ونستمتع بمنظر النيل.

وقفت أبص حواليا، وكان المنظر تحفة. المية ممتدة قدام عيني، والسما فوقينا، ونسمة الهوا الخفيفة بتعدي علينا، وصوت العصافير حوالينا بيزود المكان هدوء وجمال.

ومجد كان قاعد جنبي.

كل التفاصيل دي، مع وجوده، خلتني أحس بإحساس غريب وجميل في نفس الوقت. كنت مرتاحة بشكل مش قادرة أوصفه، وكأن الدنيا أخيرًا ادتني فرصة أهدى فيها وأعيش لحظة من غير ما أشيل هم حاجة.

فضلنا قاعدين شوية، لحد ما بدأ صوت الزفة يوصل لنا.

قمت بسرعة، واتحركت ناحية الصوت عشان أشوف الفرح.

مجد: استني، استني يا وعد!

بصيت له وأنا بضحك.

وعد: يلا يا مجد، عشان نلحق الزفة من أولها!

جرينا سوا، وفي اللحظة دي حسيت إني طفلة صغيرة، نفسها تجري وتفرح وتلعب، بس المرة دي ما كنتش لوحدي. كان مجد معايا، بيشاركني اللحظة بكل تفاصيلها.

أول ما وصلت وشفت العروسة، فضلت باصة لوشها. كانت الفرحة واضحة في عينيها، والابتسامة مالية وشها. هي وعريسها كانوا بيبصوا لبعض ويرقصوا، والناس حواليهم بتشاركهم فرحتهم.

اندمجت مع الجو من غير ما أحس. بدأت أسقف، وأردد الأغاني معاهم، وأتمايل على أنغام الموسيقى.

كنت مبسوطة من قلبي، وحاسة إن الفرحة اللي جوايا مختلفة، كأن الفرح ده يخصني أنا كمان.

أما مجد...

فكان في عالم تاني خالص.

أنا كنت ببص للعروسين وبراقب فرحتهم، وهو كان بيراقبني أنا.

كان بيتابع ضحكتي، وحركتي، وسعادتي، وكأنه مش شايف حد غيري وسط كل الناس دي. بالنسبة له، فرحتي كانت كفاية تخليه يعيش اللحظة بطريقته الخاصة.

فضلنا واقفين فترة نتابع العروسين والمعازيم، لحد ما قلت له:

وعد: تعال نطلع الدور الأخير.

طلعنا سوا، وكان الجو بدأ يليل.

قعدنا جنب بعض، والنور اللي حوالينا من المركب والمراكب التانية كان عامل منظر جميل وسط ضلمة النيل. المكان كله كان هادي، والنسمة اللي بتعدي علينا خلت اللحظة مختلفة عن كل اللي قبلها.

كنت حاسة إن الجو رومانسي، وده خلاني أتوتر وأحس بخجل شديد، خصوصًا إن مجد كان قاعد جنبي، قريب مني بالشكل اللي بقيت أحسه مختلف عن الأول.

كنت لسه سرحانة في أفكاري، لما سمعت صوته.

مجد: وعد...

بصيت له.

مجد: تعرفي إنتِ شمسي اللي نورت كوني.

اتسمرت مكاني، وهو كمل كلامه بصوت هادي:

مجد: أنا حاسس إني كنت في عز الضلمة، وفجأة شفت نور... والنور ده كان إنتِ.

ما عرفتش أرد عليه.

حسيت إن الكلام أكبر من قدرتي على الرد، وإن الخجل اللي جوايا زاد لدرجة إني قمت بسرعة من جنبه، واتحركت ناحية حافة المركب.

وفجأة، لقيته قرب مني بسرعة، ومسكني من وسطي عشان يبعدني عن الحافة.
حسيت بخجل شديد... لكن هو كان مرعوب جدآ...

مجد: ما تقربيش كده تاني!

اتحركت بعيد عن الحافة، وبصيت له باستغراب.

وعد: ليه؟

كانت نظرة الخوف واضحة في عينيه.

مجد: خايف عليكِ.

وعد: ما تخافش، مش هقع.

بص لي في عيني، وقال بهدوء:

مجد: إنتِ وقعتي من زمان يا وعد.

بصيت له بذهول، مش فاهمة قصده.

وعد: يعني إيه؟

مجد: الوقوع الحقيقي مش إن الواحد يقع من مكان. الوقوع الحقيقي إن الإنسان يرتاح لإنسان تاني ويحبه، من غير ما يحس بنفسه، وفجأة يلاقي قلبه بقى متعلق بيه. وأنا كمان وقعت الوقعة دي.

بدأت أفهم قصده، فبصيت له وضحكت.

وعد: يعني أي إنسان بيرتاح لإنسان تاني وبيحبه، خلاص عليه السلام! ما بيقدرش يسترد قلبه تاني.

ضحكت بمشاكسة، وكملت:

وعد: بس على فكرة، إنت وقعت قبلي.

ضحك مجد وهز راسه.

مجد: بصراحة، أنا ما قدرتش أقاوم. تعرفي يا وعد؟ بالرغم من إني كنت خايف أقع الوقعة دي، لكن كأني كنت مستني اللحظة دي من زمان، وكانت مستنياني على إيدك إنتِ.

سكت لحظة، وبعدها كمل:

مجد: فيه ناس بتدخل حياتنا وبتغير فيها كل حاجة. ناس بتدينا أمل، وبتخلينا نحس إن لسه فيه حاجات حلوة مستنيانا. وإنتِ بالنسبة لي كنتِ كده.

ما رديتش عليه. اكتفيت إني أبص للنيل، وأحاول أستوعب كل الكلام اللي بيقوله.

قرب مني وحط إيده على كتفي، فحسيت بالخجل ورجعت أبص له.

وعد: مجد، على فكرة إنت أخدت عليّا خالص!

ابتسم وقال بمشاكسة:

مجد: بصراحة، لو كنت أعمل أكتر من كده، كنت عملت.

زقيته بخفة، وبصيت له باعتراض.

وعد: أنا قلت لك إيه؟ بعد إذنك، ما تقربش مني من غير ما تستأذن. وبعدين ما ينفعش تقرب مني بالطريقة دي... إنت علاقتك إيه بيا؟

ضحك مجد، وكأنه كان مستني مني السؤال ده.

مجد: على فكرة، أنا بقول لك نتجوز، وإنتِ اللي مش راضية!

حسيت إنه بيفتح الموضوع من جديد، بعد ما كنت فاكرة إننا قفلناه، وما كنتش عايزة أضايقه أو نرجع لنفس النقاش تاني.

لكنه كمل كلامه:

مجد: وعد، الكلام ده لو بين اتنين لسه مش قريبين من بعض. لكن أنا وإنتِ، أنا شايف إننا خلاص بقينا روح واحدة، بس في جسدين. ومع الوقت، حتى الفرق ده هيزول.

حسيت بكسوف شديد، وبصيت بعيد عنه.

وعد: مجد، بعد إذنك ما تكلمنيش كده.

بعدت عنه شوية، فسكت. وبعد لحظات قرب مني، لكن المرة دي اتكلم بهدوء.

مجد: خلاص، ما تزعليش. مش هتعدى حدودي تاني.

بصيت له وقلت باستغراب:

وعد: على فكرة، أنا ما كنتش أعرف إنك كده!

ضحك بخفة، ورد عليّا:

مجد: يعني أعمل إيه؟ أنا كنت محوش مشاعري دي كلها للإنسانة اللي خطفت قلبي.

ما قدرتش أمنع نفسي من الضحك.

وعد: يبقى تكون محترم شوية!

ابتسم مجد، وسكتنا بعدها، وفضلنا نبص للنيل لحد ما المركب بدأت ترجع ناحية الشاطئ.

ولما رست، بصيت له وقلت:

وعد: ممكن بقى توصلني البيت؟ كفاية كده.

بص لي بنظرة حزينة، وقال:

مجد: بصراحة يا وعد، أنا مش عايز أسيبك.

بصيت له، وحاولت ألاقي حل يخلينا نفضل قريبين من بعض من غير ما نرجع لنفس موضوع الجواز.

وعد: طيب، ما تيجي تقعد معايا عند ياسين.

مجد: إن شاء الله هرتب حالي من بكرة. بصراحة، أنا مش عايز أفارقك. عايز أشوفك في كل مكان وكل وقت؛ في الجامعة، وفي المستشفى، وأنا رايح وأنا راجع. بقيت حاسس إنك قريبة مني جدًا، وإن في أي وقت أحب أشوفك، ألاقيكي قدامي، وأي وقت أحب أسمع صوتك، أسمعه.

بصيت له وضحكت.

وعد: على فكرة يا مجد، إنت طماع أوي!

بص لي وسكت شوية، وبعدها قال:

مجد: وعد، يا ريتك توافقيني نكون مع بعض من دلوقتي.

هزيت راسي ولفيت وشي الناحية التانية.

وعد: مجد، إحنا هنتكلم في الموضوع ده تاني.

مجد: وعد، والله صدقيني، غصب عني. أنا فعلًا عايز أبدأ حياتي معاكي من دلوقتي.

سكتُّ لحظة، وبعدها قلت له:

وعد: ما تفتحش الموضوع ده تاني يا مجد، بعد إذنك.

حسيت إنه اتضايق من ردي، وإنه كان نفسه يسمع مني إجابة مختلفة. ما كنتش عايزة أجرحه، وفي نفس الوقت ما كنتش عايزة أوعده بحاجة أنا لسه مش مستعدة لها.

فبصيت له وقلت:

وعد: طيب، ممكن تسيبه للوقت؟ أكيد هيتحل من عنده.

بص لي، وكأن كلمة واحدة من كلامي كانت كفاية تخليه يتمسك بالأمل من جديد.

مجد: يعني أحط أمل؟

ابتسمت له وقلت:

وعد: الأمل موجود طول ما إحنا موجودين، وطول ما إحنا بنسعى ورا الهدف بتاعنا.

ابتسم مجد، وحسيت إن ابتسامته دي شالت جزء من الضيق اللي كان جواه.

بعدها اتحركنا ورجعنا البيت.

سلمنا على ياسين ورغد، وقعدنا معاهم شوية. كنت مبسوطة جدًا، لدرجة إن سعادتي كانت واضحة على وشي، وكل اللي حواليا كانوا ملاحظينها. كانوا بيبصوا لي ويبتسموا، ومبسوطين إنهم شايفيني بالفرحة دي.

بعد شوية، مجد استأذن ومشي.

دخلت أوضتي، وبدلت هدومي، وبعدها رميت نفسي على السرير.

كانت دي أول ليلة أحس فيها إني مش قادرة أنام من كتر التفكير، مش بسبب مشكلة أو حاجة مضايقاني، لكن لأن يومي كله كان مليان لحظات جميلة، وكل ما أفتكر لحظة منها، ألاقي نفسي بابتسم من غير ما أحس.

افتكرت وإحنا ماشيين، وإيدي وهي بتتشبك في دراعه من غير تفكير، وكلامه عن إن قلبه بيعيش لما بيسمع مني إني حاسة بقربه.

افتكرت فرحتي وأنا بتفرج على الزفة، ونظرته ليا وهو بيتابعني من بعيد.

وافتكرت كلامه على المركب...

«إنتِ شمسي اللي نورت كوني».

غمضت عيني، لكن ابتسامتي فضلت موجودة.

ما كنتش عارفة الأيام الجاية مخبّية لينا إيه، ولا إذا كنت هقدر أحقق التوازن بين دراستي ومسؤولياتي ومشاعري اللي بدأت تكبر يوم بعد يوم.

لكن لأول مرة من فترة طويلة، كنت حاسة إن فيه حاجة جميلة دخلت حياتي، حاجة خلتني أبص لبكرة بأمل مختلف.

ديون النبض 

بقلم الكاتبة مروة صياح 🎯✍️

كنت قاعدة على سريري، سرحانة وبفكر في تفاصيل اليوم من أوله لآخره.

كان يوم طويل، ما بين دراستي ومحاضرات الجامعة، وبعدها كشفنا على الست الكبيرة أنا ومجد، والوقت اللي قضيناه معاها، ولحظاتنا سوا، لحد ما خلص اليوم بكل تفاصيله.

كنت مرهقة، لكن دماغي كانت مشغولة بأكتر من حاجة، وفجأة لقيت حازم دخل الأوضة.

كان بيكلمني، وأنا مش برد عليه.

حازم: وعد، إيه؟ وافقتي؟

ما رديتش، فكرر كلامه تاني، لكن المرة دي بنبرته اللي أنا متعودة عليها، وهو بيهزر معايا.

حازم: وعد، بكلمك! إنتِ سرحتي في إيه؟!

بص لي وضحك، وبعدها قال:

حازم: إيه رأيك نعمل بدل فرح واحد فرحين؟

بصيت له وقلت:

وعد: حازم، لأ يا حازم، مش وقته.

قرب مني وبص لي بقلبه اللي أنا متعودة عليه، بحبه واهتمامه بيا، مش بقلب الأخ بس، لكن كمان بقلب الأب اللي دايمًا بيخاف عليَّ وبيحاول يطمني.

حازم: ليه يا وعد؟ إنتِ بتحبيه وهو بيحبك، وهو عايزك من دلوقتي... إيه المشكلة؟

بصيت له وقلت:

وعد: لأ يا حازم، أنا مش عايزة أضغط عليك. أنا مش هكون مرتاحة لو عملت كده. كفاية عليك تكاليف فرحك وتجهيز شقتك إنت ورغد. كل ده هيبقى كتير عليك.

حازم: إيه المشكلة يا وعد؟ ما تشغليش بالك بكل ده، أنا هعرف أتصرف.

هزيت راسي وقلت له:

وعد: لأ، عشان خاطري. خلص شقتك إنت ورغد الأول، وبعد كده نفكر في موضوعي أنا ومجد. ماشي، يمكن بعد ما إنتوا تتجوزوا أنا ومجد نتخطب، ويبقى قدامنا سنة ولا اتنين. ويمكن نتجوز قبل ما أخلص دراستي.

بص لي وتنهد.

حازم: حرام عليكي يا وعد! كتير قوي، كتير قوي عليّه كده.

سكت شوية، وبعدها قلت له:

وعد: حازم، أنا مش عارفة أقولك إيه. أنا في نفس الوقت بدأت أتعلق بيه فعلًا، وحاسة إني مش قادرة أبعد عنه.

قرب مني وأخدني في حضنه.

حازم: طب نعمل خطوبة حتى.

بصيت له باعتراض وقلت:

وعد: لأ، لأ! خطوبة إيه؟ أنا في نهاية سنة رابعة، وعندي شغل كتير وامتحانات.

حازم: طيب، إنتِ اتكلمتي معاه في الموضوع ده؟

وعد: بصراحة، إحنا ما اتكلمناش في الموضوع ده. ولما بيفتحه، أنا بقفله. أنا سايبة له الموضوع مفتوح على أمل إننا نقدر نتفق بعدين.

بص لي وقال:

حازم: وعد، أنا كمان شاب زي مجد. ولما حسيت إنه مُصر على الجواز منك بالطريقة دي، فهمت إن الموضوع بالنسباله مش مجرد كلام. بس صدقيني، أنا شايف إن إنتوا الاتنين تكونوا مع بعض، وده الأفضل ليكم.

سكت لحظة، وبعدها قلت له:

وعد: عشان خاطري يا حازم، ما تضغطش عليَّ.

بص لي بهدوء وقال:

حازم: خلاص، ريحي نفسك وسيبي التفكير خالص. أهم حاجة تكوني مرتاحة من جواكي، وحاسة إن مجد هو الشخص المناسب ليكي.

بصيت له وابتسمت.

وعد: اطمن، أنا حاسة إن ربنا رزقني بإنسان قلبه كبير زيك بالضبط.

حازم ابتسم وقال:

حازم: على فكرة، اللي عرفته إن مجد عمره ما حب حد قبل كده. إنتِ أول واحدة في حياته تقريبًا. كأنه كان عنده عقدة من البنات، وبفضل الله إنتِ اللي قدرتي تزيليها.

بصيت له بذهول وقلت:

وعد: تصدق إني كنت حاسة بكده برضه؟ بس يا ترى إيه اللي وصله للمرحلة دي؟ تعرف يا حازم، أنا نفسي أكلمه وأفهمه. نفسي يحكي لي، بس مش عايزة أضغط عليه.

حازم: وده الأفضل يا وعد، ما تضغطيش عليه. عارفة حاجة؟ كل إنسان بيبقى ليه مساحة خاصة بيه. يمكن لو قربتي منها قبل ما يكون مستعد، تتعبيه أو تزودي حزنه. على الأقل، خليكي إنتِ فرحته وأمله.

بصيت له وابتسمت.

وعد: بالرغم من إني فضولية وعايزة أعرف عشان أطمن عليه، لكن هسيبه براحته.

بعدها تثاءبت وحسيت إني مش قادرة أكمل كلام.

بصيت له وقلت:

وعد: يلا اطلع بقى بره، عايزة أنام.

قرب مني وطبع قبلة على راسي، ومسكني من خدي وقال:

حازم: حاضر يا قطتي المشاكسة.

خرج حازم، وفضلت لوحدي أفكر في كلامه عن مجد، وفي الهم الكبير اللي حاسة إنه مخبيه جواه.

كنت نفسي أعرف إيه اللي وصله إنه يقفل قلبه بالشكل ده، وإيه اللي خلاه ما يحبش قبل كده، لكن في نفس الوقت ما كنتش عايزة أفتح عليه باب هو مش مستعد يفتحه بنفسه.

وفجأة، تليفوني رن.

كان مجد......رديت عليه.

مجد: نمتي؟

وعد: كنت لسه هنام.

مجد: بصراحة، ما رضيتش أنام قبل ما أسمع صوتك.

ابتسمت من غير ما أحس، وبعدها سألته:

وعد: هتيجي بكرة عند ياسين؟

مجد: إن شاء الله نرجع مع بعض سوا بعد المستشفى. اعملي حسابك نتغدى مع بعض كلنا.

ضحكت وقلت له:

وعد: لأ، إنت شكلك أخدت عليَّ خالص! ما تبقاش طماع، ويلا نام.

مجد: خلاص، إنتِ اللي عودتيني على كده.

سكت لحظة، وبعدها قلت:

وعد: تصبح على خير.

مجد: وإنتِ من أهله... هتوحشيني.

ما رديتش عليه، وقفلت المكالمة.

وبدأ يوم جديد.

صحيت تاني يوم متأخر شوية، وحسيت إن التفكير طول الليل خلاني ما نمتش كويس.

شفت ياسين، وكان أول ما شافني قال:

ياسين: إيه يا دكتورة، ما تنسيش إننا اتفقنا نتمشى النهارده!

بصيت له وقلت:

وعد: معلش يا ياسين، أوعدك بكرة نتمشى سوا. بكرة جدولي من الساعة عشرة، لكن النهارده لازم أكون في الجامعة بدري. عايزة أراجع محاضرة أو اتنين وأجمعهم في دماغي عشان أعرف أركز.

ياسين: خلاص يا ستي، ربنا معاكي. خدي بالك من نفسك، وهبقى أطمن عليكي.

سلمت عليه واتحركت على الجامعة.

أول ما وصلت، رحت المكتبة وراجعت المحاضرتين اللي كانوا عليَّ في الجراحة العامة. حاولت أركز في كل تفصيلة، وبعدها جبت كتاب عن الجروح والخياطة، وبدأت أقلب في صفحاته وأنا مستعدة لليوم العملي.

بعدها اتحركت بسرعة على العنبر.

كان موجود الدكتور المشرف المسؤول عن العملي، دكتور سمير، غير الدكتور المسؤول عن قسم الباطنة.

بص لنا كلنا وقال:

دكتور سمير: كلكم تلبسوا البالطوهات والجوانتيات والكمامات. النهارده كل طالب تحت التدريب هيمسك حالة ويشتغل بإيده.

أول ما سمعت كلامه، حسيت بالتوتر، وقلبي اتقبض.

أنا كنت مذاكرة، ومستعدة، لكن ده كان أول اختبار حقيقي ليا، وكنت عارفة إن فيه فرق كبير بين إني أقرأ عن الجروح والخياطة، وبين إني أقف قدام مريض وأتعامل مع جرح بإيدي.

وفجأة، لقيت مجد دخل مع المشرفين.

أول ما شفته، حسيت إن التوتر اللي كان جوايا بدأ يهدى. وجوده لوحده اداني قوة، كأني بقيت قادرة أواجه اللي جاي.

بص لي وضم إيديه لبعض، وكأنه بيقول لي من غير كلام: إنتِ قدها.

ابتسمت، وحسيت بفخر كبير. كان واثق فيَّ، والنظرة دي لوحدها خلتني أصدق إني أقدر أكمل.

بدأوا يوزعونا على الحالات.

وقفت قدام حالة فيها جرح عميق، وكان دوري إني أخيط الجرح ده.

أول مرة في حياتي أمسك حالة بالشكل ده.

استعنت بالله وغمضت عيني للحظة، لكن أول ما افتكرت شكل الجرح، حسيت برهبة شديدة.

مجد قرب مني شوية، وبص لي من بعيد وهو بيراقبني مع باقي الدكاترة.

أخدت نفس، وبدأت أخيط.

كنت مركزة في شغلي، لكن كل ما أحس إن المريض بيتألم، أوقف لحظة وأبص له وأحاول أهديه. كنت عايزة أخلص المهمة صح، وفي نفس الوقت ما كنتش عايزة أزود ألمه.

دكتور سمير كان واقف جنبي، واخد باله من طريقتي.

دكتور سمير: برافو عليكي، كملي. باين عليكي طالبة ودكتورة مجتهدة. اسمك إيه؟

وعد: وعد.

دكتور سمير: كملي يا دكتورة وعد.

كلامه شجعني، فرجعت أركز في شغلي، وفضلت مكملة لحد ما خلصت خياطة الجرح.

لكن بمجرد ما انتهيت، بدأت أحس بدوار شديد.

حطيت إيدي على دماغي، وحاولت أتماسك، لكن الدنيا بدأت تلف بيا، وما بقيتش شايفة حاجة واضحة قدامي.

حسيت إني هقع في أي لحظة.

وفجأة، دكتور سمير لحقني قبل ما أقع، وساعدني أقعد على كرسي بسرعة.

كنت مغمضة عيني، ومش قادرة أستوعب اللي حصل.

مجد كان واقف بعيد شوية، لكنه شاف دكتور سمير وهو بيسندني.

دكتور سمير بص لي بقلق وسألني:

دكتور سمير: إنتِ كويسة؟

حاولت أفتح عيني وأركز معاه، لكن كنت حاسة إن إيدي خفيفة جدًا، وجسمي مش مستحملني.

وعد: مش عارفة... مش فاهمة إيه اللي حصل.

قرب مني شوية وحاول يلفت انتباهي.

دكتور سمير: وعد، إنتِ سمعاني؟ إنتِ كويسة؟

تعليقات