رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الثاني والعشرون
ما إن وصلت السيارات إلى الفيلا حتى أسرعت أمينة إلى استقبالهم،
كانت أمها تحاول التماسك أمام الجميع، لكنها ما إن دخلت الغرفة ورأت الفراش المرتب والملابس التي وضعتها أمينة بعناية، حتى اغرورقت عيناها بالدموع.
– أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا أمينة، والله ما كنتش عايزة أتقل عليكم، ولا أتسبب لكم في أي إحراج.
اقتربت منها أمينة واحتضنتها بحنان.
– إحراج إيه بس يا حبيبتي؟ إنتِ مش غريبة، والبيت بيتك. وبعدين إنتِ مش محتاجة تشكريني على حاجة المفروض تتعمل من غير كلام. إنتِ محتاجة ترتاحي دلوقتي، وأي حاجة تانية نفكر فيها بعدين.
جلست أم مهرة على طرف الفراش، ومسحت دموعها بطرف حجابها، ثم نظرت إلى ابنتها التي كانت تحاول إخفاء انفعالها حتى لا تزيد حزنها.
– أنا بس زعلانة على عمري يا بنتي… سنين وأنا فاكرة إني ببني بيت ليا ولأبوكي، وفي الآخر اكتشفت إني كنت ببني له هو، وهو من زمان عامل حسابه على حياة تانية بعيد عني.
جلست مهرة بجوارها وأمسكت يدها، وضغطت عليها برفق.
– حقك عنده يا ماما، ومش هسيبه يضيع. إنتِ مش مطالبة تعملي أي حاجة دلوقتي غير إنك ترتاحي، وأنا هتصرف.
– يا بنتي، أنا مش عايزاكي تدخلي نفسك في مشاكل مع أبوكي بسببي.
– أنا مش اللي بدأت المشاكل يا ماما، هو اللي افتكر إن سكوتك طول السنين معناه إنك ضعيفة، وإنه يقدر ياخد كل حاجة منك ويطردك وقت ما يحب. بس هو غلطان، وأنا مش هسمح له يكرر اللي عمله فيكي مع أي حد تاني.
ربتت أمها على يدها، ولم تجد ما تقوله، فقد كانت تعرف أن ابنتها تخفي خلف ثباتها وجعًا كبيرًا، وأن ما حدث في بيت عتمان لم يكن مجرد خلاف عائلي، بل كان نهاية سنوات طويلة من الصبر الذي لم يقدّره أحد.
وبعد أن اطمأنّت مهرة إلى أن أمها استقرت في الغرفة، خرجت لتجد صفوان واقفًا في الممر ينتظرها.
ـ مهرة، ممكن أتكلم معاكي شوية؟
نظرت إليه، ثم التفتت نحو غرفة والدتها.
– ماما لسه تعبانة، ومش عايزة أبعد عنها كتير.
– مش هعطلك، بس لازم نتكلم قبل ما أي حاجة تحصل. اللي عمله عتمان النهارده معناه إنه مش ناوي يسيب الأمور تهدى، وأنا مش عايزك تاخدي أي خطوة وإنتِ متعصبة أو موجوعة.
ترددت مهرة لحظة، ثم أومأت برأسها.
– طيب، نتكلم فين؟
– في الجنينة، ولو مامتك احتاجتك تقدرى ترجعى
تبعته مهرة بعد أن ألقت نظرة أخيرة على باب غرفة والدتها. كانت تعرف أن أمامها معركة لن تكون سهلة، لكنها لم تعد تلك الفتاة التي كانت تنكسر أمام كلمة من أبيها أو تخشى مواجهة ظلمه.
جلست على أحد المقاعد، وجلس صفوان قبالتها، ثم قال بجدية:
– أول حاجة عايزك تفهميها إننا مش هنرجع لعتمان نهدده ولا ندخل معاه في خناقة جديدة، بس لازم نعرف الحقيقة كاملة الأول.
عقدت مهرة حاجبيها وسألته:
– تقصد إيه؟
أجابها وهو يميل إلى الأمام قليلًا:
– أقصد إننا لازم نعرف فلوس مامتك راحت فين، وإيه الممتلكات اللي ساهمت فيها، وهل فيه أي أوراق أو شهود يثبتوا حقها. وفي نفس الوقت، لازم نفهم عتمان نفسه أكتر، ونعرف وضعه الحالي، وعلاقته بمراته التانية وابنه، قبل ما نقرر هنتحرك إزاي.
نظرت إليه مهرة طويلًا، ثم قالت:
– وأنا عايزاك تساعدني في ده يا صفوان. إنت أقدر مني على الوصول للمعلومات دي، وعندك علاقات ممكن تفتح لنا أبواب أنا معرفش أوصل لها.
أجابها دون تردد:
– هعمل ده، وهتابع الموضوع بنفسي. لكن عايزك توعديني بحاجة واحدة: مهما عرفنا، مش هنتصرف قبل ما نتأكد، ومش هنظلم حد لمجرد إنه من عيلة عتمان. إحنا هدفنا حق مامتك، وده اللي لازم يفضل قدام عينينا.
أومأت مهرة، ثم قالت بنبرة حاسمة:
– متقلقش، أنا مش عايزة أظلم حد، أنا عايزة أرجع لماما حقها وكرامتها. أما موضوعنا إحنا، فأنا مش عايزة نتكلم في خطوبة أو جواز دلوقتي، لحد ما أخلص من الموضوع ده.
ظل صفوان ينظر إليها للحظات، ثم قال بهدوء:
– أنا مش مستني منك قرار دلوقتي، ومش هربط مساعدتي ليكي بأي حاجة بينا. أنا بحبك يا مهرة، وعايزك تكوني معايا وإنتِ مطمنة، مش حاسة إنك مدينة ليا بحاجة. هنخلص موضوع مامتك الأول، وبعدها نبقى نتكلم في أي حاجة تخصنا.
لانت ملامحها قليلًا، وشعرت للمرة الأولى منذ خروجها من بيت أبيها أن هناك من يقف بجانبها دون أن يطلب منها مقابلًا، لكنها لم تسمح للراحة أن تنسيها سبب وجودها هنا.
ـ طيب نبدا منين
أخرج صفوان هاتفه، ثم فتح ملاحظات دوّن فيها بعض الأسئلة.
– أول خطوة إنك تتكلمي مع مامتك عن ميراثها قبل الجواز، والمبالغ اللي دخلت بيها بيت عتمان، وأي عقود أو أوراق كانت موجودة وقتها. وأنا هبدأ من ناحيتي أجمع معلومات موثوقة عن شغله وممتلكاته، وأبعت ناس تسأل عن ابنه وفوزية، مش عشان نأذيهم، لكن عشان نفهم وضعهم وعلاقتهم بعتمان، وهل فيه حاجة ممكن تساعدنا نوصل للحقيقة.
رفعت مهرة عينيها إليه، وقد بدأ عقلها يتحرك بعيدًا عن الغضب وحده.
– يعني مش هنواجهه دلوقتي؟
– لأ. المواجهة من غير دليل هتديله فرصة يستعد ويداري أي حاجة ممكن تثبت حق مامتك. إحنا هنسيبه فاكر إننا خرجنا من بيته مكسورين، وفي الوقت ده هنكون بنجمع كل حاجة محتاجينها.
ساد الصمت بينهما للحظات، ثم أغلقت مهرة أصابعها حول هاتفها وقالت بإصرار:
– خليه يفتكر اللي هو عايزه يا صفوان. المهم لما أرجع أقف قدامه، مايبقاش عنده فرصة واحدة ينكر بيها حق ماما.
نظر إليها صفوان بثقة، وأجاب:
– وده اللي هنعمله. لكن المرة دي، كل خطوة هتكون محسوبة.
ظلت مهرة صامتة للحظات، تفكر في كلام صفوان، قبل أن ترفع عينيها إليه وقد تسلل القلق إلى ملامحها.
– طب وافرض إننا ملقيناش حاجة يا صفوان؟ وافرض إن ماما معندهاش ورق، ولا عقود، ولا أي دليل يثبت إنها حطت فلوسها في شغل أبويا؟ الموضوع بقاله عشرين سنة، وعتمان مش غبي عشان يسيب حاجة تدينه بسهولة. ساعتها هنعمل إيه؟ هنقف نتفرج عليه وهو عايش حياته بفلوسها، وهي قاعدة هنا مكسورة ومش عارفة ترجع حقها؟
تأملها صفوان قليلًا، ثم أسند ظهره إلى المقعد، وظهرت على وجهه ابتسامة غامضة لم تعهدها منه من قبل.
– لو مقدرناش نجيب حاجة قانونية تثبت حقنا، نرجع حقنا بالحيلة يا مهرة. وماتنسيش إن فلوس ابوكى مش كلها من امك ماتنسيش نصيبه من ورث جدى
قطبت حاجبيها، ولم تستوعب مقصده في البداية.
– حيلة إيه؟ إنت ناوي تعمل إيه بالضبط؟
مال نحوها قليلًا، وقال بنبرة هادئة تخفي وراءها ثقة كبيرة:
– إنتِ لسه متعرفيش وضعى في العيلة كويس يا مهرة، ولا عارفة أنا أقدر أعمل إيه. أنا لو عايز، أقدر من بكرة أخلي أبوكي يفلس، وأخليه يخسر في أيام كل اللي جمعه طول عمره، لكن مش هعمل كده.
اتسعت عيناها بدهشة، وسألته:
– إنت بتتكلم بجد؟ إزاي تقدر تعمل كل ده؟
ضحك صفوان ضحكة قصيرة، ثم قال:
– لأنك لسه فاكرة إن صفوان اللي كان بيجيلكم البلد ويقعد معاكم هو كل حاجة تعرفيها عني. أنا ليا شغلي، واستثماراتي، وعلاقاتي، وليا مكانتي في السوق، والناس اللي بتتعامل معايا عارفة كويس إن أي خطوة باخدها بتكون محسوبة. أبوكي مش أول رجل أعمال أتعامل معاه، ومش أصعب واحد ممكن أواجهه. وبكلمه منى اوق.فله كل تجارته وأموت…له المحصول ومايستجراش أى تاجر يجيى جمبه
ثم اعتدل في جلسته، واختفت الابتسامة من وجهه وهو يتابع:
\- أبوكي وكل واحد في عيلة القحطاني تحت ضرسى يا مهرة، بس أنا مش هستخدم قوتي عشان أدمّرهم، ولا هضيّع حق مامتك وسط تصفية حسابات.
أنا عايز أرجّع لها حقها، مش أسيبها بعد كده واقفة قدام راجل مفلس وتقول إنها كسبت إيه من كل اللي حصل.
ظلت مهرة تنظر إليه، تحاول أن تجمع بين الرجل الذي تعرفه وبين هذا الجانب الذي لم تره منه من قبل. كانت تعرف أنه رجل أعمال ناجح، لكنها لم تتخيل أن نفوذه قد يصل إلى هذا الحد.
– يعني إنت كنت تقدر توقفه عند حده من زمان؟
أجابها دون تردد:
– لو كنت أعرف اللي عمله فيكم، مكنتش هسيبه يوصل للمرحلة دي. لكن أنا مش هقعد أندم على حاجة معرفتهاش. المهم إننا دلوقتي قدامنا فرصة نصلح اللي نقدر عليه، وهنستغلها صح.
خفضت مهرة عينيها، ثم قالت بصوت خافت:
– أنا مش عايزة أخليك تدخل في مشاكل بسببي، ولا عايزة حد يقول إنك استغليت نفوذك عشان تنتقم من أبويا عشاني.
– وأنا مش هدي حد الفرصة دي. عشان كده قلتلك إننا هنبدأ بالقانون، وهنجمع الأدلة، ولو ملقيناش دليل كفاية، هنفكر في طريقة تانية تخليه يرجّع الحق من غير ما نعمل حاجة تضرنا أو تخلينا إحنا الغلطانين.
ثم نظر إليها بتركيز وأضاف:
– بس فيه حاجة لازم تفهميها كويس يا مهرة؛ أبوكي متعود إنه هو اللي يقرر، وهو اللي يدي، وهو اللي يمنع، والناس كلها تفضل خايفة من زعله. أنا عايز أغيّر المعادلة دي.
عايزه لأول مرة يكتشف إن فيه حد أقوى منه، وإن الفلوس اللي بيتباهى بيها مش هتحميه من نتيجة أفعاله.
رفعت مهرة رأسها، وقد بدأت ملامحها تستعيد صلابتها.
– وأنا عايزاه يعرف إن ماما مش لوحدها، وإنه مش من حقه يفتكر إن سكوتها طول السنين معناه إنه يقدر يعمل فيها اللي هو عايزه. بس أنا كمان مش عايزة أكون زيه، أظلم حد عشان أوصل للي أنا عايزاه.
أومأ صفوان موافقًا.
– وده بالضبط اللي مخليني واقف جنبك. إحنا هنستخدم عقلنا، مش غضبنا. هنفهم هو بيخاف على إيه، وبيحافظ على إيه، وإيه اللي ممكن يخليه يعيد حساباته. وأنا هبدأ من النهارده أعرف كل حاجة أقدر أوصل لها عن فوزية وابنه، وعن وضع عتمان المالي، من غير ما حد يحس إننا بنجهز له حاجة.
سألته مهرة بترقب:
– وإنت متوقع نلاقي إيه؟
أجابها وهو ينهض من مكانه:
– مش هتوقع، هعرف. فيه فرق كبير بين إننا نبني خطتنا على الظنون، وبين إننا نبنيها على معلومات مؤكدة. اديني شوية وقت، ولما أعرف تفاصيل كفاية، هحط قدامك كل الخيارات ونختار أنسب طريق.
نهضت مهرة هي الأخرى، ثم قالت وهي تنظر باتجاه المنزل:
– وأنا هتكلم مع ماما، وأحاول أفتكر أي حاجة قالتها لي زمان عن فلوسها أو شغل أبويا. يمكن يكون فيه تفصيل صغير إحنا مش واخدين بالنا منه.
توقف صفوان قبل أن يتحرك، ثم التفت إليها بنظرة جادة.
– اعملي كده، بس متخليهاش تحس إنها مطالبة تثبت إنها صاحبة حق. هي مش متهمة عشان تدافع عن نفسها، إحنا اللي بنحاول نعرف إزاي نرجّع لها حقها.
هزت مهرة رأسها، وشعرت بأن العبء الذي كان يضغط على صدرها قد خف قليلًا، لا لأن الطريق أصبح سهلًا، بل لأنها بدأت ترى أن أمامها أكثر من طريق لمواجهة أبيها.
ابتسم صفوان وهو يراقب ملامح مهرة التي لم تزل مشغولة بالتفكير، ثم اقترب منها خطوة وقال بنبرة هادئة تحمل شيئًا من المكر:
– وبالمناسبة، فيه قرصة ودن صغيرة هتوصل لأبوكي بكرة، عشان يعرف حجمه الحقيقي.
رفعت مهرة عينيها إليه باستغراب.
– قرصة ودن؟ إنت ناوي تعمل إيه يا صفوان؟
– ولا حاجة تخوف، متقلقيش. بس واضح إن أبوكي افتكر نفسه الكبير، وإن مفيش حد يقدر يقف قصاده، وده كله عشان هو فاكر إن وجودي معاكم النهارده كان مجرد مجاملة، وإنه يقدر يطردك إنتِ ومامتك من البيت، ويكمل حياته عادي، من غير ما يحسب حساب لحد.
ثم أخرج هاتفه، ونظر إلى إحدى الرسائل التي وصلته، قبل أن يضيف:
– بكرة هيعرف إن قراراته ليها تمن، وإنه مش الوحيد اللي يقدر يحرّك الأمور على مزاجه.
عقدت مهرة ذراعيها أمام صدرها، وقالت بقلق:
– بس يا صفوان، أنا مش عايزاك تعمل حاجة تخلّيه يعرف إننا بنخطط ضده. لو حس إنك هتدخل في الموضوع بشكل مباشر، ممكن يعاند أكتر، أو يحاول يثبت إنه مش خايف منك.
ضحك صفوان بخفة، ثم أجابها:
– وده بالضبط اللي أنا عايز أشوفه. عايز أعرف هو هيتصرف إزاي لما يكتشف إن الدنيا مش ماشية زي ما هو متخيل. بس اطمني، مش هقرب من أي حاجة تخصه من غير سبب، ومش هعمل خطوة ممكن تضيع حق مامتك. اللي هيحصل بكرة مجرد رسالة واضحة، مش ح.رب مفتوحة.
نظرت إليه مهرة بتردد، ثم سألته:
– وإيه اللي يضمن لي إن الرسالة دي مش هتخليه ينت.قم من ماما أكتر؟
تغيرت ملامح صفوان، وأجابها بجدية:
ـ مش هيقدر يا مهره يقربلها لانه هيبقى عارف إن انا اللى ورا اللى حصل وهيكون عاحز إنه ياخد موقف او يقف قصادنا ودى اكتر حاجه هتوجعه لانه هفكره بقيمته كويس واعرفه هو واقف قصاد مين
ـ طيب هتعمل ايه معاه
ـ خليها لبكره يا مهره خلينا نجيب حقنا بهدوء ونستمتع وإحنا بنجيبه
