رواية كبيرهم الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم سهر احمد


 رواية كبيرهم الفصل الثالث والعشرون 

«البيت اللي اتولد فيه اسم آدم... والولد اللي عاش عشرين سنة باسم تاني»

---

الليل كان قرب يخلص...

لكن الطريق لبيت منصور كان لسه بيبدأ.

النجع كله ساكت.

ساكت بشكل يخوف.

لا صوت كلاب...

ولا صوت ناس...

ولا حتى حركة في البيوت البعيدة.

بس صوت خطواتهم كان بيشق السكون.

آدم كان ماشي في المقدمة.

في إيده الصورة القديمة اللي لقاها في الطاحونة.

صورة الطفلين.

واحد منهم هو...

والتاني شبهه.

شبهه لدرجة إن كل مرة يبص للصورة، يحس إن فيه سؤال بيخبط جواه:

مين الطفل ده؟

وخلفه كان يوسف.

مش بعيد عنه.

لكن لأول مرة من عشرين سنة، يوسف كان ماشي جنب ابنه مش وراه.

رائد كان على الناحية التانية.

ولجين ماشية بجواره.

بدران وحسان في الخلف.

وناجي كان ماسك الطريق من بعيد.

أما جابر...

فكان ساكت.

ساكت من أول ما خرجوا من الطاحونة.

لكن آدم كان ملاحظ حاجة.

كل ما يقربوا من بيت منصور...

خطوات جابر كانت بتبطأ.

كأنه مش رايح بيت.

كأنه رايح لمكان دفن فيه جزء من عمره.

آدم وقف فجأة.

الكل وقف معاه.

رائد:

— وقفت ليه؟

آدم بص لجابر.

— إنت خايف.

جابر رفع عينه.

— أنا؟

آدم:

— أيوه.

جابر:

— مش خايف.

آدم:

— أمال ليه كل ما نقرب من البيت بتبطأ؟

جابر سكت.

يوسف قال:

— عشان البيت ده فيه حاجات كتير.

آدم بص له.

— حاجات تخصني؟

يوسف:

— تخصنا كلنا.

آدم:

— لأ.

ثم رفع الصورة.

— الليلة دي أنا مش داخل عشان أعرف أسراركم.

سكت لحظة.

— أنا داخل عشان أعرف سرّي.

جابر قال:

— وأحيانًا سر الإنسان بيكون مربوط بسر ناس تانية.

آدم:

— وأنا شبعت أسرار.

رائد تدخل:

— وأنا كمان.

ثم بص لجابر:

— كل واحد فينا عاش عمره وهو فاكر إنه فاهم اللي حصل، وفي الآخر طلع كل اللي عرفناه ناقص.

جابر:

— لأن اللي حصل ما كانش حادثة واحدة.

رائد:

— أمال كان إيه؟

جابر:

— سنين.

ثم نظر إلى البيت البعيد.

— سنين من الخوف والخيانة والحماية والدم.

آدم:

— والطفل التاني؟

جابر سكت.

آدم:

— لسه هتفضل ساكت؟

جابر:

— لحد ما نشوفه.

آدم:

— يعني إنت مصدق إنه عايش؟

جابر:

— بعد اللي شوفناه؟

ثم قال:

— أيوه.

آدم:

— ومصدق إنه أخويا؟

جابر ما ردش.

يوسف قال:

— الصورة وحدها مش كفاية.

آدم لف له.

— بس إنت شفتها.

يوسف:

— شفت.

آدم:

— ووشك اتغير.

يوسف:

— لأن الصورة قديمة.

آدم:

— لأ.

ثم قرب منه.

— وشك اتغير لأنك تعرف الطفل.

يوسف سكت.

آدم:

— بابا...

يوسف:

— أنا شفته.

الكل سكت.

رائد:

— شفت مين؟

يوسف:

— الطفل.

آدم:

— إمتى؟

يوسف:

— قبل ما تختفي أمك.

آدم:

— يعني قبل عشرين سنة؟

يوسف:

— أيوه.

آدم:

— كان فين؟

يوسف:

— في بيت منصور.

آدم بص لجابر.

— وإنت كنت تعرف؟

جابر:

— أيوه.

آدم:

— مين كان الطفل؟

يوسف:

— ما كنتش أعرف اسمه.

آدم:

— لكنك شفته.

يوسف:

— أيوه.

آدم:

— وكان شبهّي؟

يوسف سكت.

آدم:

— رد.

يوسف:

— كان فيه شبه منك.

رائد:

— قد إيه؟

يوسف:

— لدرجة إن ليلى كانت بتخاف حد يشوفهم جنب بعض.

آدم قبض على الصورة.

— ليه؟

يوسف:

— لأن الناس كانت هتسأل.

آدم:

— وهتسأل عن إيه؟

يوسف:

— إزاي طفلين بالشكل ده موجودين في نفس المكان؟

جابر قال:

— لأن وجود الطفلين كان أخطر من أي ورقة في السجل.

آدم:

— ليه؟

جابر:

— لأن واحد منهم كان دليل على جريمة.

والتاني...

سكت.

آدم:

— والتاني؟

جابر:

— دليل على نسب.

رائد:

— نسب مين؟

جابر:

— لما ندخل البيت هتعرف.

آدم:

— كل مرة نفس الكلام.

ثم بدأ يمشي.

— خلاص.

— ندخل البيت.

---

بعد دقائق...

ظهر بيت منصور.

البيت القديم كان واقف وسط الأرض كأنه شاهد على زمن رفض ينتهي.

جدرانه عالية.

بابه الخشبي ضخم.

وفوق الباب لسه موجود الجرس القديم.

نفس الجرس اللي دق ثلاث مرات قبل ما يتحركوا.

آدم وقف قدامه.

مد إيده.

لكن جابر مسك إيده.

— استنى.

آدم:

— ليه؟

جابر:

— الباب ده ما اتفتحش من سنين.

رائد:

— يبقى مين فتحه؟

الجميع بص لبعض.

كان الباب...

مواربًا.

آدم همس:

— حد سبقنا.

يوسف:

— أيوه.

بدران قرب من الباب.

فحص الأرض.

ثم قال:

— فيه آثار أقدام.

حسان:

— كام واحد؟

بدران:

— أكتر من واحد.

رائد:

— رجال كبيرهم؟

بدران:

— ممكن.

آدم:

— أو أخويا.

الجملة نزلت على الجميع.

لجين بصت له.

— آدم...

آدم:

— إيه؟

لجين:

— لو لقيته...

سكتت.

آدم:

— كملي.

لجين:

— ما تصدقش أول كلمة يقولها.

رائد:

— ليه؟

لجين:

— لأن اللي حصل له أكبر من اللي حصل لآدم.

آدم:

— إنتِ عرفتي إيه؟

لجين:

— وأنا مخطوفة سمعتهم بيتكلموا عنه.

رائد:

— مين؟

لجين:

— قالوا إنه مش مجرد طفل هرب.

آدم:

— أمال؟

لجين:

— قالوا إنه اتربى عشان يرجع.

جابر رفع عينه.

— يرجع يعمل إيه؟

لجين:

— ينتقم.

الصمت وقع.

آدم:

— مني؟

لجين:

— مش منك وحدك.

آدم:

— أمال؟

لجين:

— من كل اللي حصل.

رائد:

— يعني الطفل التاني اتربى على الكراهية؟

لجين:

— أيوه.

ثم نظرت إلى آدم.

— وكانوا بيقولوا إنك السبب.

آدم سكت.

يوسف قرب منه.

— إنت مش سبب حاجة.

آدم:

— قولها له.

يوسف:

— لمين؟

آدم:

— لأخويا... لو كان بيسمعنا.

جابر قال:

— هو سامع.

الجميع التفت.

جابر بص ناحية البيت.

— أنا متأكد.

---

دخلوا.

البيت كان باردًا.

ريحة المكان كانت قديمة.

تراب وخشب ورطوبة.

لكن وسط كل ده...

كان فيه شيء غريب.

ريحة عطر.

ليلى.

يوسف وقف فجأة.

— دي ريحتها.

آدم بص له.

— متأكد؟

يوسف:

— كنت أعرفها من غير ما أشوفها.

اقترب من الحائط.

مد إيده.

وجد عليه أثر أصابع حديث.

يوسف:

— كانت هنا.

آدم قرب.

— أمي؟

يوسف:

— أيوه.

رائد قال:

— إمتى؟

يوسف:

— قريب.

جابر:

— حد كان عايزنا نعرف إنها مرت من هنا.

آدم:

— أو هي نفسها.

ثم بدأ يدور.

في الصالة القديمة كانت الصور معلقة.

صور منصور.

جابر صغير.

ناجي.

رجال من عائلات مختلفة.

آدم وقف أمام صورة كبيرة.

— جابر...

جابر:

— نعم؟

آدم أشار.

— مين ده؟

الصورة كانت لمنصور وهو واقف بجانب رجل آخر.

الرجل كان شابًا.

لكن ملامحه مألوفة.

يوسف قرب.

أول ما شافه...

رجع خطوة.

آدم:

— تعرفه؟

يوسف:

— أيوه.

رائد:

— مين؟

يوسف:

— سالم الشاذلي.

حسان:

— أبو ليلى.

جابر:

— أيوه.

آدم:

— يعني أبو أمي كان هنا؟

جابر:

— كتير.

آدم:

— وكان يعرف منصور؟

جابر:

— كانوا يعرفوا بعض قبل ما تبدأ العداوة.

رائد:

— يبقى العداوة بدأت بعده؟

جابر:

— العداوة الحقيقية بدأت بعد اختفائه.

آدم:

— اختفائه من فين؟

جابر:

— من البيت ده.

آدم بص حوله.

— اختفى هنا؟

جابر:

— أيوه.

آدم:

— وإيه اللي حصل؟

جابر:

— في الليلة دي اتفتح الباب.

ثم سكت.

آدم:

— مين دخل؟

جابر:

— يوسف.

يوسف:

— ومعايا ليلى.

آدم:

— وأنا؟

يوسف:

— كنت رضيع.

آدم:

— والطفل التاني؟

يوسف:

— كان موجود.

آدم:

— فين؟

يوسف أشار إلى غرفة مغلقة.

— هناك.

---

رائد قرب من الباب.

حط إيده على المقبض.

لكنه توقف.

— مقفول.

جابر:

— المفتاح مش معايا.

بدران:

— ولا معايا.

حسان:

— يبقى مين قفلها؟

آدم بص إلى الباب.

كان عليه نقش صغير.

ثلاثة خطوط.

وتحتهم حرف واحد.

«ي»

آدم لمس الحرف.

وفجأة...

جاءه صداع قوي.

مسك رأسه.

يوسف:

— آدم!

آدم:

— أنا كويس.

لكن صورة مرت في ذهنه.

غرفة.

سرير صغير.

ليلى جالسة.

يوسف واقف أمامها.

وبدران يحمل طفلًا.

لكن كان فيه شخص آخر.

رجل واقف في زاوية الغرفة.

آدم سمع صوتًا:

«الولد ده لازم يختفي.»

ثم صوت ليلى:

«مش هسيبه.»

ثم صوت رجل آخر:

«لو فضل هنا، الاتنين هيموتوا.»

آدم فتح عينه فجأة.

رائد:

— شفت إيه؟

آدم:

— كان فيه أربعة.

يوسف:

— مين؟

آدم:

— إنت... أمي... بدران...

ثم سكت.

— ورجل رابع.

جابر قرب.

— شكله؟

آدم:

— ما شفتش وشه.

جابر:

— كان لابس إيه؟

آدم:

— نفس الجلابية الغامقة.

بدران:

— والخاتم؟

آدم:

— أيوه.

يوسف غمض عينه.

— كان هو.

آدم:

— مين؟

يوسف:

— الرجل اللي كان بيلاحقنا.

جابر:

— لا.

يوسف بص له.

— إيه؟

جابر:

— الرجل ده مش هو.

آدم:

— إنت تعرفه؟

جابر:

— أيوه.

آدم:

— مين؟

جابر:

— كان واحد من رجال سالم الشاذلي.

رائد:

— اسمه؟

جابر:

— ما أعرفش.

بدران قال:

— أنا أعرف.

الجميع بص له.

بدران:

— اسمه شوقي.

حسان:

— شوقي؟

بدران:

— أيوه.

آدم:

— فين دلوقتي؟

بدران:

— مات.

آدم:

— متأكد؟

بدران:

— أنا دفنته.

جابر قال:

— مش هو.

بدران التفت.

— إنت بتقول إيه؟

جابر:

— شوقي مات فعلًا.

ثم نظر إلى الباب.

— لكن الرجل اللي كان واقف هنا ما كانش شوقي.

آدم:

— أمال مين؟

جابر:

— أخو ليلى.

الصمت.

يوسف:

— ليلى ما كانش لها أخ.

جابر:

— كان لها.

يوسف:

— مين؟

جابر:

— بدر الشاذلي.

يوسف:

— بدر أخويا أنا.

جابر:

— وأخو ليلى من ناحية الأم.

يوسف سكت.

آدم:

— يعني بدر...

جابر:

— كان ابن سالم الشاذلي من أم مختلفة.

رائد:

— يبقى بدر أخو ليلى وأخو يوسف؟

جابر:

— من ناحية مختلفة.

حسان:

— عشان كده كل الأسرار اتجمعت في شخص واحد.

آدم:

— وهو فين؟

جابر:

— آخر مرة شفته...

سكت.

آدم:

— فين؟

جابر:

— هنا.

---

فجأة...

صوت حركة خرج من الغرفة المغلقة.

رائد سحب سلاحه.

— حد جوه.

بدران وقف أمام آدم.

يوسف:

— آدم ورايا.

آدم:

— لأ.

يوسف:

— آدم!

آدم:

— طول عمري كل واحد بيحاول يحميني.

ثم تقدم.

— المرة دي أنا هواجه.

جابر قال:

— مش لوحدك.

رائد:

— وأنا معاه.

لجين:

— وأنا.

حسان:

— وأنا.

ناجي:

— كلنا.

آدم بص لهم.

ثم قال:

— افتحوا الباب.

رائد حاول كسر القفل.

مرة...

مرتين...

الثالثة انفتح الباب.

لكن الغرفة كانت فارغة.

مفيش حد.

مفيش شبابيك.

مفيش باب تاني.

فقط سرير صغير.

وكرسي.

وصندوق خشبي.

آدم قرب من الصندوق.

كان عليه اسم واحد.

آدم.

يوسف شهق.

— ده صندوقك.

آدم:

— إزاي؟

يوسف:

— أنا شفته قبل كده.

آدم:

— فين؟

يوسف:

— مع ليلى.

آدم:

— ومين أخده؟

يوسف:

— ما أعرفش.

آدم فتح الصندوق.

جواه كانت فيه ملابس طفل صغيرة.

صورة.

ورقة.

وخاتم.

آدم مسك الصورة.

كانت صورة له وهو رضيع.

وبجواره ليلى.

وخلفها يوسف.

لكن المفاجأة...

كان فيه طفل آخر في الصورة.

واقف بعيد.

آدم قرب الصورة من وجهه.

— ده هو.

رائد:

— مين؟

آدم:

— الطفل.

يوسف:

— أيوه.

آدم:

— كنتوا عارفينه.

يوسف:

— أيوه.

آدم:

— مين؟

يوسف سكت.

جابر قال:

— اقرأ الورقة.

آدم فتحها.

خط ليلى.

«يوسف... لو اضطرينا نفصل الطفلين، ما تخليش آدم يعرف عن أخوه إلا لما يكبر.»

آدم قلب الورقة.

في الخلف:

«لأن الطفل الآخر يحمل اسمًا لا يجوز أن يظهر.»

آدم:

— اسمه إيه؟

جابر:

— الورقة هتقول.

آدم فتح الجزء الأخير.

لكن الورقة كانت ممزقة.

بقي منها ثلاثة حروف فقط:

«سـا...»

رائد:

— سالم؟

حسان:

— ممكن.

يوسف:

— لأ.

آدم:

— ليه؟

يوسف:

— لأن اسم الطفل مش سالم.

آدم:

— يبقى إيه؟

يوسف:

— ما أعرفش.

آدم:

— إنت أبويا!

يوسف:

— وكنت أبوه هو كمان في الليلة دي.

آدم سكت.

يوسف قال:

— لكن ليلى هي الوحيدة اللي كانت تعرف اسمه.

آدم:

— وأمي فين؟

صوت من خلفهم:

— كانت هنا.

الجميع استدار.

رجل واقف عند باب الغرفة.

لكن هذه المرة...

لم يكن بدر.

كان رجلًا كبيرًا في السن.

ملامحه حادة.

وفي يده عصا.

جابر رفع سلاحه.

— مين إنت؟

الرجل:

— أنا صاحب البيت.

آدم:

— منصور؟

الرجل ابتسم.

— منصور مات من سنين.

ثم قال:

— لكن ابنه لسه واقف قدامي.

جابر اتقدم.

— إنت مين؟

الرجل:

— اسمي فؤاد.

حسان:

— فؤاد؟

الرجل:

— فؤاد الشاذلي.

يوسف:

— مستحيل.

الرجل:

— ليه؟

يوسف:

— لأن فؤاد مات.

فؤاد ضحك.

— الناس بتحب تصدق الموت أسرع من الحقيقة.

آدم:

— إنت تعرف أمي؟

فؤاد:

— أعرف ليلى من يوم ما كانت طفلة.

آدم:

— أبوها كان سالم الشاذلي.

فؤاد سكت.

ثم قال:

— لا.

الجميع اتفاجئ.

آدم:

— يعني إيه؟

فؤاد:

— سالم كان الرجل اللي رباها.

يوسف:

— إنت بتقول إيه؟

فؤاد:

— سالم مش أبو ليلى.

حسان:

— أمال مين أبوها؟

فؤاد بص إلى آدم.

ثم قال:

— الرجل اللي لسه بتدوروا عليه.

آدم:

— مين؟

فؤاد:

— كبيرهم.

الصمت ضرب المكان.

رائد:

— يعني أبو ليلى هو كبيرهم؟

فؤاد:

— أيوه.

جابر:

— مستحيل.

فؤاد:

— إنت كنت عارف.

جابر:

— كنت شاكك.

فؤاد:

— وشكك كان صح.

آدم:

— طب سالم كان إيه بالنسبة لأمي؟

فؤاد:

— كان الحامي.

آدم:

— وليه أخفى الحقيقة؟

فؤاد:

— لأن أبوها كان أخطر رجل في النجع.

رائد:

— وإيه علاقته بالسالمي؟

فؤاد:

— كان أصل العداوة.

آدم:

— وأمي كانت عارفة؟

فؤاد:

— عرفت متأخر.

آدم:

— وإنت كنت عارف؟

فؤاد:

— من البداية.

يوسف:

— يبقى إنت كنت جزء من اللي حصل.

فؤاد:

— أيوه.

جابر:

— وإنت عايز إيه؟

فؤاد:

— أشوف آدم.

آدم:

— ليه؟

فؤاد:

— لأن ليلى تركت لك رسالة.

آدم:

— فين؟

فؤاد أشار إلى الحائط.

— ورا الصورة.

آدم اقترب.

حرك الصورة.

وجد تجويفًا صغيرًا.

وفي داخله ظرف.

على الظرف مكتوب:

«إلى ابني آدم... عندما تعرف أن اسمك لم يكن آدم فقط.»

آدم فتح الظرف.

كانت فيه ورقة واحدة.

قرأ:

«يا ابني...

لو وصلت للرسالة دي، يبقى كل اللي حاولت أخبيه ظهر.

أبوك يوسف.

وأنا أمك.

وجابر هو الرجل اللي وعدني يحميك.

وبدران هو الرجل اللي أخدك من حضني.

لكن فيه حاجة محدش قالها لك...

أخوك لم يمت.

وأنا لم أتركه.

هو الذي اختفى بإرادته بعد ما عرف جزءًا من اللي حصل لأبوه.

ولو قابلته...

ما تقولوش إنك أخوه.

خليه هو اللي يقولها.

لأن لو عرف إنك عرفت...

هيبدأ الدم من جديد.»

آدم سكت.

رائد:

— كمل.

آدم قلب الورقة.

لكن في ظهرها جملة واحدة:

«وابحث عن الطفل الذي كان اسمه يبدأ بحرف السين.»

آدم رفع عينه.

— حرف السين.

يوسف:

— يعني الاسم يبدأ بس.

جابر:

— يمكن.

آدم:

— والورقة القديمة كان مكتوب فيها «سا...»

حسان:

— يبقى إحنا قربنا.

فؤاد ابتسم.

— لأ.

آدم بص له.

— ليه؟

فؤاد:

— لأنكم بتدوروا على الاسم غلط.

آدم:

— أمال؟

فؤاد:

— الطفل ما كانش اسمه بيبدأ بسين.

آدم:

— لكن الورقة...

فؤاد:

— الورقة كانت بتقول «سـا»...

ثم اقترب.

— لأن ليلى كانت بتكتب كلمة.

آدم:

— كلمة إيه؟

فؤاد:

— «سرّي».

الصمت.

جابر:

— يعني الاسم لسه مجهول.

فؤاد:

— أيوه.

رائد:

— وإنت تعرفه؟

فؤاد:

— أعرف.

آدم:

— قولي.

فؤاد نظر إليه طويلًا.

ثم قال:

— بس مش أنا اللي هقولك.

آدم:

— أمال مين؟

فؤاد أشار إلى الباب.

وفي اللحظة نفسها...

سمعوا صوت خطوات.

خطوة.

ثم خطوة.

ثم صوت شاب:

— كفاية يا فؤاد.

الجميع التفت.

شاب وقف عند مدخل البيت.

ملامحه كانت مألوفة بشكل مرعب.

آدم بص له.

الشاب بص لآدم.

ولا واحد فيهم اتكلم.

يوسف تراجع خطوة.

جابر قبض على عصاه.

رائد رفع سلاحه.

أما بدران...

فقال بصوت مبحوح:

— يا نهار أسود...

الشاب قال:

— متخافش يا بدران.

ثم نظر إلى آدم.

— أنا مش جاي أقتلك.

آدم:

— إنت مين؟

الشاب:

— اسمي اللي عشت بيه عشرين سنة...

سكت.

— مالك.

آدم:

— واسمك الحقيقي؟

الشاب ابتسم.

— الاسم اللي أمك كانت بتناديني بيه...

ثم نظر إلى يوسف.

— يوسف الصغير.

يوسف اتجمد.

— مستحيل...

الشاب:

— أيوه.

ثم نظر إلى آدم.

— بس أنا مش أخوك.

آدم:

— إيه؟

الشاب:

— أنا الطفل اللي كان لازم يموت عشان أبوك يعيش.

جابر:

— مالك...

الشاب:

— ما تنادينيش مالك يا جابر.

ثم أخرج ورقة قديمة.

— اسمي الحقيقي...

توقف.

وفي اللحظة نفسها...

انطلقت صرخة من خارج البيت.

صرخة امرأة.

صوت يعرفه آدم جيدًا.

— آدم!

آدم استدار ناحية الباب.

— أمي!

الشاب أمسك ذراعه.

— لو خرجت دلوقتي...

آدم:

— سيبني!

الشاب:

— هتلاقي ليلى.

آدم:

— يبقى سيبني!

الشاب شد يده.

— وهتلاقي جنبها الرجل اللي قتل أبويا.

يوسف رفع سلاحه.

— مين؟

الشاب نظر إليه.

وقال:

— جابر.

الصمت.

آدم بص لجابر.

جابر لم يتحرك.

رائد:

— كداب!

الشاب:

— لو كدبت...

ثم أخرج صورة.

— الصورة دي هتثبت كل حاجة.

وضعها على الأرض.

آدم انحنى.

الصورة كانت لليلة القديمة.

يوسف.

ليلى.

بدران.

والطفلان.

لكن في الخلف...

كان جابر واقفًا.

وفي يده سلاح.

وأمامه رجل ساقط على الأرض.

آدم رفع الصورة ببطء.

ثم نظر إلى جابر.

— إنت...

جابر قال بصوت مكسور:

— اسمعني.

آدم:

— إنت كنت هناك.

جابر:

— أيوه.

آدم:

— وإنت ماسك سلاح.

جابر:

— أيوه.

آدم:

— والرجل اللي على الأرض...

جابر:

— مش أبوك.

آدم:

— أمال مين؟

جابر سكت.

الشاب قال:

— أبويا.

آدم رفع عينه إليه.

الشاب:

— والراجل اللي قتل أبويا...

ثم أشار إلى جابر.

— هو.

جابر صرخ:

— كدب!

الشاب:

— اسأل يوسف.

الجميع بص ليوسف.

يوسف كان واقفًا بلا حركة.

آدم:

— بابا...

يوسف لم يرد.

آدم:

— قول.

يوسف غمض عينه.

ثم قال:

— جابر ما قتلش أبوك.

آدم تنفس.

لكن يوسف أكمل:

— أنا اللي قتلته.

الصمت ابتلع البيت كله.

آدم:

— إيه؟

يوسف رفع عينه.

— كنت مضطر.

الشاب ضحك بمرارة.

— كمل يا يوسف.

يوسف:

— أبوك كان هيقتل ليلى.

آدم:

— يعني قتلت الرجل؟

يوسف:

— أيوه.

آدم:

— وإنت...

نظر إلى الشاب.

— ابن الرجل ده؟

الشاب:

— أيوه.

آدم:

— يبقى إنت مش أخويا.

الشاب:

— لأ.

ثم ابتسم.

— بس أنا عارف أخوك فين.

آدم:

— فين؟

الشاب:

— قدامك.

آدم بص إليه.

— إيه؟

الشاب:

— أنا أخوك.

آدم:

— قلت إنك مش أخويا!

الشاب:

— قلت لك الاسم اللي عشت بيه مش اسمي.

ثم اقترب.

— أنا اسمي...

وقبل ما يكمل...

انطفأت أنوار البيت.

وسمعوا صوت باب بيتفتح في آخر الممر.

ثم صوت ليلى:

— آدم...

آدم جرى ناحية الصوت.

— أمي!

لكن قبل ما يوصل...

انغلق الباب أمامه.

ومن خلف الباب...

جاء صوت ليلى:

— ما تفتحش!

آدم:

— ليه؟

ليلى:

— لأن الشخص اللي معاك...

سكتت.

آدم:

— مين؟

ليلى:

— مش أخوك.

ثم جاء صوت شاب من خلف آدم:

— أنا أخوك.

آدم استدار.

لكن الشاب لم يكن موجودًا.

كان اختفى.

وبقيت على الأرض ورقة واحدة.

آدم التقطها.

فتحها.

وفيها اسم واحد:

«ياسين يوسف الشاذلي.»

آدم حدق في الاسم.

ثم قال:

— ياسين...

جابر اقترب.

— ده اسمك.

آدم:

— لأ.

ثم قلب الورقة.

وفي ظهرها:

«ياسين كان اسم الطفل الذي اختفى... وآدم كان اسم الطفل الذي بقي.»

يوسف شهق.

بدران:

— مستحيل.

رائد:

— يعني...

آدم رفع رأسه.

— يعني الطفل اللي كنا بندور عليه...

وسكت.

ثم قال:

— مش أخويا.

جابر:

— أمال مين؟

آدم نظر إلى الورقة.

— أنا.

الجميع صمت.

وفجأة...

من خلف الباب المغلق...

جاء صوت ليلى للمرة الأخيرة:

— لأ يا آدم...

ثم قالت:

— إنت مش الطفل اللي اختفى.

صمت.

— إنت الطفل اللي رجع.

وفي اللحظة نفسها...

سمعوا صوت رجل من خارج البيت:

— واللي رجع...

ثم ضحكة قصيرة.

— لازم يرجع له اسمه.

آدم فتح الباب بعنف.

لكن الممر كان فاضيًا.

فقط على الحائط...

كانت مكتوبة جملة بالدم:

«الحلقة الجاية... هتعرف مين ياسين.»

آدم وقف قدامها.

وجابر خلفه.

يوسف بجواره.

رائد ولجين وبدران وحسان وناجي يحيطون بهم.

لكن قبل ما حد يتكلم...

وصلت رسالة إلى هاتف آدم.

فتحها.

وكان فيها تسجيل صوتي.

ضغط تشغيل.

وصوت ليلى خرج واضحًا:

— يا آدم...

ثم سكتت.

— لو سمعت التسجيل ده، يبقى أنا ما قدرتش أوصل لك.

آدم قرب الهاتف من أذنه.

ليلى:

— بس فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تدور عليّ.

صمت قصير.

ثم:

— ياسين مش أخوك.

آدم اتسمر.

ليلى أكملت:

— ياسين هو اسمك الأول.

يوسف وضع يده على وجهه.

ليلى:

— لكني غيرت اسمك قبل ما تسلّمك لبدران.

آدم:

— ليه؟

الصوت تابع:

— لأن الطفل اللي كان لازم يختفي...

سكت.

ثم قالت:

— كان اسمه الحقيقي آدم.

انتهى التسجيل.

آدم رفع عينه ببطء.

جابر لم يتكلم.

يوسف لم يتكلم.

رائد لم يتكلم.

حتى بدران...

لم يجد كلمة يقولها.

ثم جاء صوت ثالث من داخل الهاتف.

صوت شاب.

— لو عايز تعرف ليه ليلى غيرت اسمك...

سكت.

— تعال للمكان اللي اتولد فيه آدم.

ثم أغلق التسجيل.

جابر قال:

— المقبرة.

آدم بص له.

— مقبرة مين؟

جابر:

— أمك.

آدم:

— ليلى؟

جابر:

— أيوه.

رائد:

— بس ليلى عايشة!

جابر:

— قبرها هو المكان الوحيد اللي كانت بتخبي فيه أسرارها.

آدم قبض على الهاتف.

— يبقى نروح.

يوسف:

— وأنا معاك.

آدم:

— المرة دي...

نظر إلى الجميع.

— مفيش حد هيفضل ورايا.

ثم نظر إلى جابر.

— حتى إنت.

جابر أومأ.

لكن قبل ما يخرجوا...

سمعوا صوت جرس البيت.

ثلاث دقات.

مرة...

مرتين...

ثلاثة.

ثم جاء صوت من فوق السطح:

— آدم!

رفع الجميع رؤوسهم.

صوت شاب:

— لو عايز تعرف مين أخوك...

ثم ضحكة قصيرة.

— تعالى لوحدك.

آدم قال:

— مين؟

فجاء الرد:

— الشخص اللي عاش مكانك...

سكت.

ثم قال:

— وأنت عشت مكانه.

انتهت الحلقة...

لكن السؤال لم يعد:

مين أخو آدم؟

ولا:

فين ليلى؟

ولا:

مين قتل الرجل؟

السؤال الأخطر أصبح:

مين عاش باسم آدم طوال السنين دي؟

وليه ليلى بدّلت اسم طفل باسم طفل؟

وهل الطفل اللي ظهر قدامهم كان فعلًا أخو آدم...

ولا كان شخصًا عاش حياة آدم من غير ما يعرف؟

أما جابر...

فكان الوحيد اللي وقف بعيدًا.

ووشه كان بيقول إنه فاكر شيئًا لم يقله.

شيئًا لو خرج من فمه...

هيغيّر كل اللي آدم عرفه عن نفسه.

وفي آخر لحظة...

مد جابر إيده داخل جيبه.

وأخرج مفتاحًا قديمًا.

مفتاح عليه نفس العلامة الموجودة على باب قبر ليلى.

وبص إليه وقال لنفسه:

— سامحيني يا ليلى...

ثم همس:

— المرة دي... مش هقدر أخبي عنه.


تعليقات