رواية كبيرهم الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم سهر احمد


 رواية كبيرهم الفصل الخامس والعشرون 

«السجل اللي فضح كبيرهم... والاسم اللي جابر دفنه بإيده من عشرين سنة»

---

آدم كان واقف قدام الباب الحديدي المدفون تحت بيت منصور، والمفتاح القديم بين صوابعه، وعينه بتتنقل بين الاسمين المحفورين عليه.

آدم — ياسين.

اسمين بينهم عشرين سنة من الخوف، وأسرار اتدفنت تحت الأرض، وعائلات اتفرقت، وناس عاشت عمرها بتدور على إجابة لسؤال محدش كان عايز يجاوب عليه.

جابر كان واقف بعيد عن الباب، ووشه شاحب، كأنه شايف اللي وراه قبل ما يتفتح.

آدم بص له وقال:

— آخر مرة هسألك يا جابر... الباب ده وراه إيه؟

جابر رد بصوت متعب:

— وراه اللي حاولت أمنعك تعرفه طول عمرك.

— وأنا مش طفل عندك دلوقتي، ومش هقبل إنك تقرر عني إيه اللي أعرفه وإيه اللي أفضل جاهل بيه.

— أنا عمري ما اعتبرتك طفل غريب يا آدم.

— بس اعتبرتني شخص ما يستحقش يعرف اسمه الحقيقي، وأبوه الحقيقي، وأمه عايشة ولا ميتة!

يوسف قرب من ابنه، لكنه ما اتدخلش. كان فاهم إن الكلام المرة دي مش بين آدم وجابر بس، ده حساب عشرين سنة كاملة.

جابر أخد نفس طويل وقال:

— افتح يا آدم.

آدم بص له باستغراب.

— إنت اللي بتقولي افتح؟

— أيوه.

— مش من شوية كنت بتحذرني؟

— كنت بحذرك من اللي هتشوفه، مش من الباب نفسه.

— وإيه الفرق؟

جابر قرب خطوة، وعينه ثابتة على المفتاح.

— إن الباب لو اتفتح، مش هينفع أرجع أخبي عنك حاجة. وساعتها هتعرف إن فيه حاجات عملتها وأنا فاكر إني بحميك، لكن يمكن أكون ظلمتك أكتر ما حميتك.

آدم حط المفتاح في القفل.

وقبل ما يلفه، سمع صوت لجين وراه.

— استنى يا آدم.

لف لها.

لجين كانت ماسكة المفتاح الصغير اللي أخرجته من صندوق أمها.

— المفتاح اللي معاك مش لوحده اللي بيفتح الباب.

جابر رفع رأسه فجأة.

— إنتِ عرفتي ده منين؟

لجين ردت وهي بتقرب:

— من الورقة اللي كانت جوه صندوق أمي. أنا ما قلتش لكم كل اللي كان مكتوب فيها.

حسان بص لبنته بقلق.

— لجين، إنتِ بتتكلمي عن إيه؟

لجين فتحت إيدها، وظهرت ورقة صغيرة مطوية، أطرافها مصفرة من الزمن.

— أمي كانت كاتبة: «الباب لا يفتح بمفتاح واحد، لأن الاسم الواحد كان كفاية يضيّع طفلين. افتحوه بالمفتاحين، ولا تسمحوا للشاهد السابع يدخل قبلكم».

ناجي قرب منها.

— الشاهد السابع؟

يوسف اتغيرت ملامحه.

— ناجي الشاذلي.

ناجي النجار بص له بسرعة.

— ناجي الشاذلي اللي في الصورة؟

يوسف أومأ.

— أيوه، عمّي. الشاهد السابع في سجل الدم.

رائد اتدخل:

— طب ما إحنا عرفنا إنه كان شاهد. إيه اللي يخليه أخطر من باقي الشهود؟

جابر رد:

— لأنه الوحيد اللي ما أمضاش على الرواية اللي كتبها كبيرهم.

آدم بص لجابر.

— يعني كان فيه سبعة شهود، وستة وافقوا على الكذب؟

جابر سكت لحظة، ثم قال:

— ستة أمضوا على الورق. لكن مش كلهم كانوا عارفين إنهم بيشهدوا على كذبة.

— وناجي الشاذلي رفض؟

— أيوه.

يوسف قال بقلق:

— وعشان كده اختفى.

لجين قربت المفتاح من القفل الثاني الموجود أسفل الأول.

— أمي كانت عارفة إن الباب ده مش هيتفتح غير لما المفتاحين يرجعوا لبعض.

آدم بص لها.

— ومفتاحك وصل لك إزاي؟

— أمي خبّته في صندوق، وكتبت اسمي عليه. بس لما كبرت، لقيت ورقة تانية مكتوب فيها: «لو وصل المفتاح لليدين الغلط، هيفضل الباب مقفول، حتى لو اتجمعت كل المفاتيح».

رائد سألها:

— وإيه اللي يحدد اليدين الغلط من الصح؟

لجين بصت لآدم، ثم لجابر.

— النية... والشهادة.

جابر أغمض عينيه للحظة.

— ليلى كانت فاهمة أكتر مما توقعت.

آدم رد بحدة:

— وإنت كنت فاهم أكتر مما قلت.

ثم لف المفتاح الأول، ولجين لفت الثاني.

صدر صوت حديدي عميق، وبعده اتحرك القفل من مكانه.

الباب ما اتفتحش بالكامل؛ اتحرك ببطء، كأنه كان مستني اللحظة دي من عشرين سنة.

وراءه ظهرت درجات حجرية نازلة لتحت.

ومن آخر السلم، خرجت ريحة ورق قديم وتراب، ومعاها صوت خفيف، أشبه بساعة بتدق في مكان بعيد.

بدران بص للسلم وقال:

— المكان ده ما اتفتحش من يوم ما خرجت بآدم من هنا.

آدم وقف عند أول درجة.

— وإنت كنت هنا يومها؟

بدران رد:

— أيوه.

— وشفت الطفل التاني؟

بدران سكت.

آدم قرب منه.

— بدران، أنا مش هسمح لحد يهرب من السؤال ده تاني.

بدران نزل عينه للأرض، وبعد لحظة رفعها وقال:

— شفته.

— كان عامل إزاي؟

— طفل صغير، ما كانش يعرف إن اللي بيحصل حواليه هيغير حياته كلها.

— كان بيعيط؟

بدران ابتسم ابتسامة حزينة.

— كان ماسك قطعة قماش صغيرة، ورافض يسيبها. وكل ما حد يحاول ياخدها منه، كان يعيط أكتر.

آدم سأل:

— كانت إيه؟

بدران بص لجابر.

جابر هو اللي رد:

— طرف من شال ليلى.

يوسف حط إيده على الحائط، كأنه بيحاول يستند عليه.

— يعني ليلى كانت هنا؟

جابر:

— أيوه.

يوسف:

— وهي اللي سلّمتكم الطفلين؟

جابر هز رأسه.

— لأ يا يوسف... ليلى ما سلّمتش حد. هي كانت بتحاول تنقذ الطفلين، لكن اللي حصل في الليلة دي كان أكبر منها ومننا كلنا.

آدم نزل درجة واحدة، وعينه معلّقة بجابر.

— كمّل يا جابر... المرة دي من غير ما تدفن نص الحكاية.

جابر بص للسلم المظلم، وقال بصوت مبحوح:

— الليلة دي، يا آدم، ما كانش فيها طفلين بس... كان فيها شاهد شاف جريمة، ورجل كتب كذبة، ورجل تاني وافق إنه يدفن اسمه عشان يحمي اللي باقي من العيلتين.

رائد سأله بحدة:

— ومين الرجل اللي كتب الكذبة؟

جابر ما ردش، لكنه نزل معاهم السلم.

في آخره، ظهرت غرفة واسعة، جدرانها مليانة رفوف، وفي منتصفها ترابيزة حجرية فوقها سجل أسود، وبجواره سبع خانات محفور تحت كل واحدة اسم شاهد.

ست خانات كان عليها أثر حبر قديم.

أما الخانة السابعة، فكانت فاضية.

لجين قربت من السجل، ولاحظت ظرفًا صغيرًا متثبتًا تحته، مكتوب عليه بخط تعرفه كويس:

«إلى لجين... بنتي، لو وصلتي لهنا، يبقى أنا ما قدرتش أرجع بنفسي.»

إيدها ارتعشت وهي بتفتح الظرف.

حسان قرب منها، لكنها رفعت عينيها وقالت:

— سيبني يا بابا... دي أول مرة أسمع أمي من غير ما حد يفسرلي كلامها على مزاجه.

قرأت بصوت متقطع:

— «يا لجين، أبوكي مش هو الرجل الوحيد اللي خبّى عنك الحقيقة، وجابر مش هو الرجل الوحيد اللي حماكي من غير ما يقولك. دوري على الصفحة السابعة، لكن ما تصدقيش الاسم المكتوب فوقها... لأن الشاهد السابع اتكتب اسمه مرتين، مرة في السجل، ومرة في شهادة موته.»

يوسف خطف عينه ناحية جابر.

— شهادة موته؟ يعني ناجي الشاذلي مات ولا عايش؟

وقبل ما يرد جابر، جه صوت من خلف الرفوف:

— أنا عايش... واللي مات من عشرين سنة كان اسمي، مش أنا.

ظهر رجل كبير في السن، مستند على عصاية، ووشه مليان آثار السنين. يوسف اتراجع خطوة، ثم همس:

— عمي ناجي!

الرجل بص له بحزن.

— اتأخرت يا يوسف... بس على الأقل وصلت قبل ما السجل يتحرق للمرة التانية.

آدم قرب منه فورًا.

— إنت الشاهد السابع؟

— أيوه.

— مين كبيرهم؟

ناجي الشاذلي بص للسجل، ثم لجابر.

— اسأل الرجل اللي دفن الاسم بإيده.

كل العيون راحت لجابر.

جابر ما هربش من نظراتهم المرة دي. مد إيده ناحية الصفحة الأخيرة، وفتحها على مهل.

كان مكتوب فيها اسم واحد، وتحته اعتراف بخط واضح:

«أنا منصور النجار... وافقت على العهد، وسكتُّ عن تبديل الأسماء، خوفًا من أن تُباد العائلتان.»

ناجي النجار شهق:

— أبونا؟! الحاج منصور كان واحد من كبيرهم؟

جابر رد وعينه مليانة وجع:

— أبويا ما كانش كبيرهم... لكنه كان واحد من سبعة وافقوا على العهد. ولما عرف إن العهد مش لحماية العائلات، لكنه عشان يفضلوا تحت سيطرة رجل واحد، حاول يوقفه.

آدم سأله:

— ومين الرجل ده؟

ناجي الشاذلي حط إيده على الصفحة السابعة، وقال:

— الاسم موجود... لكن قبل ما تقرأه، لازم تعرف إن الرجل اللي بدأ العهد مش هو اللي بيقوده دلوقتي.

رائد قبض إيده.

— يعني كبيرهم اتغير؟

— أيوه... وكل واحد ورث العهد ورث معاه أسرار اللي قبله.

فجأة، سمعوا صوت باب بيتقفل فوقهم، وبعده صوت خطوات بتتحرك ناحية السلم.

بدران وقف قدام آدم، ويوسف مسك السجل، ولجين خبّت رسالة أمها في هدومها.

أما جابر، فرفع عينه ناحية السلم وهمس:

— وصل.

آدم سأله:

— مين؟

جابر رد بصوت واطي، لكنه وصل لكل واحد فيهم:

— الرجل اللي اتفقت معاه من عشرين سنة إني أدفن اسمه... وأنا اللي ساعدته يختفي.

ظهر ظل عند أول درجة، ثم جاء صوت يعرفه آدم كويس:

— افتحوا السجل يا جابر... خلّي ابن يوسف يعرف مين قتل أبوه الحقيقي.

يوسف رفع رأسه بغضب.

— أنا أبو آدم الحقيقي!

لكن الصوت رد:

— إنت أبوه بالدم يا يوسف... إنما الرجل اللي ربّاه على اسمه الأول، واللي شهد على قتلي، لسه واقف بينكم.

آدم بص لجابر، ثم للسلم.

وفجأة، مد ناجي الشاذلي إيده وأشار إلى آخر سطر في الصفحة السابعة.

كان مكتوبًا:

«الشاهد الذي بدّل الأسماء... هو الشخص الذي عاد ليطالب بدم الطفل الثاني.»

وتحت السطر، اسم محفور بحبر أحمر.

آدم قرب من الصفحة، قرأ الاسم، ثم رفع عينه لجابر في ذهول.

— مستحيل... ده مش ممكن يكون هو!

جابر أغمض عينيه، وقال:

— كنت عارف إن اليوم ده هييجي... بس ما كنتش عارف إنك هتكون واقف قدامي لما تعرف.

وفي اللحظة نفسها، انطفأت الأنوار، وسمعوا صوت طلقة واحدة في الغرفة.

ولما رجع النور، كان السجل مفتوحًا على الصفحة السابعة...

وناجي الشاذلي اختفى.

أما الاسم المكتوب بالحبر الأحمر، فكان عليه أثر دم طازة.


تعليقات