رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم اماني سيد


 رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الخامس والعشرون 

كان يزيد جالسًا خلف مكتبه، يتفحص بعض الأوراق أمامه بملامح متجهمة، بينما وقف الرجل الذي كلّفه بالبحث عن شهيرة امامه
– وصلت لحاجة مهمة يا باشا.
رفع يزيد عينيه إليه باهتمام، وأشار له أن يتكلم.
– لقيت تحويل بنكي بمبلغ كبير اتبعت لحساب شهيرة، والتحويل كان باسم صفوان القحطاني.
تغيّرت ملامح يزيد، واستقام في جلسته وهو يحدق فيه بتركيز.
– صفوان؟! إنت متأكد من الكلام ده؟
– متأكد يا باشا، وراجعت البيانات أكتر من مرة. المبلغ اتحوّل لحسابها، واسم صفوان واضح في تفاصيل التحويل.
ظل يزيد صامتًا للحظات، يستوعب المعلومة التي قلبت حساباته رأسًا على عقب. منذ اختفاء شهيرة، وهو يحاول الوصول إليها، وكلما اقترب من خيط يقوده إليها، انقطع فجأة. والآن يظهر اسم صفوان في منتصف الصورة، وكأن الرجل يعرف عنها أكثر مما ينبغي.
نهض من مكانه والتقط هاتفه ومفاتيح سيارته، ثم قال بنبرة حادة:
ـ تمام عدى على الحسابات وخد باقى فلوسك
و غادر المكتب بعدها  وخلفه ذلك الرجل، وقد استقر في رأسه قرار واحد؛ لن يظل يبحث في كل مكان بينما صفوان قد يكون يعرف مكان شهيرة طوال الوقت.
وصل يزيد إلى مكتب صفوان بعد وقت قصير، ودخل دون موعد، متجاهلًا اعتراض السكرتير الذي حاول إيقافه. كان الغضب يسيطر على ملامحه، ولم يهدأ إلا حين وجد صفوان جالسًا خلف مكتبه يتابع بعض الملفات.
رفع صفوان رأسه ببطء، وما إن رأى يزيد حتى وضع الملف من يده، مستغربًا اقتحامه المكان بهذه الطريقة.
– خير يا يزيد؟ داخل مكتبي كده ليه؟
اقترب يزيد من المكتب، وأسند كفيه عليه، ثم سأله مباشرة:
– شهيرة فين يا صفوان؟
لم تتغير ملامح صفوان، لكنه أدرك من نبرة يزيد أنه لم يأتِ ليسأل سؤالًا عابرًا.
– مين شهيره دى ؟؟ وبتسالنى عنها ليه ؟؟
– أنا اللي بسأل، وإنت اللي هتجاوبني. إنت حوّلتلها مبلغ كبير، وعايز أعرف علاقتك بيها إيه، ومكانها فين.
أغلق صفوان الملف أمامه، ثم رفع عينيه إليه ببرود.
– أولًا، إنت مالكش عندي حساب أقدمهولك عن فلوسي بحوّلها لمين. وثانيًا، لو شهيرة مش عايزة تظهر لك، فده قرارها، ومش من حقك تيجي تحاسبني أنا.
اشتعل الغضب في عيني يزيد، واستقام في وقفته.
– يعني إنت تعرف مكانها؟
– مش ملزم أنى اجاوبك .
– أمال إيه معنى إنك بتحوّل لها فلوس؟! فاكرني مش هفهم؟ أنا بقالي فترة بدوّر عليها، وفجأة ألاقي اسمك ظاهر في حسابها. يبقى أكيد إنت تعرف هي فين!
نهض صفوان من مقعده، ولم يعد في صوته شيء من الهدوء السابق.
– صوتك ما يعلاش في مكتبي يا يزيد، وإياك تفتكر إنك تقدر تدخل هنا وتحقق معايا. أنا مش مسؤول عن اختفاء شهيرة، ومش هقولك على مكانها لمجرد إنك قررت تيجي تسألني.
ظل يزيد ينظر إليه بغضب، لكنه أدرك أن المواجهة لن تأتي بالنتيجة التي يريدها بهذه الطريقة. تراجع خطوة، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بصوت أكثر هدوءًا:
– اسمعني يا صفوان، أنا مش جاي أعمل مشكلة معاك، ولا يهمني الفلوس اللي اتحولت لها. أنا كل اللي عايزه أعرف هي فين.
– وليه؟ عايز توصل لها ليه؟
تردد يزيد للحظة، ثم أجابه بوضوح:
– عشان أتجوزها رسمي.
لم يُخفِ صفوان دهشته، وظل يحدق فيه لثوانٍ قبل أن يسأله:
– تتجوزها رسمي؟ بعد كل اللي حصل بينكم، جاي دلوقتي تقول لي إنك عايز تتجوزها؟
انقبض فك يزيد، لكنه لم يتراجع عن كلامه.
– أيوه، عايز أتجوزها، ودي مش كلمة بقولها وخلاص. أنا عارف إنك مش مضطر تصدقني، وعارف إنك ممكن تكون شايفني آخر واحد يستحق يعرف مكانها، بس أقسم لك يا صفوان إني مش عايز أوصل لها عشان أأذيها. أنا عايز أصلّح اللي حصل، وأتقدم لها قدام الناس، وأديها حقها.
بقي صفوان صامتًا، يراقب انفعال يزيد ويحاول أن يميز ما إذا كان يتحدث بصدق أم أنه يبحث عن شهيرة ليعيدها إلى حياته بالطريقة التي يريدها.
ثم قال بحزم:
– القسم لوحده مش كفاية يا يزيد، خصوصًا لما يكون الموضوع متعلق بشهيرة. إنت عايزني أصدقك وأسلمك مكانها من غير ما أعرف إيه اللي اتغير فجأة؟
خفض يزيد عينيه للحظة، ثم رفعهما إليه من جديد.
– اللي اتغير إني فهمت إن البحث عنها مش هيخليني أوصل لحاجة طول ما هي مش عايزة ترجعلي. أنا مش بطلب منك تجبرها ترجع، ولا حتى تقنعها بيا. أنا بطلب فرصة أقابلها، وأقول لها بنفسي إني عايز أتجوزها رسمي، وبعدها القرار قرارها.
لم يجبه صفوان على الفور. كان يعلم أن كشف مكان شهيرة ليس قرارًا يملكه وحده، وأن رغبة يزيد، مهما بدت صادقة، لا تمنحه الحق في الوصول إليها دون موافقتها.
قال أخيرًا:
– أنا مش هديك مكانها دلوقتي انا هديك رقم تليفونها لو هى وافقت يبقى ده قرارها هى
تبدلت ملامح يزيد، لكنه كتم اعتراضه، ثم سأله بإلحاح:
– تمام انا موافق هات رقمها وأنا هعرف اقنعها .
ظل صفوان ينظر إليه لحظات قبل أن يجيبه:
– تمام يا يزيد اتفضل رقمها واتمنى المره دى تبقى اد المسئولية
في مكتب صفوان، كان يجلس يراجع بعض الملفات حين دخلت إليه السكرتيرة، وقدمت له دعوة داخل مظروف أنيق.
– أستاذ صفوان، دي دعوة وصلت لحضرتك من الآنسة رشا.
أخذها منها، ثم فتح المظروف وأخرج بطاقة الدعوة، وما إن قرأ اسم رشا حتى ابتسم. كانت تدعوه لحضور حفل خطوبتها على ابن عمها بعد يومين، فالتقط هاتفه واتصل بها ليهنئها ويؤكد لها حضوره.
بعد أن أنهى المكالمة، وضع الدعوة على المكتب، ثم اتكأ إلى ظهر مقعده وهو يفكر في مهرة. فمنذ بدأت المواجهة مع عتمان، لم تعد حياتهما تعرف الهدوء؛ كل يوم يحمل مشكلة جديدة، وكل حديث بينهما ينتهي بالقلق على والدتها وما ستؤول إليه الأمور. حتى اللحظات التي يحاول فيها التقرب منها، يجدها منشغلة بما حدث وبما ينتظرهما.
وربما كانت خطوبة رشا فرصة مناسبة ليخرجا قليلًا من تلك الدائرة، ويقضيا بعض الوقت معًا دون الحديث عن المشكلات التي أثقلت أيامهما.
أمسك هاتفه مرة أخرى واتصل بمهرة، وما إن أجابت حتى قال:
– إزيك يا مهرة؟ رشا بعتتلي دعوة خطوبتها على ابن عمها، والخطوبة بعد يومين، وأنا وافقت إني أحضر. إيه رأيك تيجي معايا؟
– مافيش مشكله موافقه أنا كده كده محتاجه اغير جو
ابتسم صفوان لسرعة موافقتها، ثم قال بنبرة مازحة:
– حلو أوي، يبقى اتفقنا. بس عندي شرط.
– شرط إيه يا صفوان؟
– اليوم ده مفيش كلام عن عتمان، ولا المحامين، ولا حقوق، ولا مشاكل. عايز يوم نخرج فيه ونغير جو، ونسيب كل حاجة ورا ضهرنا شوية.
تنهدت مهرة قبل أن تجيبه:
– يا صفوان، والله أنا نفسي أرتاح من التفكير، بس كل ما أفتكر اللي حصل لماما بحس إن قلبي بيتحرق. مش قادرة أستوعب إزاي بابا يهون عليه كل السنين دي ويرميها كأنها غريبة عنه.
– وأنا عارف، وعشان كده بقولك إن حقكم مش هيضيع، وإحنا مكملين في الطريق القانوني لحد ما نوصل له. لكن مش معنى إننا بنحارب عشان حقنا إننا ننسى نعيش. إنتِ من حقك تفرحي يا مهرة، ومن حقك تضحكي من غير ما تحسي إنك مقصرة في حق مامتك.
سكتت مهرة للحظات، ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا:
– عندك حق. خلاص، اتفقنا، اليوم ده للفرح وبس.
– أهو ده الكلام. جهزي نفسك بقى، وأنا هعدي عليكي قبل الخطوبة بوقت كفاية.
أنهى المكالمة وهو يشعر بالارتياح، فقد كان يريد أن يمنحها فرصة للابتعاد عن الضغوط التي تعيشها، وأن يستمتع معها ببعض الوقت بعيدًا عن الصراعات. لم يكن يتوقع أن تختفي أحزانها في يوم وليلة، لكنه أرادها أن تعرف أن الحياة ما زالت تحمل لهما لحظات تستحق أن يعيشاها.
وخلال اليومين التاليين، انشغل صفوان بمتابعة الإجراءات القانونية الخاصة بعتمان، بينما حاولت مهرة أن تمنح نفسها بعض الهدوء، ملتزمة بالاتفاق الذي قطعته معه.

في مساء خطوبة رشا، كانت مهرة تقف أمام المرآة في غرفتها داخل فيلا صفوان، تتأمل فستانها الأسود الأنيق الذي أبرز رشاقتها ومنحها إطلالة جذابة. نسقت معه حجابًا بلون هادئ يتماشى مع الفستان، واكتفت بلمسات بسيطة من المكياج، ثم تناولت حقيبتها الصغيرة واستعدت للنزول.
منذ أن فقدت وزنها وتغيرت ملامحها، أصبحت أكثر ثقة بنفسها، لكنها لم تكن تعرف أن هناك شخصًا كان يراها جميلة حتى في الأيام التي لم تكن هي نفسها ترى فيها أي جمال.
في الأسفل، كان صفوان ينتظرها، وقد انتهى من تجهيز نفسه منذ وقت، لكنه لم يكن مستعجلًا بقدر ما كان ينتظر رؤيتها. وحين ظهرت أمامه، رفع عينيه إليها، ثم ظل صامتًا لثوانٍ جعلتها تنظر إلى ملابسها بتوجس.
– إيه يا صفوان؟ في حاجة مش مظبوطة؟
هز رأسه مبتسمًا.
– لأ، مفيش حاجة مش مظبوطة، أنا بس بحاول أفهم إزاي واحدة كانت بتخطف الأكل من قدامي زمان، تطلع بالجمال ده كله!
اتسعت عينا مهرة، ثم ضربته بحقيبتها بخفة.
– نعم يا حبيبي؟! امته حصل كده انا طول عمرى كنت بخاف منك ؟!
ضحك وهو يتفادى ضربتها الثانية.
– يا بنتي بهزر! وبعدين إنتِ اللي سألتي.
– والله لأوريك! يلا بدل ما أتراجع عن الخطوبة دي وأقعد في البيت.
توقف صفوان عن الضحك لحظة، ثم نظر إليها بابتسامة واسعة.
– خطوبة مين اللي هتتراجعي عنها؟ دي خطوبة رشا يا ست الكل، إنما خطوبتنا إحنا لسه هنتكلم فيها!
احمر وجه مهرة، فأشاحت بنظرها عنه وهي تتمتم:
– يا سلام! هو أنا لحقت أوافق عليك أصلًا؟
اقترب منها بخطوة، ثم قال بمكر:
– يعني فيه أمل؟
لم تجبه، بل أسرعت نحو الباب، فحمل صفوان مفاتيحه ولحق بها وهو يضحك.
وصل الاثنان إلى قاعة الاحتفال، وكانت رشا في غاية السعادة وهي تستقبل المدعوين إلى جانب ابن عمها. وما إن رأت صفوان و مهرة حتى تركت كل من حولها واتجهت إليها، .
– انا مبسوطه اوى أنكم جيتوا
ـ ده أقل واجب اهم حاجه تكونى مبسوطه
بينما تولى صفوان تهنئة العريس ومصافحة بعض الحاضرين.
قضيا الأمسية وسط أجواء مليئة بالبهجة، وكانت مهرة تشارك رشا فرحتها ، تضحك معها وتلتقط الصور، بينما ظل صفوان يراقبها من بعيد بين الحين والآخر. لم يكن يريد أن يفسد عليها لحظة سعيدة بالحديث عن مشكلاتها، بل كان سعيدًا لأنه استطاع أن يراها تضحك بهذه العفوية بعد فترة طويلة من القلق والتوتر.
وحين انتهت الخطوبة وبدأ المدعوون في المغادرة، خرج صفوان مع مهرة إلى السيارة، لكنه لم يتجه نحو الفيلا مباشرة، بل قادها إلى مكان هادئ بعيد عن صخب المدينة، حيث يمكنهما الجلوس قليلًا دون أن يقاطعهما أحد.
أوقف السيارة في مكان آمن، وأطفأ المحرك، ثم استدار نحوها.
– بصي بقى، أنا عايز أقولك حاجة، بس المرة دي مش عايزك تضربيّني ولا تزعلي مني.
نظرت إليه مهرة بريبة.
– على حسب. لو هتتكلم عن الأكل تاني، فأنا هنزل أركب تاكسي وأسيبك هنا.
ضحك صفوان، ثم قال:
– لأ، المرة دي الموضوع أخطر من الأكل.
عقدت ذراعيها أمام صدرها، وقالت بجدية مصطنعة:
– اتفضل يا أستاذ صفوان، سامعاك.
تأملها قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة مختلفة، كأنه يسترجع ذكرى قديمة لم يحكها لأحد من قبل.
– تعرفي إني كنت بحبك وإنتِ تخينة أوي؟
حدقت فيه مهرة بذهول، ثم رفعت حاجبيها وهي لا تصدق ما تسمعه.
– إنت جايبني هنا في نص الليل عشان تقولي إني كنت تخينة؟! يا نهار أبيض! طب والله العظيم لأكون نازلة من العربية دي حالًا!
انفجر صفوان ضاحكًا، وأمسك يدها قبل أن تفتح الباب.
– استني يا مجنونة! أنا لسه مخلصتش كلامي.
– كلام إيه اللي لسه مخلصتوش؟! ده أنا هخليك تندم على اليوم اللي اتولدت فيه!
– طب اسمعيني للآخر، وبعدها اعملي اللي إنتِ عايزاه.
نظرت إليه بامتعاض، ثم استقرت في مقعدها وهي تشير إليه بيدها.
– اتفضل، عندك دقيقتين. لو قولت كلمة تخنينة تاني، هتشوف مني اللي عمرك ما شوفته.
ابتسم صفوان، ثم بدأ يتحدث بنبرة يغلب عليها الحنين:
– فاكرة لما كنا صغيرين، وكنتوا بتيجوا تزورونا وكنتى بتحبى تلعبى بالمرجيحه اللى فى الشجره
اماءت مهره برأسها بنعم
ـ كنت بحب افضل اتفرج عليكى من بعيد وانتى بتحاولى تطلعى عشان تركبيها وكنتى قصيره كنت بضحك عليكى اوى وكنت هقرب عشان اشيلك واقعدك عليها لكن لقيتك عرفتى تطلعى
وضعت مهرة يدها على وجهها وهي تضحك رغمًا عنها.
– يا فضيحتك يا مهرة! هو إنت فاكر كل ده؟

– فاكر كل حاجة، يا ستي. فاكرة لما كنتِ بتزعلي لو حد خد آخر قطعة جاتوه، وكنتِ تفضلي متضايقة طول اليوم؟ وكنتِ لما تتعصبي تنفخي خدودك بالشكل اللي يخليني أموت من الضحك.
التفتت إليه مهرة بحدة.
– إنت كنت بتضحك عليّا؟!
هز رأسه بسرعة.
– لأ، والله ما كنت بضحك عليكي. كنت بضحك عشان كنتِ عسل أوي، وكنتِ بتبقي عايزة تثبتي إنك قوية ومحدش يقدر يزعلك، وفي نفس الوقت لو حد قالك كلمة تضايقك، كنتِ تزعلي منه وتخاصميه.
ثم أطلق ضحكة قصيرة وهو يتابع:
– تعرفي إني كنت ببصلك وأقول لنفسي: البت دي لو فضلت قدامي كده، أنا هروح أشيلها وأقعدها على رجلي وأفضل ألعب في خدودها دي بالساعات!
فتحت مهرة فمها بدهشة، ثم ضربته على كتفه.
– إنت كنت عايز تشيلني؟! هو إنت كنت شايفني عروسة لعبة؟!
– أيوه، كنت نفسي أشيلك! وكنت ببقى مبسوط لما أشوفك داخلة علينا، وأفضل مستنيكي تيجي عشان أسمع كلامك وأتفرج على خناقاتك مع اللي حواليكي. إنتِ كنتِ بالنسبالي حاجة مختلفة، حتى وأنا صغير مكنتش فاهم ليه كنت بحب وجودك بالشكل ده.
تلاشت ضحكة مهرة تدريجيًا، وحل محلها فضول حقيقي.
– طب وإنت عمرك ما حسستني بكده. أنا كنت فاكرة إنك بتتريق عليّا زي باقي الناس.
تغيرت ملامح صفوان قليلًا، وأصبح صوته أكثر هدوءًا.
– عشان أنا مكنتش بتريق عليكي يا مهرة. يمكن كنت بحاول اقرب منك او اناغشك ، ويمكن كنت بضحك على تصرفاتك، بس عمري ما شوفتك أقل من حد. بالعكس، كنتِ دايمًا بتلفتي نظري، وكنت بحب أشوفك حتى لو مش هنتكلم.
سكت لحظة، ثم عاد يبتسم وهو يتذكر موقفًا آخر.
– وأكبر دليل على كلامي يوم ما وقعتي في الجيم.
شهقت مهرة وهي تنظر إليه.
– يا ساتر! إنت كمان فاكر اليوم ده؟ ده أنا كنت عايزة الأرض تنشق وتبلعني!
– أومال! ده اليوم اللي حققت فيه أمنيتي القديمة!
ضربته على ذراعه وهي تضحك.
– إنت بني آدم غريب رسمي!
ضحك صفوان، ثم قال:
– اسمعي بقى، أنا يومها لما لقيتك واقعة ومش قادرة تقومي، جريت عليكي وشيلتك. وعايز أقولك الحقيقة؟ أنا كنت خايف عليكي فعلًا، بس في وسط خوفي ده كنت مبسوط إني أخيرًا شيلتك بين إيديا، بعد ما كنت طول عمري بتخيل الموقف ده وأنا صغير.
توقفت مهرة عن الضحك، وظلت تنظر إليه في دهشة.
أكمل صفوان وهو يهز رأسه مستنكرًا نفسه:
– عارف إن الكلام ده ممكن يبان غريب، بس أنا فاكر إحساسي وقتها كويس. كنت شايلك ومش عايز أسيبك، وكنت عايز أتأكد إنك بخير، وفي نفس الوقت حسيت إن البنت اللي كنت بشوفها قدامي من سنين، واللي كنت بحب وجودها من غير ما أفهم السبب، بقت قريبة مني بالشكل ده.
ابتسمت مهرة بخجل، ثم قالت:
– يعني إنت كنت مبسوط وأنا واقعة ومش قادرة أقوم؟
أسرع صفوان في الرد:
– لأ طبعًا! أنا كنت مرعوب عليكي، وربنا يعلم إني لو كنت أقدر أشيل عنك الوجع نفسه كنت عملت كده. أنا مبسوط إني شيلتك، مش إنك وقعتي. فيه فرق كبير يا مهرة.
ثم أمسك يدها برفق، ونظر إليها بعينين امتلأتا بمشاعر لم يعد يريد إخفاءها.
– ومن يومها، وأنا كل ما أشوفك، أحس إن فيه حاجة جوايا بتشدني ليكي. ولما كبرنا، واكتشفت إنك مش بس البنت اللي كنت بحب أضحك معاها زمان، لكن كمان واحدة قوية، وعندها كرامة، ومش بتستسلم حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدها، حبي ليكي بقى أكبر من أي وصف.
صمت قليلًا، ثم قال بصدق:
– أنا حبيتك وإنتِ تخينة، وحبيتك وإنتِ بتخسي، وحبيتك وإنتِ بتتعبي وبتقومي تاني. عمري ما حبيتك عشان شكل معين، ولا عشان إنتِ بقيتي جميلة في عيني الناس. إنتِ كنتِ جميلة في عيني من زمان، حتى في الوقت اللي كنتِ إنتِ نفسك مش شايفة فيه جمالك.
شعرت مهرة بغصة في حلقها، وحاولت أن تخفي تأثرها بابتسامة صغيرة.
– طب ما كنت تقول الكلام ده من زمان يا صفوان، يمكن كانت حاجات كتير تتغير
ابتسم بحزن خفيف.
– يمكن عشان كنت صغير ومش فاهم نفسي، ويمكن عشان كنت فاكر إن إحساسي ده هيفضل معايا لوحدي ومش هيتحول لحاجة حقيقية. بس لما لقيت نفسي بقيت بدور عليكي وسط كل الناس، وبستنى أي فرصة أشوفك فيها، فهمت إن الموضوع أكبر من ذكريات طفولة. يمكن مكنش ينفع ابعد واستسلم لما كنت اسمعهم بيقولوا مهره لزيدان كان المفروض احا..رب اكتر عشانك
اقترب قليلًا، ثم قال بنبرة أكثر جدية:
– أنا مش عايز أفضل أحكيلك عن زمان وبس. أنا عايز أقولك إن كل اللي فات ده خلاني أوصل لحاجة واحدة… أنا بحبك يا مهرة. بحبك بجد، وعايزك تكوني شريكتي في حياتي، مش مجرد واحدة أنا واقف جنبها لحد ما مشكلتها تخلص.
امتلأت عيناها بالدموع، لكنها ابتسمت وهي تنظر إليه.
– وأنا كمان بحبك يا صفوان.
ظل ينظر إليها وكأنه لم يتوقع أن يسمعها بهذه السهولة، ثم سألها بصوت خافت:
– بجد؟
ضحكت من بين دموعها.
– لأ، بهزر معاك عشان أشوف وشك هيبقى عامل إزاي!
ضحك، ثم هز رأسه.
– والله ما أنا سايبك النهارده غير لما تعترفيلي تاني.
– طب اسمع بقى. أنا بحبك عشان عمرك ما حسستني إني محتاجة أغير نفسي عشان أستحق حبك، وعشان لما الدنيا ضاقت بيا، لقيتك بتقف جنبي من غير ما تطلب مني أتنازل عن كرامتي. بحبك عشان بتخليني أحس إني مش لوحدي، وعشان حتى وإنت بتهزر معايا بالطريقة المستفزة دي، بتبقى عارف إمتى تبطل وتسمعني.
ابتسم صفوان، ثم رفع يدها وقبّلها برفق.
– طيب، بما إننا أخيرًا اعترفنا لبعض، أنا عندي طلب.
نظرت إليه بقلق مصطنع.
– طلب إيه؟ أنا بدأت أخاف منك.
– عايز أتقدم لك رسمي يا مهرة. مش عايز أفضل مستني لحد ما كل مشاكلنا تخلص، لأن لو فضلنا مستنيين الظروف تبقى مثالية، ممكن نفضل سنين واقفين مكاننا.
انطفأت ابتسامتها قليلًا، وعاد القلق إلى ملامحها.
– بس يا صفوان، إنت عارف إن موضوع بابا لسه مخلصش، وإننا لسه بنحاول نرجع حق ماما. أنا مش عايزة أبدأ حياتي معاك وإحنا لسه وسط كل المشاكل دي.
هز رأسه متفهمًا، ثم قال بثبات:
– وأنا مش هطلب منك تسيبي حق مامتك، ولا هوقف أي خطوة بدأناها. بس ليه نعلّق حياتنا على حاجة إحنا مش عارفين هتخلص إمتى؟ ممكن نتخطب رسمي، ونبدأ نجهز نفسنا لحياتنا، وفي نفس الوقت نكمل في الإجراءات لحد ما حقكم يرجع. مش لازم نختار بين إننا نعيش وبين إننا ناخد حقنا.
نظرت مهرة إليه طويلًا، ثم قالت:
– إنت متأكد إنك مش هتندم؟ أنا عارفة إن حياتي مش سهلة، وإن اللي جاي ممكن يكون أصعب.
ابتسم صفوان وهو يمسك يدها بين كفيه ويقبلهما
– أنا مش باختارك عشان حياتك سهلة يا مهرة، أنا باختارك عشان إنتِ الشخص اللي عايز أكمل حياتي معاه. ومش هفضل مستني لحد ما كل حاجة تتصلح عشان أبدأ أحبك رسمي. أنا عايز أبقى خطيبك، وبعدها جوزك، ونواجه كل حاجة سوا.
سكتت مهرة للحظات، ثم ابتسمت ابتسامة صادقة.
– أنا موافقة يا صفوان.
لمعت عيناه بالفرحة، وسألها مازحًا:
– موافقة على إيه؟ عايز أسمعها تاني عشان أتأكد إن وداني شغالة.
ضحكت وهي تضربه بخفة.
– موافقة إنك تتقدم لي رسمي يا سيدي، بس عندي شرط.
– قولي يا ستي، أوامرك.
– إننا منخليش مشاكل بابا تتحكم في حياتنا، وفي نفس الوقت منسمحش لأي حاجة تحصل بينا تخلينا نتنازل عن حق ماما.
أومأ صفوان بجدية.
– اتفقنا. وأنا أوعدك إننا هنمشي خطوة خطوة، من غير استعجال، ومن غير ما نفضل معلقين حياتنا. بكرة هتكلم مع بابا، عشان اخد خطوه رسمى
ابتسمت مهرة، ثم نظرت من النافذة إلى النيل، وقد شعرت بأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدرها. لم تنتهِ مشكلاتها، ولم تختفِ مخاوفها، لكنها للمرة الأولى سمحت لنفسها بأن تصدق أن هناك مستقبلًا ينتظرها، لا تحكمه فقط تصرفات أبيها أو الصراعات التي تخوضها.
أما صفوان، فظل ينظر إليها بابتسامة هادئة، وهو يشعر أنه أخيرًا انتقل من مرحلة الاحتفاظ بمشاعره لنفسه إلى مرحلة بناء حياة حقيقية مع المرأة التي أحبها منذ سنوات، حتى قبل أن يعرف معنى الحب.
وبعد قليل، شغّل السيارة والتفت إليها قائلًا:
– يلا يا مهرة، نرجع الفيلا قبل ما مامتك تسأل علينا.
ابتسمت وهي تستعد للجلوس براحة.
– يلا، بس أوعى تفتكر إني نسيت موضوع التخن ده. لينا حساب بعدين.
ضحك صفوان وهو ينطلق بالسيارة.
ـ طيب ماتخلينى احقق حلمى تانى وتعالى اشيلك الف بيكى دلوقتي
ـ انت قل.يل ال.ادب
– يا ستي انا موافق و مستعد لأي حساب، المهم إنك فضلتي معايا.
ضحكت مهرة، ولم تجبه، لكنها وضعت يدها في يده للحظات، في إشارة صغيرة كانت كافية ليعرف أنها اختارته كما اختارها، وأن ما بدأ باعتراف بسيط داخل سيارة هادئة، قد يصبح قريبًا بداية حياة جديدة لهما معًا.
عاد زيدان إلى الفيلا قبل موعده المعتاد بساعتين، بعدما انتهى اجتماع الشركة بصورة أسرع مما توقع. دخل بهدوء، ووضع مفاتيحه فوق الطاولة الصغيرة في مدخل الفيلا، ثم خلع سترته وهو يصعد الدرج متجهًا إلى غرفته، فقد كان ينوي الاستحمام والراحة قليلًا قبل أن يخرج مجددًا.
لكنه عندما اقترب من غرفته، سمع صوت شاهنده يأتي من داخل غرفتها المقابلة، فعرف أنها تتحدث في الهاتف. لم يكن ينوي التنصت عليها، وكاد يتابع طريقه، لولا أن اسم والدها جاء واضحًا في حديثها، فأبطأ خطواته دون قصد.
– أنا بقولك يا بابا، حاولت كتير أعرف هو راح لصفوان ليه، بس زيدان ما قاليش أي حاجة. رجع من عنده متضايق، ولما سألته أتهرب من الإجابة، وأنا مش عارفة إيه اللي حصل بينهم بالظبط.
توقف زيدان في مكانه، وعقد حاجبيه باستغراب. كان يعرف أن عتمان ذهب إلى صفوان، لكنه لم يكن يعرف أن شاهنده تحاول معرفة تفاصيل الزيارة، ولا أنهما يتحدثان عنهما معًا.
تابعت شاهنده حديثها، وقد بدا الضيق واضحًا في نبرتها:
– أيوه يا بابا، فاهمة إن الموضوع مش بسيط، بس إحنا مينفعش نستنى لحد ما صفوان يتحرك ويخلص كل حاجة. لازم نتصرف قبله.
صمتت تستمع إلى رد والدها، ثم قالت بحسم:
– ما أنا عارفة إن زيدان مش بيحب يدخل نفسه في المشاكل، وعشان كده لازم أنا اللي أقنعه. لو قدرنا نخليه في صفنا، هنقدر نضغط على صفوان ونوقعه، إنما طول ما زيدان بعيد عننا، صفوان هيبقى عنده فرصة يتحرك من غير ما حد يقف قصاده.
شعر زيدان بصدمة جعلته يثبت في مكانه. لم تكن شاهنده تحاول فقط معرفة ما حدث بينه وبين صفوان، بل كانت تخطط لاستغلاله في مواجهة ابن عمه، من دون أن تصارحه حتى بما يدور خلف ظهره.
عادت شاهنده تتحدث بعد أن استمعت إلى والدها:
– بس إنت كمان لازم تساعدني يا بابا. إنت رحت لصفوان ورجعت متعصب، ولما سألتك ما رضيتش تقولي حاجة، ودلوقتي عايزني أقنع زيدان يقف معانا وأنا أصلًا مش فاهمة إنتوا وصلتوا لإيه.
توقفت قليلًا، ثم أضافت بصوت منخفض:
– على العموم، سيب الموضوع ليا. هحاول أتكلم معاه تاني، وأفهمه إن صفوان مش هيسيب حد في حاله، وإن مصلحته إنه يقف جنبنا من دلوقتي، قبل ما يلاقي نفسه في مواجهة معاه هو كمان.
لم يعد زيدان قادرًا على البقاء في الممر. تراجع بهدوء، ثم اتجه إلى غرفته وأغلق الباب خلفه، محاولًا استيعاب ما سمعه. كان غاضبًا من عتمان، لكن ما آلمه حقًا أن شاهنده، التي تشاركه حياته، كانت تتحدث عنه باعتباره وسيلة يمكن استخدامها لتحقيق هدف أبيها.
بعد دقائق، خرج من غرفته بعدما بدّل ملابسه، واتجه إلى الأسفل. كانت شاهنده قد أنهت مكالمتها وخرجت من غرفتها، وحين رأته في الصالة، توقفت فجأة.
– إنت رجعت بدري النهارده!
نظر إليها زيدان للحظة، ثم أجاب بنبرة عادية:
– الاجتماع خلص بدري، فقلت أرجع أرتاح شوية.
ابتسمت وهي تقترب منه.
– طب ما قلتليش ليه؟ كنت عملتلك حاجة تاكلها.
– مش جعان، شكرًا.
جلست إلى جواره، ثم حاولت فتح حديث معه عن يومه في الشركة، لكنه كان يجيب باقتضاب، منشغلًا بمراقبة تصرفاتها. لم تكن تعرف أنه سمع مكالمتها، وكانت تتعامل معه بطبيعتها، وكأنها لم تكن منذ دقائق قليلة تخطط لإقحامه في صراع لا يعرف عنه شيئًا.
وبعد لحظات، سألته وكأن الأمر خطر ببالها مصادفة:
– على فكرة، إنت لسه على خلاف مع صفوان؟
رفع زيدان عينيه إليها ببطء.
– ليه السؤال ده؟
ارتبكت للحظة، لكنها أجابت سريعًا:
– عادي، بسأل. أصل واضح إن في حاجة بينكم، وأنا مش بحب أشوفك متضايق.
ظل ينظر إليها، ثم قال بهدوء:
– لأ عادى لما اجى بليل هبقى احكيلك كل حاجه
لمعت الحيرة في عينيها، فابتسم ابتسامة خفيفة ونهض من مكانه.
تركها وصعد إلى غرفته، بينما ظلت شاهنده تتابعه بعينين قلقتين، غير قادرة على تحديد سبب تغيره المفاجئ.
أما زيدان، فما إن دخل غرفته حتى أخرج هاتفه، وفتح محادثة صفوان. كان يريد الاتصال به، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة.
لم يكن مستعدًا لاتخاذ قرار متسرع، لكنه أصبح متأكدًا من شيء واحد: لن يسمح لعتمان بأن يستخدمه ضد صفوان، ولن يسمح لشاهنده بأن تقرر بالنيابة عنه أي جانب يجب أن يقف فيه.

بعدما أنهى زيدان حديثه مع شاهنده، صعد إلى غرفته بحجة أنه يحتاج إلى بعض الراحة، لكنه لم يستطع الاستقرار في مكانه. ظل يفكر في المكالمة التي سمعها بالمصادفة، وفي إصرار زوجته على إقحامه في خلافات أبيها مع صفوان، حتى شعر أنه لن يستطيع الانتظار أكثر من ذلك.

وبعد أقل من ساعة، ارتدى ملابسه مجددًا، وأخذ مفاتيح سيارته وغادر منزله، بعدما أخبر شاهنده أنه سيخرج لإنهاء بعض الأمور المتعلقة بالشركة.
لم يتجه إلى الشركة، بل قاد سيارته إلى منزل والده ، الذي فوجئ برؤيته يعود إليه في اليوم نفسه، بعدما كان قد رآه قبل ساعات قليلة.
استقبله ابوه في غرفة المكتب، ثم نظر إليه باستغراب وقال:
– خير يا زيدان؟ إنت لسه ما كنت عندي من شوية؟ إيه اللي رجعك تاني؟
جلس زيدان أمامه، وبدا عليه التوتر، ثم قال:
– أنا لازم أتكلم معاك يا بابا، والموضوع المرة دي مش هينفع أأجله.
ترك والده ما بيده، واعتدل في جلسته.
– اتكلم يا ابني، في إيه؟
أخذ زيدان نفسًا عميقًا، ثم حكى له ما حدث منذ عودته المبكرة إلى الفيلا، وكيف سمع شاهنده تتحدث مع عتمان في الهاتف بالمصادفة، وتخبره بأنها حاولت كثيرًا معرفة سبب ذهابه إلى صفوان، لكنه لم يخبرها بشيء، ثم سمعها تؤكد أن عليه أن يكون في صفهما حتى يتمكنا من إسقاط صفوان.

ظل والده يستمع إليه دون مقاطعة، حتى انتهى زيدان من كلامه، ثم هز رأسه بأسى وقال:
\- أنا من الأول قولتلك إن في حاجة غلط، وإن عتمان عمره ما كان سالك. إنت كنت شايفه عمك، وكنت فاكر إن مهما حصل، صلة الدم هتخليه يحافظ عليك وعلى مصلحتك، لكن أنا كنت عارف إن عتمان لما بيكون عايز حاجة، مش بيفكر في مين هيدفع التمن.
قال زيدان بضيق:
– طب ما كنت تقولي يا بابا؟ ما كنت تفهمني إنك شايف إيه؟ أنا حاسس إني دخلت في حكاية أكبر مني، ومش عارف إذا كانت شاهنده اتجوزتني عشان أنا، ولا عشان تستفيد مني في حرب أبوها مع صفوان.
تنهد جاسر، ثم قال بهدوء:
– لما قولتلى إنك مش عايزك تتجوز مهرة، ما جادلتش معاك ولا غصبتك على حاجة، مع إني كنت قادر أضغط عليك وأحاول أغير قرارك. بس من جوايا كنت مرتاح إنك هتبعد عن عتمان، وإنك مش هتفضل مربوط بيه وبمشاكله طول عمرك. ما كنتش عايزك تدخل في صراعاته، ولا تلاقي نفسك يومًا مضطر تختار بينه وبين أقرب الناس ليك
سكت لحظة، ثم استكمل:
– لكن لما اتجوزت شاهنده، اللي اكتشفنا إن عتمان عنده بنت وولد مخبيهم عن الناس من عشرين سنة، كنت معترض برضه. الموضوع كله كان غريب، وعتمان نفسه ما كانش واضح مع حد. و رغم كده انت صممت، وكنت مقتنع إنك تقدر تفصل بين جوازك منها وبين علاقتك بأبوها.
خفض زيدان عينيه، فقال والده :
– سيبتك تاخد التجربة للآخر وتشوف بنفسك، عشان لو كنت منعتك، كنت هتفضل مقتنع إني ظلمتك، وإنك لو اتجوزت شاهنده كنت هتعيش سعيد. كنت عايزك تختار بنفسك وتتحمل نتيجة اختيارك، مش عشان أتفرج عليك وإنت بتتأذى، لكن عشان كنت عارف إنك مش هتقتنع بكلامي مهما حاولت أقنعك.
ثم أضاف بنبرة أبوية حازمة:
– وعشان كده رفضت تسكن معايا في البيت. مش لأني مش عايزك جنبي، ولا لأنك بقيت متجوز ومش محتاج أبوك، لكن لأنك كنت محتاج تعيش تجربتك كاملة من غير ما تفضل مستند عليَّ في كل حاجة. كنت عايزك تعرف بنفسك إذا كانت مخاوفي في محلها، وإذا كنت فعلًا تقدر تبني حياة مستقرة بعيدًا عن تدخلات عتمان.
رفع زيدان عينيه إلى والده وقال:
– وطلعت عندك حق يا بابا، بس أنا مش عارف أتصرف إزاي دلوقتي.
أجابه والده:
– أول حاجة، ما تستعجلش وتحكم على شاهنده من مكالمة واحدة، لكن في نفس الوقت ما تتجاهلش اللي سمعته.
– أما صفوان، فإنت مش مطلوب منك تقف معاه ضد عتمان، ولا تقف مع عتمان ضده. لكن لازم تعرف إن صفوان مش بيحاول يظلم عمك، ولا يسحب منه حاجة مش من حقه. عتمان هو اللي وصل الأمور للمرحلة دي، لأنه مش متعود حد يعترض على قراراته أو يقف قصاده.
تنهد زيدان وقال:
– أنا مش هسمح لحد يستخدمني في حربه، سواء كان عتمان أو غيره. بس أنا مش عايز أخسر جوازي، ولا عايز أظلم شاهنده لو كانت فعلًا بتحاول تساعد أبوها من غير ما تقصد تأذيني.
ابتسم جاسر ابتسامة خفيفة، ثم قال:
– وده اللي أنا عايزه منك. ما تظلمهاش، لكن ما تظلمش نفسك كمان. الجواز مش معناه إنك تتنازل عن عقلك وقرارك، ولا إنك توافق على كل حاجة لمجرد إنك بتحب مراتك.
نهض زيدان من مكانه، ثم اقترب من والده وصافحه، قبل أن يقول:
– ادعيلي يا بابا، لأني حاسس إن اللي جاي مش سهل.
ربت والده على كتفه وقال:
– ربنا يهدي لك الأمور يا ابني، بس افتكر دايمًا إنك مش مضطر تدفع تمن أخطاء غيرك.
غادر زيدان منزل والده وعاد إلى سيارته، لكنه لم يتحرك فورًا. ظل جالسًا خلف المقود، يفكر في الكلمات التي سمعها، وفي المواجهة التي تنتظره مع شاهنده.
كان يعلم أنه لا يستطيع الاستمرار في حياته الزوجية وكأن شيئًا لم يحدث، لكنه في الوقت نفسه لم يكن مستعدًا لاتخاذ قرار يهدم زواجه قبل أن يعرف الحقيقة كاملة.
لذلك قرر أن يمنح شاهنده فرصة لتصارحه بنفسها، لكنها ستكون فرصتها الأخيرة لإثبات أنها اختارته زوجًا، لا وسيلة لتحقيق أهداف أبيها.


تعليقات