رواية ديون النبض الفصل السابع والعشرون
بمجرد ما رجعنا البيت، دخلت أوضتي وقفلت الباب على نفسي، وانفجرت في البكاء.
كنت حاسة إني واقفة بين نارين؛ نار إني كتبت بإيدي وعد لدكتورة جيهان إني أبعد عن مجد، ونار إني بتعذب ومش عارفة إذا كنت هقدر أتحمل البُعد ده أصلًا ولا لأ.
لكن ما كانش قدامي حل تاني غير إني أحاول أبعد عنه بالتدريج.
كنت لسه في فترة امتحانات، والدنيا بالنسبة لي كانت صعبة. مش عارفة أركز في امتحاناتي، ولا أفكر إزاي هقدر أبعد عن مجد.
قطع تفكيري صوت تليفوني، لقيت رقم غريب مش متسجل عندي. ما اهتمتش في الأول، لكن لما رن تاني، رديت.
**وعد:** أيوه، مين معايا؟
**د. جيهان:** أنا دكتورة جيهان يا وعد.
بلعت ريقي، وحاولت أتماسك.
**وعد:** حضرتك عايزة إيه تاني؟
**د. جيهان:** أنا شفتك وإنتِ خارجة معاه. وعد، أنا بأكد عليكي...
سكتت، ونزلت دموعي من غير ما أحس.
**وعد:** أنا مش عارفة أبعد عنه مرة واحدة. حتى لو عملت كده، مش هيكون طبيعي، وهيشك في بعدي. لكن أنا بحاول أكون طبيعية معاه اليومين دول، وحضرتك فاهمة وعارفة إن عندي امتحانات.
سكتُّ لحظة، وبعدها كملت بصوت كله وجع، وكأن في نار بتحرق قلبي.
**وعد:** تعرفي إن إحنا كنا خلاص هنتجوز خلال أيام؟ كنت قربت أخلص امتحاناتي، ونكتب كتابنا.
لما سمعت كلامي، سكتت وما ردتش. لكن بعد لحظات، اتكلمت تاني.
**د. جيهان:** معنى كده إني كلمتك في الوقت المناسب يا وعد.
حسيت بكلامها كأنه خنجر بيطعن قلبي بكل قوته. هزيت راسي، رغم إنها مش شايفاني، ورديت عليها:
**وعد:** آه، كلمتيني في الوقت المناسب.
سكتت شوية، وبعدها قالت بصوت مرتجف:
**د. جيهان:** وعد، صدقيني، أنا ضحيت التضحية دي عشان مجد من زمان، علشان يبقى كده، علشان يبقى دكتور مجد. مفيش أم ما بتحبش ابنها، بالعكس، كل أم بتتمنى إن ابنها يبقى أحسن منها في كل حاجة.
كنت بسمعها ودموعي بتنزل، وهي كملت كلامها:
**د. جيهان:** عايزة أقولك على حاجة كمان. أوقات كتير، الصعوبات اللي بنواجهها في حياتنا هي اللي بتقوينا. النار اللي بنعيش فيها وبتحرقنا، بتخلينا أشد وأصلب. وأنا لو ما كنتش اتغيرت، ما كنتش هبقى دكتورة جيهان اللي إنتِ عارفاها. ولولا اللي عملته، ما كانش هيبقى في دكتور مجد، ولا كان هيبقى في كل اللي مجد وصل له.
**د. جيهان:** أنا مش بقولك إن الماديات هي كل حاجة، لكن أكيد إنتِ واخدة بالك وفاهمة إحنا بقينا فين دلوقتي. كل إنسان بيتحدد تقديره عند الناس بمكانته وباللي موجود معاه.
كنت بسمعها، وحسيت إن دموعي بقت أنهار مش قادرة أوقفها.
**وعد:** حاضر يا دكتورة جيهان. زي ما قلت لحضرتك، أنا في الأول هتحجج له إني مش قادرة أخد قرار في حاجة زي دي، وهأجل الموضوع للإجازة الكبيرة. وقتها هكون بعدت عنه، وبعدت خالص كمان. أوعدك.
قفلت معاها، وفضلت ماسكة التليفون في إيدي، وأنا حاسة بيأس عمري ما حسيت بيه قبل كده.
لأول مرة أحس بالفقد، ولأول مرة أحس إني لوحدي، ومش قادرة أقاوم، ولا أبتسم، ولا حتى أقدر أعيش بطبيعتي.
أنا وعد، اللي كنت شايفة الحياة زي البستان، أتنقل من وردة لوردة، ومن زهرة لزهرة، وأحاول أسعد كل اللي حواليا وأنا مبسوطة بسعادتهم.
لأول مرة في حياتي، أكون بكتب تعاستي بإيدي، وأنا عارفة إني باختار أبعد عن الإنسان اللي قلبي اختاره وحبه، علشان يرجع يكمل حياته زي ما كان لازم يكون.
مسحت دموعي، وقلت لنفسي:
**وعد:** لكن يا مجد، إنت أقوى. زي ما عرفتك، وإنت دكتور مجد، هسيبك وإنت دكتور مجد. ومش بس كده، أنا هسمع عنك دايمًا كل خير.
**وعد:** سامحني يا مجد. سامحني إني هجرحك في يوم من الأيام، وسامحني إني هأذيك في مشاعرك. أنا عمري ما رفضتك، ولا رفضت حبك، بس غصب عني. يا ريتك كنت قلتلي، ما كانش وصل بينا الحال للي إحنا فيه ده. ليه خبيت عليا؟
وما قدرتش أكمل كلامي، وانفجرت في البكاء مرة تانية.
في اللحظة دي، سمعت خبط على الباب وصوت ماما.
**ماما:** يا وعد، يا وعد! يلا يا حبيبتي.
قمت بسرعة، ووقفت وظهري للباب، ولما فتحت، لقيت ماما بتبص لي.
**ماما:** إنتِ لسه بتغيري يا وعد؟
**وعد:** أيوه يا ماما، أصلًا كنت بفكر في حاجة.
قربت مني، وبصت لي باهتمام.
**ماما:** مال صوتك يا وعد؟
**وعد:** أبدًا يا ماما، مفيش حاجة.
**ماما:** يعني أنا مش عارفاكي يا وعد؟ ردي عليا.
**وعد:** أبدًا، أنا بس مشغولة بمشكلة واحدة صاحبتي، وبفكر لها في حل. هي مش عارفة تاخد قرار.
بصت لي باستغراب.
**ماما:** واحدة صاحبتك؟ مين دي؟
**وعد:** يا ماما، مش لازم تعرفي.
سكتت شوية، وبعدها قالت:
**ماما:** طيب، ممكن نفكر دلوقتي في غدانا؟
بصت لي وضحكت، فقالت بابتسامة:
**ماما:** وبعدين، مجد مشتاق لقعدتنا مع بعض قوي من النهارده.
بصيت لها وسكت، وحسيت إن اللي مجد بيطلبه صعب قوي عليا.
إزاي هقدر أقعد معاه وأنا عارفة إني هبعد عنه؟ إزاي هتصرف بطبيعتي، وأنا من جوايا عارفة إني مع الوقت هنسحب من حياته واحدة واحدة؟
لكن ما كانش قدامي حل غير إني أحاول أكون طبيعية، وأبعد عنه بالتدريج.
خرجت ماما، وبدأت هي ورغد يحضروا الغدا، فضلت أنا في أوضتي فترة طويلة.
لحد ما حازم رجع من شغله، ولما ملقانيش واقفة معاهم في المطبخ، دخل أوضتي يغلس عليا كعادته.
كنت قاعدة على مكتبي وبراجع شوية، فقرب مني وبص للكتاب اللي قدامي.
**حازم:** يا دكتورة وعد، إنتِ ناسية إن النهارده إجازة؟
وخد مني القلم والكتاب.
**وعد:** حازم، ما تبقاش رخم بقى! أنا مش مركزة معاك.
قعد على طرف المكتب، وقال بمكر:
**حازم:** مفيش مذاكرة النهارده، وبعدين خلي مجد يغششِك.
بصيت له باعتراض.
**وعد:** وإنت عارف إن مجد بالأخلاق دي، وأنا كمان هقبل ده؟
ضحك، وقال:
**حازم:** وعد، إنتِ مش محتاجة مذاكرة أصلًا. إنتِ ما شاء الله، لما حاجة تيجي في دماغك بتعرفي تعمليها.
**وعد:** وده ما يمنعش إني أراجع شوية.
**حازم:** لسه قدامك يومين بعد الإجازة، ابقي راجعي وذاكري اللي إنتِ عايزاه. يلا بعد إذنك، مش إنتِ اللي عودتينا على كده؟
الإجازة إجازة، والجد جد، ونعيش حياتنا بكل تفاصيلها وكل لحظة فيها. مش هسيبك تذاكري!
وفجأة، قرب مني وشالني.
بصيت له وابتسمت، وقلت له:
**وعد:** تعرف يا حازم، بالرغم من رخامتك دي، بس أنا ما أقدرش أتصور حياتي من غيرك.
بص لي وابتسم، وقال:
**حازم:** ما تقدريش تتصوري حياتك من غيري أنا بس؟ طب ومجد؟
سكت.
حسيت إنه ضغط على جرح جوايا، جرح كنت بحاول أخبيه عن كل اللي حواليا.
معقوله فعلاً حياتي من غير مجد ازاي اتصورها...
لكنه ما ادانيش فرصة أفكر، وشالني وخرج بيا بره.
كان مجد وياسين موجودين، وأول ما شافونا، ضحكوا.
**ياسين:** وبعدين يا حازم؟ هتفضل تشيلها كده لحد إمتى؟
**حازم:** لحد ما أسلم الراية لمجد.
بص مجد له وضحك.
**مجد:** ما تسلمها لي من دلوقتي؟
بصيت لحازم ومجد، وقلت لهم بغيظ:
**وعد:** بعينكم إنتوا الاتنين! وبعدين معاكم؟ ما تحترم نفسك إنت وهو!
ضحك ياسين، وقال:
**ياسين:** هتخربشكم!أنا عارفها...
بصيت له وقلت:
**وعد:** يا ياسين، هو مش إنت الكبير بتاعنا؟ خليهم يسكتوا، عشان أنا مش فايقة لهم.
في اللحظة دي، سمعنا صوت ماما من المطبخ.
**ماما:** وعد، لما نتغدى، ابقي قوليلي إيه مشكلة صاحبتك دي. يمكن نعرف كلنا نحلها.
لقيت مجد بيبص لي وساكت، وكأنه في حاجة جواه عايز يعرفها.
بصيت لحازم وقلت بسرعة:
**وعد:** نزلني بقى يا حازم، نزلني!
نزلني، وبعدها رجعنا كلنا لجونا المعتاد.
جهزنا الغدا، وقعدنا كلنا مع بعض، وكل واحد بيشارك التاني الكلام والضحك، زي ما اتعودنا.
لكن الحاجة اللي كنت ملاحظاها إن مجد كان متحمس جدًا لقعدتنا مع بعض. كان عايز نقعد أطول وقت ممكن، وكأنه مش عايز يضيع لحظة واحدة من فرحتنا وسعادتنا مع بعض.
ومعاه، لدرجة إني نسيت دكتورة جيهان، ونسيت كل حاجة حصلت بينا.
فضلنا قاعدين طول اليوم، نضحك ونهزر ونتكلم، لحد ما رغد بصت لي وسألتني:
**رغد:** إيه المشكلة اللي كانت ماما بتتكلم عليها؟
حسيت إنها فكرتني بكل اللي كنت بحاول أنساه.
سكتُّ شوية، وبعدها قلت:
**وعد:** مش هينفع أقول.
كلهم اعترضوا، وبدأوا يشجعوني إني أتكلم.
**حازم:** إنتِ هتقولي المشكلة نفسها، مش هتقولي هي خاصة بمين.
**ياسين:** ويمكن كلنا نعرف نلاقي لها حل.
فضلت ساكتة، وبحاول أدور على كلام مناسب. ما كنتش قادرة أقول لهم الحقيقة، ولا أحكي اللي حصل معايا فعلًا.
كنت محتاجة أختلق مشكلة، علشان يقدروا يناقشوها من غير ما يعرفوا إنها مشكلتي أنا.
وفضلت أفكر، لحد ما جت في بالي فكرة.
رفعت عيني ليهم، وبدأت أحكي:
**وعد:** في واحدة صاحبتي، اتقدم لها شخص كويس، ومستواه المادي والاجتماعي أحسن، وهيقدر يعيشها عيشة كويسة، وكمان هيساعدها إنها تخلص دراستها.
لكن في نفس الوقت، هي بتحب شخص تاني، حالته المادية على قدّه. وأهلها بيضغطوا عليها علشان توافق على الشخص اللي مستواه أحسن، وهي بقت بين نارين؛ نار قلبها اللي متعلق بالإنسان اللي بتحبه، ونار أهلها اللي شايفين إن الشخص التاني هو الأنسب ليها.
سكتُّ، وبصيت لهم وأنا مستنية ردهم.
كنت بحاول أسمع رأيهم في مشكلة حكيتها على إنها تخص صاحبتي، بينما الحقيقة إنها كانت أقرب وجع لقلبي.
ديون النبض 🫀
بقلم الكاتبة مروة صياح 🎯✍️
بمجرد ما سكتُّ وخلصت كلامي عن المشكلة، ما أخدتش بالي إني من غير ما أقصد، كنت بضغط على جرح قديم عند ياسين ومجد. كأني بحكي نفس القصة اللي عاشها ياسين زمان، لكن المرة دي من زاوية مختلفة.
ما كنتش أعرف إن كلامي هيفتح أبواب لوجع قديم لسه أثره موجود لحد دلوقتي.
في اللحظة دي، مجد بص لي وسألني:
مجد: وإنتِ تفتكري صاحبتك دي هتعمل إيه؟
بصيت له وقلت:
وعد: لو صاحبتي كانت عارفة هتعمل إيه، ما كانتش كلمتني في الموضوع من الأساس.
فضل باصص لي، وبعدها سألني:
مجد: هي فعلًا بتحبه؟ حبها ليه حقيقي بجد؟ ولا ممكن مع الوقت تندم لو كملت معاه؟
بصيت له، وحاولت أرد من غير ما أكشف نفسي.
وعد: مش عارفة يا مجد، هي اللي بتحبه. بس إنت تفتكر إنها ما بتحبوش؟
مجد: اسمعيني يا وعد، هقولك على حاجة. هي لو حبها ليه صادق، ما كانتش فاتحتك في الموضوع أصلًا.
بصيت له بذهول، وما فهمتش إزاي قدر يحكم عليها بالشكل ده.
وعد: إنت ليه بتقول كده؟ وليه بتحكم عليها من غير ما تعرفها؟
مجد: لأنها لو فعلًا بتحبه، مش هتفكر إنها تخير نفسها ما بينه وما بين شخص تاني.
مش هتفكر ترضي أهلها علشان خاطر الماديات، وتعيش طول عمرها تعذب قلبها وتعذب الإنسان اللي حبته معاها.
حسيت إن كلامه بيوصل لمكان جوايا كنت بحاول أحميه من الوجع، فسألته:
وعد: وإنت شايف إن رضا الأهل مش مهم؟
سكت لحظة، وبعدها رد بهدوء:
مجد: أنا عندي قناعة إن الفقر والغنى دول بإيدينا إحنا، مش هما اللي بيعملونا، إحنا اللي بنعملهم. الفلوس وكل اللي حواليها، وكل حاجة في حياتنا، إحنا اللي بنصنعها يا وعد، مش هي اللي بتصنعنا.
وبص لي بجدية، وكمل:
مجد: صدقيني، أهم حاجة اللي في القلب.
فضلت باصة له، وحسيت إنه مش بيتكلم عن صاحبتي المزعومة وبس، لكنه بيضغط على جرحي أنا كمان. كأنه بيقول لي إنه عارف هو عايز إيه، وإنه مستعد يضحي بكل حاجة علشان الإنسانة اللي بيحبها.
ما قدرتش أستحمل أكتر من كده.
قمت من مكاني، وخرجت أقف في البلكونة شوية، يمكن أقدر أتنفس بعيد عن عيونهم وكلامهم، لكني كنت متضايقة جدًا وحاسة إني مخنوقة.
بعد شوية، ياسين دخل البلكونة.
بصيت له وسكت، لكنه لاحظ ضيقي، فقرب مني وسألني:
ياسين: وعد، إنتِ مالك؟ متضايقة قوي كده ليه؟ كأن المشكلة مشكلتك إنتِ.
بصيت له، وحسيت إني محتاجة أسمع منه إجابة يمكن تساعدني أفهم نفسي، فسألته:
وعد: ياسين، فاكر لما قلت لي إنك اضطريت تطلق مراتك علشان اتجبرت على كده؟
بص لي وسكت، وكأنه رجع بذاكرته سنين طويلة لورا.
فضل ساكت لحظات، وبعدها اتكلم بصوت هادي، لكن كلامه كان فيه وجع واضح.
ياسين: أنا مش عارف اللي عملته ده كان صح ولا غلط، بس كل اللي أقدر أقولهولك دلوقتي إن بسبب اللي أنا عملته، وبسبب اللي ماما مجد عملته، مجد لحد دلوقتي بيعاني.
بص لي، ولاحظت دمعة نزلت من عينه، وهو بيكمل:
ياسين: مجد لحد دلوقتي مش عايش، هو بالعافية بيعيش. ما بدأش يعيش بجد غير لما إنتِ قربتي منه، ولما هو كمان قرب منك، عرف يعني إيه حب واحتواء وأسرة.
سكت شوية، وبعدها قال:
ياسين: حتى لما كان بييجي يقعد معانا شوية، كنت بحس بالفقد. صدقيني يا وعد، الدنيا كلها ما تعوضش لحظة حب جاية من قلب صادق.
حسيت بكلامه بيوصل لقلبي، فسألته:
وعد: ولو صاحبتي اتجبرت من أهلها إنها تتجوز الإنسان اللي مستواه المادي أعلى؟
بص لي وقال:
ياسين: عايز أقولك على حاجة يا وعد. في قلوب بتضعف مع الفراق، وفي قلوب بتقوى، وفي قلوب بتستحمل، وفي قلوب بتبني نفسها من جديد، وبتقوم من الوجع اللي عاشته.
فضلت باصة له، وسألته:
وعد: وإنت كنت من أنهي قلب؟
ياسين: أنا كنت ضعيف فترة طويلة، لكن بعد كده قمت. بس قمت متأخر.
سكت لحظة، وبعدها سألته:
وعد: ومجد؟
بص لي، وابتسم ابتسامة بسيطة، وقال:
ياسين: مجد... مجد من يومه قوي. كان في وسط النار، ومع ذلك كان عايش فيها وبيحاربها. من صغره وهو مجتهد وذكي، وكان دايمًا من الأوائل، وسابق سنه. كأن ربنا بيعوضه عن فقدانه أمه وأبوه وهو صغير. وعشان كده بقى دكتور مجد يا وعد.
سكتُّ، وما لقيتش كلام أقوله.
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن مجد كان واقف عند باب البلكونة، وسمع كل كلمة اتقالت بيني وبين ياسين.
كان موطي راسه، وكأن كلامنا رجعه لكل الوجع اللي عاشه من سنين، لكل اللحظات اللي اضطر فيها يواجه الدنيا لوحده، ولكل حاجة كان بيحاول يتجاوزها من غير ما يتكلم عنها.
لفيت راسي فجأة، ولقيته واقف.
بصيت لياسين وسكتُّ، وفي اللحظة دي هو كمان أخد باله من وجود مجد.
ياسين: مجد، تعالى يا حبيبي.
مجد قرب مننا، وكان واضح إنه موجوع، لكن ياسين ما سابوش يفضل واقف لوحده. فتح له دراعاته وضمه لحضنه.
وفي اللحظة دي، مجد بص لي من وسط حضن أبوه، بنظرة حسستني إن كل الوجع اللي عاشه، وكل الأوجاع اللي كانت جواه، بقت أخف من ساعة ما دخلت حياته.
أما أنا، فكنت بتعذب من جوايا.
إزاي أنفذ وعدي لدكتورة جيهان وأوجع مجد مرة تانية؟
هو اتوجع من أمه، المفروض إنها تكون سنده ودعمه، وبعدها المفروض يلاقي في شريكة حياته الحضن والأمان اللي افتقدهم.
معقول أمه تكون خذلته، وأنا كمان أكون سبب في وجعه؟
معقول يتوجع من أكتر اتنين المفروض يكونوا جناحه وسنده ودعمه؟
ما قدرتش أمنع نفسي من التفكير في كل ده، لحد ما ياسين مد إيده وضَمَّني أنا كمان، وبقينا إحنا التلاتة في حضن واحد.
بص لنا، وقال:
ياسين: ربنا يحفظكم لبعض.
وبعدها سابنا ودخل.
فضلت واقفة قدام مجد، وعيوني اتقابلت مع عيونه.
في اللحظة دي، كل اللي كنت عايزاه إني أرتاح في حضنه. ما بقيتش قادرة أفكر في البُعد، ولا في الوعود اللي قطعتها، ولا في أي حاجة تانية.
أخدت قراري.
مهما حصل، مش هبعد عنه. واللي يحصل يحصل.
من غير ما أفكر، رميت نفسي في حضنه، ومسكت فيه بقوة، وهو كمان حاوطني بدراعاته، فدفنت راسي في حضنه وقلت له بصوت مليان مشاعر:
وعد: مجد، أنا بحبك قوي.
بص لي، وقال:
مجد: وعد، أنا قلبي اتفتح عشانك إنتِ.
مسك وشي بين كفوفه، وفضل باصص في عيوني.
مجد: وعد، أنا مشتاق قوي إننا نبدأ حياتنا مع بعض.
قرب مني أكتر، وأنا سكتُّ ووطيت راسي.
رفع راسي بإيده، وقال بابتسامة بسيطة:
مجد: وبعدين؟ معاكي... مش قلتلك ما توطيش راسك كده؟
المرة دي أنا اللي قربت منه.
كنت محتاجة أحس إنه بتاعي، وإننا لسه مع بعض، وإن كل اللي بينا لسه موجود. كنت عايزة أعيش نفس الإحساس اللي حسّيته قبل كده وإحنا مع بعض في شقتنا.
ما كانش الموضوع مجرد رغبة أو إحساس عابر، لكن كان نفسي أحس إن مجد ليا، وإنه اختارني أنا، وإننا بقينا واحد في مشاعرنا وحياتنا.
فضلنا واقفين مع بعض، وأنا مغمضة عيني، بتمنى الزمن يقف عند اللحظة دي. ما كنتش عايزة أحس بأي حاجة تانية، ولا أفكر في أي حاجة بره حضنه. كنت عايزة أفصل الدنيا كلها عني وعنه، وأعيش اللحظة دي وبس.
فضلنا فترة طويلة في البلكونة لوحدنا، وأنا ماسكة فيه زي الطفلة الصغيرة اللي أخيرًا لقت أمانها.
كان مجد مبسوط بالإحساس اللي إحنا عايشينه، وباللحظات اللي بنقضيها مع بعض.
ما كناش بنتكلم، لكن كل واحد فينا كان جواه كلام كتير.
هو كان كأنه بيلوم نفسه إنه ما حكاليش كل حاجة من البداية، وأنا كنت بلوم نفسي إزاي فكرت أبعد عنه، وإزاي قدرت أتخيل حياتي من غيره.
بعد شوية، حازم دخل علينا.
أول ما شافني في حضن مجد، بص لنا وسكت.
لكن بمجرد ما شفته، بعدت عن مجد ووقفت.
هز حازم راسه، وقال بنبرة جدية:
حازم: وعد، اعملي حسابك. أول ما تخلصي امتحاناتك، على طول هتتجوزي مجد. وأنا بقولك الكلام ده قدامه.
وبعدها بص لنا، وكمل بنبرة فيها ضيق:
حازم: أنا واثق فيكي إنتِ ومجد جدًا، بس مش قادر أشوفكم كده من غير أي رابط رسمي.
وطيت راسي، وقلت له:
وعد: حازم، أنا آسفة، بس...
ما قدرتش أكمل كلامي.
قرب حازم من مجد، وبص له بجدية، وقال:
حازم: مجد، أنا فاهم إصرارك وإلحاحك إنك تقرب من وعد بالطريقة دي، بس معلش، وعد دي أمانة بين إيديا، ومشاعرها أمانة عندي. زي ما هي أمانة عندك لحد ما تبقى معاك رسمي.
مجد بص لي، وبعدها رجع بص لحازم، ورد عليه بهدوء:
مجد: حاضر يا حازم، أنا آسف. أوعدك إن ده مش هيحصل تاني.
وسكتنا كلنا، لكن جوايا كان في كلام كتير، وأسئلة أكتر.
أنا كنت لسه واخدة قرار إني مش هبعد عن مجد مهما حصل، لكن هل هقدر أواجه كل اللي جاي؟ وهل قراري ده هيكون كفاية علشان أحافظ على قلبه من وجع جديد؟
