رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم سارة بركات


 رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الثامن والعشرون 


"أين ديميتري؟"

- آنسة سيلفانا، لماذا تقفين عندكِ؟

قال سايلِس تلك الكلمات بغضبٍ دفينٍ بداخله وهو يرمُقها هكذا تقف بنصف استدارة مع هذا الشاب، ابتلعت سيلفانا بصعوبة والتفتت ببطء تنظر إليه بارتباك..

- سيدي، أنا فقط كنتَ أقوم بإعداد قهوتي.

ثم أشارت نحو الكوب الورقي الموجود أسفل الماكينة.. ظل سايلِس ينظر إليها بنظراتٍ غريبة لم تراها سيلفانا قط.. بينما تدخل إيثان في الحديث، وهو يتقدم نحوه:

- سيد سايلِس!، مرحبًا.. أنا إيثان أكون ابن....

أوقفه سايلِس بهدوء دون أن ينظر إليه:

- أعلمُ من تكون.

لاحظ إيثان توتر الأجواء، ثم أردف باعتذار:

- أعتذر سيدي، ولكنني السبب في تأخير الآنسة.. لقد اصطدمت بها دون قصد وأوقعت قهوتها.....

لم يستمع سايلِس لباقي أعذار إيثان بل ظل يرمُق سيلفانا التي تنظر إليه بهدوءٍ في المقابل...

- سيدي.

التفت سايلِ بعينيه الغاضبتين نحو إيثان، كم تمنى في ذلك الوقت تمزيق وجهه وخاصة تلك الابتسامة كأنه يُعلن انتصاره أمامه أو هو من ظن هكذا!!! .. ولكنه حاول أن يُهدئ من روعه وأردف بلهجة صارمةً ورسمية:

- عُد إلى مكتبك.

- ولكن سيدي القهوة.............

رمقه سايلِس بنظره حادة جعلته يصمت وينسحب بهدوء من الغرفة ليتبقى بها سايلِس وسيلفانا منفردين، أغلق سايلِس الباب ثم تحدث بنبرة جامدة يُخفي خلفها غضبه الذي يتآكله من الداخل:

- لماذا كنتِ تقفين معه هكذا؟ هل أعجبكِ؟

حاولت البحث عن الكلمات لأنها لم تكن تستوعب الموقف الذي وقعت به للتو... بينما صرخ سايلس بغضب مما جعلها تنتفض:

- تحدثي.

أجابت بسرعة:

- لم أقصد، لقد كان فقط...

- كان ماذا؟

قال كلماته تلك وهو يقترب منها بملامح غاضبة، ارتعشت قليلاً ثم تحدثت بهدوء:

- سايلِس، لا أدري ما الأمر الذي يثيرُغضبك، ولكنه اصطدم بي عن طريق الخطأ.

سايلِس بغضب:

- لماذا كُنتما تتحدثان سويًا سيلفانا؟

زفرت سيلفانا بضيق وأردفت:

- لم أكُن أتحدث معه بل كنت سأهدده إن لمس كتفي مرة أخرى سأقتلع عينيه، هذا ماكنت سأفعله.

بهتت ملامحها عندما رأت ملامح سايلِس والتي ازدادت غضبًا، انتبهت سيلفانا على طرقاتٍ على الباب وانتبهت لخيالاتٍ أسفل الباب، ابتلعت ريقها بتوتر وأردفت:

- سايلِس من فضلك، لنعد للمكتب.. جميع الموظفين بالخارج، لا أريد أن يتأثر مظهرك العام.

أردف سايلِس بهسيس وهو ينظر في عُمق عينيها:

- اللعنة على مظهري العام، هل ترينني طفلاً صغيرًا؟

رمشت سيلفانا بسرعة بينما تابع سايلِس حديثه بغضب:

- يجب أن تكوني على عِلمٍ أنكِ مُلكي، ولا أسمح لأحد بأن يمس ماهو مُلكي، هل فهمتِ؟

صرخ بكلماته الأخيرة بغضب بينما انتفضت سيلفانا في مكانها مُجددًا، ذهب من أمامها وخرج من الغرفة ليترك الباب مفتوحًا خلفه وقبل أن يبتعد عن الموظفين أشار لإيثان بأن يتبعه، اعتدل إيثان بسرعة من مكتبه وسار بهدوءٍ خلف سايلِس وما أن خطت قدماه داخل المكتب.. تحدث سايلِس بهدوء بارد كالصقيع وهو يُوليه ظهره:

- أغلِق الباب خلفك.

أغلق إيثان الباب وما أن التفت ليواجه سايلِس وتفاجأ بلكمة قوية في وجهه ولم يستعد توازنه حيث سحبه سايلِس من ياقته وأردف بصرامة:

- إذا لمحتُكَ مرة أخرى تتحدث إلى سيلفانا.. أقسم أنني سأقتلك.. لن يهمني وقتها من يكون والدك.. سأقتلك أيها اللعين هل فهمت؟؟

صرخ بكلماته الأخيرة بغضب، بينما كانت يد إيثان مستقرة على موضع اللكمة على وجهه وينظر إلى سايلِس بذهول وألم في ذات الوقت.. صرخ سايلِس من جديد في وجهه عندما وجده صامتًا..

- أجِبني واللعنة.

هز إيثان رأسه بسرعة وتحدث:

- أجل سيدي، فهمت.. أنا أعتذر.

رفعه سايلِس للخلف بقوة وأردف:

- أخرج، لا أريد أن أراك أمامي.

أومأ إيثان بسرعة ثم خرج من المكتب وبينما كاد أن يصطدم بسيلفانا بالخارج شعر كأن شيئًا ما سيلسعه لينتفض بعيدًا عنها قبل أن يحدث هذا التصادُم مُجددًا.. رمقته سيلفانا بذهول وظلت هكذا لثوان ثم استعادت هدوءها وزفرت بعُمق وسارت وهي تحمل فنجان قهوتها صوب غرفة مكتب سايلِس.. وحينما دلفت للداخل وضعت الفنجان بهدوء فوق مكتبها، والتفتت نحو سايلِس الذي كان يجلِس على مكتبه ينظر إلى شاشة حاسوبة بغضبٍ شديد، يكتب شيئًا ما عليه ومن غضبه كان يضغط بقوة على أزراره لدرجة أن صوت طرقات أصابعه على الازرار كان مسموعًا في الغرفة.

رمشت سيلفانا وقالت بترقب:

- سايلِس؟

توقفت أصوات الضغط على الأزرار في الغرفة .. لكنه لم ينظر إليها بل ظل ينظر أمامه.. اقترب نحو مكتبه بل واستدرات نحو المكان الذي يجلِس به، قربت يدها من كتفه المتشنج وبمجرد أن لمسته، سكَن سايلِس وقال بصوتٍ هادئ:

- عودي لمكتبكِ سيلفانا، لا أريد التحدث الآن من فضلك.

ولكنها تجاهلت حديثه وتابعت:

- ماذا فعلت له؟

رفع سايلِس رأسه نحوها بغضب وقال بضيق:

- ولماذا يهُمُكِ أمره هكذا؟

ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بتوضيح:

- لم أقصد يا سايلِس ولكن........

رد سايلِس في المُقابل بضيق:

- لا يوجد لكن سيلفانا، هل أنتِ قلقة عليه حقًا؟

هزت رأسها نافيًا واردفت بتوضيح:

- أقصد أنه إذا فعلت له شيئًا من المُمكن أن يقاضيك، أنا فقط قلقة عليك.

تحدث سايلِس باستهزاء:

- لن يجرؤ؛ فاستثمارات والده معي ستكون منتهية حينها.. عودي لمكتبكِ سيلفانا، لقد أضعنا الكثير من الوقت حقًا ولستُ متفرغًا لتلك الأمور الآن.

رمقته بهدوء لثوانٍ ثم عادت لتجلس خلف مكتبها.. انتبه سايلِس للملف الذي أتت به مساعدة رومان وقام بتوقيع جميع الأوراق التي حتى ورقة الخصم الخاصة بسيلفانا، ثم ترك الملف على طرف مكتبه، لاحظت سيلفانا ذلك ونفخت بضيق.. خرج صوت سايلِس هادئًا أثناء انشغاله:

- ركزي في عملكِ سيلفانا، لا تكوني طفولية.

عقدت حاجبيها وهي ترمُقه أثناء انشغاله بضيق.. ولكن سُرعان ما انشغلت هي الأخرى في عملها.

كانت إيلينا تسير على الجانب الآخر من الطريق المؤدي إلى المشفى تفكر كثيرًا في عرض دييجو والذي قد وافقت عليه بالفعل.. هل حقًا سيكون الزوج المُناسب لها؟ هل سيكون أب أطفالها الذي سيكون داعمًا لهم؟ .. هل سيقترب منهم الخطر يومًا ما بسبب طبيعة عالمه؟ والكثير من الاسئلة التي أخذت تفكر بها.. زفرت ببطء ورفعت رأسها نحو الطريق في نية منها للمرور ولكنها تفاجأت بوجود جوداء ومعها مريضتها جلوريا والتي تكون حبيبة ستيفانو مارينتوس على الجانب الآخر من الطريق.. أوقفت جوداء سيارة أجرة ولكنها توقفت حينما سمعت صوتًا مألوفًا يُناديها:

- جود.

رفعت رأسها تبحث عن صوت الفتاة التي تُناديها لتبتهج بمجرد أن وقعت عينيها على إيلينا التي تشير لها.. اعتذرت جوداء من السائق ليتركهما.. عبرت إيلينا الطريق واقتربت من جوداء تضمها:

- يا فتاة، كيف أحواكِ؟ اشتقتُ إليكِ.

ابتسمت جوداء بلُطف:

- وأنا أيضًا إيلينا، لم تُهاتفيني منذ الأمس.. هل أنتِ بخير؟ ووالدتكِ.. هل هي بخيرٍ أيضًا؟

أومأت إيلينا بابتسامة لطيفة ثم التفتت بعينيها نحو جلوريا..

- مرحبًا جلوريا؟ كيف حالكِ؟

أومأت جلوريا بهدوء ثم تحدثت بعدم فهم لأنها لا تتذكر من المتحدث:

- بخير، شكرًا.

ابتسمت جوداء بهدوء:

- هذه إيلينا يا جلوريا، لقد كانت معنا في حفل المبيت اليوم الذي يسبق الأمس.

أكملت إيلينا بدلاً عنها:

- وأيضًا طبيبتكِ جلوريا.

عقدت جوداء حاجبيها بحيرة.. لتقول إيلينا بتوضيح وتلقائية:

- أجل لقد أتت مع ستيفانو مارينتوس من قبل للمتابعة.

وسعت عينا جوداء بذهول؛ بينما تحدثت جلوريا بعدم فهم:

- عُذرًا .. ماذا تقصدين بستيفانو مارينتوس؟ لا أعلم من هذا الشخص.. من كان معي حبيبي ستيفانو موريس.

رمقتها إيلينا بعدم فهم بينما أشارت لها جوداء بالنفي، تحدثت إيلينا بحيرة وهي ترمُق ملامح جلوريا الساكنة وملامح جوداء المؤسفة:

- أعتذر، يبدو أنني اختلطت في الأمر..

صمتت إيلينا قليلاً ثم تحدثت بتوضيح:

- فخطيبي يكون من عائلة مارينتوس، وكنت أفكر به منذ قليل .. تعلمين بالطبع جلوريا هذه الأخطاء تحدث.

ابتسمت جلوريا بلُطف:

- لا بأس آنسة إيلينا، لا داعي للإعتذار.

بينما عقدت جوداء حاجبيها بعدم فهم وتحدثت:

- مهلاً إيلينا، ولكنكِ أخبرتنا سابقًا أنكِ غير مرتبطة.

ابتسمت إيلينا بخجل واضح:

- لقد تغيرت بعض الأشياء في حياتي يا جوداء منذ أن كنتُ معكم.. لم يمر الكثير من الوقت أعلم.. ولكن الكثير حدث.. سأهاتفكِ وأخبركِ بما حدث.. اتفقنا؟

زفرت جوداء وهي تهز رأسها بهدوء.. يبدو أن آل مارينتوس مازالوا يلتصقون بها، كانت تظن أنه بابتعاد ديميتري ستنساه ولكن مُجرد ذكرُ شيء به آل مارينتوس... تعصفها الذكريات بقسوة داخل قلبها قبل عقلها، والآن هي مُحاصرة داخل عائلة مارينتوس.

كانت روزالين مُستلقية داخل غرفتها الجديدة تنظر إلى سقفها بشرود .. التقطت هاتفها الموضوع بجانبها على الكومود وأخذت تتصفحه لتدخل على التطبيق الذي يقوم أليكساندر بنشر رواياته به، تأمل أن يكون بخير؛ وإنه حينما ينشر فصلاً جديدًا من روايته تتأكد أنه على مايرام... ولكن الآن مر وقت منذ أن نشر أليكساندر أخر فصلٍ له في روايته الحالية.. ظهر القلق في ملامحها فهي لم تعتد على غيابه هكذا! .. أغلقت التطبيق وقامت بالبحث عن لوكا مارينتوس على جميع وسائل التواصل الإجتماعي حتى وجدت حسابه الخاص أخذت تراقب متى نشر ولكن لا يوجد أي شيءٍ يُفيدها حيث أن حسابه الشخصي مهجورٌ تمامًا، يضع صورته الشخصية فقط وما دون ذلك فهي مجرد منشورات تمت الإشارة إليه بها، لكن لوكا مارينتوس نفسه لا يقوم بنشر شيء.. ارتعشت يدها خوفًا من أن يكون هناك مكروهًا قد أصابه.. أخذت تفكر بسرعة كيف ستصل إليه.. حتى قررت أن تتصل بالعم ديميتري وستسأله بشكلٍ غير مباشر عن العائلة.. دونت رقم هاتفه ثم ضغطت على زر الإتصال بأمل، ولكن سُرعان ما اختفى هذا الأمل وحل محله الخوف حينما سمعت تلك الرسالة الصوتية والتي تُعلن أن الهاتف مًغلق مما جعلها تقلق أكثر، يبدو أن حدث لهم شيء سيء.. ودون إدراكٍ منها قامت بالإتصال بجوداء..

توقفت سيارة الأُجرة أمام متجرالمخبوزات لتخرج منها جوداء بحذر وساعدت جلوريا لتخرج هي الأخرى.. ظلت جوداء ترمُق المكان حول المتجر ولكنها لم تجد ما يُساعدها.. تحدثت جلوريا بحيرة وهي تنظر إلى الفراغ أمامها:

- لماذا أتينا إلى متجر المخبوزات جوداء؟

تحدثت جوداء بتفكير:

- قيل لي قبلا أنه توجد دار أيتامٍ هُنا ولكن لا أتذكر أين كان...

تساءلت جلوريا بحيرة:

- من أخبركِ بهذا؟

كادت جوداء أن تتحدث ولكن قاطعها صوت هاتفها الذي وصلها رنينه من داخل حقيبتها، التقطته لترى من المتصل ثم أجابت بسرعة حينما وجدتها روزالين.

تحدثت جوداء بابتسامة لطيفة:

- مرحبًا يا صغيرة، كيف حالكِ؟

ولكن سُرعان ما اختفت ابتسامة جوداء حينما سمعت صوت بكاء روزالين.. تساءلت جوداء بقلق:

- روالين، ماذا هُناك؟

تحدثت روزالين ببكاء:

- لا أستطيع إيجادهم، لقد اختفوا.

عقدت جوداء حاجبيها بعدم فهم لتقول:

- من هُم؟

صمتت روزالين قليلأً تفكر لأن جوداء لا تعلم هوية أليكساندر الحقيقية... استفاقت على كلمات جوداء القلقة:

- أجيبيني روزالين، عم من تبحثين حبيبتي؟

ابتلعت روزالين ريقها ببكاء وأردفت بشهقات عالية:

- العم ديميتري، لا أستطيع الوصول إليه.. لقد قلقتُ عليه كثيرًا، ولا أستطيع الوصول لباقي أفراد العائلة لكي أطمئن عليه.. لا أملك رقم هاتف العم دييجو ولا حتى العم ستيفانو.

دب الرُعب داخل قلب جوداء خوفًا أنه من الممكن أن هُناك شيء قد حدث لديميتري حقًا..

- ماذا هُناك جوداء؟

ذلك ما تحدثت به جلوريا وهي تنظر للفراغ أمامها.. قالت جوداء بتيه:

- هل حاولتي الإتصال بهاتف المنزل يا روزالين؟ هناك هاتفٌ للمنزل.. أجل.

- لا أعلمه.

كررت جلوريا حديثها بقلق:

- ماذا هناك جوداء؟

ولكن جوداء كانت في عالمٍ آخر، كأن كل قراراتها تبعثرت داخل عقلها فجأة ليظهر داخل عقلها صورة واحدة فقط .. صورة ديميتري.

- روزالين أرسلي لي رقم ديميتري سأحاول، حسنًا؟

أومأت روزالين ثم أغلقتها سويًا وأرسلت لها رقم الهاتف، أخذت جوداء تطلُب رقم هاتف ديميتري، لتأتي لها تلك الرسالة الصوتية.. شعرت أن المكان حولها يدور بها ولكن استفاقت عندما أمسكت جلوريا بيدها..

- جوداء، ماذا يحدث؟

رمقتها جوداء بشرود وهي تبكي:

- لا نعلم أين يوجد ديميتري.

عقدت جلوريا حاجبيها بعدم فهم، وكادت أن تتحدث..

- جلوريا.

سمعت صوت حبيبها ستيفانو وهو يقترب نحوها، وحينما اقترب منها كوب وجهها بين يديه تحدث بقلق:

- جلوريا، حبيبتي.. اتصلت كثيرًا على هاتفكِ ولكنكِ لم تُجيبي، هل أنتِ بخير؟

أومأت جلوريا بهدوء وتحدثت بتشتت:

- جوداء يا ستيفانو، هي ليست بخير.

التفت ستيفانو نحو جوداء ليجدها في عالمٍ آخر، تتصل بأحدهم مرارًا وتكرارًا ولكن كالعاة يرى أن الأمر بلا فائدة... تساءل ستيفانو بهدوء:

- ماذا هُناك آنسة جوداء؟ هل أستطيع أن أساعدكِ في شيءٍ ما.

حينما انتبهت لوجود ستيفانو أمامها شعرت بأن روحها قد عادت لها... وتحدثت بسرعة دون تفكير:

- ديميتري، أين ديميتري؟

زفر ستيفانو ببطء ورمق جلوريا الواقفة بجانبه ويظهر على ملامحها القلق.. تحدث ستيفانو بهدوء..

- لندخل المتجر أولاً، إن الهواء باردٌ هنا.. لنجلس ونتحدث.

دخلوا جميعًا داخل المتجر المُكتظ بالزبائن الذين ينعمون بدفء المخبوزات الساخنة وقهوتهم.. بينما كانت جوداء تفكر فقط في ديميتري، أين ذهب؟؟ هل هو بخير؟ فكرة عدم معرفتها أنه بخير تجعلها تموت قهرًا بداخل قلبها.. استقرت جلوريا بمقعدها على الطاولة بمساعدة ستيفانو وجلست جوداء بجانبها.. وبمجرد أن جلس ستيفانو أمامها، تحدثت بسرعة:

- أين هو؟

زفر ستيفانو بهدوء ثم أردف:

- إن ديميتري لديه عملٌ ما لا أدري أين أو متى سيعود.

عقدت جوداء حاجبيه في حيرة وكادت أن تتحدث أشار لها ستيفانو بالصمت وكتب شيئًا ما على هاتفه ثم أعطاها إياه لتقرأه.

"إنه خارج البلاد، لديه عملٌ هام.. سيعود قريبًا"

زفرت بارتياح وتساءلت بحيرة:

- هل تعلم أين يوجد؟

هز ستيفانو رأسه نافيًا:

- لا أعلم، أخبرتكِ بكل ما أعرفة آنسة جوداء.

أومأت بهدوء لتأتيها مكالمة روزالين من جديد:

- نعم روزالين؟

- هل حاولتِ الوصول لشيء؟

زفرت جوداء قليلاً وتحدث بصوتٍ منخفض وهي تعتدل من مكانها لتبتعد عنهما:

- إن ديميتري لديه عمل خارج البلاء، سيعود قريبًا.

تساءلت روزالين بحيرة:

- كيف علمتي؟

- لحُسن حظي تقابلتُ مع ستيفانو للتو.

زفرت روزالين بارتياح ثم تحدثت:

- أين الباقون إذًا؟ العم دييجو ولوكا؟

- من يكون لوكا هذا؟

- إنه ابن عمهم الأصغر.

همهمت جوداء ثم أردفت:

- سأعلم من ستيفانو وأخبركِ.

- شكرًا لكِ جوداء.

ثم أغلقت معها والتفتت للخلف لتجد ستيفانو يقف أمامها بملامح مُبهمة، رمقته جوداء بحيرة ولكن ستيفانو زفر ببطء ثم تحدث:

- أشكركِ على عدم التحدث أمام جلوريا بالحقيقة.

ظلت جوداء تنظر إليه لثوانٍ ثم تحدثت:

- لا تشكرني، لا يجب أن تُثنِي علي لأجل أنني شاركتُ في خداع شخصٍ آخر، لا أعلم ماذا أقول سيد ستيفانو ولكنني بريئة من هذا الذنب الصعب.. يجب عليك أن تخبرها الحقيقة.

أومأ ستيفانو بهدوء ثم تحدث:

- أنتِ محقة، سأفعل هذا في أقرب وقتٍ آنسة جوداء.

- أقرب وقت! ألا تدري يا سيد ستيفانو أن الأوان قد فات حقًا؟

عقد ستيفانو حاجبيه ولم يتحدث بكلمة ولكن جوداء تابعت:

- بالمناسبة، كنت أتساءل أين يوجد باقي أفراد آل مارينتوس الآن؟

أجاب ستيفانو:

- بمقر الشركة.

همهمت جوداء ثم أردفت بابتسامة:

- شكرًا، سأتركك أنت وجلوريا وسأعود أنا للمنزل.

التفتت للخلف وكادت أن تخرج من المتجر ولكن ستيفانو أوقفها:

- لماذا لا تُعطي فرصة لعلاقتكِ أنتِ وديميتري؟

التفتت جوداء ورمقته بتعجب.. بينما تابع ستيفانو:

- أقصد، أنه إذا كنتما تحبان بعضكما يمكنكما أن تبقيا سويًا؛ فأنا لم أرى ديميتري سعيدًا في حياته منذ أن أنهى خطبته من ريبيكا منذ عشرون عامًا.. أو أنني لم أراهُ سعيدًا قط حتى تقابلتُما.

رمقته جوداء بعدم فهم:

- هل كان لدى ديميتري إمرأة يُحبها قبلاً؟

صمت ستيفانو قليلاً ثم تحدث:

- لا أتذكر جيدًا، ولكنهما كانا أصدقاءًا منذ الطفولة.

أومأت جوداء بشرود وتحدثت:

- يبدو أنك لا تفهم الوضع الحقيقي بيني وبين ديميتري، أنا مسلمة سيد ستيفانو، ومحرم عليَّ أن يكون هناك شيءٌ بيني وبين رجل غير مسلم.

تحدث ستيفانو يُعارضها:

- ولكنكِ تُحبينه، صحيح؟

ابتلعت جوداء والتمعت عينيها بالعبرات قبل أن تسقط وأردفت بصوتٍ مختنق:

- هذا غير ذاك، لا بأس أن نحب شخصًا لأن قلوبنا لا نستطيع التحكم بها.. ولكننا نستطيع التحكم بعقولنا وأن نقوم بإغلاقها على معتقدٍ لا يمكننا تخطي حدوده.

صمتت قليلاً ثم تابعت:

- هل فهمتني، سيد ستيفانو؟

أومأ ستيفانو بهدوء، ابتسمت جوداء واستأذنته في الرحيل.. وأخذت تسير في شوارع روما شاردة في كل شيء.. تفكر كثيرًا أين ذهب؟ لا تدري هل هو بخير أم لا؟ ولكن لما تفعل ذلك بنفسها وهي من أخبرته أن يبتعد؟.. سخيفة أنتِ يا جوداء حقًا، لماذا هذا القلب البائِس يُحبه؟ ألم يجد سوى هذا ويحبه؟؟!!

كادت روزالين أن تخرج من الفيلا ولكنها وجدت أمامها مجموعة من الرجال يقومون بحراسة الفيلا وتوقف أحدهم أمامها حينما فتحت الباب الرئيسي..

- أين تذهبين آنستي؟

قالت باقتضاب:

- حيثُ أريد.

كادت أن تسير متخطية إياه ولكن توقف رجل آخر أمامها قائلاً برسمية:

- عُذرًا يا آنسة ولكن السيدة ريبيكا لم تخبرنا بأنكِ ستخرجين، دعينا نسألها أولاً ما رأيكِ؟

ثم التقط هاتفه لتمسك روزالين الهاتف منه بغضب وألقته أرضًا..

روزالين بصراخ:

- يكفي! ابتعدوا عني.. أكرهكم، ماذا تريدون مني؟؟

تحدث رجل ثالث:

- نريد سلامتكِ آنسة روزالين، لذلك يجب عليكِ أن تلتزمي المنزل.

رمقتهم جميعًا بغضب، ثم عادت للداخل وأغلقت باب الفيلا خلفها، أخذت تفكر كيف ستهرب منهم لتطمئن على لوكا.. هي فقط تريد أن تراه.. تريد أن تعلم أنه بخيرٍ فقط ليس إلا.

كان لوكا يجلس بجانب دييجو الجالس خلف مكتبه يراقبه وهو يقوم بمتابعة بعض الأعمال على حاسوبه..

- توقف توقف.

التفت دييجو له بحيرة، ليقول لوكا وهو يشير نحو الشاشة:

- أخبرني لماذا تفعل هذا الإجراء، اشرح لي من فضلك.

عقد دييجو حاجبيه وهو يرمقه بحيرة ليتابع لوكا بتوضيح:

- يا أخي أريدُ أن أساعدكم في إدارة أموالنا، هل من الممكن أن تشرح لي ماذا نفعل؟

همهم دييجو بهدوء وأخذ يشرح له الذي يقوم به.....

في المساء، وفي شركة آل إيفانوف:

كانت سيلفانا مركزة تمامًا في عملها وكذلك كان سايلِس حيث كان هُناك الكثير من الأعمال بالفعل فلم يكذب سايلِس حقًا، لم تشعر بالوقت يمر عليها حتى استفاقت على صوت هاتفها الذي صدح في المكتب وسط الصمت الغريب هذا.. رمقت الهاتف ووجدتها كارلا حتى تذكرت موعدهم، اعتدلت بسرعة وحملت حقيبتها بينما وصلها صوت سايلِس الهادئ:

- ماذا هناك؟ لماذا تُسرعين هكذا؟

التفتت سيلفانا نحوه قائلة بهدوء:

- لدي موعد مع كارلا، سنتبضع قليلاً.

عقد سايلِس حاجبيه ثم رمق ساعة يده وتحدث بحيرة:

- ولكنها ساعة أو ساعتين وستُظلم سيلفانا.

ابتسمت بهدوء:

- لا تقلق، لن نتأخر.

ظل سايلِس ينظر إليها بهدوء ثم تحدث:

- حاولي أن تبقي بعيدة قدر المستطاع عن تلك الفتاة.

رمقته بحيرة وقالت:

- لماذا؟ إن كارلا شخصٌ لطيف للغاية.

صمت للحظات ثم تحدث:

- لا أعلم، ولكنني لا أثق بها.

عقدت سيلفانا حاحبيها وأردفت قائلة:

- سايلِس لقد تحدثت هكذا عن جميع الفتيات اللواتي أسكن معهن، حتى كارلا لم ترحمها وهي تسكن بالغرفة بجواري! نتناول طعامنا سويًا، نتشارك أحزاننا وأفراحنا، حُبًا في الله عزيزي لا تُرِهِق نفسك في محاولاتك أن تُبعدني عن أصدقائي، حسنًا؟

ثم اقتربت منه وقبلته من وجنته وابتسمت قائلة:

- سأراك في الغد، حبيبي.

ابتسم سايلِس ابتسامة خفيفة والتمست ذقنة بخفة وكادت أن ترحل أمسك يدها يسحبها نحوه من جديد.

كانت كارلا تقف أمام الشركة بالأسفل تشعر بالبرد القارِس بسبب برودة الجو العجيبة تلك.. لقد بدأ الشتاء باكرًا حقًا، ظلت هكذا واقفة لدقائق حتى لمحتها تخرج من المصعد بالطابق السُفلي وتُهندم مظهرها، وحينما اقتربت منها سيلفانا زفرت بعُمق لتسأل كارلا بحيرة:

- لماذا تأخرتِ هكذا؟

تحدثت سيلفانا بتشتت وابتسامة شغوفة حاولت إخفاءها وأردفت قائلة:

- إن مديري الشرير أعطاني بعض المهام، حاولت إنجازها.

همهمت كارلا ثم انتبهت لأحمر شفاهها المُلطخ:

- سيلفانا، أحمر شفاهُك.

رمقتها سيلفانا بعدم فهم، بينما حمحمت كارلا:

- إن أحمر شفاهك مُلطخ حول فمك.

احمر وجهها وقالت بتوتر:

- أجل، لحظة فقط... دعيني أقوم بضبط مظهري مرة أخرى.

أخرجت مرآتها من حقيبتها كيف لم تنتبه لأمر مثل ذلك، قامت بضبط مظهرها بينما ابتسمت كارلا بهدوء وهي ترى عينا سيلفانا التي تلمعان بالحب..

- ألن ينهي سايلِس عمله؟

قالت سيلفانا بلامبالاة:

- لديه الكثير من العمل، سيسهر بالشركة قليلاً.

همهمت كارلا بابتسامة مرحة:

- حسنًا إذًا فلنذهب لكي لا نتأخر.

تأبطت سيلفانا ذراع كارلا وأشارت بيدها الأخرى إلى سائقها بالإنصراف لكي تتمشى هي وكارلا، وبعد مرور وقت ليس بطويل.. كانت الإثنتان تقفان في متجر هدايا ضخم، تتنقلان أعينهما بين الأرفف الممتلئة بالقطع المميزة بين الدمى الصغيرة والصناديق المزخرفة وأيضًا التحف الزجاجية.. بينما بدت الحيرة واضحة على ملامح سيلفانا التي أخذت تتأمل كل مافي هذا المتجر بعناية، وصلها صوت كارلا:

- ألم تجدي ما يناسبه حتى الآن؟

هزت سيلفانا رأسها نافية وهي تبحث عن هدية مناسبة:

- لا أدري، ما الذي يُمكن أن يُعجب شخصًا ثريًا للغاية مثل سايلِس وليس ذلك فقط إنها عتيقة ذات سعرٍ بخس.. أعتقد أن تلك الهدايا لا تُناسبه.. كانت فكرة سيئة حقًا، فلنذهب.

كادت أن تتحرك ولكن أوقفتها كارلا قائلة بهدوء:

- إذا كان يحبكِ حقًا سيلفانا، ستكون هديتكِ أغلى شيءٍ بالنسبة إليه.. فقط إبحثي وستجدي هدية رائعةً له.

ظلت تُفكر بحديثها حتى قررت، أخذت سيلفانا تتجول داخل المتجر من جديد عيناها تتنقلان بين الأرفف من جديد حتى توقف أمام هدية أعجبها شكلها للغاية.. بينما كانت كارلا تسير في الجهة الأخرى من المتجر تنظر إلى الهدايا الموضوعة فوق الأرفف أمامها حتى توقفت أمام هدية لطيفة وابتسمت بلُطف وحملتها بين يديها وتمتمت هامسة:

- إنها تُشبههُ كثيرًا.

- كارلا.

التفتت كارلا لتقترب سيلفانا نحوها وهي ترفع الهدية أمامه بابتسامة لامعة:

- لقد وجدتها، أعتقد أنها ستعجبه.

ابتسمت كارلا وقالت بهدوء:

- إذا كان يحبك حقًا يا سيلفانا سيراها الأفضل دائمًا، ولن يهتم لأمر سعرها أو هل هي صناعة محلية أم عالمية.. لن يهتم حقًا.. لأن المهم هو أنها منكِ أنتِ.

أومأت سيلفانا بابتسامة هادئة وقالت:

- أنتِ مُحقة، ماهذا؟

قالت سيلفانا تلك الكلمة وهي تُشير نحو الذي بيدها، لتقول كارلا بتوضيح:

- لدي ابن صديقتي.. ذكرى مولده اليوم، وأبحث له عن هدية أيضًا.. وأعتقد أن تلك تشبهه.. ما رأيكِ؟

تحدثت سيلفانا بابتسامة لطيفة:

- لطيفة للغاية.

قامت الفتاتان بشراء الهدايا بينما أخذت كارلا بطاقة تكتب عليها بعض الكلمات.. قبل أن ترحل من المتجر وحينما خرجتا..

كارلا بابتسامة:

- اذهبي أنتِ سيلفانا، سأذهب أنا لصديقتي.

أومأت سيلفانا قائلة:

- سأنتظركِ بالمنزل يا فتاة.

رحلت كلاً منهما حيث وجهتها، وبعد دقائق.. توقفت كارلا أمام مقر الشركة من جديد وأخذت تدعوا الله أن ياخذ سايلِس هديته ويقبلها.. راقبت المخارج بهدوء لتجد أن رجال سايلِس منشغلين بالحديث سويًا صعدت بخطىً متعجلة وحينما دخلت للمصعد أغلقته فورًا.. وضغط على زر الطابق الخامس عشر.. في مكتب سايلِس، كان يجلس خلف مكتبه الفاخر ممسكًا بهاتفه يُجري مكالمة بملامح جامدة.. كانت عيناه الداكنتان تشتعلان بغضبٍ مكتوم، بينما راحت أصابعه تنقر سطح المكتب بإيقاع عصبي إلى أن نفذ صبره أخيرًا، فانفجر صوته بحدة زلزلت سكون المكتب:

- أين هو؟!

أتاه صوت الرجل من الطرف الآخر متوترًا، وكان يحاول انتقاء كلماته بعناية حتى لا يثير غضب رئيسه أكثر:

- سيدي، كل ماتمكنا من معرفته أنه خارج البلاد، لكننا لا نعلم وجهته بالتحديد

ساد صمتٌ ثقيلٍ لثوانٍ وحين تحدث سايلِس مجددًا خرج صوته هادئًا على نحوٍ مُرعب، ثم تحدث بنبرة غامضة لم يعتادها عليه أي أحد:

- جدوه وإلا سأقتلكم يا أوغاد.. كيف تجرؤون على إغفال حركاته؟ هل تدركون مع من تتعاملون؟؟ أريد أن أعرف كل خطوة يخطوها ديميتري مارينتوس، كل مكان يذهب إليه، وكل شخص يلتقي به، لا أريد أن أسمع أعذارًا أخرى كما أنني لا أريد أن أكتشف مُجددًا أنكم عاجزون عن آداء أبسط مهامكم.. والآن جدوه وأخبروني بكل جديد.

أنهي سايلِس المكالمة بغضب ثم ألقى الهاتف على سطح الكتب مستندًا إلى ظهر مقعده بينما أطلق زفيرًا ثقيلاَ.. رفع يده إلى وجهه وأخذ يفرك المنطفة الواقعة بين حاجبيه محاولاً السيطرة على سيل الأفكار الذي اجتاح رأسه.. نظر لساعة يده ووجد أن الوقت قد تأخر حمل هاتفه ثم ارتدى سُترته واقترب نحو باب المكتب ليخرج منه.

قبل لحظات.. فُتِحَت أبواب المصعد لتسير كارلا بخفة داخل الطابق حتى توقفت أمام مكتب سايلِس، ثم ألقت نظرة أخيرة على الصندوق الصغير الذي تحمله بين يديها، وكانها تستمد منه الشجاعة قبل أن تُقدِم على خطوتها التالية.. انحنت بهدوء ووضعت علبة الهدايا أمام باب المكتب وأغمضت عينيها بابتسامة صغيرة ولكنها كانت ابتسامة مؤلمة تخبئ خلفها سنوات طويلة من الاشتياق والحرمان.. ولكن ابتسامتها تلاشت فجأة حينما سمعت صوت مقبض الباب يتحرك.. واندفعت بأقصى سرعتها لتختبئ خلف أحد الجدران القريبة تحبس أنفاسها وتضغط على فمها حتى لا يصدر عنها أي صوت يكشف وجودها، وفي اللحظة التالية... انفتح باب المكتب وخرج سايلِس بخطوات هادئة ولكن ملامحه مازالت غاضبة بينما كان منشغلاً بأفكاره الخاصة، ولم يكد يخطو خطوتين حتى اصطدمت قدمه بشيء موضوع أمام الباب، توقف وخفض بصره نحو الأرض ليجد علبة هدايا صغيرة تستقر أمامه، عقد حاجبيه باستغراب ثم نظر حوله يبحث عن أحد ولكن لا يوجد شخصٌ هُنا غيره.. انحنى والتقطها وأخذ يتفحصها للحظات قبل أن يفتحها وما أن أزاح غطاءها حتى وقعت عيناه على بلورة ثلجية صغيرة، تتوسطها مجسمات لطفلٍ يحتضن نفسه وسط الثلوج المتراكمة.. تجمدت عيناه عليها لثوانٍ قبل أن يقطب جبينه في حيرة وانتبه إلى بطاقة صغيرة موضوعة داخل العلبة .. أخرجها بين أصابعه وراح يقرأ كلماتها بهدوء:

"طفلٌ وحيد يحتاج من يُمسِكُ بيده ليُخرجه من الظلُمات إلى النور، هذا أنت أخي ولكن لا تقلق فأنت لست وحيدًا بعد اليوم، لا تدري كم أنتظرت سنوات طويلة حتى نلتقي، وكم سمعت عنك منذ طفولتي وكم تمنيت أن يأتي اليوم الذي أستطيع فيه الوقوف أمامك وأخبرك أنك لم تعد وحيدًا في هذا العالم.. سنتقابل قريبًا وستعرف هويتي حينها ... من أختك"

ظل سايلِس يحدق في البطاقة ثابتًا في مكانه بينما أخذت عيناه تزدادن قتامة مع كل كلمة يقرأها، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة خالية من أي دفء عندما قرأ تلك الكلمة "أختك"، ثم رفع رأسه ببطء وأطلق ضحكة قصيرة مقتضبة لم تحمل سوى الاحتقار.

- ساقطةً أُخرى تدَّعِي أنني قريبها!

وما أن أنهى كلماته حتى قبض على البلورة الثلجية وألقاها بكل قوته على الأرض، تحطمت البلورة بصوت مدوٍ وتناثر زجاجها في أرجاء المكان، شهقت كارلا من خلف الجدار وارتجف جسدها بعنف ولكنها حاولت كتم شهقاتها بينما كانت عبراتها تستمر بالهطول.. بينما تحرك سايلِس داهسًا بحذائه الأسود اللامع على الزجاج المكسور ليتهشم أكثر أسفل حذائه، وأخذ يسير في الممر حتى وصل للمصعد ليدخله ثم أغلقت أبوابه بعد ذلك، وفي تلك اللحظة لم تعد كارلا قادرة على كتم شهقاتها وانفلتت منها شهقة موجعة تبعتها أخرى مُرتفعة قبل أن تندفع دموعها بغزارة وقد احمر وجهها من شدة البكاء، تراجعت عن الجدار ببطء ثم انهارت جالسة على الأرض وضمَّت جسدها بذراعيها وكأنها تحاول أن تحمي نفسها من ذلك البرد الذي اجتاحها فجأة، لتعود بها الذكريات إلى ليالٍ طويلة قضتها في الشتاء القارس ترتجف من شدة البرد وتضم ركبتيها إلى صدرها بحثًا عن القليل من الدفء بينما كان الجوع ينهش أحشاءها وكانت في تلك اللحظة تتمنى فقط لو يكون أخيها الأكبر بجانبها لتحتمي به ويُشغِلها عن جوعها، لكنها كانت تدرك رغم كل شيء أنه لا يعرف عنها شيئًا من الأساس! دفنت كارلا وجهها بين كفيها وأخذت تبكي بنحيبٍ متقطع تشعر بأن شيئًا في صدرها يتمزق مع كل شهقة.. لقد كانت تعتقد أنها عندما تجد أخيها سيحميها ويكون بجانبها ويقبل بها، لكن الآن! تبخرت كل تلك الآمال، لا يوجد لها أحد.. هي وحيدة حقًا.

رفعت رأسها قليلاً وكانت عيناها زائغتين من شدة البكاء بينما أخذت عبراتها تنساب فوق وجنتيها المحمرتين همست بصوتٍ مرتجف كأنها تراه أمامها:

- أنا أختك يا سايلِس، أقسم لك أنني أخت، نحن الإثنين من صلبٍ واحد.

وفي خضم انهيارها لم تنتبه إلى اقتراب خطوات هادئة منها حتى وقعت عينيها على يدٍ امتدت نحوها لتتجمد في مكانها ثم رفعت رأسها ببطء محاولة الرؤية من خلال دموعها التي حجبت ملامح من يقف أمامها.. كان السيد رومان.. كان ينظر إليها بتأثر واضح وقد انعقد حاجباه وهو يتأمل حالتها المزرية تلك. هل رأى ماحدث؟! كيف أتى هُنا؟ تزاحمت الكثير من الأسئلة في رأسها وهي تفكر في سبب وجوده هُنا أو عن ما رآه، خفض رومان رأسه وتحدث بنبرة منخفضة:

- هيا كارلا، لنذهب.

ظلت تحدق فيه بعينين لامعتين قبل أن تمد يدها إليه ببطء متشبثة بكفه، بينما أمسك رومان بها يُساعدها على النهوض وحينما شعر بارتجافة جسدها تحدث بقلق:

- هل أنتِ بخير؟ هل تستطيعين السير كارلا؟

أومأت بهدو محاولة إقناع نفسها بأنها قادرة على السير رغم شهقاتها المتلاحقة وارتجافة جسدها، ثم خطت خطوة واحدة ولكنها ترنحت كأن الأرض تميل بها وأيضًا الرؤية لم تكن واضحة أمامها، أسرع رومان بالإمساك بها وأحاط خصرها بين ذراعيه حتى يمنعها من السقوط:

- تمهلي.. سأساعدكِ.

لم تفعل شيئًا سوى أنها انصاعت لأوامرة فهي ليست في حالٍ جيدة الآن، وأخفضت رأسها تاركه إياه يذهب بها حيث يشاء.

كانت جوداء جالسة في غرفتها فوق سجادة صلاتها حيث كانت قد أنهت فرضها للتو، كانت تحاول ألا تفكر في ديميتري ولكن من قلقها عليه كانت تحاول الإتصال به ولكن تلك الرسالة الرسالة الصوتية كانت تأتيها باستمرار.. ارتعشت يداها وأغمضت عينيها قائلة باللغة العربية:

- اللهم احفظه بعينك التي لا تنام، اللهم لا تجعل أي مكروهٍ يصيبه.

زفرت بهدوء ثم اعتدلت وخرجت من غرفتها لتجد أن سيلفانا قد عادت وهي سعيدة للغاية ..

- ماذا هناك؟

رفعت سيلفانا يدها لتُريها الهدية وقالت:

- لقد قمتُ بشراء هدية لسايلِس فغدًا ذكرى مولده.

تشنجت ملامح جوداء سمعت حديثها هذا ثم أردفت:

- هل أنتِ واعية لما تقولين؟ هل هذا الشرير له ذكرى مولِد مثلنا؟

عقدت سيلفانا حاجبيه ثم أردفت قائلة:

- جوداء من فضلك، ضعي عداوته هو وحبيبكِ ديميتري جانبًا وتعاملي أنه حبيب صديقتكِ.

زفرت جوداء بضيق ثم تحدثت:

- أريني ماذا جلبتي لهذا الشخص الغريب.

اتسعت ابتسامة سيلفانا واقتربت منها تُريها الهدية..

- ما رأيكِ؟

ابتسمت جوداء بلُطف:

- لطيفة للغاية سيلفانا، أظن أنها ستُعجبه.

تساءلت سيلفانا بحيرة:

- حقًا؟

همهمت جوداء بابتسامة لطيفة بينما أخذت سيلفانا تبحث حولها:

- أين جلوريا؟

- مع ستيفانو لم تعُد بعد.

- هل خرجتما؟

- أجل، ولكن أين كارلا؟ لم تأتِ معكِ؟

تحدث سيلفانا بانشغال وهي تنظر إلى الهدية بابتسامة لطيفة:

- لديها أمر هام، لذا أعتقد أنها ستتأخر قليلاً كما أنها لن تتناول الطعام معنا.

أردفت جوداء بابتسامة:

- يبدو أننا من سنتناول الطعام إذَا، هيا إدخلي وغيري ثيابكِ وسأقوم بتحضير الطعام.

كان ستيفانو شاردًا يسير بجانب جلوريا في شوارع روما مُمسكًا بيدها، أما هي كانت مُبتسمة وهي تسير بجانبه وتنظر إلى الفراغ أمامها..

- هل أنتِ سعيدة معي جلوريا؟

عقدت حاجبيها وتساءلت بحيرة:

- لماذا تسألني هذا السؤال ستيفانو؟ بالطبع أنت تعلم أنني سعيدة.. طالما أنت معي كل شيءٍ سيكون على ما يُرام.

صمت ستيفانو قليلاً ثم توقفت خطواته، لتتعجب جلوريا قائلة:

- ماذا هُناك ستيفانو؟

زفر ستيفانو ببطء ثم أردف قائلاً وهو ينظر إليها:

- يوجد لدي صديق في مشكلةٍ كبيرة، لا يعلم كيف يقوم بحلها.

تساءلت بحيرة:

- ماهي تلك المشكلة حبيبي؟

- لقد أخفى هويته الحقيقية عن حبيبته، وهو خائفٌ كثيرًا من أن يخبرها خوفًا من تركه.

تبدلت ملامح جلوريا للحزن:

- هذا صعبٌ حقًا.

أومأ ستيفانو:

- أجل، لدرجة أنني كنتُ أفكر، ماذا لو كنت أنا مكانه يومًا ما وأخفيت عنكِ أمرًا مثل ذلك.. ماذا ستكون ردة فعلكِ جلوريا حين تعلمين بالأمر؟

شردت جلوريا في الفراغ قليلاً وأردفت بملامح خالية من أي تعبير:

- حينها ستكون قد خسرتني للأبد، ستيفانو.


تعليقات