رواية الزفاف الاخير الفصل الثاني
بعد اختفاء حسام...حياتي وقفت!
ــــــــــــــــــــ
مش مبالغة، بس الأيام بقت كلها شبه بعض.
أول 48 ساعة بعد اختفاءه كانوا شبه الكابوس اللي مش عارفة أصحى منه. قسم الشرطة بقى بيتنا الثاني...
قعدت هناك بالساعات جنب والده ووالدته اللي كانوا بيموتوا في اليوم مية مرة من القلق.
كنت باصة لضباط المباحث وهما بيمسكوا خط سير حسام خطوة بخطوة... راجعوا كاميرات المحلات اللي في الشارع بتاعهم، وشوفت بعيني آخر لقطة لحسام قبل ما يختفي!
كان طالع من بيته الصبح، ماشي وهو لابس القميص اللي بحبه فيه، بيراجع حاجة في تلفونه وبيبتسم...
وبعدين دخل الشارع الجانبي اللي بيركن فيه عربيته... ومن اللحظة دي، مظهرش تاني!
العربية نفسها لقوها مركونة في نفس المكان، الباب ناحية السواق كان موارب سنة، وتلفونه مرمي تحت الكرسي...
كأن في حد هجم عليه في لمح البصر، حد كان مستنيه في الضلمة وعارف إنه نازل في الدقيقة دي بالتحديد! وعارف أماكن الكاميرات وإزاي يتجنبها!
المحققين سألوا كل الناس: زمايله في الشغل، صحابه الأنتيم، وقرايبه... مفيش أي خيط. مفيش أي مكالمة تهديد جتلهم، مفيش طلب فدية، ولا فيه أي عداوة حسام دخل فيها في حياته.
كأن الأرض انشقت وبلعته!
ومع مرور الأيام والأسابيع من غير ما نوصل لحاجة، بدأ الكابوس الثاني... كلام الناس!
البيت بتاعنا اتقلب لمزار.. الجيران والقرايب داخلين طالعين، بس مش عشان يواسونا، عشان يدبحونا بنظراتهم وتطفلهم.
لما كنت أفتح شباك أوضتي عشان أتنفس، ألمح اتنين واقفين تحت العمارة يبصوا لفوق ويهمسوا لبعض.
لو نزلت الشارع أشتري حاجة مع ماما، أحس الشارع كله بيسكت فجأة.. الأصوات تهمس والعيون تتسلط عليا زي الكشافات!
سمعت أشكال وألوان من الكلام..
اتنين من جيرانا دخلوا على ماما واحدة منهم قالت لها بصوت واطي بس أنا سمعته:
البنت فيها حاجة مش طبيعية، البنت دي معمول لها عمل سفلي لازم تشوفي شيخ!
والتانية ترد عليها بثقة:
"لا سفلي إيه! دي مربوطة.. ربط بيخلي العرسان بيشوفوا فيها حاجة مرعبة أول ما يقربوا من كتب الكتاب ويهربوا!
بقيت أسمع الجمل دي وأنا كاتمة صريخي بالعافية. في الأول كنت بدخل أوضتي وأقفل الباب بالمفتاح وأفضل أعيط لحد ما راسي هتتفجر.. وأقول لنفسي:
ليه؟ أنا عملت إيه في دنيتي عشان أكون الملعونة اللي الناس بتخاف تقرب منها؟
بس مع الوقت.. دموعي جفت، والوجع اتحول لبرود.. لأن محدش من العقول المريضة دي كان فاهم الحقيقة.. ولا حتى أنا!
بس كان عندي يقين واحد :
إن مفيش سحر، ومفيش لعنة.. في إنسان حقيقي، إنسان من دم ولحم، قاعد في مكان ما ، شايفني وأنا بنزف، وبيبتسم بمنتهى المتعة وهو بيشوف حياتي بتنتهي حتة حتة.
وأكتر سؤال كان بيقتلني كل يوم... هو مين؟ وليه أنا بالذات؟!
كان نفسي أفهم , حقيقي الموضوع صعب إنك تشوف حياتك بتدمر وإنت مش عارف تعمل حاجة! ولا فيه حد قادر يساعدك!
بس فجأة فيه فكرة جاتلي مكنتش واخدة بالي منها قبل كده, موضوع كتب الكتاب اللي اتغير ده ومحدش يعرفه غير العيلتين!
معنى كده إيه؟ معنى كده إن الشخص ده مش بس بيراقبني في الشارع بس؟ الشخص ده كان قريب مننا لدرجة تخوف!
مين أنت؟ وليه اخترتني أنا؟
وإيه اللي ممكن تستفيده من تدمير حياتي؟
طب إنت إنس ولا جن؟
لكن كانت أسئلة من غير إجابة.. أسئلة بتزيد حيرتي وبس!
بدأت أتصرف زي المجنونة.. كل حركة برة الشقة تخوفني. لو الباب خبط، قلبي يقف. لو سمعت صوت خطوات على السلم بالليل، أتسحب وأبص من العين السحرية وأنا حاطة إيدي على بوقي عشان صوت نفسي ميبانش.
حتى في أوضتي.. بقيت أحس إن في عين بتخترق الستارة وتتفرج عليا وأنا نايمة.
وفي ليالي كتير، كان التليفون الأراضي يرن الساعة 3 الصبح.. أجرى أرد، أسمع صوت نفس هادي جداً على الناحية الثانية.. نفس منتظم ومستمتع، يقعد ثواني ويقفل في وشي من غير ولا كلمة!
مع الوقت الموضوع بدأ يبرد, والناس كعادتها نسيت. ظهرت حوادث جديدة، وقصص جديدة شغلت الشارع، وبقيت أنا بالنسبة لهم مجرد "حكاية قديمة" بيفتكروها في القعدات لما يزهقوا.
لكن بالنسبة ليا.. الزمن كان واقف عند لحظة اختفاء حسام.
عدى ست شهور كاملين.. ست شهور كأنهم عمر بحاله,
حسام مكنش زي الستة اللي قبله.. حسام مكنش مجرد عريس اتقدم وقرينا فاتحة وخلاص.
حسام أنا حبيته بجد.. حسيت معاه لأول مرة يعني إيه أمان، يعني إيه ألاقي حد بيسمعني ويفهمني من غير ما أتكلم.
كنت أفتح المحادثة بتاعته على الموبايل، وأبص على أخر ظهور ليه يوم الفرح.. أقرأ الرسائل القديمة، وأسمع التسجيلات الصوتية بتاعته وهو بيضحك وبيقولي:
"خلاص يا جنى، هانت، فاضل أيام وتبقي في بيتي وما حدش يقدر يبعدنا عن بعض.
كل كلمة كانت بتنزل على قلبي بتقطعه.
أفتكر ضحكته لما قطع ورقة التهديد ورماها في الزبالة وقالي بثقة:
"أنا مش همشي ولا هسيبك!"
يا حسام.. إنت مشيت أهو! مشيت وسبتني برده!
خلال الست شهور دول...مكنش فيه أي رسالة جديدة ولا تهديد ولا أي حاجة.
وده كان أسوأ من التهديد نفسه..لأن السكوت ساعات بيخوف أكتر..
بدأت أقنع نفسي إن كل حاجة انتهت.
ماما وبابا كانوا بيتقطعوا بسببي، فكنت بضغط على نفسي، ألبس وأخرج، أروح لقرايبي، وأحاول أعيش.. بس حتى لو كنت بضحك، كانت ضحكتي باهتة ومكسورة، ضحكة حد روحه اتسحبت منه ومفضلش غير بواقي.
قلبي كان مقفول ، حاسة إن عمري خلاص اتسرق، وإن الجزء الحلو في حياتي انطفي للأبد..
ومكنتش اعرف إن الهدوء ده كله كان مجرد الهدوء اللي بيسبق العاصفة.. العاصفة اللي هتغير حياتي!
________________________
عدت الأيام لحد ما في يوم...كنت راجعة من عند خالتي.
الدنيا كانت شتا..الهوا ساقع لدرجة إني كنت حاطة إيديا في جيبي طول الطريق, ومقدرتش حتى أقلب في الموبايل كعادتي يعني وأنا ماشية, فضلت سايباه في جيبي زي ما هو وكلمت ماما من الهاند فري بتاعتي اللي دايما حاطاها في ودني وأنا في الشارع عشان مسرحش بخيالي مع اللي فات, وأول ما ردت قالتلي بقلق:
"اتأخرتي ليه يا حبيبتي؟"
ضحكت وقولتلها:
"يا ماما هو أنا صغيرة؟ خمس دقايق وهكون عند البيت... متقلقيش."
فضلنا نتكلم في أي كلام.
بتسألني عملت إيه عند خالتو.. وأنا بهزر معاها وبحكيلها اللي حصل
لأول مرة من شهور...حسيت إن حياتي ممكن ترجع طبيعية.
وفجأة...سمعت صوت عربية وقفت جنبي.
مبصتش...افتكرت حد بيركن، لكن بعدها علطول، سمعت صوت باب العربية بيتفتح بسرعة.
لفيت وشي، ولحقت أشوف راجل نازل وهو جاي ناحيتي بخطوات سريعة.
اتخضيت..رجعت خطوة لورا.
وقبل ما ألحق أصرخ...حسيت بإيد قوية شدتني بعنف.
وآخر حاجة سمعتها...كان صوت ماما.
