رواية امرأة علي صفيح ساخن الفصل الثاني 2 بقلم ملكة الروايات


 رواية امرأة علي صفيح ساخن الفصل الثاني 


​مرّت الليلة الأولى كأنها دهر كامل على عشق. أشار أدهم إلى خادمته العجوز بلهجة حازمة أن تأخذها إلى إحدى الغرف في الطابق العلوي، وأوصاها بتوفير ملابس دافئة وطعام لها، دون أن يضيف كلمة واحدة أخرى.
​كانت الغرفة واسعة، أثاثها يفوح بالرقي والهدوء، لكن البرودة لم تكن تسكن جدرانها بل كانت تسري في روح صاحب هذا البيت. جلست عشق على طرف السرير، تحتضن يديها المرتجفتين، بينما تتردد في أذنها نبرة صوته الحادة وكلماته الأخيرة: "غداً ستبدأ معركتكِ الحقيقية معي."
​لماذا يساعدها رجل بمثل هذا الجمود؟ ولماذا يخفي خلف نظراته الثاقبة شيئاً أشبه بالحزن العميق أو الانتقام المؤجل؟
​مع إشراقة الصباح التالي، بدأت خيوط الشمس الدافئة تتسلل عبر الستائر المخملية. تحاملت عشق على خوفها وهبطت الدرجات الخشبية بحذر، بحثاً عن أي أثر للحياة في هذا القصر الصامت.
​توقفت خطواتها فجأة عند باب المكتبة الشبه مفتوح. كان أدهم يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، ممسكاً بيده إطاراً خشبياً قديماً، يحمل صورة شاحبة. لم يكن الرجل القاسي الجريء الذي واجه والدها وفهد بكل شموخ البارحة؛ بل كان يبدو للوهلة الأولى رجلاً يغرق في بحر من الذكريات المؤلمة.
​كان شارد الذهن تماماً، وعيناه المثقلتان بالغموض تحدقان في الفراغ كأنه يصارع شبحاً من ماضيه، سرّاً دفيناً ينغّص عليه حياته ويعكر صفو أيامه.
​انتبه أدهم لحركتها الشاردة خلف الباب، وفي ثوانٍ معدودة، اختفت تلك الملامح المنكسرة ليحل محلها وجهه الصخري المعتاد. وضع الصورة بسرعة داخل درج مكتبه وأغلقه بحدة جعلت عشق تجفل في مكانها.
​خرج من المكتب بخطوات ثقيلة وقام بتفحصها بنظرة حادة، ثم قال بنبرة جافة:
​"صباح الخير... أتمنى أن تكوني قد حظيتِ بقسط من الراحة، لأن البقاء هنا له قواعد يجب أن تفهميها جيداً."
​بلعت عشق ريقها وردّت بصوت خافت:
​"صباح الخير... أنا أشكرك على حمايتك لي، ولكنني لا أريد أن أكون عبئاً، ولا أفهم تلك القواعد."
​اقترب منها خطوة، وبدت هيبته طاغية في الممر الفسيح:
​"أولاً: هنا لا أحد يسأل عن ماضي الآخر. ثانياً: جناح مكتبتي وغرفتي الخصوصية خط أحمر لا تقتربي منهما مطلقاً. وثالثاً والأهم... فهد الجارحي ووالدك لن يجرؤا على مسّ شبر من هذا البيت، لكن حمايتكِ لها ثمن، والثمن هو الطاعة والابتعاد عن الشبهات."
​نظرت إليه عشق بعينين تتزاحم فيهما التساؤلات، وشعرت برهبة غريبة من تحولاته السريعة، فقالت بتحدٍ خفي:
​"أنا لم أهرب من ظلم فهد لأعيش في سجن أدهم الراوي... إن كنتَ تخفي شيئاً أو تخشى وجودي، فبإمكاني الرحيل الآن!"
​ابتسم أدهم ابتسامة باهتة خالية من أي دفء، ومال بنظره ونطق بصوت منخفض تحيطه أسرار القصر:
​"الرحيل؟ في الخارج ينتظركِ رجال فهد... وفي الداخل تعيشين في ضيافة رجل لا يعرف أحد سرّه. الخيار لكِ يا عشق، لكن تذكري... بعض السجون أرحم بكثير من الحرية في أنياب الوحوش!"
​تركت كلماته عشق في حيرة قاتلة؛ فقد أدركت أن هذا البيت يخفي في زواياه حكاية أكبر بكثير من مجرد هروب عروس في ليلة زفافها، وأن أدهم ليس مجرد مخلص، بل هو لغز مغلق ينبض بالأسرار.

تراجعت عشق خطوة إلى الوراء، وقد ألجمتها كلماته التي حملت في طياتها مزيجاً من التهديد والحماية. كان جموده كالجدار الأصم، لكن عينيها اللتين اعتادتا قراءة الخوف والظلم لمحتا وراء ذلك الجدار شيئاً آخر... عبئاً ثقيلاً ينوء به عصب هذا الرجل وصمته.
​قطع هذا الصمت المهيب صوت تصفيق أدهم القوي والمنتظم، الذي رددت صداه جدران الممر الواسع.
​لم تمر ثوانٍ حتى ظهرت الدادة هنية، تلك السيدة العجوز ذات الملامح الطيبة والخطوات الهادئة التي تعكس سنوات من الخدمة والولاء في هذا البيت. انحنت قليلاً باحترام وقالت بصوت دافئ:
​"أؤمرني يا أدهم بيه.. صباح الخير يا ابنتي."
​التفت إليها أدهم، وقد تراجعت حدة صوته قليلاً لكن دون أن تفارقه نبرة الوقار:
​"جهزي الفطار يا دادة.. بس النهاردة هنفطر في جنينة الفيلا."
​نظرت إليه الدادة هنية بشيء من الدهشة، ثم ألقت نظرة سريعة على النافذة حيث كانت الأشجار لا تزال تقطر من أثر صقيع الليلة الماضية، وقالت بحذر:
​"بس الجو برا برد أوي يا ابني، والسقيع لسه مغطي الشجر."
​أجابها أدهم ببرود وهو يشيح بوجهه عنها، متطلعاً إلى الأفق البعيد من خلال زجاج الباب المؤدي للحديقة:
​"عارف يا دادة.. بس محتاج أتنفس الهوا ده. محتاج الهوا البارد يبرد قلبي شوية. اعملي حساب عشق معانا."
​أومأت الدادة هنية برأسها متفهمة، وإن كانت نظرتها لأدهم تحمل شفقة أمومية غائرة، وكأنها الوحيدة التي تدرك حجم النار التي يحاول هذا البرد إطفاءها، وحجم السر الذي يثقل كاهله وينغص عليه حياته منذ سنوات. التفتت إلى عشق وقالت بلطف:
​"حاضر يا بيه.. ثواني وال فطار يكون جاهز. تعالي معايا يا بنتي أدفيكِ لحد ما نحضر الطاولة."
​سارت عشق خلف الدادة هنية، لكن عينيها ظلتا معلقتين بأدهم، الذي كان قد بدأ بالفعل بالتحرك نحو الباب الخارجي. رأته يفتحه ليلفحه هواء الصباح القارس، واضعاً يديه في جيبي معطفه، وكأنه يلقي بجسده في حضن الصقيع هرباً من لظى أفكاره وسره الدفين.
​في الحديقة، كانت الطبيعة لا تزال تتثاءب تحت وطأة الشتاء، والضباب يداعب أطراف الأشجار العارية. جلس أدهم على مقعد حديدي قديم، مرجعاً رأسه إلى الخلف، مغلقاً عينيه، يترك الهواء البارد يلامس وجهه، محاولاً عبثاً أن يهدئ من روع قلبه المثقل بما لا يطيق بشر كتمانه. كانت عشق تراقبه من وراء زجاج الصالون، تشعر بالخوف من غموضه، لكن فضولاً غريباً وجاذبية خفية بدأت تتسلل إلى قلبها لمعرفة ما وراء هذا الجليد: 


تعليقات