رواية خاكستري الفصل الثاني
( عرض زواج )
كانت لحظات قصيرة استغلها في القتال الذي وعد به محمد ريثما يجتمع الجميع حسب تعليمات والده .
ألقى السيف ارضًا وهو يتنفس برضى بعدما انتهى لتوه من التدريبات اليومية الخاصة به يشير صوب رفيقه صاحب الثمانية عشر عامًا .
_ أنت منافس صعب محمد، لقد أرهقتني يا رجل .
ابتسم له محمد بسمة صغيرة وهو ينظف سيفه بشكل رتيب، ومن ثم رفعه أمام عيونه يقول بصوت خرج ثابتًا :
_ لا تتوقع أن تهديك الحياة خصمًا سهلًا آرش، الحياة نفسها ليست خصمًا هينًا .
رفع آرش حاجبه وهو يحمل منشفة قريبة منه يهز رأسه باقتناع من حديث محمد، كان محمد ورغم عمره الأصغر منه إلا أنه كان وحشًا في ساحة الحرب .
كما يقال، هذا الشبل من ذاك الأسد .
لوح له آرش وهو يشكره على الجولة السريعة التي منحه إياها قبل أن يتحرك محمد للجيش وقد كان أحد افراده يتعامل كما يتعامل أي جندي آخر في الجيش ويتقدم بثبات في الترتيب داخل الجيش دون أن يتوارث مكانة والده وقد كان هذا رأيه ورأي والده، سيسعى لمكانة والده بنفسه عن جدارة واستحقاق، وليس لأنه ابن القائد سالار ...
تحرك آرش بعيدًا عن الساحة وهو يعدل من وضعية ثوبه، ينظر لمعصمه يغلقه بشكل متعجل وفي رأسه أفكار حول الاجتماع الذي طلبه والده قبل نصف ساعة تقريبًا و...
توقف فجأة حينما سمع صوت قريب مألوف، صوت شعر أنه سمعه، والغريب أنه صوت امرأة في محيط ساحات التدريب .
توقف يرفع رأسه ليبصر امرأة تقف مع أحد الجنود لا يظهر من ملامحها شيئًا ليتحرك صوبها بعدم فهم يفكر فيما تفعله المرأة في هذا المكان :
_ هل يمكنني مساعدتك آنستي ؟
رفعت المرأة رأسها والتي كانت مغطاه بالفعل تقول بصوت هادئ وقد تعرفت على ولي العهد، وكيف لا تفعل :
_ اشكرك سموك أنا اتدبر شؤوني هنا .
ابتسم آرش وهو يضيق عيونه أكثر يقترب منها يعلم يقينًا أنه يعرف هذا الصوت، هذه المرأة يعرفها يقسم بالله وفجأة ضربته فكرة جعلته يشعر بالحمق فجأة حينما أبصر سوار يدها الذي يميزه جيدًا :
_ أميرة بارين ؟!
ابنة خاله ؟
لم يتعرف على ابنة خاله إلا من السوار الذي أهدته لها والدته في عيد مولدها السابق ؟ هذا مضحك حقًا، أو ربما ليس كذلك، فهو لا علاقة له بالنساء لا من قريب أو من بعيد حتى ولم يصدف أن تعامل مع بارين أو ابصرها عن قرب منذ بلغ كل منهما الحلم وبدأت تغطي كامل ملامحها ويحيطها والدها واخويها بحماية مبالغ بها، لتنشأ أميرة مدللة رقيقة لا تتحمل خدش _ هكذا سمع مسبقًا_ ويعتقد أنه صحيح حسبما يصبر من مبالغة الحماية حولها كأنهم وحوش يحمون جوهرة.
_ ما الذي تفعلينه هنا في منطقة الرجال سموكِ؟
شعر بها ترفع رأسها له ومن ثم مالت بها ويكاد يجزم أنه تخيل بسمة ساخرة وقد شعر بها في كلمتها التي خرجت :
_ منطقة رجال ؟ لم أجد إشارة توحي بذلك وأنا قادمة .
_ هذه منطقة تدريبات آنستي ما الذي تتوقعينه ؟
والرد جاءه سريعًا ولم تستغرق ثانية حتى في التفكير به وقد كانت متحفزة بالفعل :
_ أتوقع أن يهتم كل امرئ بشؤونه جلالتك .
اتسعت عيون آرش بصدمة من ردها لدرجة أنه ابتسم بعدم تصديق ولولا النظرة التي علت وجه الجندي لظن أنه تخيل ردها، فالأميرة بارين التي يعرفها لا يمكنها التحدث بهذا الشكل من الأساس مع رجل .
نظر بطرف عيونه للجندي يتحدث بهدوء :
_ تفضل أنت سأتولى أمر مساعدة الأميرة في أي كان ما تريده هي .
ابتسم له الجندي وتحرك بطاعة بعيدًا يكمل عمله، تاركًا بارين تتابعه بعيونها، ومن ثم استدارت بهدوء صوب آرش تردد بصوت هادئ :
_ لا تتعب نفسك سمو الأمير لقد علمت ما جئت لأجله بالفعل .
_ هل يعلم والدك أو أي من حارسيكِ الشخصيين أين أنتِ ؟
ابتسمت بارين بسمة ساخرة لم تظهر له، يبدو أن الصورة التي ساهمت ظروفها في رسمها قد طُبعت في العقول، بارين المسكين الرقيقة الأميرة المسالمة .
_ حينما سلمني أبي قائمة الاماكن الممنوعة لم يُذكر بها ساحة تدريبات سفيد لذا اطمئن لن يغضب .
ولم تكد تبتعد صوب الساحة ليوقفها آرش بغيظ من طريقتها وتصرفاتها :
_ سمو الأميرة.
توقفت قبل التحرك تستدير له بهدوء مجددًا :
_ جلالتك ؟
_ رجاء تحلي ببعض الذوق ولا تتركي محدثك قبل أن تنهي الحوار معه، هذه وإن سمحتِ لي تُسمى قلة ذوق لا تليق بكِ .
_ أي حوار هذا سمو الأمير منذ متى وكانت هناك أي حوارات بيننا؟ أنت فقط تعيق طريقي الآن وتحقق معي ولست تحاورني كما تزعم .
تجاهل آرش كل ذلك بهدوء وكأنه لم يقال يتحدث بكل ثبات وبسمة حاول جعلها محايدة :
_ معذرة منكِ سموك، رجاءً أخبريني كيف اساعدك الآن؟
_ بالابتعاد عن طريقي .
اتسعت عيون آرش بصدمة مما يسمع، هل فاته الكثير أم أن بارين أصبحت أشد حدة مما عهدها منذ سنوات، أم هناك ما يزعجها منه، لكن ماذا فعل لها وهو حتى لم يحدثها أو يبصر ملامحها يومًا منذ سنوات .
_ إن لم يمنعك والدك من دخول ساحة التدريبات، فقوانين سفيد تمنعك سموك، هذه منطقة خاصة برجال، واتوقع منكِ احترام قواعد المملكة التي تقفين بها، والان رجاءً اعلميني كيف اساعدك طالما أنني اتعامل معكِ بهدوء .
تنفست بارين بغيظ وهي تحدق في ملامحه، ملامح نُحتت من الملك إيفان بكل شيء به، كل شيء عدا عيون عمتها البنية، لقد ورث وجه إيفان بكل شيء، وهناك في أعلى وجهه تحديدًا فوق حاجبه تقبع بصمتها هي، العلامة التي تركتها عليه منذ سنوات ما تزال تحمل ذكرى ذلك اليوم، تُرى إن علم أنها هي صاحبة هذه العلامة ماذا ستكون ردة فعله ؟
على الأقل لم يكن ليصفها بالمدللة كما سمعت من أحدهم، كان الحقير يسخر منها ويصفها بالمدللة التي تنتظر أن يطعمها الجميع ويحملونها أينما تشاء، ذلك المتكبر الـ
_ سمو الأميرة ؟
قطع آرش صوت أفكارها بكلمته لتستفيق تتنفس بصوت مرتفع تقول بملل :
_ جئت ابحث عن سيفٍ .
_ ماذا ؟
_ سيف، تلك الآلة التي تُستخدم عادة في الحروب وصممت من معدن خاص وذات حافة حادة ومقبض جلدي، هل تعرفها جلالتك؟
وعلى عكس المتوقع لم تبصر غضبًا على وجه آرش بل أبصرت بسمة واسعة لطيفة وكأنه يتعامل مع طفلة في هذه اللحظة يضم يديه لصدره بهدوء يميل برأسه يحدثها بكل ثبات، إذ يبدو أنها تستفز الشخص الخاطئ :
_ أوه جيد أنكِ وصفتيه لي فأنا اخطأ طوال الوقت في هذه الأمور تعلمين قلما أبصرت سيفًا في يومي الملئ بأدوات الطهي والورود.
رمشت وهي تراقب ردة فعله الغريبة، وهو هز كتفه ببساطة :
_ أي سيف محدد سموكِ؟
فتحت فمها ببلاهة وتحمد الله أنه لا يبصر وجهها :
_ ماذا ؟
_ هل هناك نوع معين من السيوف ترغبين به ؟
رمشت وهي لا تستوعب ما يحدث الآن، ولم تكد تتحدث حتى ابصرته يهز رأسه بالايجاب يقول وهو يهز لها رأسه باحترام :
_ حسنًا لحظات من فضلك سأحضر لكِ واحدًا .
ومن ثم تركها وغادر، لتقف هي في مكانها تتنفس بغضب، تراجع كل ما فعلته تشعر بكونها امرأة وقحة لم تعتد أن تكون بهذه الوقاحة مع أحدهم، هي تعلم آرش وتسمع من إخوتها كم هو شخص هادئ مسالم وراقي في تصرفاته، هل يعقل أن يكون من أخبرها بحديثه عنها قد اخطئ ؟
ابصرته يعود وهو يحمل سيف تدريبات صغير بعض الشيء كادت تعترض عليه، هي لم تحمل هذا السيف منذ كانت طفلة، لكن جدالها يعني المزيد من الوقت مع هذا الرجل، لذا نفخت ومن ثم أخذته دون كلمة واحدة تسمع صوته يردد :
_ تفضلي .
_ شكرا لك .
ولم يكد آرش يتحدث بكلمة واحدة حتى تركته وتحركت بعيدًا تاركة إياه مصدومًا من تصرفاتها، هذه الفتاة بالتأكيد جنت من كثرة جلستها مع آرين وآريان ....
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كانت كلمة نزلت عليها كضربة على الرأس .
آرش ؟ آرش تقدم للزواج منها هي ؟
_ آرش ؟
سؤال طرحته وكأنها لا تصدق ما سمعته منذ ثواني، هل يصدق والدها أم يمزح، لكنها تعلم تمام العلم أن مثل هذا الأمر لن يطرحه والدها ممازحًا، مثل هكذا امور لا يمزح بها سالار وهي تعلم ذلك .
_ أبي هل تتحدث بجدية ؟
_ نعم عائش، لقد حدثني الملك إيفان أمس حول الأمر ويبدو أن آرش يرغب بالزواج منكِ .
ارتفعت ضربات قلب عائشة، ليست حماسًا أو شوقًا، بل صدمة وقلق من الأمر، هي تعلم مكانة الملك إيفان وآرش لدى والدها، هل يمكنها الرفض دون أن تخشى تزعزع شيء في علاقتهما ؟
هي لا تريد أن تغامر بأي شيء يخص والدها، لكن آرش ؟
آرش والله يشهد أنها لا تحترم رجل بعد والدها وأعمامها بقدره، الرجل كان كل شيء قد ترغب امرأة بالحصول عليه، هادئ، عاقل، رزين، بشوش، وذكي كعمها، وقوي كوالدها، عيبه الوحيد كان أنه...آرش .
الرجل الذي نظرت له طوال حياتها نظرة أخ، ولا يمكنها أن تراه زوج، بل إن الفكرة لا يمكن لعقلها حتى محاولة التفكير بها، وقد ظنت أنه ينظر لها نفس النظرة.
أبصر سالار الصراع أعلى وجه ابنته يعلم ما تفكر به لذا ابتسم بحنان شديد يتحرك صوبها يقول بهدوء شديد :
_ عائش يا قلب أبيكِ، اقتربي .
رفعت عائشة عيونها صوب ابيها ولم تتردد لحظة في أن تقترب منه تلقي نفسها بين أحضانه ليضمها سالار بقوة يقبل رأسها بحب شديد، ابنته وحبيبة قلبه وامرأته الثانية .
_ ما الذي يشغل عقلك، شاركيني كل ما يدور به ولو كان مجرد أفكار غير مرتبة .
رفعت عائشة عيونها صوب سالار تهمس بصوت مرتجف متردد :
_ أخاف أن أحزنك يا أبي.
_ والله لا يحزنني سوى تلك الحيرة التي تعلو عيونك حبيبتي، اخبري أبيكِ كيف يمحو كل هذا التردد، ويعيد لمعة عيونك عائش ؟
التمعت عيون عائشة بحب لوالدها تهمس بصوت متردد لا تصدق أن والدها كان بمثل هذا الحنان واللطف .
_ أبي آرش رجل تتمناه أي امرأة.
_ عداكِ ؟
_ ليس الأمر هكذا، لكنه ... أبي أنا لا انظر له نظرة امرأة لرجل قد يحيا معها المتبقي من عمرها، آرش أخي ولا أراه غير أخي، لذا لا يمكنني القبول.
وعكس المتوقع ابتسم سالار بسمة صغيرة يهز رأسه بهدوء شديد ومن ثم ربت عليها :
_ لكِ ذلك عائش .
اتسعت عيون عائشة من بساطة الأمر :
_ ماذا ؟
– ماذا ؟ أليس هذا ما تريدينه ؟
_ بهذه البساطة أبي؟
_ كل شيء تبتغيه ابنتي يكون ابسط من شربة ماء عزيزتي، سأبلغ الملك إيفان برفضك .
_ أبي....
كانت كلمة خرجت مترددة منها قلقة تخشى القادم، وتشعر برغبة في البكاء، رغم كلمات والدها تشعر بالخوف، ليبتسم لها سالار بسمة حنونة :
_ تعلمين أن الملك إيفان لن يفكر بهذا الشكل عائشة، هو يحبك أكثر من ذاته يا ابنتي .
_ لذا أخشى أن يحزنه رفضي .
ابتسم سالار يعلم أن ذلك سيكون آخر ما يفكر به إيفان، الرجل الذي ضربه سابقًا لأنه أخفى حبه عنه فقط لأنه خاف أن يتزوج امرأة يحبها أخيه ويحزنه، لن يغضب لأن ابنته رفضت ابنه .
_ لا تقلقي عزيزتي، إيفان لن يفعل، بل ما يحزنه هو أن تقبلي لأجله .
تنفست عائشة الصعداء وقد شعرت أن جبلًا تحرك من فوق صدرها، ليست راحة كاملة حتى تتأكد أن آرش لن يحزن، لكن على الأقل تشعر بهذه الراحة المؤقتة، لا تصدق أن الأمر كان بهذه البساطة، لذا ابتسمت لوالدها ترفع كفه تقبله بحب :
_ ادام الله لنا القائد .
_ القائد هنا لينفذ أيما تحلمين به عائش، فقط احلمي ...
وقبل أن تجيبه عائش سمع سالار طرقًا على الباب وصوت جندي يتحدث باحترام شديد :
_ سيدي القائد الجميع ينتظرك في غرفة الاجتماعات، لقد دعاك الملك لاجتماع عاجل.......
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك في ممرات سفيد وخلفه ولديه يسيران بهدوء شديد وقد كان التشابه بينهما عجيب، لا يمكن تفرقتهما إلا لمن يعرفهما جيدًا ويعلم عادة كل منهما وطريقة ارتداء ثيابه .
فقد كان آرين يحب ترك خصلات شعره الطويل حرة حتى كتفه ويرتدي اللون البني بكثرة، بينما آريان يفضل أن يرتدي الأسود ويعقد خصلاته طوال الوقت ويسير مدججًا بالأسلحة وكأنه ذاهب لحرب .
توقف الثلاثة أمام باب الغرفة ليفتح الحارس الباب لهم بسرعة كبيرة ويتقدم أرسلان مع ولديه للداخل وقد كان أول تعليق يسمعه هو تعليق نزار الذي ابتسم يقول :
_ ها هو الملك أرسلان شرفنا بصحبه رجاله، إلى متى كنا سننتظر سيادتك ؟
ابتسم أرسلان بهدوء وهو يسحب مقعده بكل برود وهدوء وكأنه يمتلك كل الوقت يجلس عليه بعدما خلع معطفه الاسود يلقيه جانبًا :
_ مدى الحياة يا عزيزي، إنه لشرف لك أن يذكرك التاريخ أنك قضيت نَحبك في انتظار الملك أرسلان .
ابتسم آرين على كلمات والده وقد جلس مع آريان جوار الوليد الذي كان يراقب ما يحدث بين والده والملك أرسلان، يعلم أن القتال هذا لن ينتهي ويحمد الله أن جده العزيز ليس موجودًا الآن وقد غادر مع جميع العجائز _ كما يحب الملك أرسلان تسميتهم_ لقضاء رحلة استجمام بعيدًا عن ضوضاء الممالك .
_ ليرحمنا الله منك أرسلان، خفت أن تنقرض وترحم البشرية منك فاحضرت نسختين منك معك .
ختم إيفان حديثه وهو يشير لآرين وآريان، لتتسع بسمة الاثنين بقوة ولم يتحدث أحدهم بكلمة احترامًا للجميع، ولارسلان الذي لم يكن سيصمت على أية حال .
_ في البداية لا نسخ مني عزيزي، انا نسخة فريدة، ومن ثم ابنائي هم رحمة من الله لكم لينقذوا البشرية من امثالك ومن سلالتك بعد رحيلي .
سارع التوأم يرددان بسرعة في نفس واحد :
_ اطال الله في عمرك مولاي .
ابتسم لهما أرسلان بحب وقبل تحدث أحدهم بكلمة ضرب دانيار على الطاولة بملل وقد شعر أن روحه ستخرج من كل هذا .
_ دعونا نتناقش في الكارثة الجديدة التي هبطت فوق رؤوسنا رجاءً .
انتبه له الجميع وقد كان هذا سبب اجتماعهم من الأساس، ترك أرسلان المعتصم في مشكى وجاء مع عائلته ليظهر أنها زيارة طبيعية لا تثير أي شك وكذا فعل نزار، للتحدث حول ما يحدث في الممالك مؤخرًا .
تطوع سالار بالتحدث وهو ينظر للجميع بجدية :
_ جبهة الاعتراض التي ظهرت في الممالك مؤخرًا تثير بلبلة، لا احد يعلم ما غرضها وراء كل تلك الأصوات التي خرجت تندد بحكم الممالك المتوارث وتطالب بمنح العامة فرصة حكم البلاد .
تحدث إيفان بهدوء وداخله يغلي باستنكار بدأ يظهر عليه :
_ هؤلاء الملاعين أكاد اقسم أن دماء المنبوذين تسير بين اوردتهم، بعد كل هذه السنوات يخرج لنا أقوام يطالبون بإلغاء الملكية، ومن ثم ماذا يعلم العامة عن إدارة الممالك والحروب وشؤون البلاد، أم حسبوا أن العرش يأتي بالذهب فقط .
صمت ليتحدث أرسلان بقهر وغضب :
_ والله لو كان بينهم رجل يستطيع حمل العرش وحفظ البلاد أعطيته لهم وكفيت ابنائي شر العرش وثقل المُلك .
كان إيفان صامتًا يفكر فيما يحدث، بدأ الأمر ببضع منشورات هنا وهناك، ومن ثم بدأ يزداد بتصرفات وانقلابات غريبة بين الأربعة ممالك .
تدخل نزار في الحديث بهدوء شديد :
_لقد أبلغني الزبير في سبز أن الوضع هناك أصبح لا يحتمل، تلك الأصوات التي ظهرت من العدم بدأت تعبث بالعقول، وبدأت جمل تتردد بين الألسنة أن البلاد لمن يستحق وليس لمن يرثها .
أطلق أرسلان ضحكة ساخرة ومن ثم نفخ باستهزاء وقد شعر بمرارة الفقدان تعود لفمه :
_ لمن يستحقها؟ أين كان هؤلاء حينما سقطت الممالك أجمع وكانت على شفا جرف من الانهيار ؟ أين كان الذي يستحقها حينما جلس ذلك الوسخ بافل على عرشي ؟ أين كانوا حينما تلاعب الحقير أنمار بعرش سبز وجيشها ؟ أين كانوا وهم ينثرون قاذوراتهم في الأسواق وفي الممالك ؟
ختم حديثه بغضب واضح على ملامحه ووالله يقسم سالار أنه لو أبصر مروج تلك الاشاعات بينهم لن يمتلك وقتًا لأخذ نفسه الأول إلا وجز أرسلان عنقه بالكامل.
_ هذه أقاويل أرسلان، البعض يحاول بث الفتن .
أطلق أرسلان ضحكة ساخرة مستهزئة ليس بحديث نزار ولكن بما يختفي ورائه :
_ أقاويل ؟ عزيزي الكلمة قد تكون أحد من ضربة سيف، هم لا يحاربون بالسيف، بل بالفتن، الفتنة تشتعل في الممالك بسرعة الصاروخ .
تنحنح دانيار بصوت منخفض وهو يقول متدخلًا في الحديث :
_ في الواقع هناك المزيد جلالة الملك .
رفع أرسلان ذراعيه يبتسم بغضب :
_ ها انظر إلينا المزيد في انتظارنا، مرحى.
تساءل سالار بهدوء شديد وهو ينظر لدانيار بعدم فهم :
_ ما الذي حدث دانيار ؟
_ تعلم سيدي أن ابنتي زهرة تنزل الأسواق بكثرة لشراء ما تحتاج من أدوات التزيين وبالصدفة ...سمعت حديث بين بعض الباعة والنساء في السوق حول اعتراضات على ...
توقف عن الحديث وهو يحاول أن يصيغ الكلمات بشكل جيد لينفذ صبر تميم الذي اعتدل في جلسته بضيق :
_ حول ماذا دانيار تحدث ؟
_ حول قوانين النساء في الممالك، سمعت البعض يصفها بالمجحفة، والبعض يصفها بالسجن وهكذا كلمات مترامية، لا أعلم إن كانت نفس موجة الفتن هي ما تروج لهكذا أقاويل أم أنها مجرد أقاويل بين النسوة .
صمت ومن ثم برر الأمر ببساطة :
_ زهرة جاءت واخبرتني فقط لأنها لا تفهم ما يحدث .
عم صمت في المكان بأكمله ولم يتجرأ أحدهم على النطق بكلمة واحدة وسؤال واحد يدور في كل العقول، هل هم كذلك ؟ هل قوانينهم تلجم النساء ؟
لقد كانت النساء اولى أولويات الممالك في الحروب وفي السلم، كرامة النساء من كرامة الممالك، لم يحدث أن أُهينت امرأة يومًا ولو بكلمة أو بنظرة واحدة حتى، كيف يعقل الآن أن قوانين المملكة لا تنصر النسوة ؟
تنحنح آرين وهو يتدخل في الحوار قاطعًا الصمت يلقي باقتراح بسيط وقد أبصر صدمة الجميع مما يحدث .
_ إن سمحتم لي مولاي، يمكننا أن نندس بين الشعب بأنفسنا لمعرفة ما يحدث ومن مصدر تلك الاشاعات.
أشار للجميع حول الطاولة :
_على سبيل المثال يمكنني مع آريان النزول لساحات مشكى دون إثارة أي انتباه ومحاولة فهم ما يحدث وكذا الوليد في آبى وآرش ومحمد في سفيد، ربما يمكننا فعل ذلك على مدار أيام وليس ليوم واحد حتى نعلم ما يحدث حقًا وإن كانت هذه حرب جديدة، أم مجرد احاديث خلقتها عقول ملت السلام .
ختم حديثه بهدوء وقد بدا التفكير على الجميع، حتى ظهرت الموافقة على وجوههم، قبل أن يقول سالار برضى :
_ أوافق آرين الحديث، يمكننا فعل ذلك وسنفعله بابنائنا وليس بأحد الجنود لا احد يعلم ما قد يحدث أو ما ينتظرهم، لا يمكننا المخاطرة بغدر في منتصف الطريق .
نظر صوب الجميع ثواني قبل أن يشير لجميع الشباب المتواجدون حول الطاولة يوزع أدوارهم بكل بساطة :
_ محمد وآرش ونجم و كاميار سيتفرقون في أنحاء سفيد، وبنفس الشكل يمكن لباقي الملوك توزيع الأمراء على أنحاء الممالك، ومن يصل لأي خيط قد يرشدنا لمصدر ترويج هذه الأقاويل يخبر الجميع .
هز نزار رأسه بموافقة يقول بهدوء :
_ سأخبر الزبير بذلك ليهتم بأمر سبز وأنا سأرسل الوليد ليهتم بأمر اسواق آبى .
وافق الوليد والده بهزة رأس صغيرة مطيعًا ما يقول دون تفكير، وقد اتفق الجميع ضمنيًا على ما سيحدث، والحميع يتمنى سرًا أن يكون ما يحدث مجرد موجة فتن عابرة كما اعتادوا على مدار السنوات السابقة .
فالحياة ليست مثالية وليست سوداء، كانت حياة رمادية داخل الممالك تأتي اوقات وتمل الشعوب من السلام الرتيب ويشارعون نحو الفتن والحكايا ليزيدوا من حماسة أيامهم .
وهذه كانت مجرد فتن صغيرة كانت تندثر مع الايام ويعود كل لحياته، لكن هذه المرة يستشعرون بخطر قادم وأشياء لا تحمد عقباها .
والخوف كل الخوف أن تكون بداية انقلاب قد يحيل صباح الممالك لمساء حالك السواد ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات من الاجتماع ..
يقف معه في منتصف ساحة سفيد وهو يحرك سيفه بين يديه بهدوء وعيون ملتمعة واستمتاع كبير يظهر بهما، يراقب خصمه الذي ينتظر منه الضربة الأولى، وقد كان ..
اندفع محمد بقوة صوب آريان وهو يرفع سيفه مستعدًا لضربه الضربة الأولى، لكن آريان قرأ تحركاته في ثانية وقبل أن يحاول محمد حتى رفع سيفه كانت ضربته تصيبه اولًا ليتراجع محمد للخلف بصدمة يبصر اتساع بسمة آريان الذي تحدث بهدوء :
_ حاول يا عزيزي ألا تظهر حماسًا شديدًا قبل ضربتك، فحركاتك قد تلتمع خطأ في مقلتيك .
رفع محمد حاجبه وقد كان آريان يراقبه بهدوء شديد وكأنه يتربص له :
_ هيا لا تغضب سأمنحك ضربة ثانية .
_ تمن عليك بضرباتك سيد آريان ؟ أنا لا اشحذ انتصارًا عزيزي .
اتسعت بسمة آريان أكثر يجيبه بكل خبث :
_ ومن أخبرك أنني أتصدق بانتصارات يا أخي، الانتصارات كلها احتفظ بها لنفسي ولا امنحها لأي كان .
قلب محمد عيونه وقد كان آريان أشد الجميع عنادًا وغضبًا وشراسة، كان منذ طفولته مهووسًا بالقتال، لدرجة أنه بعدما تشرب من والده القتال مر على جميع الممالك والقادة يتعلم منهم أساليب جديدة في القتال معللًا ذلك أنه يحتاج لفهم كافة الطرق .
ونعم آريان كان من القلة التي تدربت بشكل شخصي على يد والده لسنوات وكذلك تدرب مع الملك نزار والملك أرسلان وكأنه يتحضر لحرب أو ما شابه .
_ أنت رجل غير محتمل آريان.
_ لم أسألك العيش معي المتبقي من عمرك محمد، هو فقط قتال واعتقك .
زفر محمد ومن ثم دون كلمة واحدة كانت ضربة تسقط على كتف آريان الذي اتسعت عيونه وهو يعود للخلف صارخًا بصدمة غير مصدقًا لما حدث .
_ أنت أيها الغدار الـ.
_ أبي يقول دائمًا جملة رائعة، الحرب خدعة وعدوك لن ينتظر أن تأخذ وضعية الاستعداد ليهاجمك عزيزي .
_ والدك من يقول ذلك أم الأميرة زمرد ؟
ضحك محمد بصوت مرتفع وهو يحرك السيف وقد اتخذ وضعية الدفاع يعلم أن آريان سيرد له الضربة باثنتين أو ثلاثة :
_ نعم وهي أيضًا تقول ذلك .
ومن بعد هذه الجملة لم يُسمع في المكان سوى صدى ضربات السيوف والقتال الذي استمر تقريبًا لثلاثين دقيقة دون فائز، هذا يسقط مرة وهذا مرة، ومن ثم ينهض بسرعة رافضًا أن يعلن الآخر انتصارًا عليه .
_ أظن أنني احتاج للتدخل في هذا القتال وإلا سيستمر للأبدية .
كان صوت الوليد الذي صدح من الخلف لينظر له محمد بطرف عيونه لثواني كانت كافية ليسقطه آريان ارضًا وبقوة ومن ثم مال ينتزع سيف محمد ببساطة، يبتسم له بخبث وهو يقترب يميل عليه ساخرًا يقول :
_ أبي كذلك كان دائما يخبرني جملة، أنه رجل رائع، وأن الحمقى دائما ما يلتفتون حولهم في الحروب وهذه هي الفرصة الأمثل لعدوهم حتى ينقض عليه .
رفع محمد عيونه صوب آريان بغضب :
_ أنت أيها اللعـ..
_ لا لا لا عزيزي محمد منذ متى وأنت تسب هذه ليست اخلاق القائد، من أين أحضرت الاخلاق الفاسدة هذه ؟
ختم حديثه وهو يمد يده يساعد محمد في النهوض ليبتسم الأخير بسخرية وهو ينفض ثوبه :
_ من صحبتك .
أطلق آريان ضحكات مرتفعة، يدس السيف داخل ثوبه يربت على كتف محمد :
_ إذن اشكرني فقد علمتك دروس لو عشت مع والدك أعوام ما تعلمتها .
رفع عيونه بعدها صوب الوليد :
_ ماذا يالوليد ما الذي حدث ؟
تحدث الوليد بهدوء شديد وهو يحرك كتفه :
_ لا شيء حدث فقط الرجال متجمعون في الحديقة للتسامر فجئت انقذكم من أنفسكم .
ابتسم له آريان وهو يسحب محمد تحت ذراعيه بمزاح :
_ خلوق هذا الوليد، ربما يحتاج لتكثيف صحبته معنا عزيزي ميدو .
اتسعت عيون محمد بصدمة وهو ينظر صوب آريان بغضب شديد وقد أخبره مئات المرات ألا يناديه بذلك التدليل الذي لا تتوقف والدته عن مناداته به ليس وكأنه طفل يحبو .
وهو منذ سمعه مرة بالخطأ لا ينفك يردده مستفزًا إياه.
_ لقد وعدتني أيها الوسخ .
هرول آريان بسرعة وهو يضحك بصوت مرتفع على غضب محمد والاخير يركض خلفه بجنون وقد أقسم أن يضربه هذه المرة ولن يضع أي اعتبارات سن بينهما .
بينما الوليد يراقبهم بيأس، كان آريان وللعجب أقرب لمحمد من الجميع وقد كان يصطحبه معه في كل مكان .
يتحرك صوب مكان التجمع قبل أن تتوقف أقدامه فجأة جوار حديقة تقبع في منتصف الساحة يبصر شيء جعله يميل برأسه بعدم فهم .
يراقب شيء يتحرك داخل الحديقة، يراقبه دون شعور منه مبتسمًا قبل أن ينطق بشرود :
_ تبارك الخالق .
لم يستطع منع نفسه تأمل ما يرى، كانت ....كانت جميلة، بل فاتنة تصعد شجرة جانبية تقطع بعض الثمار منها وتلقي ارضًا على فراش موضوع أسفل الشجرة .
ابتسم يراقبها ملامح ملائكية يبصرها لأول مرة، يا الله هل هناك نساء بهذه الهيئة؟
أم لأنه ليس معتادًا الاهتمام بالنظر للنساء لم يكن يدرك الأمر، إلا حينما أبصر هذه الجميلة ؟
كانت تنتقي الثمرات بكل هدوء وبسمة جميلة ترتسم على فمها يراها تلاعب بعض الطيور في عش مجاور للفرع الذي تجلس عليه، كانت كامرأة خرجت من كتاب خيالي، أو ربما خرجت من أحلامه على حياته مباشرة، سبحان من أبدع وخلقها .
فجأة استفاق ليدرك أنه يقف في منتصف الطريق يحدق بامرأة بكل تبجح، والله لو ابصره أحدهم ما اكفاهم قطع رأسه، استغفر ربه وهو يتحرك بعيدًا بسرعة لا يمكنه النظر لامرأة بهذا الشكل إلا حينما يشرع الله له النظرة و...
هنا وتوقف فجأة لتتسع بسمته وقد وجدها، غيّر الوليد من وجهته وهرول بسرعة صوب اتجاه آخر يعلم ما سيفعل.
ــــــــــــــــــــــــــ
في جزء من حديقة سفيد كان جميع الرجال يجلسون بهدوء شديد يتحدثون في أحاديث مترامية بين بعضهم البعض حتى وصلوا للجزء الذي تقام به حروب كل مرة .
_ أنتم بالطبع لا تنتظرون مني أن ازوج ابنتي لأحد ابنائكم سبق وتحدثنا بهذه النقطة .
نفخ إيفان بتهكم :
_ ماذا يا عزيزي هل ستجبر ابنتك على أن تترهبن جوارك ؟
_ لا لكنني لن اقبل لابنتي برجل أقل مني، وبما أنه لا يوجد أحد مثلي إذن لن تتزوج .
_ والله هذا من رحمة الله بابنتك أنه لا يوجد رجل مثلك ليتزوجها، ابنتك تحتاج لرجل صالح .
تحركت رأس أرسلان صوب إيفان يتحفز له بشكل غريب :
_ لا تخبرني أنك تصنف نفسك صالحًا أيها الحقير، أنت أكثر انسان فاسد في هذه الجلسة أنت وهذا الذي يدعي أنه لا يعلمنا حتى لا يوجه له أحدهم كلمة .
ختم حديثه وهو يشير صوب سالار الذي رفع عيونه لهم يبتسم بسمة صغيرة ومن ثم سحب بعض الخوخ يتناوله بتلذذ يردد بصوت خافت :
_ عزيزي لا أحد صالح في هذه الجلسة سوى مرجان .
ختم حديثه يحرك رأسه صوب مرجان الذي كان يجلس جانبًا أسفل شجرة ومعه مصباح يدوي يقرأ بعض النصوص في كتاب ما، وفجأة شعر أن الأعين كلها تقبع عليه فرفعها بعدم فهم .
ليبتسم نزار يردد بجدية :
_ ولدي صالح أرسلان يمكننا تزويجه لابنتك إذا أردت الوليد صفحة بيضاء، تقي ووسيم وملك مستقبلي لمملكتين وقوي لا اعتقد أنك قد تجد لابنتك زوج كالوليد ...
وفجأة اقتحم الوليد المكان وهو يمسك يد والده يقول بلهفة :
_ لقد وجدتها يا ابي، وجدتها تعال بسرعة لتبصرها علينا معرفة ابنة من هي لنتقدم للزواج بها .
اتسعت عيون نزار ولم يكد يستفسر عما يقصد ولده حتى سحبه الوليد بلهفة شديدة تاركًا الجميع ينظرون لاثره بصدمة .
يلتقط أرسلان بعض التفاح بغيظ مصطنع يقضمها بتلذذ مستتر :
_ ها انظروا للزوج الصالح لم يكد والده ينتهي من الترويج له حتى جاء يعلن خيانة لابنتي وقد أبصر امرأة أخرى .
اتسعت بسمة إيفان الخبيثة وهو يلتقط التفاحة من يد أرسلان يقضمها باستفزاز :
_ صحيح، أرسلان هل سبق وأن أبصر الوليد وجه ابنتك ؟
_ ومن أين له أن يبصر وجهها ؟
_ إذن ربما لا يخونها، ربما كانت هي الزوجة التي أعجبته منذ ثواني وسحب والده ليحصل عليها، لننظر للجانب الإيجابي الشاب ليس خائنًا .
هنا واتسعت عيون أرسلان بقوة بينما سالار حدج إيفان بضيق شديد :
_ هل تمزح مع أرسلان إيفان؟ بالله عليك أمثل هذا الشخص تمزح معه الآن سـ...
فجأة انتفض جسد أرسلان من المكان يهمس بكلمة غير مسموعة لكن يكاد الجميع يقسم أنها سبة، ومن ثم هرول في نفس الاتجاه الذي تحرك به نزار والوليد ..
تاركًا الجميع خلفهم يراقبون ما يحدث بصدمة، قبل أن ينطق تميم بهدوء وهو يوجه حديثه لإيفان :
_ متأكد أن ابن خالتك بصحته النفسية الكاملة ؟
مضغ إيفان التفاح وهو ينظر بحنق صوب سالار :
_ سامح الله من ألقى به لأرسلان، كان المعتصم خير الرجال هنا، الآن انظر إلى حاله أصبح يتحدث لنفسه بسبب أفعال أرسلان.
ازدادت ضحكات سالار بقوة عليهم يضرب كتف إيفان بمزاح :
_ لا تنكر أنه سعيد، المعتصم افضل من أن يظل طوال حياته مجرد جندي في سفيد، انظر إليه الآن؟ نائب مشكى وقائد جيوشها الأول .
وهذا صحيح كان المعتصم وكأنه قد وجد مكانه الذي بحث عنه طوال الحياة، وجد رفيق ووجد زوجة وعائلة وقد رزقه الله بابنة جميلة كياسمين، وهذا شيء يسعد إيفان به، نال ابن خالته سعادته الخاصة وهذا يكفيه ويفيض .
ــــــــــــــــــــــ
_ يالمعتصم لقد كنت خير الرجال ما بك ؟
رمش المعتصم بعدم فهم يترك ثوبه ارضًا بعدما انتهى من تبديله يرفع عيونه صوب فاطمة متعجبًا :
_ وما الذي تغير فاطمة ؟
_ انظر إليك الآن أصبحت رجلًا لا أعلمه، رفضت ذهابي مع الجميع لسفيد .
اتسعت عيون الأخير بصدمة من حديثها :
- ماذا ؟ هل فعلت ؟ لقد أخبرتك أن تذهبي مع ياسمين إذا اردتي .
_ نعم لكنك لم تكن لتأتي وانا لا اريد الذهاب وحدي .
_ وما ذنبي بذلك فاطم، لم امنعك الذهاب .
اقتربت منه فاطمة تقول بصوت منخفض رقيق :
_ وانا يا المعتصم لم أكن لاتركك وحدك واذهب، كنت أريد الذهاب معك، سويًا .
ابتسم لها المعتصم بلطف وهو وهو يضمها لصدره :
_ عزيزتي الجميلة، أعوضك بإذن الله، هذه المرة لا يمكنني ترك البلاد وحدها، ومن ثم ذهبت ياسمين وتركتك لي بالكامل .
ضحكت فاطمة وهي تضمه بقوة تقبل كتفه مرددة بتفكير :
_ اتمنى فقط أن تكون صغيرتي بخير .
_ صغيرتك هذه عمرها ١٩ عامًا عزيزتي لذا اطمئني، ثم هي مع الملك وعائلته، تعلمين كم يحبون ياسمين .
اتسعت بسمة فاطمة براحة، كانت هذه حياة دعت الله بها، سلام وهدوء وسعادة والمعتصم ماذا تطلب أيضًا .
_ نعم يحبونها، الجميع يحب ياسمين .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
توقف مع والده أمام الشجرة يشير لها لكن فجأة بهتت حماسته وتلاشت لمعة عيونه وهو يدور في المكان يبحث عنها يقول بجنون وكأن عصفوره قد طار من عشه :
_ ماذا ؟ لقد ...كانت هنا منذ دقائق قليلة اقسم .
جذب خصلاته البنية بغضب شديد وهو يبحث عنها، أين ذهبت بهذه السرعة :
_ كيف ...رحلت بهذه السرعة ؟
_ أنت أيها المجنون تسحبني من بين الرجال بهذه الطريقة لأجل لا شيء ؟ ما الذي حدث لك يا الوليد بن تكن بهذا التهور .
_ ماذا لا شيء لقد ...كانت هنا يا أبي اقسم لك، الفتاة كانت ...
توقف حينما أبصر الفراش الذي كانت تلقي عليه الفاكهة تحرك صوبه بسرعة وقد أدرك أنه غطاء وجه كبير يمسكه رافعًا إياه أمام والده :
_ انظر هذا لها، لقد كانت هنا يا أبي لا اعلم أين هي ومن تكون لكنني .... انا...لقد ...
صمت لا يعلم ما يقول هل يخبره أنه أحب الفتاة؟
حسنًا هذا لم يحدث بالطبع من نظرة واحدة، لكنها ...كان بها طاقة لطف وبراءة جذبته بشكل جعله يتوق ليتقرب منها ويعرفها أكثر، وقد فكر أن يفعل ذلك بعلم الجميع، من يعلم ربما تكون هي المرأة التي يبحث عنها .
وصل أرسلان مستعدًا للانقضاض على نزار والوليد وسبز وآبى نفسها إن استحق الأمر، ينظر حوله بحثًا عن الفتاة التي يتحدث عنها الوليد، حتى ابصره يقف أسفل شجرة يحمل بين يديه غطاء وجه ينظر له بحزن واضح .
نظر بعدم فهم صوب نزار الذي أضاف بحزن على ولده مشيرًا له :
_ مسكين ينعي حبًا استمر خمس دقائق.
ضحك أرسلان بصوت مرتفع على ملامح الوليد وتعليقات نزار لينفجر نزار في الضحك معه تحت أعين الوليد الذي نظر لهما بغضب وهو يضيق الخناق على الغطاء يقسم بالله لولا أنه يخشى أن يصنف عاقًا ويخشى جنون أرسلان لكان صرخ بهما الآن.
_ الآن يبكي اطلال فتاة لا يعرفها حتى .
تنهد أرسلان براحة وهو يشير صوب غطاء الوجه بعدما علمه :
_ لا شأن لي بالزوجة الضائعة لولي عهد آبى طالما أنه بعيد عن ابنتي، الغطاء هو غطاء سفيد التقليدي لذا جهز نفسك عزيزي نزار فالعروس المنتظرة لولدك من سفيد ....
ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أين كنتِ ياسمين كل ذلك تحضرين لنا بعض الفاكهة ؟
اتسعت بسمة ياسمين وهي تحمل وعاء كبير ملئ بالفاكهة تضعه أمام الفتيات براحة :
_ قطف هذه الثمار يحتاج للدقة والتريث لقد ظللت معلقة لنصف ساعة حتى انتقي الثمار الناضجة، خاصة أنه كان هناك عش لطائر صغير بالقرب خشيت أن اخيفه.
ابتسمت لها زهرة وهي تراقبها قبل أن تقول فجأة :
_ مهلًا أين غطاء وجهي ؟
نظرت ياسمين حولها وهي تبحث عن غطاء الوجه الذي سحبته من زهرة أثناء تحركها، لكنها لم تجده في الجوار لذا توترت تحاول الحديث بصوت خافت :
_ أوه لا اعلم ربما ....اعتقد أنني نسيته جوار الشجرة لقد كنت ألقي عليه الثمار و...
قلبت زهرة عيونها وهي تقول بحنق من تصرفات ياسمين، تشعر بالقهر على غطاء وجهها المفضل :
_ كنت تلقين ثمار الفاكهة على غطاء وجهي ياسمين ؟ ما بكِ لا بد أن الثمار تركت اثرًا عليه يـ..
_ زهــــــــرة، هذا مجرد غطاء وجه لا يستحق كل هذه المبالغة عزيزتي وياسمين لم تقصد ذلك، يكفيها أنها تطوعت وذهبت لتقطف لنا بعض الثمار واتعبت نفسها لأجلنا .
كانت كلمات خرجت محذرة من فم بارين التي هبت للدفاع عن رفيقة طفولتها، ياسمين الرقيقة والهشة والتي كانت تشبه والدتها، كانت طوال الوقت تخشى عليها من أن تصاب بخدش وقد حرص المعتصم طوال الوقت أن يحيطها بكل حماية ممكنة .
بُهتت ملامح زهرة وشعرت بالغضب من نفسها أن جرحت فتاة بلطف ياسمين تقول بصوت خجل :
_ ياسمين حبيبتي لم اقصد، هذا الغطاء فقط أحضره لي الخال إيفان لذا ...انسي الأمر للجحيم غطاء الوجه لدي آخر على أية حال، سلمت يداكِ اتعبناكِ .
اتسعت بسمة ياسمين واشرق وجهها بالسعادة وهي تقدم لهم الثمار قبل أن تقول بحماس شديد :
- هيا تذوقيها ستعجبك هذه الفاكهة فهي المفضلة لنا في مشكى .
صمتت ياسمين ثواني قبل أن تنظر صوب عائشة التي كانت تجلس جانبًا تراقب السماء شاردة فيما حدث اليوم تخشى أن يتسبب الأمر في صدع دون أن تدري .
_ صحيح عائشة ذكريني ما الذي أحضر شجرة من مشكى لسفيد؟
نظرت لها عائشة تقول بصوت شارد بعض الشيء :
_ هذا عمي أرسلان زرعها لأجلي منذ اعجبتني في مشكى .
التقطت بارين إحدى الثمار وهي تتناولها بتلذذ تحدق بعائشة في قلق لصمتها الطويل هذا .
_ هكذا أغار أنا عائشة .
ضحكت عائشة وكادت تتحدث بكلمة لولا أنها أبصرت شيء جعلها تنتفض فجأة وهي تسحب أول غطاء وجه قابلها تقول بسرعة :
_ سأعود بسرعة .
نظر لها الجميع بعدم فهم، لكنها لم تتوقف للتوضيح وهرولت للاسفل وهي تبصر جسد آرش يتحرك في الحديقة ويبدو أنه في طريقه لتجمع الشباب، لكنها أوقفته بسرعة في منتصف طريقه وهي تردد بسرعة ولهفة :
_ آرش ...
توقفت أقدام آرش ولم يكن وحده بل كان معه شخص آخر توقف وهو ينظر خلفه يحمل بين يديه اكواب العصير بعدما ذهب ليحضرها مع آرش .
شعرت عائشة بالخجل وهي تنظر ارضًا تقول بصوت خافت :
_ مرحبًا سمو الأمير آرين .
ابتسم آريان بسمة ساخرة وهو ينظر صوب آرش بخبث قبل أن يقول يتلاشى النظر لها حتى :
_ مرحبًا سموك، لكنني لست آرين .
ازداد خجل عائشة وهي تقول بهدوء :
_ احتاج للتحدث معك آرش رجاء، دقيقتين من فضلك .
نظر آرش صوب آريان الذي انتزع من بين يديه زجاجات العصير، ثم هز رأسه هزة صغيرة وتحرك بعيدًا بهدوء شديد يقول بصوت هادئ :
_ معذرة سأذهب للجميع، استأذنكم .
ومن ثم رحل ببساطة لتتنفس عائشة الصعداء ترفع عيونها بتردد صوب آرش الذي نظر لها بهدوء وهو يضم يديه خلف ظهره يبتسم لها بسمة صغيرة :
_ تفضلي عائشة ما بكِ، هل هناك ما ألمّ بكِ سموكِ ؟
_ آرش ... أنا.... أنا آسفة، حقًا آسفة.
ضيق آرش ما بين حاجبيه بعدم فهم من اعتذارها، يحاول أن يدرك ما يحدث لتتحدث هي بصوت منخفض خجل مما حدث :
_ لقد أبلغني أبي برغبتك و...صدقني لم يكن الرفض سوى لأنني... أنا فقط أراك اخًا لي وأنت تدرك ذلك .
_ نعم لهذا تقدمت دون خوف عائشة .
تعجبت عائشة من جملته ترفع رأسها له تتساءل بعدم فهم :
_ ما الذي تقصده ؟
_ عائشة أنتِ امرأة يتمنى أي رجل أن تصبحي زوجة له، لكنني كبرت وأنا أراكِ بمنزلة شقيقتي، ووالله لو كبرت بمكان آخر لم يجبرني على التعامل معك بمنزلة الأخ ما تركت رجل آخر ينالك، لكن أبي لم يدرك ذلك، وهو لا أحب على قلبه من أن يجعلكِ ملكة لسفيد، ويضع يده بيد عمي سالار لذا عرض الأمر عليّ وابصرت سعادة في عيونه فخشيت أن أرفض، وكنت أعلم أن الرفض قادم منكِ لا محالة .
اتسعت عيونها تهمس بعدم تصديق لما يقول :
_ أنت....هل جازفت بحياتك مقابل رفضي ؟ ماذا لو لم أرفض؟
_ عائشة أنا لم أكن سأوافق على اقتراح أبي وأنا نفسي لا تقبل بكِ زوجة، إن رفضتِ فهو خير، وإن وافقتِ فهو الخير كله، لذا كان عرض من أبي طالما أنني لا افكر بشخص بعينه، وأنا وافقت ورفضك ليس شيء تأسفين عليه .
كان صادقًا عائشة ورغم أنها لا تشبه الزوجة التي في عقله، إلا أنها لم تكن تقل عنها، ربما هو فقط المجنون يبحث عن امرأة غير موجودة بعد .
وعائشة كانت أفضل مما يتخيل، لكنها لم تكن المرأة التي يحلم بها .
لم تفهم عائشة نصف حديثه تشعر بالحمق بعض الأحيان حينما تتحدث مع آرش، لكنها في النهاية ابتسمت ببلاهة تقول دون وعي :
_ تمام يعني ؟
_ ضيق آرش ما بين حاجبيه بعدم فهم لثواني قبل أن تصلح هي حديثها تقول بسرعة :
_ أقصد أننا بخير .
_ وافضل مما سبق سمو الأميرة لا داعي للقلق .
تنفست الصعداء واخيرًا وهي تتحرك للخلف تقول ببسمة واسعة :
_ أوه هذا مريح، أنت الافضل سمو الأمير شكرًا لك .
ولم تكد تستدير لترحل حتى شعرت برأسها يصطدم في الشجرة بقوة لتطلق صرخة صغيرة جعلت آرش ينتفض وهو يقول برعب :
_ انتبهي .
تراجعت عائشة بسرعة للخلف تقول ببسمة حاولت رسمها بصعوبة رغم الألم الذي ينبض في رأسها :
_ كنت قاصدة على فكرة .
رمش آرش بصدمة مما حدث منذ ثواني هو يعلم أن هناك جزء مجنون داخل عائشة لكنه الآن يبصر كذلك جزء غريب الاطوار .
وعائشة ابتسمت بسمة غريبة من خلف الغطاء تلوح بيدها ومن ثم هرولت بسرعة بعيدًا عنه تحفظ ما تبقى من ماء الوجه وهو ظل واقفًا يتنفس بعدم فهم قبل أن يبتسم يهز رأسه بيأس ومن ثم تحرك ليلحق بالجميع ويقضي معهم الليلة ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ايام مرت على الجميع وقد بدأ الكل ينفذ ما اقترحه أرين في الاجتماع الأخير بمملكة سفيد وبدأوا ينغمسون بين اسواق الممالك لمحاولة معرفة ما يحدث بين الشعب ومن يروج لتلك الأحاديث ...
في مشكى :
فُتحت الابواب وتحرك داخل المكان وخلفه قافلة قادمة معه من سفيد حسب الاتفاقيات الأخيرة، توقف بمجرد أن عبر البوابات يهبط عن حصانه وهو يتقدم من خاله مبتسمًا .
_ مرحبًا بابن الغالية، أنرت بلادك آرش .
ابتسم آرش وهو يتحرك صوب أرسلان يفتح له ذراعيه ليعانقه في اللحظة التي أبصر بها حصان يتحرك بسرعة مرعبة حول القصر وفوق ظهره فارس يغطي جسده بالاسود ثواني وابصر حصان أخرى فوق ظهره آرين أو آريان ربما .
لكن تحرك آريان صوبه وهو يرحب به جعله يدرك أن الفارس الثاني كان آرين بالفعل، لكن من الفارس الاول ؟
لم يهتم بالأمر وهو يتحرك مع أرسلان ومعه نجم " ابن تميم" يتحدث بجدية يسير مع أرسلان، وقد تحرك آريان ليستلم شحن الأسلحة الجديدة :
_ هذه هي الشحنة المتفق عليها خالي، لقد أحضرت كل ما طلبته في رسالتك الأخيرة، يخبرك العم تميم أن تجربهم وتخبره إن وجدت شيء خاطئ، ونجم هنا ليساعد في ذلك .
ختم حديثه يشير صوب نجم الذي كان يتحدث مع آريان حول الأسلحة وقد ورث الأمر عن والده، عاشقًا للأسلحة وكل ما يتعلق بها .
_ لا بأس عزيزي اذهب لتنال بعض الراحة وحتى الغد تكون ناقلات البضائع جاهزة للتحرك معك صوب سفيد .
هز له آرش رأسه ولم يكد يتحدث حتى أبصر الحصان ينطلق من أمامهم على بُعد صغير لتتسع عيونه وهو يراقبهم متسائلًا :
_ يبدو أن آرين يخوض سباقًا مهمًا الآن؟
_ هو فقط يزيد من مهارات بارين في امتطاء الخيل .
توقفت أقدام آرش ينظر للفارس أمامه بأعين منبهرة يهمس بصوت منخفض لا يدري كيف وصل لأرسلان :
_ بارين ؟
_ نعم بارين، هيا تحرك معي لتناول الطعام لقد كنت انتظرك .
نظر خلفه ظهره يقول بصوت مرتفع :
_ آريان احضر نجم وهيا لتناول الطعام وأخبر آرين أن ينتهي مما يفعل ويلحق بنا .
كل ذلك وآرش ما يزال متوقفًا عند جزء أن الفارس الذي يهرول بحصانه بهذه الاحترافية هي بارين، نعم يعلم أن جميع الاميرات يتعلمن القتال والفروسية، لكنه لم يتوقع أن يبصر " بارين " تحديدًا تفعل هذا رغم خشونة والدها، ليس وهو يسمع طوال الوقت عن دلالها، ليس وكل كلمة عنها تتحدث عن كم هي رقيقة لا تتحمل أي من ذلك .
ربما هي كذلك بالفعل لكنها تحب الفروسية ؟
ابعد هذه الأفكار عن رأسه ولم يهتم يتحرك خلف خاله ليغير ثوب سفره في الغرفة التي أعدها له ومن ثم سيذهب ليتفقد العربات التي جاء لأخذها .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ هل انتهيتِ سليمى و....
توقف فجأة وهو يستدير يبصرها تخرج من المرحاض ترتدي فستان مليء بالزهور طويل من اللون الازرق السماوي وتقف أمامه ببسمة تمد له الحجاب تقول ببساطة :
_ نعم فقط تضع لي الحجاب و...
_ هل ستخرجين بهذا الثوب حقًا ؟
ضيقت سلمى ما بين حاجبيها بعدم فهم فقد كانت هذه هي الاثواب التي ترتديها عادة بين طرقات القصر إلا في حالة وجود مناسبة ملكية تستدعي ارتداء ثوب مشكى رسمي .
_ نعم، ما به ؟
ابتسم أرسلان بسخرية وهو يمرر عيونه على سلمى ثوبها، ثم عاد لينظر لعيونها التي تنظر لها ببراءة وكأنها لا تعي ما يحدث حقًا، وهو يعلم تمام العلم أنها تفعل ذلك الان متعمدة لتنتقم منه على شجار الأمس :
_ ما به ماذا يا ابنتي انظري لنفسك الثوب ضيق بعض الشيء حتى أنني أكاد اقدر عدد الكيلوات التي اكتسبتيها خلال الخمسة أشهر الماضية.
اتسعت عيون سلمى واعتدلت في وقفتها بشكل مستقيم غريب قبل أن تهمس بصوت مصدوم :
_ الوزن الذي اكتسبته ؟ هل ...هل تلمح الآن أنني أصبحت سمينة ؟
فتح ارسلان فمه ليكمل كلماته لكنه فجأة أدرك ما يحدث في هذه اللحظة، لقد تخطى خطوط زوجته الحمراء صوب خوفها الأبدي من عودتها للوزن القديم، لذا اتسعت عيونه وهو يرفع يديه بسرعة :
_ يا ويلي لا، لستِ كذلك، بل أنا السمين، أنتِ مثالية حلوتي والله ....
لكن سلمى لم تكن في مزاج يسمح لها بسماع الكذب الذي يتلوه في هذه اللحظة تنظر له بغضب قبل أن تتركه بكل بساطة وتتحرك صوب الخزانة تسحب منها ثوبًا واختفت في المرحاض تاركة أرسلان واقفًا أمامه يطرق بتصميم :
_ يا ابنتي كانت كلمة افلتت من لساني الحقير هذا، هيا اخرجي أنتِ مثالية، يا امرأة لقد انجبتي ثورين وغزالة ومازلتي مثالية ..
لكن سلمى لم تجيبه بكلمة حتى مرت دقائق وخرجت أخيرًا له ليبصرها ترتدي الأسود من أطراف أصابعها لقمة رأسها وهو واقف يراقبها بعدم فهم :
_ لا ادخل الله حزنًا لقلبك، ما الذي حدث هل فقدتي زوجك لتتشحي بالاسود، ما بكِ .
لم تهتم سلمى بكلماته تتحرك صوب المرآة كي ترتب حجابها الاسود وهو يراقبها بصدمة يرفع يديه :
_ كانت ذلة لسان اقسم لك .
_ أحيانًا ينطق اللسان بما يخفي القلب يا عزيزي .
_ لا عزيزتي تعلمين أنني لا اخفي بقلبي شيء وأخبر الجميع بما اريد، لذا هذه المقولة لا تنطبق عليّ .
استدارت له سلمى تبتسم بحنق من كلماته والتي لم تساهم في تهدئتها :
_ إذن أنت تؤكد الآن أنك كنت تعني هذه الكلمة ؟
_ ما بكِ يا امرأة هل أنا اتعرض للتحقيق الآن؟
_ العفو مولاي، والآن استأذنك لانتهي من جلسات اليوم لبعض الأشخاص، ونعم اعتبر جلستنا اليوم ملغاة.
اتسعت عيون أرسلان يراقبها تخرج من الباب مندفعة وكأنه لا يتحدث معها حتى تاركة الباب مفتوحًا خلفها ليبصر آرين وآريان وقد كانا على وشك طرق الباب .
متسعي الأعين يراقبون خروج والدتهما بهذه الهيئة، ووقوف والدهما في منتصف الجناح بهذا الشكل، ليدركا دون كلمة أن شجار جديد نشب بينهما .
لذا نظر آرين لاريان وأشار له بعيونه أن يهربا من أمام والدهما في هذه اللحظة، لكن أرسلان صرخ بها :
_ توقفـــــا ....
توقفت أقدام الاثنين بصدمة ينظران للخلف صوب والدهما الذي خرج من الجناح يغلق الباب بغضب شديد متحركًا في الممر :
_ أجمعوا كافة الجنود سنبدأ حملة تقييم اليوم لتجربة الأسلحة الجديدة ويا ويل من يخفق في التقييم ....
ومن ثم رحل تاركًا الاثنين ينظران لأثره بصدمة قبل أن يردد آرين :
_ يا ويلي والدتك قادرة على قلب مزاج والدك بشكل مرعب .
_ النساء جميعهن هكذا .
استدار آرين صوب آريان بعدم فهم ليبتسم له الأخير :
_ لعنة يا اخي، هن لعنة ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف بالموكب الخاص به داخل بوابات سفيد وهو يحرك عيونه في الإرجاء، لقد بحث عنها طوال الأسبوع السابق، فعل ما لم يتخيل نفسه أن يفعله يومًا .
هو الوليد نزار آزار، وريث سبز وآبى، يتصرف كمراهق أحمق وهو يرافق كل موكب بضائع يعلم أنه سيتحرك لسفيد عساه يلمحها صدفة مجددًا، عسى عيونه تلتقطها حظًا، كان حاله يُرثى له وقد أصبح نكتة لعائلته كلها وهو يبحث عن امرأة لا يعلم لها اسم أو هوية، كل ما يعلمه أنها من سفيد .
يقسم بالله أن الحال وصل به لأن يطلب رؤية نساء المملكة ليتعرف عليها لولا أنه يخشى على رأسه وعلى جسده أن يُمثل به لو طلب هكذا طلب .
_ مرحبا يا الوليد أنرت سفيد ...
كانت كلمات نطق بها دانيار وهو يستقبل شحنات الغذاء التي جاء بها الوليد من سبز، وقد كانت زيارات الأخير قد كثرت لسفيد وهذا ما جعل الجميع يتعجب، فهو ولي عهد لمملكتين وليس مملكة واحدة حتى، بالتأكيد لديه مسؤوليات أكثر من مجرد إيصال البضائع بنفسه .
_ شكرًا لك، شرف لي التواجد بسفيد بالطبع، هذه هي كل البضائع التي ذكرها الطبيب مهيار في رسالته وجميع الاعشاب التي أشار لها، يمكنك التأكد ..
ابتسم له دانيار وهو يشير جانبًا لأحد الجنود :
_ نادي للطبيب مهيار رجاء ليفحص الاعشاب بنفسه لا ينقصنا وجع رأس بسببه.
ابتسم الوليد بسبب كلمات دانيار وقد كان الجميع يعلم عن علاقة الإخوة بينه وبين مهيار، لو ابصرهم أحدهم من بعيد لظن أن كل واحد منهما يتربص للآخر في حين لو اقتربت ستجد أنهم يتربصون لكل من تسول له نفسه الاقتراب من الأخر .
رفع الوليد يده يعبث بخصلاته يدور بعيونه بين الطرقات وكأنه يبحث عن طيفها، يتمنى خفية أن يجدها يعلم أن ما يفعله لن يوصله لها ولو بالصدفة لكنه كان بائسًا، لا يستطيع التفكير في شيء سواها، عرض عليه والده الزواج من اميرات كثر لكنه والله لا يستطيع محو صورتها .
_ هل سمعتني بني ؟
تحركت عيون الوليد والتي كانت تتميز باللون الازرق صوب دانيار يحاول التظاهر أنه كان مستمعًا له :
_ اه نعم هذا ....
فجأة توقف عن الحديث وهو يبصر فتاة تتحرك صوبهم بهدوء شديد وخجل تخفض رأسها للاسفل كاد يبعد عيونه عنها لولا أن لمحه ...غطاء للوجه يشبه ذلك الغطاء الذي وجده بالتحديد .
اتسعت عيونه لا يصدق وقد بدأت ضربات قلبه تزداد يشعر أنه يحلم، هل تكون هي أم مجرد ...ربما ليست هي فالملك أرسلان قال أنه غطاء تقليدي هنا، إذن ربما تمتلكه أكثر من فتاة لكنها ....
صمت وهو يتنفس بعدم تصديق لفكرة أنه ربما تكون هي، سمع صوتها تهمس بنبرة خافتة لكنه سمعها جيدًا وقد ارهف كل حواسه لها :
_ أبي سأذهب للسوق لشراء بعض الخامات التي نفذت مني.
استدار دانيار صوب ابنته يبتسم لها بحنان يربت على رأسها بحب يبصر خلفها موكب صغير وبعض العاملات جواره :
_ حسنًا زهرتي انتبهي لنفسك حبيبتي ولا تتأخري .
نظرت زهرة لوالدها بحب، كان دانيار أول حب لها، والدها الحنون والمتفهم واللطيف، رفيقها وكل ما تمتلك في هذه الحياة .
هزت رأسها وهي تمسك يده تقبلها باحترام ومن ثم مالت برأسها تودعه، وحينما استقامت وقعت عيونها على الشاب جواره، بالطبع كانت تعلمه تمام العلم ...
الأمير الوليد .
يحدق فيها بأعين ملتمعة غريبة ونظرات جعلت قلبها يفلت نبضة شاذة عن الإيقاع لكنها أبعدت عيونها تمسك طرف ثوبها تميل برقي تهمس بصوت مرتفع :
_ سمو الأمير.
والوليد لم يكن منتبهًا لشيء، سوى لكل همسة تخرج منها يحاول معرفة إن كانت هي، لكن الغطاء كان يعيق حلمه، يفكر في العقوبة التي قد يتلقاها إن مد يده ورفع الغطاء ليتأكد ؟
هل يكتفي دانيار بقطع رأسه، أم يعلن الحرب على آبى وسبز ؟
وفي خضم أفكاره لم ينتبه أنها رحلت من أمامه وتبخرت ولم يتبقى سواه ودانيار، والد زوجته المستقبلية ربما ...
_ الوليد هل أنت بخير ؟
اتسعت بسمة الوليد بقوة وقد عثر واخيرًا على طرف خيط يسير خلفه حتى وإن لم يكن اكيدًا، لكنه وجد أرض ثابتة يسير عليها .
_ نعم بخير عم دانيار، أكثر من بخير ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك صوب الحصان الخاص به وقد نزع عنه أي ثوب قد يظهر حقيقته كأمير، يغطي جسده يمعطف وقد انزل الكلنسوة الخاصة به على رأسه ولم يكد يتحرك بالحصان حتى أبصر بطرف عيونه الأميرة تتحرك بين الحدائق وهي تحمل سلة تملئها بالفواكه .
هز رأسه دون اهتمام، يتحرك خارج قصر مشكى وقد رأى أن وجهه حتى وإن كُشف فهو ليس مكشوفًا كما وجوه أمراء مشكى لذا ربما يستطيع الحصول على أي معلومة قد تفيدهم فيما يحدث ...
بعد دقائق طويلة وصل واخيرًا للسوق الذي يتوسط عاصمة مشكى، هبط عن الحصان يجره من اللجام وهو ينظر حوله يبحث عن مكان يربط به الحصان حتى تحصل على شجرة، تحرك وربط بها الحصان ومن ثم تحرك بين الأسواق وهو يترشح بمعطقه الاسود .
يلقي آذانه يمينًا ويسارًا يبحث عن أي شيء قد يكون غير طبيعيًا، لكن كل شيء كان طبيعي حتى الأحاديث المترامية كانت احاديث طبيعة .
لذا أسقط بعض الدفاعات وأخذ يسير بين الأسواق وهو يدعي الاهتمام بالمنتجات حتى سمع فجأة صرخة ربما تكون معتادة في الأسواق، صرخة سيدة تستنجد بالجميع بسبب سرقة أحدهم لاغراضها .
_ حقيبتي، اغيثونـــــــي أموال اطفالي كلها بالحقيبة .
فجأة أبصر آرش جنود السوق يهرلون بسرعة خلف السارق والذي كان طفلًا صغيرًا، ضيق ما بين عيونه وهو يراقب ما يحدث ولم يكن هناك حاجة لتدخله وهو يرى بالفعل الجنود وقد كادوا يمسكون به لكن فجأة حدث شيء غير كل الاحداث .
ظهر فجأة ملثم أعلى ظهر حصان يركض مجاورًا للصبي السارق ودون كلمة واحدة سحب الصبي أعلى حصانه وهرب به بسرعة مرعبة .
اتسعت عيون آرش وهو يراقب الطريق الذي هرب منه الحصان، وركض بسرعة يحضر حصانه ودون تفكير ثانية كان يهرول بالحصان لنفس الاتجاه الذي سلكه اللصوص وقد أدرك أنهم عصابة .
فجأة خرج من منطقة السوق ليبدأ سباق مع العصابة بين المنازل، حتى وصل بهم الحال لمنطقة بعيدة عن العمران.
كان اللص الاكبر يبدو ماهرًا في امتطاء الخيل .
_ أيها الحقير ...لص محترف .
ضرب خاصرة الحصان ضربة خفيفة لتزداد سرعة حصانه حتى وصل للحصان الخاص باللصوص يبصر الطفل يتمسك بالحصان مرتعبًا وشريكه لا يهتم وهو يركض بحصانه حتى ارتفعت صرخات آرش يحاول إيقافه.
_ توقـــــف واعد حقيبة المرأة يا عديم المروءة .
تحركت عيون اللص له وقد كانت هناك نظرة حادة فيها، سرعان ما تلاشت وعلت صدمة العيون التي تحدق به ورغم ذلك اكمل اللص الهرب بالحصان حتى ملّ آرش هذه اللعبة واقترب بشدة من الحصان ودون مقدمات ضرب الحصان ضربة في منطقة يعلم تمام العلم أنها كافية لتوقفه دون أذية.
وبالفعل فجأة توقف الحصان بقوة على قوائمه الخلفية وصهل بصوت مرتفع .
والصبي الصغير فقد قدرته على التمسك وسقط بقوة ارضًا، لكن يبدو أن الفارس الذي يشاركه السرقة كان محترفًا بشكل أكبر وقد ظل متمسكًا باللجام، حتى تدخل آرش وضرب يده بقوة فسقط ارضًا كذلك .
أوقف حصانه بسرعة وهو يقفز عنه ولم يكد يتقدم خطوة صوب اللصوص حتى نهض الأكبر بسرعة وأخرج ثلاث خناجر من جيب معطفه يمسكهم بيد واحدة وبمهارة عالية ينطق بصوت خشن بعض الشيء غريب وكأنه صوت أبح .
_ توقــــف مكانـك .
اتسعت عيون آرش ليس لشيء سوى أنه سمع لتوه صوت ... امرأة؟
لقد كان يسابق امرأة وضرب امرأة؟؟؟
رمش دون فهم ولم يتحرك خطوة يحدق بعيون المرأة التي كانت تنظر له بشر، رفع الكلنسوة الخاصة به يبتسم لها بسمة مستفزة :
_ إذن قائد العصابة امرأة؟
_ أي عصابة هذه أيها المجنون، هذا طفل صغير .
ختمت حديثها تشير صوب الطفل الذي كان يبكي مرتعبًا متوجعًا جانبًا، ومن ثم قالت وهي تتحرك تنتزع الحقيبة من يد الصغير تلقيها لآرش :
_ خذ هذه ما تسعى لها، والآن ارحل من هنا .
نظر آرش صوب الحقيبة بعدم فهم ومن ثم رفع عيونه صوب المرأة يراها متحفزة تشير بخناجرها وكأنها في أي لحظة ستطلقها عليه.
_ الأمر لا ينتهي بهذا الشكل سيدتي، هذا الطفل عليه أن ينال العقاب، ربما ليست المرة الأولى التي يسرق بها و...
وقبل أن يكمل كلماته اندفعت المرأة له وتوقفت أمامه مباشرة تنظر في عيونه بشر ولهيب مشتعل بهما جعله يصمت بتفاجئ، همست بصوت منخفض حرصت ألا يصل للصبي الساقط ارضًا يبكي مرتجفًا :
_ بدل معاقبته، ابحث عن السبب الذي أجبره على السرقة، برأيك ما الذي يجبر طفل مثله لا يعلم عن الحياة شيء على السرقة سوى الجوع .
_ أي جوع هذا، هناك بيت للمسلمين لماذا لا يذهب له ؟
صرخت المرأة بوجه آرش بغضب وقد جن جنونها منه :
_ هذا طفـــل بالله عليك أي بيت مسلمين سيذهب له وهو لا يعلم شيء، جاع ولم يجد ما يسد جوعه فسرق، وبيت المسلمين هذا لا ينفع مثل هؤلاء الصغار الذي سقطوا من عائلاتهم، لا عائلة لهم تذهب للقصر للحصول على ما يكفيهم، هم صغار بما يكفي ليجهلوا حتى ما تتحدث عنه أنت.
رمش آرش بصدمة من كلماتها كانت تتحدث وكأنها كبرت وترعرعت بين الجميع هنا وتفهم ما يمرون به، ابصرها تتحرك صوب الصغير تخرج سرة من العملات الذهبية تلقيها للطفل ومن ثم ساعدته لينهض تقول بتحذير مرعب :
_ اذهب من هنا، وإياك أن تتجرأ على السرقة مجددًا وإلا المرة القادمة أنا من سأقطع يديك، سمعت ؟
بكى الطفل وهو يلقي لها العملات يصرخ من الرعب :
_ لا أتوسل إليكِ لقد كنت فقط اريد ...اخي الصغير هو جائع اقسم بالله لن افعلها مجددًا لا اريد شيء أريد فقط العودة لأخي.
اتسعت عيون آرش مما يسمع، ولم يكد يتحدث بكلمة حتى وجد المرأة تجلس على ركبتيها تسقط كل دفاعها تقول وهي تمسك كتفي الصغير :
_ أنت اخ أكبر رائع لكن هل ترضى أن يكبر شقيقك ليجدك مجرم سييء الخلق وسارق ؟
بكى الصغير ينفي برأسه، لتضع العملات بيده :
_ خذ هذه واشتري ما تريد من الطعام وحينما تنتهي العملات وتشعر بالجوع اذهب لأي جندي بالسوق وأخبره أنك لا تمتلك مالًا وتشعر بالجوع وهو سيساعدك لكن إياك والسرقة .
_ اقسم كانت المرة الأولى لقد ...
_ انتهينا أنت رجل شريف ولست لص، هذه المرة رأيتك وساعدتك، المرة القادمة إن أمسكوا بك سيقطعون يديك، إذا شعرت بالجوع أخبر الجنود حسنًا ؟
ضم الصغير العملات الذهبية لصدره يهز رأسه بحسنًا ومن ثم رحل ركضًا حينما تنحت المرأة عن طريقه، بينما كل ذلك وآرش يتابع ما يحدث بذهول و....انبهار .
المرأة كانت قوية وحكيمة وفي اللحظة ذاتها حنونة، هذا كان مثير للاعجاب .
ابتسم يراها تحمل خناجرها ومن ثم قالت وهي تتحرك صوب حصانها :
_ كأمير وولي عهد مستقبلي اتوقع منك نظرة أشد حكمة في معرفة الفرق بين السارق والمحتاج سموك .
ختمت حديثها وهي تقفز فوق الحصان بكل مهارة تحت عيون آرش التي التمعت وقبل التحرك أوقفها بسؤال :
_ مهلًا كيف عرفتي أنني أمير وولي عهد ؟
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تشير صوبه برأسها:
_ حينما تحاول الاندماج بين العامة، تأكد ألا تسير بحصانك وسيفك الذي يحمل شعار الأمراء...سموك .
اتسعت بسمة آرش بقوة، هذا اعجبه، بل أعجبه وبشدة، لا يتذكر متى آخر مرة تحدث مع أحدهم حديث مشوق كهذا .
_ معذرة منكِ فلم أتوقع أن اقابل أحد بنظر ثاقب مثلك .
حركت المرأة عيونها صوبه يراقب الكحل يزين عيونها بشكل بديع يتلائم مع لثامها الاسود، وقد أبصر بقايا بسمة في عيونها .
_ مشكلتك الكبرى أنك تتعامل مع الجميع بنظرة سطحية وهذا شيء سييء لملك مستقبلي .
أطلق آرش ضحكة مرتفعة وهو يستمع لكلماتها وعكس المتوقع لم يكن منزعجًا منها البتة :
_ أوه هذا يعني أنه يجب عليّ البحث عن شريك لي ذو نظرة ثاقبة مثلك ؟
_ هذا إن قبل بك هذا الشريك.
ختمت حديثها بنظرة ساخرة، تتحرك بحصانها بقوة في الرمال مخلفة خلفها سحابة من الغبار تاركة آرش يتابعها بأعين ملتمعة بقوة وقد كان هذا يعجبه ...يعجبه وبشدة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هل تأكدت أن جميع العربات بحالة جيدة آرين ؟
توقف آرين مع والده أمام العربات الخاصة بنقل البضائع والتي يتم صنعها في مشكى لتصديرها إلى سفيد في اليوم التالي مع آرش ونجم .
_ نعم مولاي لا تقلق تأكدت من كل شيء لا تقلق.
_ جيد غدًا في الصباح تأكد مجددًا قبل تحرك موكب آرش ونجم أن كل شيء بخير لا أود أن تكون هناك أي أخطاء .
هز له آرين رأسه بهدوء ومن ثم شرد ثواني قبل أن يتحدث بصوت منخفض يوقف والده عن الابتعاد :
_ اطمئن مولاي كل شيء سيكون بخير ولكن ...
صمت ثواني قبل أن يردد بصوت قوي بعدما تردد ثواني فيما يريد :
_ بالإضافة للعربات كنت ارجو منك شيء آخر مولاي
توقفت أقدام أرسلان بعدم فهم واستدار صوب ولده ينظر له بتعجب ينتظر أن يكمل ولده ما يريد قوله وآرين تحدث بصوت خافت بعدما تنحنح :
_ أنا سأذهب مع آرش غدا لسفيد، ارغب في إحضار سلاح من العم تميم وقد اوصيته به مسبقًا .
ضيق أرسلان عيونه بعدم فهم من حديث ابنه يجيب ببسمة ساخرة :
_ على حد علمي أنك تشاجرت شجار مؤخرًا مع آرش والآن ترغب في مرافقته بنفسك في رحلة العودة فقط لتحضر سلاحًا يمكن أن يتم إرساله مع أي جندي ؟
ارتسمت بسمة صغيرة على فم آرين وهو يتذكر شجاره الأخير مع آرش في سفيد، شجار معروف السبب وخلاف معتاد بينهما
أفاق من شروده على صوت أرسلان الذي تحدث بجدية :
_ هل تستمع إليّ آرين .
_ ماذا ؟
_ أنت شارد لماذا ؟ هل هو نفسه الأمر الذي تخفيه عني آرين ؟
رفع آرين عيونه صوب والده يحاول تذكر ما يتحدث عنه أرسلان ليبتسم له الأخير بسمة صغيرة يبصر حيرة الأخير الواضحة لذا ساعده وهو يذكر بهدوء :
_ زواجك من آناهيد يا آرين؟
ـــــــــــــــــــــ
حروب مستمرة، وليست بالضرورة أن تكون حروب الساحات، فحروب النفس أشد شراسة من حرب العدو ...
