رواية مدثر الفصل الثاني بقلم شهيرة عبدالحميد
الكلام الـ بيقوله مدثر خطير وراعبني، لكني في نفس الوقت مضطرة اخفي مشاعري واتعامل بشكل طبيعي كأننا بنتكلم عن حلقة كرتونية بندور فيها على الطرف الشرير.
سألته "طب وهو لما شافك، مخدش أي ردة فعل أو حاول يخوفك؟"
رد "لأ خالص.. هو بيقف مكانه كده ساكت.. وآه افتكرت حاجة مهمة.. أيده كانت فاضية".
"قصدك يعني مش ماسك في أيده سىلاح وكده؟"
"لأ يا ماما، أيده فاضية خالص مش عنده دراعات "
مش عنده دراعات!
مش قادرة استوعب هو فعلًا قادر يوصف اللي شافه، ولا أنا اللي مش عارفة أفهمه صح.
لما لقيت الموضوع مُخيف وفيه تفاصيل مش كويسة ممكن تزعج أبني حتى ولو في خياله، قفلت النقاش وأنا برسم إبتسامة مُزيفة على وشي وبقوله "طب يلا خلص فطارك بسرعة علشان فجر منتظراك".
لما نزل مدثر وبقيت لوحدي في الشقة، قلبي بقا مقبوض وحاسة بخوف غريب، خصوصًا من دخول اوضتي، حاسة لو قربت منها في أي وقت هشوفه، أو هيطلع لي من أي مكان.
حاولت أشغِل نفسي طول اليوم في مهام البيت واطرد الموضوع من دماغي، وبقول يمكن الأحداث الأخيرة في حياتي أنا ومدثر خلت خياله أوسع وبينسج حكايات أكتر.
خلص اليوم ودخل مدثر اوضته نام، وفضلت أنا في اوضتي لوحدي بتلفت لكل حركة أو همسة تحصل حواليا، من شدة قلقي عرفت إني مستحيل أنام الليلة دي طول ما أنا بفكر فيه، فقررت أخرج وانام مع مدثر الكام ساعة دول لحد الصبح وخلاص.
مجرد ما بدأت أهدى وأعصابي ترتخي، سمعت صوت باب اوضتي بيتفتح!
صوت واضح لتكة الباب وتزييقة الفتح، خلتني قومت اعتدلت مكاني ومش عارفة اتصرف إزاي!
هل أخرج أشوف مين؟
ولا اخليني مكاني واعمل نفسي مسمعتش؟؟
شعور أن في شخص تالت معانا في الشقة خلاني مش قادرة استسلم للأمر، ونزلت من على السرير لبست الشبشب في رجلي وبدأت اتحرك بخطوات بطيئة جدًا كأني أنا الحرامي جوهّ شقتي.
خرجت من غرفة مدثر وصلت لِطُرقة الشقة ودي عبارة عن ممر قصير في نهايته باب اوضتي بعد فتحة المطبخ.
وقفت اتسمرت للحظات لما لمحت باب اوضتي مقفول!
وأنا متأكدة إني سيباه ورايا مقفول كويس، يعني... يعني الصوت الِلي سمعته فعلًا حقيقي وهو موجود دلوقتي جوه أوضتي.
وصلت قصاد الأوضة، وبدأت أزق الباب وافتحه بشويش وأنا مش مستعدة تمامًا لرؤيته، لكني مضطرة لحماية نفسي وابني.
كانت صدمة بشعة حبست أنفاسي من بشاعتها لما شوفته واقف جنب سريري زي ما وصف مدثر بالظبط، شخص رفيع وطويل وبدون دراعات ومش باين منه أي ملامح في الضلمة غير ضي عيونه البيضا الـ بتنور في العتمة، والابشع من كل ده أنه كان واقف على رجل واحدة مش اتنين؟
يعني بني آدم مكتمل لكن في رجل مبتورة أو مفقودة، ودرعاته الاتنين مش موجودين، المنظر جاب لي ضيق تنفس ومعرفتش أتصرف غير إني أرجع خطوات بعيد عنه وأشد باب الأوضة أقفله عليه كأني عايزة اطمن إني حبسته.
شعور بشع ومُخيف فوق الوصف...
رجعت لمدثر خدته في حضني وعيني طول الليل على الباب خايفة يجيلي لحد عندي وأشوفه تاني، لحد ما طلع الصبح عليا وصحيت على صوت مدثر بيحاول يفك قبضة درعاتي عليه وبيناديني " ماما.. أنتي نمتي هنا جنبي".
فوقت مخضوضة بصيت حواليا اتأكد أن الليلة دي انتهت خلاص وكل حاجة ماشية بخير، وبدأ يوم جديد بخوف أكبر جوايا.
خلاص أنا تأكدت من وجوده، وبقيت عارفة إني مش هقدر أعيش يوميًا بنفس الأحداث المرعبة دي، قررت اخد مدثر واروح بيت بابا نقعد عنده يومين هربانة من أجواء بيتي اللي مش مفهومة، وسِبت الراديو شغال فيها على قناة القرآن بشكل مستمر، يمكن الأوضاع تتغير بعد يومين.
وللغريب إني حتى وأنا في بيت بابا كنت عايشة خايفة وقلقانة، بيدخل عليا الليل والكل ينام وافضل أنا أتلفت حواليا.
بعد يومين ماكنتش مستعدة للرجوع، وجوايا شعور بالهرب متصاعد أكتر من الأول.
ولولا إتصال الست أم فجر عليا إللي بلغتني أن في ناس جم ومنتظرني في موضوع مهم.
مفهمتش مين الناس دول وأنا كل معارفي قادرين يتصلوا عليا لو جايين، أضطريت أخد مدثر وارجع بسرعة على العمارة، وفي شقة أم فجر لقيتها منتظراني على السلم وبتشاورلي أدخل وهي بتقولي "تعالي ياست نوال، الجماعة جوه عندي".
دخلت لقيت ست لابسة اسود في اسود وشكلها منكسر وحزين، وعمرها ميجبش أربعين سنة، شكلها صغير رغم البهدلة إللي هي فيها.
اول ما شافتني جريت على رجلي تبوسها بشكل غريب وبتقولي "ست نوال.. الحمد لله إني لقيتك.. أنا ولاد الحلال دلوني عليكي".
هديتها وقعدت جنبها على نفس الكنبة، وطلبت من مدثر ياخد فجر ويطلعوا يلعبوا بره.
الست كانت في حالة تصعب على الكافر، و بتترجاني اشوف لها ولو أوضة في العمارة علشان تقدر تتستر فيها بعد ما جوزها راح اتجوز عليها وسابها بطولها وهي في الأساس من محافظة تانية ويتيمة أب وأم.
حمدت ربنا على وجودها في وقت زي ده، يمكن لما العمارة يكون في سُكان أكتر اقدر اطمن بيهم وألجأ لهم في أي وقت، كانت بالنسبة طوق نجاة.
خلتها تختار بنفسها الشقة إللي تقعد فيها، واختارت الدور الخامس رغم أنه الدور الوحيد الـ عمري ما دخلته ولا نضفته قبل كده، بس من بساطتها محبتش تتقل عليا واختارت اكتر شقة صغيرة وبسيطة علشان متكونش خدت مساحة من رزقي ومكاني وأشوف فيها الطمع.
وجود ست "شربات" في العمارة شغلني بقية اليوم، ومن تعبي اليوم خلص بدون ما أفكر في حاجة تقلقني، بل تناسيت شوية موضوع الحرامي أو الشبح اللي بيظهر ده.
نمت وصحيت في سلام بدون قلق، لحد ما دخلت الحمام الصبح بدري كعادتي قبل صحيان مدثر، وفيا عادة غصب عني مبقدرش ابطلها، وهو إني مبقدرش استقبل اي أضواء الصبح بدري، فبعتمد على الضوء الخفيف إللي جاي من الشبابيك في الشقة كلها.
ومجرد ما دخلت خطوتين جوه الحمام، إذا بيا ألاقي نص علوي ل بني آدم واقف ورا باب الحمام في الضلمة!
نفس الشخص النحيف إللي ملوش ملامح واضحة، لكن المرة دي فاقد رجليه الأتنين!!
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
