رواية جثة أم الفصل الثاني والأخير بقلم يوسف مصطفى
الضابط عبدالرحمن كان واقف قدام لوحة التحقيق، وعليها صور الضحية وأسماء المشتبه فيهم، وكل ما كان بيراجع تفاصيل القضية، كان بيحس إن فيه حاجة ناقصة.
ست مقتولة جوه شقتها، مفيش اقتحام واضح، مفيش سرقة مؤكدة، وابنها مختفي من وقت اكتشاف الجريمة..
لكن الضابط عبدالرحمن ماكانش مستعد يتهم حد لمجرد إنه اختفى، حتى لو كان أقرب الناس للضحية.
في صباح اليوم التالي، وصل تقرير الطب الشرعي، وبدأت الصورة تتضح.
التقرير أكد إن فاطمة ماتت نتيجة اعتداء جنائي، وإن الوفاة حصلت في توقيت يتوافق مع أقوال الجيران عن الأصوات اللي سمعوها في الليلة المشؤومة.
طلب الضابط عبدالرحمن مراجعة كل المعلومات الخاصة بتحركات ابنها حسام، وفي الوقت نفسه أمر فريقه يستكمل فحص المكان وسؤال الجيران مرة تانية.
كان عنده سؤال واحد مش قادر يخرجه من دماغه:
لو الجريمة هدفها السرقة، ليه الجاني ساب متعلقات الضحية؟ ولو القتل حصل بسبب خناقة، إيه اللي خلّى الأمور توصل للنهاية المأساوية دي؟
وفجأة، دخل عليه أحد أفراد فريق البحث ومعاه نتيجة جديدة.
قال له:يا باشا، قدرنا نوصل لشخص عنده معلومات مهمة عن حسام، وبيقول إنه شافه قبل الجريمة بساعات.
الضابط عبدالرحمن رفع راسه: خليه يدخل.
دخل شاب في أوائل التلاتينات، وكان واضح عليه التوتر.
الضابط سأله: تعرف حسام منين؟ صاحبي من فترة يا باشا.
وآخر مرة شوفته إمتى؟ قبل الجريمة بيوم تقريبًا.
وكان بيتكلم في إيه؟الشاب اتردد، وبعدها قال:
كان متعصب جدًا بسبب مشكلة بينه وبين أمه. كان عايز منها فلوس علشان يسافر ويتجوز، وهي كانت رافضة.
الضابط عبدالرحمن قرب منه وقال:
—ط الكلام ده معروف عندنا. أنا عايز أعرف حاجة جديدة.
الشاب بلع ريقه، وبعدها قال:حسام قال لي إنه مش هيسمح لأي حد يقف في طريقه، وإنه خلاص قرر ينهي المشكلة دي بأي طريقة.
سادت لحظة صمت في المكتب.. الضابط عبدالرحمن ماعلّقش على الكلام، لكنه طلب تسجيل أقوال الشاب رسميًا، وبعدها أمر باستدعاء كل شخص ممكن يكون عنده معلومات عن مكان حسام.
لكن قبل ما الفريق يتحرك، رن تليفون المكتب.
كان المتصل هو صاحب المكالمة المجهولة اللي اتصل بيه قبل كده.
المرة دي وافق يقابله، بشرط إن المقابلة تتم في مكان آمن.
وبعد أقل من ساعة، كان قاعد قدام الضابط عبدالرحمن، وبيحكي له اللي يعرفه.
قال الرجل:أنا ساكن قريب من بيت فاطمة، وشفت حسام داخل العمارة في الليلة دي.
شفته خارج؟أيوه، لكن مش قادر أحدد الوقت بالدقيقة.
اللي فاكره إنه كان مستعجل، وكان باين عليه الارتباك.
ليه ماقولتش الكلام ده من الأول؟الرجل نزل عينه للأرض.
خفت يا باشا. حسام كان معروف في المنطقة، وأنا ماليش دعوة بمشاكله، ومكنتش عايز أدخل نفسي في مصيبة.
الضابط عبدالرحمن سأله: شفت معاه حد تاني؟
لأ، مش متأكد. أنا لمحته من بعيد، ومش هقدر احدد إنه كان لوحده طول الوقت.
الضابط سجّل أقواله، لكنه مااعتبرهاش دليل كافي لوحدها.
كان لازم يوصل لحسام نفسه.. وبعد مراجعة المعلومات المتاحة، بدأ فريق البحث يضيّق نطاق تحركاته، لحد ما وصلوا لمكان كان بيتردد عليه بعيد عن عنوانه المعتاد.
صدرت التعليمات بضبطه وإحضاره، وبعد تحركات مكثفة، تمكنت الشرطة من القبض عليه.
لما دخل حسام غرفة التحقيق، حاول يبان هادي.
قعد قدام الضابط عبدالرحمن، وبص له بثبات مصطنع.
الضابط بدأ الكلام: عارف إحنا جايبينك ليه؟
حسام رد: بسبب أمي، صح؟ أنا سمعت إنها ماتت.
الضابط ركز في عينيه: سمعت؟ وإنت كنت فين لما أمك كانت بتموت؟ كنت بعيد عن البيت.
بعيد فين؟حسام ذكر مكانًا، لكن أقواله عن توقيت تحركاته ماقدرتش تتأكد بشكل كافٍ.
الضابط فتح الملف قدامه وقال: أمك كانت عايشة لوحدها، وكل الناس عارفة إنك كنت بتطلب منها فلوس علشان تتجوز وتسافر. والخلاف بينكم كان كبير.
حسام رد بعصبية: دي حياتي، وأنا حر فيها! أمي كانت رافضة تساعدني، وده مش معناه إني أذيتها.
الضابط ماقاطعوش، وفضل يسمعه.
وبعدها سأله: آخر مرة شوفتها إمتى؟
حسام سكت ثواني، ثم قال: من كام يوم.
الضابط رفع عينه من الملف: متأكد؟ أيوه.
الضابط قفل الملف بهدوء، وقال له: غريبة.. لأن عندنا أقوال بتقول إنك كنت موجود في العمارة ليلة الجريمة.
وش حسام اتغير للحظة، لكنه حاول يستعيد هدوءه.
الناس بتتكلم كتير يا باشا، ومش كل اللي بيتقال حقيقة.
الضابط عبدالرحمن رد: وأنا مش بحكم بكلام الناس. أنا بدور على دليل.
انتهت الجولة الأولى من التحقيق، وحسام تمسك بأقواله، لكن الضابط كان عارف إن القضية محتاجة مواجهة بالأدلة، مش مجرد أسئلة متكررة.
وخلال استكمال التحقيق، رجع فريق البحث يراجع أقوال الشهود وتفاصيل الخلافات القديمة بين الأم وابنها.
واتضح إن موضوع الزواج والسفر ماكانش مجرد نقاش عائلي عابر.
حسام كان شايف إن سفره هو الفرصة الأخيرة للخروج من حالة الفقر والبطالة اللي عاش فيها سنين، وكان مقتنع إن الزواج من امرأة إسرائيلية هيساعده يحقق هدفه.
لكن فاطمة كانت رافضة تمامًا إنها تديه المبلغ اللي طلبه، وخايفة إن ابنها يضيع مستقبله في قرار متسرع.
المشكلة إن حسام ماقدرش يتقبل رفضها.
ومع كل يوم كان بيعدي، كان غضبه بيزيد، لحد ما الخلاف وصل لمرحلة خطيرة.
لكن الضابط عبدالرحمن كان لسه محتاج يثبت إيه اللي حصل داخل الشقة، وإزاي الخلاف انتهى بمقتل فاطمة.
استكمل الفريق فحص الأدلة المتاحة، وقارن المعلومات بأقوال الشهود، وراجع التناقضات في رواية حسام عن تحركاته.
وبعد مواجهة جديدة بالمعلومات اللي تم التحقق منها، بدأ تماسكه ينهار.
سأله الضابط بصوت هادي: ليه كذبت في أقوالك عن آخر مرة شوفت فيها أمك؟
حسام فضل ساكت.. الضابط كمل:
إحنا مش بنتكلم عن خناقة عادية. إحنا بنتكلم عن ست ماتت جوه بيتها، وكانت آخر أمنية ليها إنها تشوف ابنها في أحسن حال.
حسام حط إيده على وشه، وفضل ساكت فترة طويلة.
وبعدها قال بصوت منخفض:
أنا كنت عايز أسافر.. كنت عايز أبدأ حياة جديدة.
الضابط سأله:
—وده يديك الحق تقتل امك عشان تاخد الفلوس؟
حسام ما ردش.
وبعد وقت من المواجهة والتحقيق، انهار واعترف بارتكاب الجريمة.
حسام هو اللي قتل أمه فاطمة.. في الليلة دي، راح لها وهو عارف إن موضوع الفلوس هيفتح نفس الخلاف القديم، وكان عايز منها توافق على طلبه وتساعده في تجهيز نفسه للسفر والزواج.
لكن فاطمة تمسكت برفضها، وحاولت تقنعه إنه ماينفعش يبني مستقبله على قرار متسرع، وإن الفلوس اللي معاها مش هتقدر تعوضها لو خسر نفسه.
الخلاف احتد، والغضب سيطر على حسام، وبدل ما يخرج من البيت ويهدأ، ارتكب جريمته.
قتل أمه، الست اللي قضت عمرها بتحاول تساعده، واللي كانت رغم خلافاتها معاه لسه بتعتبره أغلى ما عندها.
وبعد الجريمة، خرج من الشقة، وبدأ يحاول يبعد نفسه عن الشبهات، لكنه ماقدرش يغيّر الحقيقة.
السبب اللي بدأ منه كل شيء كان واضحًا: رفض أمه تمويل زواجه وسفره.
لكن الحقيقة الأعمق كانت إن حسام سمح لغضبه وأنانيته يسيطروا عليه، لحد ما حوّل خلافًا عائليًا إلى جريمة أنهت حياة أمه.
الضابط عبدالرحمن قعد بعد انتهاء التحقيق، وبص لصورة فاطمة الموجودة في الملف.
قال لزميله: أصعب حاجة في القضية دي إن الضحية كانت بتحاول تحمي ابنها من قرار غلط، وفي النهاية ماتت على إيده.
زميله رد بحزن: يعني كانت بتحاول تنقذه، وهو اللي أنهى حياتها.
الضابط عبدالرحمن قفل الملف وقال: القانون هو اللي هيحدد مصيره دلوقتي.
بعد اكتمال التحقيقات وجمع الأدلة وأقوال الشهود، أُحيل حسام إلى المحاكمة بتهمة قتل أمه عمدًا.
القضية أثارت صدمة كبيرة، لأن الضحية ماكانتش غريبة عن المتهم، ولا كانت بينهما عداوة من النوع اللي الناس تتوقع إنها ممكن تنتهي بالقتل.
دي كانت أمه، والست اللي كان المفروض يكون أمانها وسندها، مش الشخص اللي تنتهي حياتها على إيده.
أمام المحكمة، استمعت هيئة القضاء إلى تفاصيل الواقعة، وأقوال الشهود، والأدلة المقدمة في القضية، بالإضافة إلى اعترافات المتهم.
ودفاع المتهم حاول يعرض ظروفه الصعبة، والبطالة، والخلافات اللي سبقت الجريمة، لكن الظروف الاجتماعية مهما كانت قاسية، ماكانتْش كافية لتبرير إزهاق روح إنسانة.
وفي نهاية المحاكمة، وبعد استيفاء الإجراءات القانونية، أصدرت محكمة الجنايات حكمها بإعدام حسام، بعد إحالة أوراق القضية إلى مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي الاستشاري.
وهكذا، انتهت رحلة حسام من شاب كان بيحلم بالسفر وتغيير حياته، إلى متهم يقف أمام القضاء بسبب جريمة ارتكبها في حق أقرب إنسانة ليه.
أما فاطمة، فما رجعتش لبيتها، وماسمعتش ابنها بينادي عليها تاني.
فضل بيتها شاهدًا على نهاية مأساوية، سببها إن إنسانًا قرر إن رغبته أهم من حياة غيره.
كان حسام فاكر إن أمه هي العقبة اللي واقفة في طريق مستقبله، لكنه اكتشف متأخر جدًا إن قراره هو اللي دمّر مستقبله، وإن الثمن كان أغلى من أي فلوس أو سفر أو زواج.
لأن فيه قرارات ممكن الإنسان يصلحها، وأخطاء ممكن يعتذر عنها، لكن فيه جريمة واحدة لما تحصل.. مفيش بعدها فرصة للتراجع.
السؤال هنا: هل الفقر والبطالة ممكن يفسروا انهيار إنسان نفسيًا، ولا عمر الظروف ما تقدر تكون مبررًا لقتل أم على إيد ابنها؟
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
