رواية القاسي والبريئة الفصل الثاني 2 بقلم نورا السنباطي


 رواية القاسي والبريئة الفصل الثاني 

بسم الله نبدأ..

في بيت الحاج سالم الدمنهوري...

كانت إيلاف واقفة في المطبخ، بتغسل الأطباق اللي اتراكمت من بعد الفطار، وعقلها مشغول بكلام أبوها.

«حياتك هنا، ووسط أهلك، ومش عايز أسمع الكلام ده تاني».

الكلمات كانت بتتردد جوا دماغها، وكل مرة كانت بتحس إن نفسها بتضيق أكتر.

كانت نفسها تشتغل، يكون ليها مرتب خاص بيها، تشتري منه حاجاتها من غير ما تضطر تطلب من حد، حتى لو كانت أبسط الحاجات.

لكن الظاهر إن أبسط حقوقها بقت حلم بعيد.

مسحت إيديها في المريلة، وبصت ناحية الساعة المعلقة على الحيطة.

الساعة قربت من عشرة الصبح، وكانت لسه ما أكلتش حاجة من ساعة ما صحيت.

مدت إيدها ناحية رغيف عيش صغير كان فاضل من الفطار، ولسه هتاخد منه لقمة، حتى سمعت صوت نوال جاي من وراها.

ـ إنتِ بتعملي إيه يا بت؟!

إيلاف اتخضت، ولفت بسرعة.

ـ مفيش يا طنط، كنت بس هاكل لقمة عشان...

نوال بصت للرغيف في إيدها باحتقار.

ـ عشان إيه؟! هو الأكل بقى ناقص في البيت عشان تاكلي من ورا الناس؟!

إيلاف اتسعت عينيها بصدمة.

ـ والله يا طنط، ده فاضل من الفطار، وأنا ما أكلتش حاجة من الصبح.

ـ وإنتِ مين قالك إنك تاخدي حاجة من نفسك؟! لما تجوعي، تستني لما أهل البيت يخلصوا وتشوفي فاضل إيه!

نزلت إيلاف عينيها، وحطت الرغيف على الرخامة.

ـ حاضر.

نوال قربت منها، وقالت بحدة:

ـ وبعدين أبوكي راجع النهارده بدري، وأنا مش عايزة أسمع شكوى واحدة منك. لو فتحتي بُقك بكلمة عن الشغل أو الخروج، هخليه يربيكي من أول وجديد. فاهمة؟

إيلاف هزت رأسها في صمت.

لكن نوال ما اكتفتش بكده.

ـ روحي هاتيلي الشال اللي فوق سريري، ونضفي الأوضة كويس، وبعدها شوفي هدوم مريم. ومش عايزة أشوف وشك قدامي غير لما تخلصي كل حاجة.

خرجت نوال، وفضلت إيلاف مكانها للحظات.

ثم رفعت وشها للسقف، وهمست بصوت مبحوح:

ـ يا رب، أنا تعبت... والله تعبت، بس مش عايزة غير سترك ورضاك. قويني يا رب.

مسحت دموعها، وخرجت من المطبخ تنفذ اللي اتطلب منها.

ما كانتش تعرف إن اليوم ده تحديدًا هيكون أصعب من كل الأيام اللي فاتت، وإن الوجع اللي اتعودت تخبيه جواها، هيظهر قدام الكل غصب عنها.

--

الساعة كانت اتناشر ظهرًا، لما رجع الحاج سالم الدمنهوري البيت.

دخل وهو عابس، ورمى مفاتيحه على الطاولة، وفك زرار الجلابية عند رقبته.

نوال خرجت من الصالة بسرعة، وعلى وشها ملامح الضيق المصطنعة.

ـ حمد لله على السلامة يا حاج.

سالم رد باقتضاب:

ـ الله يسلمك.

ـ مالك بس؟ شكلك مضايق.

قعد سالم على الكنبة، وفرك وشه بإيده.

ـ مفيش، شغل ووجع دماغ.

نوال قعدت جنبه، وقالت بنبرة محسوبة:

ـ ربنا يعينك يا حاج، بس أنا كمان تعبت، والله تعبت.

بصلها سالم.

ـ تعبتي من إيه؟

تنهدت نوال، وهزت رأسها بحزن مصطنع.

ـ من إيلاف يا حاج. البنت بقت مش عاجبها العيشة معانا، وكل يوم والتاني عايزة طلبات. والنهارده كمان بتتكلم عن الشغل والخروج من البيت!

سالم عقد حاجبيه.

ـ شغل إيه تاني؟!

ـ أهو ده اللي أنا بقوله! مش عارفة مين اللي فهمها إنها تقدر تعمل اللي هي عايزاه. وأنا خايفة عليك يا حاج، البنت تكبر وتفتكر إن محدش يقدر يقولها لأ.

في اللحظة دي، كانت إيلاف خارجة من الممر، شايلة صينية عليها كوباية شاي لوالدها.

سمعت آخر جملة، فوقفت مكانها.

نوال لمحَتها، فرفعت صوتها عمدًا:

ـ أهي جات بنفسها، اسألها يا حاج!

إيلاف دخلت الصالة بحذر، وحطت الصينية على الطاولة.

ـ اتفضل يا بابا، الشاي.

سالم ما بصش للكوباية حتى.

ـ إنتِ كنتِ عايزة تشتغلي؟

إيلاف اتجمدت.

بصت لنوال، فلقتها بتبصلها بابتسامة خبيثة، فعرفت إنها اللي نقلت الكلام.

رجعت بعينيها لأبوها.

ـ أيوه يا بابا، بس أنا...

ـ إنتِ مش قلتلك الكلام ده انتهى؟!

ـ حضرتك قلتلي، وأنا ما اعترضتش. بس كنت بفكر...

ـ بتفكري في إيه؟! إنتِ فاكرة نفسك بقيتي كبيرة عليا؟!

ـ لا والله يا بابا، أنا عمري ما فكرت كده!

سالم وقف من مكانه، وملامحه اتغيرت.

ـ أمال بتطلبي الشغل ليه؟! عشان تخرجي من البيت وتعملي اللي على مزاجك؟!

إيلاف هزت رأسها بسرعة، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.

ـ لا يا بابا، أنا بس نفسي أعتمد على نفسي، ومش عايزة أكون حمل على حد...

الكلمة الأخيرة كانت كفيلة إنها تشعل غضبه.

ـ حمل على حد؟!

اقترب منها بخطوات غاضبة.

ـ هو أنا قصرت معاكي في إيه عشان تقولي إني شايلك حمل؟!

ـ والله ما قصدي، أنا ما قولتش كده!

ـ أمال قصدك إيه؟! انطقي!

إيلاف رجعت خطوة لورا، وصوتها ارتعش.

ـ أنا قصدي إني عايزة أشتغل وأساعد نفسي، مش أكتر!

سالم رفع إيده وضر*بها على وشها.

الصوت دوّى في الصالة.

إيلاف شهقت، واتراجعت خطوتين، وإيدها راحت لخدها من غير ما تحس.

سكت المكان كله.

حتى نوال، اللي كانت السبب في إشعال الموقف، وقفت تراقب المشهد.

سالم أشار بإيده ناحية إيلاف، وصوته علا:

ـ إنتِ من إمتى بقيتي ترفعي صوتك عليا؟! ومن إمتى بقيتي تناقشيني في قراراتي؟!

إيلاف كانت بتبص له بصدمة، ودموعها بتنزل من غير صوت.

ـ أنا ما رفعتش صوتي يا بابا...

ـ اسكتي! مش عايز أسمع صوتك!

نوال تدخلت، وهي بتحاول تخفي فرحتها:

ـ خلاص يا حاج، اهدى، البنت يمكن ما تقصدش.

لكنها كملت بسرعة:

ـ بس برضه لازم تعرف حدودها، عشان ما تفتكرش إن الدنيا سايبة.

سالم بص لإيلاف بغضب.

ـ من النهارده، مفيش خروج من البيت من غير إذني، ومفيش كلام عن الشغل تاني. ولو عرفت إنك كلمتي حد في الموضوع ده، هتندمي!

إيلاف حاولت تتكلم، لكن صوتها اختفى.

كان نفسها تسأله سؤالًا واحدًا.

ليه يا بابا؟

ليه كل مرة بتحاول فيها تعمل حاجة لنفسها، بتتعاقب؟

ليه مش بيبصلها زي ما بيبص لأي بنت تانية؟

ليه بقى وجودها في حياته ذنب لازم تدفع تمنه كل يوم؟

لكنها ما قالتش حاجة.

اكتفت إنها هزت رأسها، ودموعها بتبلل وشها.

ـ حاضر يا بابا.

سالم لف وشه عنها، وقعد على الكنبة كأن شيئًا لم يحدث.

ـ خدي الصينية دي من قدامي، واطلعي أوضتك. مش عايز أشوف وشك دلوقتي.

إيلاف انحنت تاخد الصينية، لكن إيديها كانت بتترعش، فخبطت الكوباية في طرف الطاولة وانسكب جزء من الشاي.

سالم صرخ:

ـ حتى الشغل مش عارفة تعمليه عدل؟!

إيلاف انتفضت.

ـ آسفة يا بابا، والله ما أقصد!

لم تنتظر ردًا آخر.

حملت الصينية بسرعة، وخرجت من الصالة، تحاول كتم شهقاتها حتى لا يسمعها أحد.

لكن بمجرد ما وصلت لأوضتها الصغيرة في آخر الممر، قفلت الباب وراها، وسندت ضهرها عليه.

ثم نزلت على الأرض ببطء.

حطت إيديها على وشها، وانفجرت في البكاء.

ما كانتش بتعيط عشان الضربة بس.

كانت بتعيط عشان أبوها اللي بقى غريب عنها، وعشان أمها اللي مش موجودة تحضنها، وعشان عمر كامل قضته بتحاول تثبت إنها تستحق الحب، لحد ما نسيت إن الحب مش المفروض يكون جائزة لازم تتعب عشان تاخدها.

همست وسط دموعها:

ـ أنا بنتك يا بابا... والله أنا بنتك.

لكن مفيش حد سمعها.

ولا حتى قلبها اللي اتوجع من كتر ما حاول يبرر قسوة الناس اللي المفروض يكونوا أمانها.

---

في شركة الجبالي للاستثمار...

كان آواب قاعد في مكتبه، قدامه مجموعة ملفات مفتوحة، وعلى يمينه فنجان قهوة ما لمسوش من ساعة ما دخل.

قدامه كان واقف ثلاثة رجال من كبار الموظفين، ومعاهم مدير الحسابات.

كلهم كانوا مستنيين يتكلم.

لكن محدش فيهم كان عنده الجرأة يبدأ.

آواب رفع عينيه من الورق، وبص لهم واحدًا واحدًا.

ـ أنا مستني.

مدير الحسابات بلع ريقه.

ـ يا آواب بيه، إحنا راجعنا كل الحسابات، والظاهر إن فيه خطأ في تسجيل الكميات بالمخزن، لكن لسه ما وصلناش للشخص المسؤول.

آواب حط القلم على المكتب.

ـ الظاهر؟

الرجل اتوتر.

ـ أقصد إننا لسه بنتأكد يا بيه.

ـ بقالكم كام ساعة بتتأكدوا؟

ـ من الصبح يا بيه.

آواب رجع بظهره للكرسي، وعينيه ثبتت على الرجل.

ـ يعني من الصبح، وإنتوا تلاتة قاعدين في الشركة، ومعاكم كل الأوراق، ولسه ما عرفتوش مين اللي لعب في حساباتنا؟

واحد من الموظفين تدخل بسرعة:

ـ إحنا بنحاول نوصل للحقيقة يا آواب بيه.

آواب التفت له.

ـ اسمك إيه؟

ـ شريف يا بيه.

ـ شريف، إنت شغلتك إيه هنا؟

ـ مسؤول مراجعة العقود يا بيه.

ـ وأنا سألتك عن شغلتك ليه؟ عشان أعرف إنك مش مسؤول عن المخزن، ولا عن الحسابات، ولا عن التحقيق. يبقى إنت بتتكلم ليه؟

الرجل سكت فورًا.

آواب قام من مكانه، ومشى ناحية الشاشة الكبيرة المثبتة على الحائط.

ـ بصوا كويس.

ضغط على جهاز التحكم، فظهرت مجموعة من الأرقام وتواريخ استلام الشحنات.

ـ الشحنة خرجت من المخزن يوم الاتنين الساعة اتنين وأربعين دقيقة. اتسجل خروجها بتوقيع عادل، لكن عربية النقل ما خرجتش من البوابة غير الساعة أربعة إلا عشر دقايق.

التفت لهم.

ـ ساعتين إلا عشر دقايق. العربية كانت فين؟

مدير الحسابات قرب من الشاشة.

ـ ممكن تكون اتأخرت في التحميل يا بيه.

آواب هز رأسه ببطء.

ـ احتمال.

ثم أشار لرقم تاني.

ـ لكن الكمية المسجلة في أمر الخروج أكبر من الكمية اللي اتوزنت عند البوابة. يعني حتى لو العربية اتأخرت، ده مش هيفسر الفرق.

سكت لحظة، ثم أكمل:

ـ راجعنا تسجيلات الكاميرات، ولقينا إن فيه عربية دخلت المخزن بعد خروج الشحنة الأساسية، من غير ما يتسجل دخولها في دفتر الأمن.

اتبدلت النظرات بين الرجال.

آواب رجع لمكتبه، وفتح درجًا، وأخرج ملفًا رفيعًا.

ـ دي أرقام العربية، واسم الشركة اللي مسجلاها، وصورة الشخص اللي كان سايقها. كل ده وصلني من الأمن من نص ساعة.

مدير الحسابات بص له بدهشة واضحة.

ـ حضرتك عرفت كل ده في نص ساعة؟

آواب رفع عينيه.

ـ عندك اعتراض؟

ـ لا يا بيه، أبدًا.

ـ يبقى ركز في شغلك بدل ما تركز أنا عرفت إزاي.

فتح الملف أمامهم.

ـ العربية مسجلة باسم شركة نقل مملوكة لابن عم عادل. لكن ده مش دليل كافي إن عادل هو اللي سرق الشحنة، ومش هتهم حد قبل ما أسمع كلامه وأراجع الأدلة كاملة.

ثم نظر إلى مدير الشركة.

ـ عادل هيفضل موقوف عن العمل مؤقتًا لحد انتهاء التحقيق، من غير ما حد يتعرض له أو يهدده. وأي ورقة تثبت تورط شخص، تتحط في الملف زي ما هي، حتى لو الشخص ده قريب ليا.

الرجال هزوا رؤوسهم.

آواب كمل بنبرة قاطعة:

ـ واللي هيحاول يخفي مستند، أو يغيّر رقم، أو يضغط على شاهد، هيتحاسب على اللي عمله. 

مدير الحسابات قال باحترام:

ـ مفهوم يا آواب بيه.

آواب قفل الملف.

ـ قدامكم لحد بكرة الساعة عشرة الصبح. عايز تقرير كامل، بالأدلة، وبأسماء كل اللي تعاملوا مع الشحنة من أول ما خرجت من المورد لحد ما وصلت المخزن.

ثم أضاف ببرود:

ـ واللي عنده حاجة يقولها، يقولها دلوقتي. بعد ما تخرجوا من المكتب ده، مش عايز أسمع إن حد كان عارف وسكت.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال مدير الشركة:

ـ تمام يا آواب بيه.

خرج الرجال من المكتب، واحدًا وراء الآخر.

وما إن اتقفل الباب حتى تنفس أحدهم بعمق في الممر.

ـ الراجل ده بيخوفني والله!

رد زميله وهو بيبص ناحية باب المكتب:

ـ بيخوفك؟ ده لو بصلك بس، تحس إنه عارف إنت مخبي إيه من قبل ما تتكلم!

أما مدير الحسابات فقال بجدية:

ـ بس الحق يتقال، هو ما ظلمش عادل لحد دلوقتي، مع إن كل الشكوك عليه. آواب بيه قاسي، لكن في الشغل ما بيحبش يمشي ورا كلام الناس.

سمعهم أحد الحراس، فالتفت لهم.

ـ يا جماعة، خلصوا كلام وارجعوا شغلكم. لو آواب بيه عرف إنكم واقفين تتكلموا، مش هتحتاجوا حد يخوفكم.

اختفى الموظفون في لحظات.

وفي الداخل، كان آواب رجع يقلب الأوراق بهدوء، كأن الموقف كله ما استحقش منه أكثر من دقائق.

بالنسبة له، الغضب من غير عقل خسارة، والقوة من غير عدل تهور.

هو ممكن يكون قاسيًا، وصعب المراس، وما يقبلش حد يتجاوز حدوده.

لكن كان عنده مبدأ واضح:

ما ياخدش قرار قبل ما يعرف الحقيقة، وما يسمحش لحد يلعب بعقله لمجرد إنه بيعرف يتكلم كويس.

--

الساعة قربت من اتنين الظهر، لما رن تليفون آواب.

بص للشاشة، ولأول مرة من بداية اليوم، ملامحه ارتاحت.

اسم واحد كان كفيل يغير نبرة صوته:

أمي ❤️

رد فورًا.

ـ أيوه يا ست الكل.

جاءه صوت والدته، الحاجة فاطمة، دافي وحنون:

ـ إنت فين يا قلب أمك؟

ابتسم ابتسامة صغيرة.

ـ في الشركة يا حبيبتي، خير؟

ـ هو لازم يبقى فيه خير عشان أكلم ابني؟ ما هو إنت من الصبح لا سألت ولا طمنتني عليك!

آواب رجع بظهره للكرسي، وقال بصوت أهدى بكتير من صوته المعتاد:

ـ حقك عليا يا أمي. والله كنت مشغول، بس أنا كويس. إنتِ عاملة إيه؟ وخدتي دواكي بعد الفطار؟

ـ أيوه يا سيدي، خدت دوايا، وأكلت، وشربت، ومفيش حاجة ناقصاني.

سكتت لحظة، ثم قالت بمكر أمومي:

ـ ناقصني حاجة واحدة بس.

آواب غمض عينيه، وكأنه كان متوقع الجملة.

ـ يا ساتر يا رب، بدأنا!

ضحكت الحاجة فاطمة.

ـ أهو إنت عارف! طب اسمعني بقى من غير ما تقاطعني.

ـ اتفضلي يا ست الكل، أنا سامعك.

ـ يا آواب يا حبيبي، أنا نفسي أفرح بيك.

اختفت الابتسامة تدريجيًا من وشه، لكنه ما قاطعهاش.

كملت أمه بصوت كله حنان:

ـ نفسي أشوفك داخل عليا ومعاك مراتك، ونفسي أشوف عيالك بيجروا في البيت، واحد يشدني من إيدي وواحدة تناديلي يا تيتة. نفسي البيت اللي اتربيت فيه إنت، يرجع مليان ضحك وحركة.

آواب بص من الشباك، وقال بهدوء:

ـ يا أمي، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده كتير.

ـ وأنا هفضل أتكلم فيه كتير لحد ما ربنا يفرح قلبي بيك.

تنهد.

ـ يا أمي، الجواز مش قرار يتاخد لمجرد إننا عايزين نخلص منه. دي حياة كاملة، وواحدة هتبقى شريكة عمري، ولازم أكون عارف أنا باختار مين.

ـ وأنا قلتلك اختار واحدة بنت أصول، تخاف ربنا، وتحافظ عليك وعلى بيتك. مش طالبة منك تجيبلي ملكة من السما يا آواب!

ابتسم رغمًا عنه.

ـ طب ما إنتِ كده طلباتك بسيطة أهو!

ـ أيوه بسيطة، بس المشكلة إن ابني عامل نفسه حاكم على العالم كله، ومش لاقي واحدة تستاهل تدخل بيته!

ضحك ضحكة خفيفة.

ـ يا أمي، أنا ما قلتش كده.

ـ أمال إيه؟ كل ما أفتح معاك الموضوع، تقوللي بعدين. بعدين دي هتفضل لحد إمتى يا ولدي؟

سكت آواب.

فجاءه صوت أمه أكثر رقة:

ـ عايزة أشوف ولادك قبل ما اموت، يا حبيبي.

شد جسمه فجأة، واختفت كل ملامح المزاح من وشه.

ـ بعد الشر عليكي يا أمي، ما تقوليش الكلام ده تاني.

ـ يا ابني، الأعمار بيد ربنا، وأنا راضية بقضاه، بس نفسي أطمن عليك. أبوك الله يرحمه كان نفسه يشوفك مستقر، وأنا كمان نفسي أشوفك مبسوط، بدل ما إنت عايش طول الوقت للشغل والمسؤوليات.

آواب حط القلم من إيده.

ـ إنتِ مالك النهارده؟ فيه حاجة تعباكي؟ كشفتي عند الدكتور؟

ـ لا يا حبيبي، أنا كويسة، بس كنت قاعدة لوحدي وفكرت فيك.

ـ طب اسمعيني كويس، إنتِ ما ينقصكيش حاجة طول ما أنا موجود. أي حاجة تحتاجيها، أنا هعملها. لكن موضوع الموت والأعمار ده مش عايز أسمعه منك تاني.

ـ حاضر يا سيدي، مش هقول.

ثم أضافت بسرعة:

ـ بس إنت كمان توعدني إنك تفكر في موضوع الجواز بجد.

آواب سكت لحظة.

كان يقدر يرفض، وينهي المكالمة، ويقول لها إن عنده شغل.

كان يقدر يتمسك بعناده كعادته مع أي شخص آخر.

لكن دي أمه.

الست اللي سهرت على مرضه وهو صغير، واللي وقفت جنبه في أصعب أيامه، واللي مهما كبر وبقى اسمه يهز بلد كاملة، كان قدامها لسه ابنها اللي بيستنى رضاها.

قال أخيرًا:

ـ حاضر يا أمي، هفكر في الموضوع بجد.

فرحت الحاجة فاطمة.

ـ بجد يا آواب؟

ـ بجد.

ـ يعني لو لقيتلك عروسة مناسبة، مش هتقوللي مش وقته؟

ابتسم وهو يهز رأسه.

ـ إنتِ كانك مستنيه 

ـ يا حبيبي، أنا أمك، ومن حقي أفرح بيك!

ـ حقك يا ست الكل، وحقك عليا.

ثم سألها:

ـ طب أكلتي إيه النهارده؟

ـ محشي.

رفع حاجبيه.

ـ محشي إيه؟

ـ ورق عنب وكرنب.

ضحك.

ـ يا أمي، إنتِ مش بتقوليلي الدكتور قالك خففي الأكل التقيل؟

ـ يا ابني، دي لقمتين!

ـ لقمتين إيه؟! إنتِ لو أكلتي الحلة كلها هتقوليلي لقمتين!

ضحكت أمه من قلبها، وهو فضل يسمع ضحكتها للحظات، كأنها الحاجة الوحيدة اللي بتقدر تبعده عن ضغط الحياة.

وقبل ما يقفل، قال لها:

ـ هخلص شغلي وأجيلك على المغرب. محتاجة حاجة أجيبهالك؟

ـ سلامتك يا حبيبي، بس تعالى بدري، عايزة أقعد معاك شوية.

ـ من عيني يا أمي.

ـ ربنا يرضى عنك يا آواب، ويحفظك من كل شر.

صوته بقى أكثر دفئًا.

ـ ويرضي عنك يا أمي، ويطول في عمرك ويباركلي فيكي.

قفل المكالمة، وظل ماسك التليفون لحظات.

ثم رفع عينيه لصورة والده المعلقة على الحائط.

كان والده قد رحل من سنوات، وترك له مسؤولية العائلة والشركات، لكن أمه ظلت الشيء الوحيد اللي بيحس معاه إنه مش مطالب يكون قوي طول الوقت.

تمتم بصوت منخفض:

ـ عشان خاطرك يا أمي، هحاول.

لكن اللي ما كانش يعرفه إن وعده ده، اللي قاله بدافع الحب والحنان، هيكون بداية طريق ما كانش متخيل نهايته.

في نفس الوقت، كانت إيلاف قاعدة على طرف سريرها الصغير، بعد ما غسلت وشها وبدلت هدومها.

خدها لسه بيوجعها، لكن الوجع اللي جواها كان أكبر بكتير.

سمعت صوت ضحك مريم من الصالة، فبصت ناحية الباب.

كانت مريم بتتكلم في التليفون مع واحدة من صاحباتها، وبتحكي لها عن خروجتها بكرة، وعن الفستان الجديد اللي اشترته لها أمها.

إيلاف نزلت عينيها على فستانها القديم المعلق ورا الباب.

كان نفسها تشتري فستانًا بسيطًا، تلبسه وتخرج بيه وهي مطمنة، من غير ما حد يسألها رايحة فين وجاية منين، ومن غير ما تحس إنها بتعمل جريمة لمجرد إنها عايزة تعيش زي باقي البنات.

مدت إيدها للدرج الصغير، وطلعت منه كراسة قديمة.

فتحتها على صفحة مكتوب في أولها:

«الحاجات اللي نفسي أعملها لما أكبر.»

كانت كاتبة فيها من سنين:

ـ أشتغل وأعتمد على نفسي.

ـ أكمل تعليمي.

ـ أجيب هدية لبابا من أول مرتب ليا.

وقفت عينيها عند الجملة الأخيرة.

مررت صباعها عليها، وابتسمت ابتسامة موجوعة.

حتى بعد كل اللي عمله فيها، كانت لسه جواها البنت الصغيرة اللي نفسها أبوها يبصلها بفخر ويقول لها: شاطرة يا إيلاف.

قلبت الصفحة، وكتبت بقلمها:

«نفسي في يوم أصحى من النوم من غير ما أخاف من صوت حد، وأدخل المطبخ من غير ما حد يحاسبني على لقمة أكلها، وأتكلم من غير ما أخاف من رد الفعل.

نفسي حد يسمعني للآخر، من غير ما يقاطعني أو يحكم عليا.

نفسي أحس إن ليا مكان في الدنيا دي.»

توقفت عن الكتابة.

نزلت دمعة على الورقة، فمسحتها بسرعة.

ثم أغلقت الكراسة ووضعتها تحت المخدة، ورفعت إيديها للسماء.

ـ يا رب، أنا مش عايزة حاجة كبيرة. أنا بس عايزة أعيش من غير خوف. عايزة بابا يحن عليا، وعايزة قلبي يبطل يوجعني كل ما أفتكر إني لوحدي.

سكتت قليلًا، ثم همست:

ـ ولو مفيش حد هيحبني، يا رب حببني في نفسي، وقويني، وما تخلينيش أحتاج لحد يذلني عشان أعيش.

وفي اللحظة دي، اتفتح الباب فجأة.

إيلاف انتفضت، وخبت الكراسة تحت المخدة بسرعة.

كانت مريم واقفة عند الباب، بتبصلها بشك.

ـ إنتِ بتعملي إيه؟

ـ مفيش، كنت قاعدة بس.

مريم دخلت خطوتين.

ـ ماما بتقولك تنزلي تعمليلنا الغدا، وبابا عايزك تنظفي الحوش قبل المغرب.

إيلاف بصتلها بإرهاق.

ـ حاضر.

مريم كانت هتخرج، لكنها وقفت والتفتت لها.

ـ وعلى فكرة، إنتِ ما تعيطيش قدام بابا تاني. هو مش بيحب الضعف، وإنتِ كده بتعصبيه أكتر.

ثم خرجت وأغلقت الباب.

إيلاف فضلت باصة لمكانها.

وبعد لحظة، قالت بصوت خافت:

ـ أنا مش ضعيفة يا مريم... أنا بس تعبت.

ثم قامت من مكانها، ومسحت دموعها، ونزلت تكمل شغلها.

لأنها، رغم كل شيء، كانت لسه بتحاول تقف على رجليها.

--

مع غروب الشمس، كانت عربية آواب الجبالي بتدخل بوابة قصره.

نزل من العربية، وسلم مفاتيحه لأحد الحراس، ثم دخل القصر بخطوات ثابتة.

أول ما وصل للصالة، سمع صوت أمه:

ـ أهو جه حبيب قلبي!

خرجت الحاجة فاطمة من الصالة الداخلية، ومدت إيديها له.

آواب قرب منها، وانحنى وباس رأسها، ثم حضنها بحنان.

ـ وحشتيني يا ست الكل.

ربتت على كتفه.

ـ وإنت كمان يا نور عيني.

ثم ابتعدت قليلًا، وبصت له من رأسه لرجليه.

ـ إنت أكلت النهارده؟

رفع حاجبيه.

ـ أيوه يا أمي.

ـ أكلت إيه؟

ـ أكلت.

ـ يعني إيه أكلت؟ أكلت إيه؟

ابتسم وهو يمسك إيدها.

ـ يا أمي، هو أنا داخل تحقيق؟

ـ أيوه، تحقيق أمك، ولازم تجاوب!

ضحك، ثم قال:

ـ أكلت فراخ وسلطة.

ـ كويس، طب تعالى بقى، أنا عاملالك أكلك اللي بتحبه.

ـ إنتِ تعبتي نفسك ليه؟ كان ممكن تطلبي من المطبخ.

الحاجة فاطمة رفعت ذقنها بكبرياء مصطنع.

ـ وأنا أمك مين؟ هو أنا هسيب ابني ياكل من إيد الغريب وأنا قاعدة؟

نظر لها بحنان.

ـ ربنا يخليكي ليا.

قعد جنبها على السفرة، وبدأت تحط له الأكل بنفسها.

وبعد دقائق من الكلام والضحك، رجعت الحاجة فاطمة للموضوع اللي في قلبها.

ـ طب يا آواب، نرجع لكلامنا.

آواب حط المعلقة، وبصلها باستسلام.

ـ يا أمي، إحنا لسه قاعدين على الأكل!

ـ وماله؟ الأكل بالجواز أحلى!

ضحك رغماً عنه.

ـ إنتِ مش هتسيبيني في حالي النهارده؟

ـ ولا بكرة ولا بعده، لحد ما أشوفك متجوز.

ثم مسكت إيده بين إيديها.

ـ يا ابني، أنا عايزاك تختار واحدة ترتاح معاها، مش واحدة تخاف منك. واحدة تعرف إنك قوي، لكن تقدر تكلمك لما تكون زعلانة، وتقولك إنك غلطان من غير ما تخاف. واحدة تخليك تحب البيت وتستعجل ترجع له، مش تفضل طول اليوم في الشغل وتهرب من قعدة نفسك.

آواب بص لها طويلًا.

الكلام كان غريبًا عليه.

هو اللي الناس بتخاف تواجهه، واللي الموظفين بيحسبوا كل كلمة قبل ما يقولوها قدامه، واللي قليل جدًا يسمح لحد يناقشه في قراراته.

فكرة إن فيه واحدة ممكن تدخل حياته وتقول له إنه غلطان، كانت بالنسبة له فكرة تحتاج تفكيرًا طويلًا.

قال أخيرًا:

ـ وإنتِ عرفتي منين إن فيه واحدة تقدر تعمل كل ده؟

ابتسمت أمه.

ـ لما تلاقي بنت متربية كويس، وعندها عقل وقلب، هتعرف. مش كل الناس بتدور على الفلوس والاسم يا آواب.

رد بهدوء:

ـ وأنا مش هتجوز واحدة عشان أمي طلبت مني وخلاص. لو اتجوزت، هتجوز وأنا مقتنع، وعارف إن دي إنسانة أقدر أحترمها وأتحمل مسؤوليتها.

الحاجة فاطمة ضغطت على إيده.

ـ وده اللي أنا عايزاه منك. مش عايزاك تتجوز لمجرد إني نفسي أشوف عيالك، رغم إن دي أمنية عمري، لكن عايزاك تلاقي حد يكون ليك سكن وراحة.

سكت آواب لحظات.

ثم قال:

ـ حاضر يا أمي. هخلي الموضوع من ضمن أولوياتي، وهسمع كلامك.

فرحت الحاجة فاطمة، ورفعت إيديها تدعي له.

ـ ربنا يرزقك ببنت الحلال اللي تريح قلبك، وتكون أحن عليك من الدنيا كلها.

آواب ابتسم بسخرية خفيفة.

ـ أحن عليا من الدنيا؟ دي محتاجة معجزة يا أمي.

ضربته على كتفه بخفة.

ـ ما تستهزأش بكلامي! يمكن ربنا يرزقك بواحدة تخليك تعرف إنك مش لازم تفضل قوي طول الوقت.

اختفت ابتسامته للحظة.

ثم رجع يكمل أكله من غير تعليق.

لكنه لأول مرة، من وقت طويل، بدأ يفكر في الزواج بجدية.

مش لأنه محتاج حد يدير بيته، ولا لأنه عايز يرضي الناس.

لكن لأن أمه، اللي عمرها ما طلبت منه حاجة لنفسها، كانت نفسها تشوفه مستقر قبل ما ييجي اليوم اللي تضطر فيه تسيبه للدنيا وحده.

--

بعد العشاء، كان آواب قاعد في مكتبه الخاص داخل القصر، بيقرأ بعض الأوراق، لما خبط عمه الحاج محمود على الباب ودخل.

ـ لسه صاحي يا ولدي؟

آواب رفع عينيه.

ـ اتفضل يا عمي.

قعد الحاج محمود قدامه، ثم قال:

ـ أمك كلمتني النهارده.

آواب أغلق الملف.

ـ خير؟

ـ كانت بتسألني لو أعرف عائلات محترمة عندها بنات في سن مناسب، عشان موضوع جوازك.

آواب أغمض عينيه لحظة، ثم تنهد.

ـ هي بدأت تجند العيلة كلها ضدي؟

ضحك عمه.

ـ دي أمك يا ولدي، ونفسها تفرح بيك. ما تزعلش منها.

ـ أنا مش زعلان منها يا عمي، ربنا يعلم إن مفيش حد أغلى منها عندي. بس أنا مش عايز أظلم بنت معايا، ولا عايز أتجوز لمجرد إن الناس شايفة إن ده وقت الجواز.

الحاج محمود أومأ برأسه بإعجاب.

ـ وده كلام عاقل. بس يا آواب، ما تقفلش الباب من قبل ما تعرف مين اللي ممكن يكون مناسب ليك.

سكت آواب، ثم قال:

ـ لو تعرف عيلة محترمة فعلًا، عرفني بيهم. لكن أنا مش هختار واحدة عشان اسم أبوها كبير، أو عشان فلوسها كتير.

عمه ابتسم.

ـ أهو ده الكلام اللي كنت مستنيه منك.

ثم تذكر شيئًا، فقال:

ـ على فكرة، فيه عيلة في البلد سمعتها طيبة من زمان، رغم إن صاحب البيت اتغير كتير في السنين الأخيرة.

آواب سأله باهتمام:

ـ مين؟

ـ الحاج سالم الدمنهوري.

توقفت يد آواب فوق الملف.

الاسم كان معروفًا له؛ رجل من أصحاب الأراضي، وله تعاملات تجارية في المنطقة، لكنه لم يكن قريبًا منه.

قال آواب:

ـ أعرفه بالاسم. ماله؟

الحاج محمود عدل جلسته.

ـ عنده بنت، على حد علمي، خلصت دراستها من فترة. أنا ما أعرفش عنها كتير، لكن سمعت إنها بنت هادية ومتربية، وإنها عايشة في بيت أبوها.

آواب رجع بظهره للكرسي.

ـ وإنت شايف إيه؟

ـ أنا شايف إننا لو فكرنا في الموضوع، لازم نسأل عن البنت نفسها، مش عن أبوها بس. نشوف أخلاقها، وتربيتها، ورضاها، قبل أي خطوة.

آواب هز رأسه موافقًا.

ـ بالضبط. وأنا مش هسمح لحد يحدد مصير بنت من وراها، ولا هقبل بجواز تكون هي مجبورة عليه.

الحاج محمود ابتسم.

ـ ربنا يهدي سرك يا ولدي.

ثم قام من مكانه، وقبل ما يخرج، التفت إليه.

ـ بس خد بالك يا آواب، مش كل بيت شكله كبير يبقى اللي جواه عايشين في راحة.

رفع آواب عينيه لعمه، لكن الحاج محمود كان خرج بالفعل.

فضل آواب ساكتًا للحظات، ثم رجع يبص للأوراق اللي قدامه.

اسم سالم الدمنهوري ما كانش يعني له أي حاجة شخصية.

وإيلاف، البنت اللي عاشت يومها بين الإهانة والخوف، ما كانتش تعرف إن اسمها ممكن يدخل في حديث داخل قصر الجبالي.

هي ما تعرفش آواب.

وآواب ما يعرفهاش.

لكن الأيام كانت بتقرب المسافة بينهم، خطوة وراء خطوة.

ويمكن أول لقاء بينهم ما يكونش لقاء حب، ولا حتى لقاء عادي.

يمكن يكون لقاء يختبر فيه آواب كل مبادئه، وتكتشف فيه إيلاف إن الحياة لسه مخبية لها حاجات ما تخطرش على بالها.

لكن السؤال الحقيقي مش: هل آواب الجبالي هيتجوز؟

السؤال هو:

لما يقابل بنت مكسورة من أقرب الناس ليها، هل هيشوفها ضعيفة زي ما الدنيا شايفاها؟

ولا هيكتشف إن البنت اللي اتعلمت تسكت عشان تنجو، جواها قوة محدش قدر يشوفها؟


تعليقات