رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثاني والثلاثون
«المريض فاق! فتح عينيه جوه وبيتحرك!»
ما إن انتهت الممرضة من كلماتها، حتى ترك مراد ذراعها واندفع إلى داخل الغرفة، يتبعه سليم بخطوات متعجلة، بينما أسرعت هي في الاتجاه الآخر لاستدعاء الطبيب.
توقف مراد عند عتبة الباب للحظة، وكأنه لا يصدق ما تراه عيناه.
كان عاصم مستلقيًا على فراشه، وعيناه مفتوحتان، تتنقلان ببطء بين أرجاء الغرفة، بنظرات شاردة لا تستقر على شيء.
اقترب مراد منه مسرعًا، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة امتزجت بدموع لم يستطع حبسها.
«عاصم!.. يا حبيبي، حمد الله على سلامتك!»
انحنى عليه وأمسك بيده، ثم تابع بلهفة وهو يحاول التقاط نظراته:
«عاصم، إنت سامعني؟ أنا مراد.. بص لي يا حبيبي.»
تحركت عينا عاصم ببطء نحو مصدر الصوت، واستقرتا على وجه مراد للحظات، لكنه لم ينطق بكلمة، ولم تظهر على ملامحه أي علامة تدل على أنه تعرف إليه.
ابتلع مراد غصته، والتفت إلى سليم الذي كان يقف بجواره، وعيناه معلقتان بوجه صديقه، وعلى شفتيه ابتسامة لم تفارقه منذ أن رآه مفتوح العينين.
اقترب سليم بدوره، وربت برفق على كتف عاصم قائلًا بصوت غلب عليه التأثر:
«ألف حمد الله على سلامتك يا صاحبي.. أخيرًا نورت الدنيا تاني.»
ثم حاول أن يخفف من تأثره بابتسامة:
«إيه يا عم، مش ناوي ترد علينا ولا إيه؟ ده إحنا مستنيين اللحظة دي من إمتى!»
لكن عاصم ظل صامتًا، يحدق فيه بنظرات مرهقة، قبل أن تتحول عيناه ببطء نحو سقف الغرفة.
تلاشت ابتسامة سليم قليلًا، وتبادل مع مراد نظرة قلقة، غير أن صوت خطوات متعجلة عند الباب قطع صمتهما.
دخل الطبيب تتبعه الممرضة، وما إن رأى مراد وسليم واقفين بجوار الفراش حتى قال بهدوء:
«لو سمحتم ممكن توسعو لي شوية عشان أطمن عليه.»
تراجع الاثنان على الفور، بينما اقترب الطبيب من عاصم، وبدأ يفحصه بعناية، يسلط ضوءًا صغيرًا على عينيه، ثم يتفقد الأجهزة المحيطة به.
انحنى قليلًا نحوه، وناداه بصوت واضح:
«أستاذ عاصم.. سامعني؟»
تحركت عينا عاصم باتجاهه، لكن شفتيه ظلتا مطبقتين.
أعاد الطبيب مناداته، وطلب منه أن يحرك أصابعه، فاستجاب بعد لحظات بحركة ضعيفة.
راقب الطبيب استجابته، ثم أكمل فحصه، بينما وقف مراد وسليم يتابعان كل حركة بقلق وترقب.
وأخيرًا، استقام الطبيب والتفت إليهما قائلًا بابتسامة مطمئنة:
«الحمد لله، دي خطوة كويسة جدًا. هو بدأ يستعيد وعيه، بس لسه محتاج وقت عشان يستوعب اللي حواليه.»
سأله مراد بلهفة:
«طب هو ليه مش بيرد علينا يا دكتور؟ أنا كلمته وبص لي، بس كأنه مش عارفني!»
أجابه الطبيب بهدوء:
«ده وارد في المرحلة دي. هو لسه مشوش ومحتاج يرتاح. بلاش تحاولوا تتكلموا معاه كتير أو تضغطوا عليه عشان يرد. ادّوه فرصة يستعيد تركيزه واحدة واحدة.»
تنفس مراد بارتياح، ثم عاد ينظر إلى عاصم، وكأن مجرد رؤيته مفتوح العينين كانت كافية لتمحو شيئًا من الرعب الذي عاشه خلال الساعات الماضية.
أما سليم، فاقترب من الفراش مرة أخرى، واكتفى بأن يربت برفق على يد صديقه دون أن يتحدث.
ظل عاصم يتطلع أمامه بصمت، ثم تحركت عيناه ببطء نحو مراد الواقف بجانبه.
وحين التقت نظراتهما، ابتسم مراد رغم الدموع التي تجمعت في عينيه، وهمس بصوت خفيض:
«حمد الله على سلامتك يا عاصم.. إحنا كلنا جنبك.»
لم يجبه عاصم، لكن عينيه ظلتا معلقتين بوجهه لثوانٍ، قبل أن تثقلا من جديد، فيغمضهما ببطء، وقد بدا عليه الإرهاق.
اقترب الطبيب منه، ثم التفت إلى مراد وسليم قائلًا:
«كفاية عليه كده دلوقتي يا جماعة. سيبوه يرتاح شوية، وإن شاء الله هيتحسن لما يصحى وهيكون تركيزه أحسن.»
أومأ مراد برأسه، ثم نظر إلى عاصم للمرة الأخيرة، قبل أن يلتفت إلى سليم وقد عادت الابتسامة إلى وجهه:
«أنا لازم أبلغ ماما حالًا.. دي هتطير من الفرحة لما تعرف إنه فاق!»
---
ما إن دخلوا الشقة في ساعة متأخرة من الليل، حتى التفتت سعاد إلى لينا، وقد لاحظت شحوب وجهها والإرهاق الظاهر على ملامحها، فقالت بحنان:
«يلا يا حبيبتي، ادخلي غيري هدومك وارتاحي شوية. كفاية عليكي تعب لحد كده، والصبح يحلها ألف حلال. إنتِ من ساعة ما خرجنا من إسكندرية وإنتِ على أعصابك، وده مش كويس ليكي ولا للي في بطنك.»
ثم أمسكت بيدها برفق، واصطحبتها نحو الغرفة، وهي تتابع بقلق:
«يا بنتي إنتِ لسه في الشهور الأولى، والزعل والبهدلة دي خطر عليكي وعلى ابنك. اسمعي كلامي ونامي، وربنا يريح قلبك.»
أومأت لينا برأسها في صمت، فلم تعد تملك طاقة للكلام بعد رحلة السفر الطويلة، وما عاشته من لحظات عصيبة في المستشفى إلى جوار عاصم.
وما إن وصلت إلى الفراش حتى تمددت فوقه، وأغمضت عينيها، مستسلمة لإرهاقها الشديد.
خرجت سعاد من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم التفتت إلى ابنتها قائلة:
«بت يا إيمان، نامي على الكنبة الليلة دي، وبلاش تدخلي تقلقي لينا. البنت تعبانة ومحتاجة تنام وتريح جسمها، خليها الليلة دي لوحدها على السرير.»
تثاءبت إيمان وهي تفرك عينيها، ثم تمتمت بصوت يغلب عليه النعاس:
«حاضر يا ماما.»
واتجهت نحو الأريكة، فعدّلت وسادتها واستلقت عليها، ولم تمضِ سوى لحظات حتى أغمضت عينيها من شدة التعب.
أما سعاد، فقد أخذت تتطلع حولها، تتفقد بعينيها أركان الشقة التي غابت عنها، قبل أن تلتفت إلى إبراهيم قائلة:
«والله الشقة وحشتني، وكل حاجة فيها وحشتني. صحيح الشقة الجديدة واسعة وحلوة ومبسوطين فيها، بس برضه الشقة دي ليها معزة تانية في قلبي.»
ثم رفعت عينيها نحو السقف فجأة، وكأن شيئًا قد خطر ببالها، وقالت بقلق:
«بس أنا شايلة هم أم عبده اللي فوقينا دي! يا خوفي تحس بينا وتعرف إننا رجعنا، تقوم نازلة علينا من الصبح بوصلة أسئلة مالهاش آخر! وأنا والله ما فيا حيل أفتح بقي وأرد على حد.»
كان إبراهيم واقفًا في منتصف الصالة، يمسح وجهه بكفيه من شدة الإرهاق، فالتفت إليها ونظر لها باستغراب قائلًا:
«جرى إيه يا ولية إنتِ؟ إنتِ واقفة تكلمي نفسك ولا إيه؟! ده الساعة دخلت على الفجر، وإحنا مش قادرين نقف على حيلنا، وإنتِ لسه بتفكري في أم عبده؟!»
ثم أشار بيده نحو الغرف، وأكمل وهو يتحرك باتجاه غرفته:
«يا ستي دي زمانها في سابع نومة، ولا حاسة بينا ولا بالدنيا كلها! خشي اتخمدي وريحينا بقى، أنا دماغي هتنفجر من التعب!»
رمقته سعاد بنظرة ضيق، وتمتمت وهي تسير خلفه:
«ماشي يا إبراهيم، هو الواحد ما بقاش يعرف يقول كلمتين في بيته!»
لم يلتفت إليها إبراهيم، واكتفى بالتلويح بيده وهو يواصل طريقه إلى الغرفة، فهزّت سعاد رأسها باستسلام، وأطفأت أنوار الصالة، ثم لحقت به إلى الغرفة.
وفي غضون دقائق، ساد الهدوء أرجاء الشقة، بعدما استسلم الجميع للنوم، كلٌّ غارق في تعبه، ولينا وحدها تحمل بين ضلوعها أوجاعًا لم تهدأ بعد.
---
في صباح اليوم التالي، كان سليم يجلس في صالون فيلا الرشيد، ممسكًا بهاتفه، وعيناه المجهدتان تكشفان عن ليلة طويلة لم يعرف فيها النوم طريقًا إلى جفنيه. وصل إلى الفيلا مبكرًا، بعدما اتصل بنجاة وأخبرها بالبشرى السارة: إفاقة عاصم وتحسن حالته. ومنذ وصوله، وهو ينتظرهما بفارغ الصبر، بينما كانت نجاة وسيلا في الطابق العلوي تستعدان لمرافقته إلى المستشفى.
بدأت نجاة تهبط الدرج ببطء، وقد بدت عليها آثار التعب والإرهاق اللذين أثقلا جسدها منذ ليلة أمس. وما إن رأته حتى قالت بنبرة اعتذار امتزجت باللهفة:
«معلش يا سليم يا ابني.. اتأخرت عليك.»
نهض سليم على الفور، واتجه نحو الدرج ليستقبلها، ثم أمسك بيدها برفق ليساعدها على النزول، قائلًا بعفوية وحنان:
«ولا يهمك يا نوجا.. أنا من إيدك دي لإيدك دي، خدي وقتك براحتك خالص.»
نظرت إليه نجاة بابتسامة امتنان، وقالت:
«ربنا يسعدك يا حبيبي..»
وقبل أن يجيبها، سمع صوت خطوات سريعة على الدرج، فرفع رأسه ليجد سيلا تهبط مسرعة، وهي تقول بصوت لاهث:
«استنوا.. استنوا، أنا خلاص خلصت وجاية معاكم حالًا!»
توقفت عينا سليم عليها تلقائيًا، وتابعها بنظرات لم يستطع صرفها عنها بسهولة. كان في داخله شيء يتغير كلما وقعت عيناه عليها؛ انجذاب هادئ يتسلل إليه دون استئذان، ويزداد وضوحًا في تلك التفاصيل الصغيرة التي ربما لم تكن سيلا نفسها تنتبه إليها.
لم تكن الظروف المحيطة بهما تسمح له بالاسترسال في أفكاره، ومع ذلك، وجد نفسه يتأملها للحظات أطول مما ينبغي.
شعرت سيلا بنظراته تتبعها، فرفعت عينيها نحوه للحظة، ثم أشاحت بوجهها سريعًا. لم تفهم سبب تركيزه عليها، لكنها لم ترتح لكونها موضع اهتمامه المفاجئ، فحاولت أن تتجاوز الموقف دون أن تضطر إلى مواجهته.
قالت بتسرع، وهي تتخطاهما متجهة نحو الباب الخارجي:
«أنا.. أنا هستناكم عند العربية بره!»
ولم تنتظر ردًا من أحد، بل أسرعت بالخروج، وكأنها وجدت في الابتعاد أقصر طريق للتخلص من ذلك الموقف المحرج.
تابعها سليم بعينيه حتى اختفت خلف الباب، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة لم يستطع منعها. كان قد لاحظ ارتباكها ومحاولتها الهرب من نظراته، لكنه لم يعلّق، ولم يشأ أن يحرجها أكثر. اكتفى بابتسامته الصامتة، قبل أن يلتفت إلى نجاة ويساعدها في التوجه إلى الخارج.
بمجرد أن استقروا داخل السيارة، أدار سليم المحرك وانطلق مسرعًا نحو المستشفى، مثبتًا عينيه على الطريق، بينما كانت أفكاره معلقة بعاصم، يتمنى الوصول في أسرع وقت للاطمئنان عليه.
جلست سيلا تضم حقيبتها إلى صدرها، وتتابع الطريق من النافذة بقلق، فيما راحت نجاة تفرك يديها بتوتر، وتتمتم بأدعية خافتة، تتعلق بها آمالها في أن يطمئن قلبها على ابنها.
لم يتبادل أيٌّ منهم الحديث، فقد كان القلق يثقل صدورهم، وكل ما يشغلهم الآن هو الوصول إلى المستشفى ورؤية عاصم بعد ليلة طويلة من الخوف.
---
وفي الوقت نفسه، وفي غرفة شاهندة، لم يحمل الصباح أي راحة لقلبها المضطرب. فطوال الليل لم تذق طعم النوم؛ كانت تدور في غرفتها بخطوات سريعة متخبطة، تطحن بأسنانها في غضب، وعيناها غائرتان يملؤهما السواد والذعر. كانت تمسك خصلات شعرها بقسوة وتشدها، وتارة أخرى تضغط على رأسها بعنف، كلما حاصرتها الأفكار والذكريات التي تأبى أن تفارق عقلها.
أمسكت هاتفها بيد مرتعشة، وضغطت على رقم صديقتها المقربة «رندا» وقربته من أذنها وهي تتنفس بحدة. وما إن جاءها الصوت من الطرف الآخر، حتى انفجرت بهمـس باكٍ ومكتوم:
«أنا في مصيبة يا رندا.. مصيبة كبيرة ومش عارفة أعمل إيه! حاسة إن روحي بتتسحب مني، ودماغي مش قادرة تبطل تفكير.. هجنن!»
أسرعت رندا تسألها بذعر وقلق:
«مصيبة إيه يا شاهندة؟ طمنيني، في إيه اللي حصل فجأة كده؟! احكي لي طيب!»
قرّبت شاهندة الهاتف من فمها، وبدأت تتحدث بتسارع خافت:
«أنا.. أنا اتـ... اتــ...»
سكتت فجأة، واتسعت عيناها برعب وهي تلتفت نحو الباب، ثم أطبقت شفتيها بقوة وتراجعت خطوة إلى الخلف. للحظات، عجزت عن إخراج كلمة واحدة، قبل أن تستجمع ما تبقى من قوتها وتتابع بصوت خافت غلب عليه الإعياء:
«مش.. مش هقدر أقول لك حاجة دلوقتي.. أنا تعبانة ومخنوقة وزهقانة من كل حاجة، مش مستحملة كلام ثانية واحدة.. عايزة بس أنام، عايزة عقلي ده يقف!»
ساد الصمت عبر الخط لثوانٍ، قبل أن تتحدث رندا بنبرة قلقة:
«طيب يا شاهندة، اهدي بس.. أنا معاكي، ولو مش قادرة تتكلمي دلوقتي، مش هضغط عليكي.»
أغمضت شاهندة عينيها، ثم قالت بصوت مرهق:
«أنا مش عايزة أتكلم يا رندا، أنا تعبت ومش قادرة أفكر أكتر من كده.. شوفيلي أي حاجة تساعدني أنام، أنا خلاص مش مستحملة.»
«حاضر يا حبيبتي، إنتِ بس حاولي تهدي، وأنا هتصرف وهبعتلك حاجة.»
«ماشي يا رندا.. بس بسرعة.»
أنهت شاهندة المكالمة، وألقت الهاتف على السرير بإهمال، ثم جلست تحدق في الفراغ بنظرات شاردة، غارقة في أفكارها ومخاوفها.
---
مع حلول الظهيرة، خيّم هدوء مريب على جناح المكتب الخاص ببهاء؛ فقد مرّت الليلة الماضية ثقيلة عليه، دون أن يغادر مكتبه أو يصعد إلى غرفته كعادته، بل ظل حبيس الجدران الأربعة خلف الباب المغلق حتى الصباح، الأمر الذي أثار قلق أفراد القصر، وبالأخص حفيده ممدوح.
وقف ممدوح أمام باب المكتب مترددًا لثوانٍ، قبل أن يحسم أمره ويطرق بخفة، ثم يفتح الباب ويدخل.
وجد جده جالسًا في مكانه منذ الليلة الماضية، بهيئة توحي بأنه شاخ عشر سنوات في ليلة واحدة. كانت ملامحه ذابلة، وعيناه غائرتين تائهتين، تستقران على نقطة مجهولة في الفراغ، وكأن ذهنه عالق في دوامة من الأفكار التي لا يجد لها مخرجًا.
اقترب ممدوح منه بحذر، وقد تسلل القلق إلى ملامحه، ثم قال بنبرة جادة يغلب عليها الاحترام:
«صباح الخير يا جدي.. قلقنا على حضرتك جدًا. من امبارح بالليل ما طلعتش أوضتك، ولا خرجت من المكتب، ولا حتى أكلت أي حاجة. في إيه يا جدي؟ طمّني عليك.. إيه اللي مضايقك للدرجة دي؟»
لم يتحرك الجد، ولم يرفع عينيه نحو حفيده، وكأنه لم يسمع سؤاله من الأساس. ظل غارقًا في صمته، عاجزًا عن انتزاع نفسه من دوامة الخزي والمرارة التي تحاصره منذ الليلة الماضية.
كيف له أن يخبر ممدوح بما حدث؟ كيف يعترف بأن الكبرياء الذي أحاط به اسم العائلة طوال سنوات، والهيبة التي حرص على فرضها على الجميع، قد تلقّيا ضربة لم يكن يتخيلها على يد صابر؟
حاول ممدوح أن يستشف من ملامح جده ما يدور في رأسه، لكنه لم يجد سوى صمت مطبق، فظل واقفًا للحظات يراقبه بقلق، قبل أن يتذكر أمرًا آخر، فقال محاولًا تغيير مسار الحديث:
«على فكرة يا جدي.. بابا كلمني، وقال إنه هيوصل بكرة في الطيارة اللي الساعة عشرة الصبح، إن شاء الله.»
عند سماع اسم ابنه شاكر وموعد وصوله، تحركت جفونه ببطء، وكأن الكلمات انتزعته قسرًا من شروده. رفع عينيه المجهدتين نحو حفيده، وظل ينظر إليه لثوانٍ، قبل أن يقول بصوت خافت، لكنه حاسم لا يحتمل النقاش:
«اخرج يا ممدوح.. وسيبني لوحدي.»
تردد ممدوح للحظة، وكأنه كان على وشك أن يسأله مجددًا، لكنه آثر الصمت احترامًا لرغبته، واكتفى بإيماءة هادئة، ثم استدار متجهًا نحو الباب.
أغلقه خلفه بهدوء، تاركًا جده وحيدًا في مكتبه، يواجه ما حاول الهروب منه طوال الليل.
لم يكن يؤرقه ما حدث فحسب، بل ما ينتظره في صباح الغد؛ فعودة شاكر تعني مواجهة لم يكن مستعدًا لها، وأسئلة قد لا يملك إجابات مقنعة عنها. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وجد نفسه عاجزًا عن تحديد الخطوة التالية، بعدما اعتاد أن يكون هو من يفرض شروط المواجهة على الجميع.
وفي شقة الحارة، كانت لينا قد انتهت من ارتداء ملابسها بالكامل رغم الإعياء الشديد البادي على ملامحها. خرجت إلى الصالة بخطوات متعجلة، تدفعها لهفتها إلى الاطمئنان على عاصم، لتجد سعاد ممسكة بحقيبتها ومستعدة لمرافقتها إلى المستشفى.
التفتت لينا نحوها وقالت بإصرار، رغم التعب الذي بدا واضحًا عليها:
- يلا يا ماما، أرجوكي.. لازم نروح المستشفى فورًا. أنا مش هطمن ولا هيرتاح لي بال إلا لما أكون جنبه.
أومأت سعاد برأسها، ثم التفتت نحو الممر ونادت بصوت مرتفع:
- جاهزة يا بنتي.. يلا يا حاج إبراهيم عشان نتحرك قبل ما الوقت يسرقنا!
لم تكمل سعاد جملتها؛ إذ تسمرت لينا في مكانها فجأة، وانقبض وجهها بألم حاد باغتها دون سابق إنذار. انحنت بجسدها إلى الأمام، وضمت بطنها بكفيها، قبل أن تطلق صرخة مدوية هزت أركان الشقة.
انتفضت سعاد، وأسرعت نحوها لتلتقطها قبل أن تسقط أرضًا، وهي تصرخ بذعر:
- لينا! في إيه يا حبيبتي؟! مالك؟!
لم تستطع لينا الإجابة. كانت تتلوى بين ذراعي سعاد، تحاول التقاط أنفاسها وسط الألم الذي يمزق بطنها. وفجأة، وقعت عيناها على ثيابها، فشحب وجهها، واتسعت حدقتاها في رعب حين رأت بقعة من الدم بدأت تظهر عليها.
تجمدت للحظات، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه، ثم أخذ جسدها يرتجف بعنف، وانفجرت في بكاء هستيري وهي تتشبث ببطنها، كأنها تستطيع حماية طفلها بيديها.
- ماما.. إلحقيني.. ابني بيموت.. ابني بيروح مني يا ماما!
اخترقت صرختها قلب سعاد، التي احتضنتها بقوة، تحاول تهدئتها رغم الرعب الذي اجتاحها هي الأخرى.
- اهدي يا حبيبتي، اهدي.. إن شاء الله هيكون بخير، متقوليش كده يا لينا!
لكن لينا لم تكن تسمعها. كانت تهز رأسها بعنف، والدموع تغرق وجهها، بينما تتوسل بصوت متقطع ومختنق:
- يا رب، احفظهولي.. يا رب ما تاخدوش مني، أرجوك يا رب!
في تلك اللحظة، اندفع إبراهيم نحو مصدر الصراخ، وما إن وقعت عيناه على لينا وهي بين ذراعي سعاد، حتى شُلَّت حركته من هول المشهد.
رفعت لينا وجهها الغارق بالدموع نحو سعاد، وتعلقت بثيابها كطفلة مذعورة، ثم أطلقت صرخة أخيرة ملأت أرجاء الشقة:
- مامااااا! ابني!
خرج إبراهيم من صدمته على صوت سعاد وهي تهزّه من كتفه بعنف، وتصرخ بنبرة هلع:
- اتصرف يا إبراهيم بسرعة! كلم أي حد، شوف لنا مستشفى ولا إسعاف بسرعة يا راجل!
أجابها إبراهيم بلهفة وخوف وهو يتحرك سريعًا:
- حاضر.. حاضر يا سعاد، ثواني هجيب التليفون من جوه!
اندفع نحو الغرفة، وفي تلك الأثناء، انفتح باب الحمام، وخرجت إيمان واضعة فوطة على شعرها المبلل، وسألت بوجل:
- في إيه يا ماما؟! إيه الصريخ ده؟!
ولم تنتظر ردًا؛ إذ اندفعت نحو الصالة برعب حين رأت لينا منهارة على الأرض، تتشبث ببطنها وتبكي بهستيرية، فجثت بجوارها وهي ترتجف خوفًا عليها.
في تلك اللحظة، خرج إبراهيم من الغرفة وهو يضع الهاتف على أذنه، ويقول بنبرة لاهثة ومستعجلة للطرف الآخر:
- جايين حالًا يا صلاح.. مسافة السكة وجايين بسرعة يا ابني!
ثم أغلق الخط والتفت إلى زوجته صائحًا بلهفة:
- يلا بسرعة على المستوصف، صلاح قال لي الدكتورة منى هناك!
لم تمر عشر دقائق حتى كان إبراهيم وسعاد يدلفان بلينا إلى المستوصف القريب من الحارة. استقبلهم صلاح، وقادهم سريعًا إلى غرفة الكشف، حيث سمحت الدكتورة منى لسعاد فقط بالبقاء معها، بينما انتظر إبراهيم وصلاح في الممر بالخارج يترقبان بقلق.
داخل الغرفة، كشفت الدكتورة منى على لينا، ثم أجرت لها فحصًا بالموجات فوق الصوتية، وظلت تتأمل الشاشة بتركيز.
تعلقت عينا لينا بوجه الطبيبة، وسألتها بصوت مرتجف:
- يعني هو بخير يا دكتورة؟ ابني بخير؟
ابتسمت الدكتورة ابتسامة بسيطة، ثم أجابتها بهدوء:
- الحمد لله، هو بخير يا مدام، ونبضه موجود.
تنفست سعاد الصعداء، بينما أغمضت لينا عينيها للحظة، وهمست من بين دموعها:
- الحمد لله.. الحمد لله يا رب.
لكن الدكتورة تابعت بنبرة تحذيرية جادة:
- بس اللي حصل ده إجهاض منذر، والنزيف محتاج متابعة. لازم ترتاحي وتبعدي عن أي مجهود أو توتر قدر الإمكان. هكتب لك العلاج المناسب، وهنركب لك محلول دلوقتي، ونفضل نتابع حالتك لحد ما نطمن إن النزيف وقف.
بعد مرور ساعتين، ومع اقتراب المحلول من الانتهاء، شعرت لينا ببعض التحسن، فحاولت الاعتدال في فراشها وهي تقول بلهفة ونبرة متعبة:
- أنا بقيت أحسن.. يلا بينا عشان لازم أروح لعاصم المستشفى، مش هينفع أسيبه لوحده.
كانت الدكتورة منى قد دخلت لتطمئن على حالتها، فتوقفت عند سماع كلماتها، ونظرت إليها بجدية وحسم:
- بصي يا مدام، أنا عملت اللي عليا وحذرتك. إنتِ عندك نزيف، وحالتك لسه مش مستقرة ومحتاجة متابعة. لو أصرّيتي تخرجي دلوقتي وتروحي المستشفى، إنتِ كده بتعرّضي نفسك والجنين للخطر. القرار في النهاية قرارك، لكن واجبي أحذرك من العواقب.
نزلت كلمات الطبيبة على لينا كالدش البارد، فصمتت على الفور، وارتسم الخوف على وجهها وهي تنظر إلى بطنها، ولم تعد تجد ما تجادل به.
اقتربت منها سعاد وأمسكت بكتفها برفق، تحاول تهدئتها، وقالت:
- اهدي بس يا بنتي واستهدى بالله، نطمن عليكي بس الأول ونبقى نروح له.
ثم التفتت سعاد إلى الطبيبة بسرعة وقالت بامتنان:
- تسلم إيدك يا دكتورة، حقك علينا.. هي بس مكنتش مستوعبة من الخضة، لكن كلامك هو اللي هيمشي طبعًا، ومفيش خروج من البيت.
بدأ عاصم يستعيد وعيه بالتدريج. فتح جفنيه بصعوبة بالغة، وهو يشعر بثقل شديد في رأسه، وأخذ يتأمل أنحاء الغرفة البيضاء بعينيه الذابلتين، وكأنه لا يستوعب أين هو. لم يجد أمامه سوى أمه، التي جلست إلى جواره بملامح يكسوها القلق، تترقب استيقاظه بلهفة، وتكاد لا ترفع عينيها عنه.
تحركت شفتاه الجافتان، وخرج صوته ضعيفًا ومبحوحًا:
«أمي...»
اتسعت عينا نجاة بلهفة، وارتسمت على وجهها فرحة غامرة. اقتربت منه، ومسحت على جبينه بكفها المرتجفة، ثم أجابته والدموع تنساب على خديها:
«أيوه يا حبيبي، أنا هنا جنبك. حمد الله على سلامتك يا نور عيني.»
عقد عاصم حاجبيه، محاولًا تجميع أفكاره وتذكُّر ما حدث. لكن قبل أن يستوعب أي شيء آخر، همس بقلق، وعيناه تتفحصان المكان خلف أمه:
«لينا فين؟ أنا سمعت صوتها... هي راحت فين؟»
في تلك اللحظة، تقدم مراد، الذي كان يقف متوترًا عند النافذة، واقترب من الفراش بخطوات سريعة. انحنى فوق شقيقه، وربت على كتفه برفق، محاولًا تهدئته وطمأنة أمه، ثم قال بصوت هادئ:
«اهدى يا عاصم... اهدى. هي فعلًا كانت هنا، بس مشيت قبل ما تفوق.»
تبدلت ملامح عاصم في لحظة، وخرج صوته مخنوقًا، محملًا باللوم والانكسار:
«إنت إزاي تسيبها تمشي يا مراد؟! ده أنا ما صدقت إنها رجعت!»
وفجأة، شد عاصم الغطاء عن جسده ورماه جانبًا، ثم مد يده المرتجفة نحو الكانولا المثبتة في ظهر كفه، وأخذ يحاول نزعها بعصبية، متجاهلًا الألم والضعف اللذين يثقلان جسده.
فزع مراد من تصرفه، فأسرع إلى الإمساك بيده محاولًا منعه من نزعها، وقال بحدة وقلق:
«بتعمل إيه يا عاصم؟! اهدى بس وافهمني... إنت لسه تعبان ومش قادر تقف على رجليك، وحالتك ما تسمحلكش بالحركة دلوقتي!»
لكن عاصم ظل يقاومه، محاولًا الإفلات من قبضته، بينما تتلاحق أنفاسه ويعلو صوته بإصرار:
«مش ههدى... أنا لازم أروح لها حالًا! ما حدش يمنعني!»
التفتت نجاة إلى سيلا، التي وقفت مذهولة تضم يديها إلى صدرها، وقد غلبها الخوف على عاصم، ثم صاحت بها وهي تشير نحو الباب:
«بسرعة، نادي الدكتور يا سيلا!»
لم تتردد سيلا لحظة؛ استدارت وفتحت الباب على عجل، ثم ركضت في الممر الطويل، وهي تنادي بصوت مرتجف:
«يا دكتور! الحقنا بسرعة! عاصم فاق وبيتعب نفسه!»
لم تمر سوى ثوانٍ حتى انفتح الباب، ودخل الطبيب المعالج مسرعًا، تتبعه الممرضة وهي تحمل بعض الأدوات.
تقدم الطبيب نحو الفراش بخطوات سريعة، وألقى نظرة على عاصم، الذي كان لا يزال يحاول النهوض رغم ضعفه، ثم قال بحزم:
«أستاذ عاصم، لازم تهدى. أي مجهود دلوقتي ممكن يضر حالتك، وإحنا مش عايزين نرجع لنقطة الصفر.»
لكن عاصم لم يستجب لتحذيره، بل حاول إبعاد يد مراد عنه، وهو يقول بأنفاس متقطعة:
«أنا لازم أخرج من هنا... لازم أشوف لينا.»
التفت الطبيب إلى الممرضة، وطلب منها تجهيز حقنة مهدئة، ثم عاد ينظر إلى عاصم قائلًا:
«إحنا هنساعدك، بس دلوقتي لازم ترتاح.»
أعدّت الممرضة الحقنة وفق تعليماته، ثم أعطتها لعاصم، بينما وقف مراد إلى جواره يراقبه بقلق، ونجاة تمسح دموعها في صمت.
حاول عاصم مقاومة النعاس الذي بدأ يتسلل إليه، وظلت عيناه معلقتين بمراد، قبل أن يتمتم بصوت أخذ يخفت تدريجيًا:
«ما تسيبهاش تضيع مني تاني... يا مراد.»
أمسك مراد بيده، وأجابه بصوت خافت:
«ارتاح إنت بس يا عاصم.»
ثقلت جفون عاصم شيئًا فشيئًا، حتى أغمض عينيه أخيرًا، واستسلم لنوم عميق تحت تأثير المهدئ.
تنفست نجاة بارتياح ممزوج بالحزن، وجلست إلى جواره، بينما وقف مراد صامتًا يتأمل وجه أخيه، وقد أدرك أن استيقاظه لم يكن نهاية معاناته.
داخل الصالون الواسع في القصر، خيّم توتر ثقيل على الأجواء. وقف الجد بهاء بصلابة، وعيناه تقدحان غضبًا، وهو يوجه حديثه إلى حفيده ممدوح بصوت جهوري:
«يعني إيه مش لاقيين لها أثر؟! بقالكم تلات أسابيع بتدوروا عليها، وفي الآخر جايين لي إيد ورا وإيد قدام؟! لينا مش هتختفي كده من غير ما حد فيكم يلمحها!»
حاول ممدوح تهدئة جده، وقد بدا الارتباك واضحًا على ملامحه، فقال مدافعًا عن نفسه:
«يا جدي، والله الموضوع معقد فوق ما تتخيل! لينا ظهرت في النيابة وقدمت الأوراق اللي أثبتت إنها عايشة وقلبت القضية رأسًا على عقب، ومن يوم النيابة اختفت تاني، ومحدش عرف يوصل لها! عاصم نفسه من يوم ما فاق من الغيبوبة وعرف اللي حصل، وهو قالب الدنيا عليها ومش سايب حتة إلا ودوّر فيها. ده حتى مستعين بسليم، صاحبه ضابط المخابرات، وسليم بكل علاقاته ومعارفه مش عارف يوصل لخيط واحد يدل عليها!»
تدخل شاكر في الحوار، مؤيدًا كلام والده، ثم وجّه نظرة لوم إلى ابنه ممدوح، وقال بحدة:
«جدك عنده حق يا ممدوح! لينا ملهاش حد بره، وأكيد مستخبية في مكان قريب، وإنتوا اللي مش عارفين توصلوا لها. إزاي بنت عمتك تختفي تلات أسابيع ومحدش فيكم يعرف عنها حاجة؟!»
عندئذٍ، لم تعد الجدة قادرة على كبت دموعها. ارتجفت يدها وهي تضرب بعصاها على الأرض، ثم رفعت عينيها إلى زوجها بهاء، وقد امتزج فيهما الحزن بالعتاب، وصاحت بصوت متهدج:
«إنت السبب يا بهاء... إنت السبب! جاي تلومهم دلوقتي؟ لو ما كنتش قسيت عليها وطردتها من القصر زمان، مكنتش هتهرب وتستخبى مننا بالشكل ده، ولا كنا بقينا بنموت في اليوم مية مرة وبندور عليها زي الإبرة في كوم قش! ذنب بنت بنتي في رقبتك ليوم الدين، وأنا مش هسامحك لو جرى لها حاجة!»
ساد الصمت أرجاء الصالون عقب كلماتها.
تصلب بهاء في مكانه، وانقبض فكّه وهو ينظر إلى زوجته دون أن ينبس بكلمة. لم يعتد أن يواجهه أحد بتلك القسوة، لكنه هذه المرة لم يجد ما يرد به.
أشاح بوجهه عنها، محاولًا الاحتفاظ بجموده المعتاد، غير أن اختفاء لينا ظل يؤرقه منذ يوم النيابة. ومهما حاول إنكار ذلك أمام الجميع، فقد كانت حفيدته، من لحمه ودمه، ولم يكن يعلم إن كانت بخير، أو إن كان سيرى وجهها مرة أخرى.
داخل غرفة الكشف في العيادة، استلقت لينا على سرير الفحص، وعيناها معلقتان بشاشة السونار بترقب، بينما وقفت سعاد إلى جوارها تتابع الفحص بقلق وتدعو الله في سرها أن يطمئن قلب ابنتها على جنينها.
مررت الدكتورة منى جهاز السونار على بطن لينا، ثم تأملت الشاشة لثوانٍ قبل أن ترتسم على وجهها ابتسامة مطمئنة، والتفتت إليهما قائلة بلهجتها المصرية الودودة:
- «بسم الله ما شاء الله، إحنا كده بقينا تمام خالص، وعال العال يا مدام لينا! النبض ممتاز، والجنين ثبت في مكانه كويس. تقدري من هنا ورايح تتحركي وتمشي عادي، مفيش أي مشكلة، بس برضه بلاش إجهاد زيادة عن اللزوم.»
تنفست لينا الصعداء، وتبادلت مع سعاد نظرة ارتياح امتزجت فيها الفرحة بالامتنان، قبل أن تشكرا الطبيبة وتغادرا العيادة.
بعد عودتهما إلى الشقة، دخلت لينا غرفتها لتستعد للذهاب إلى عاصم ، بينما جلست سعاد تراقبها وهي تقف أمام المرآة، ترتب خصلات شعرها وتتفقد مظهرها أكثر من مرة.
ابتسمت سعاد بمكر، ثم قالت بمشاكسة:
ـ كل ده عشان رايحة تطمني عليه؟
احمرّ وجه لينا قليلًا، فالتفتت إليها بابتسامة خجولة، ثم عادت تنظر إلى المرآة دون أن تجيب.
ضحكت سعاد، ثم اقتربت منها وجلست بجوارها، وأمسكت بيدها قائلة بهدوء:
ـ قوليلي يا لينا، إنتِ ناوية ترجعي له؟
التفتت إليها لينا بدهشة، وكأن السؤال لم يخطر ببالها أصلًا.
ـ أرجع له؟! أنا ما فكرتش في كده يا ماما. كل اللي فكرت فيه إني أشوفه وأطمن عليه، وبس.
تأملتها سعاد قليلًا، ثم سألتها برفق:
ـ طب لو هو حب يرجعك، هتعملي إيه؟
اختفت ابتسامة لينا، وبدت ملامحها أكثر جدية، قبل أن تجيب بألم:
ـ إزاي أرجع له بعد كل اللي عمله فيا؟ بعد ما ضربني وأهانني قدام الناس، من غير ما يسمعني أو يديني فرصة أفهم أنا غلطت في إيه، وفوق كل ده طلقني! مش ممكن أرجع له تاني، حتى لو قلبي لسه متعلق بيه، كرامتي فوق كل شيء!
تنهدت سعاد، ثم جذبتها برفق لتجلس بجوارها، وأمسكت بيدها قائلة بحنان:
ـ اهدي يا حبيبتي، أنا عارفة قد إيه إنتِ موجوعة، بس مش عايزاكي تقفلي الباب نهائي من دلوقتي. وفكري كمان في ابنكم اللي جاي يا لينا، من حقه يتربى وسط أبوه وأمه، ويكبر وهما جنبه. فإدي لنفسك وله فرصة تانية، يمكن ربنا يجعل اللي حصل بداية جديدة ليكم. ولو لقيتيه ندمان بجد وعايز يصلح غلطه، فكري في إنك تسامحيه.
نظرت لينا إلى الأرض، وظلت صامتة، فواصلت سعاد حديثها بنبرة هادئة:
ـ أنا عارفة إنك اتوجعتي، وإن اللي حصل مش سهل، بس الوجع مع الوقت بيهدى. واجهيه يا حبيبتي، وخليه يسمعك زي ما إنتِ هتسمعيه، وبعدها القرار قرارك. ما تستعجليش في الحكم، ولا تحرمي نفسك من فرصة إنك تعرفي الحقيقة كاملة.
رفعت لينا عينيها إليها، وفيهما حيرة لم تستطع إخفاءها.
ـ مش عارفة يا ماما، أنا فعلًا مش عارفة أعمل إيه. جزء مني عايز يطمن عليه، وجزء تاني لسه موجوع من كل اللي حصل.
ابتسمت سعاد بحنان، وضمتها إليها.
ـ عشان كده بقولك واجهيه الأول. مش لازم تحسمي أي حاجة دلوقتي، ولا تاخدي قرار قبل ما تكوني مستعدة له.
ثم ابتعدت عنها قليلًا، ووضعت يديها في وسطها بحركة واثقة، وقالت بمشاكسة:
ـ وبعدين بقى، لو فكّر يزعلك تاني، أنا هوريه! إنتِ فاكراني سهلة ولا إيه يا بت؟ ده أنا أوريه النجوم في عز الضهر!
ابتسمت لينا رغمًا عنها، وهزّت رأسها قائلة:
ـ ربنا يخليكي ليا يا ماما.
ربّتت سعاد عليها بحنان، وقالت:
ـ ويخليكي ليا يا حبيبتي، ويفرح قلبك. يلا بقى كمّلي تسريح شعرك بلونه اللي مجنني ده، وأنا هروح أعملك كوباية ليمون تروّق دمك.
احتضنتها لينا بحب، وشعرت بشيء من الراحة بعد حديثهما، بينما ربّتت سعاد على ظهرها بحنان.
وبعد لحظات، ابتعدت لينا عنها ووقفت أمام المرآة لتكمل استعدادها. وما إن خرجت من الغرفة مسرعة، حتى نادتها سعاد:
ـ استني يا بت، اشربي الليمون الأول!
توقفت لينا، وأخذت الكوب من يدها، ثم شربت منه رشفتين على عجل، ووضعته جانبًا قبل أن تتجه نحو الباب.
راقبتها سعاد وهي تسرع في خطواتها، ثم هزّت رأسها مبتسمة وقالت:
ـ شوفي يا خويا البت متصربعة إزاي!
غادرت لينا الشقة بخطوات متعجلة، ولم تستطع إخفاء ابتسامتها وهي تتخيل لحظة رؤيتها لعاصم والاطمئنان عليه بعد كل الأيام اللي قضتها قلقة عليه. كانت تتمنى الوصول إليه في أسرع وقت، غير مدركة لما تخبئه لها تلك المواجهة.
وفي أسفل العمارة، كان إبراهيم يراقب خروجها من بعيد. وما إن ابتعدت في الحارة، حتى أخرج هاتفه المحمول وضغط على رقم شريف.
---
داخل مكتب فخم تغمره إضاءة خافتة، جلس شريف إلى جوار صابر، الذي كان يتابع ما أمامه ببرود. رن الهاتف، فألقى شريف نظرة على الشاشة، ثم التفت إلى صابر قائلًا بقلق:
- «ده إبراهيم يا باشا.»
أشار إليه صابر أن يجيب، ففتح شريف المكالمة وشغّل مكبر الصوت.
جاء صوت إبراهيم عبر الهاتف متوترًا وخفيضًا:
- «أيوه يا شريف بيه، البنت لسه خارجة حالًا من البيت. والدكتورة كانت مطمّنة في العيادة، وهي دلوقتي في طريقها لعاصم في الشركة. أنا مش هقدر أمنعها، أعمل إيه؟»
رفع شريف عينيه نحو صابر، منتظرًا توجيهاته. لم يحتج صابر إلى الكلام؛ اكتفى بتحريك يده في إشارة مقتضبة تحمل أمرًا واضحًا. فهم شريف مقصده، فعاد يتحدث إلى إبراهيم بنبرة حاسمة:
- «خلاص، تمام.»
ثم أنهى المكالمة فورًا، ووضع الهاتف جانبًا.
نهض صابر ببطء، وعدّل سترته، وقد استقرت في عينيه نظرة باردة تنذر بما يدبره. التفت إلى شريف وأصدر أوامره بنبرة قاطعة:
- «كلم السواق وخليه يجهز العربية فورًا، وبلّغ الرجالة يتحركوا على الشارع الخلفي لبرج الشركات عشان يجيبوها... هروح أستقبل المدام بنفسي.»
