رواية وتين الوحش الفصل الثالث 3 بقلم ميمي

   


رواية وتين الوحش الفصل الثالث بقلم ميمي


"بشمهندس آسر.. قهوة الصباح معاك كانت ممتعة ومختلفة جداً، غمرتني بفضول أكبر عشان أعرف إيه ورا برودك ده.. مستنية العقود تخلص عشان نتقابل تاني.. ميرا زهران

شعرت ليال ببرودة تجتاح أطرافها، وجسدها الممشوق بدأ يرتجف بعنف، ودمعة واحدة حارقة سقطت من عينيها لتلامس شاشة الهاتف.. لقد بدأت العاصفة تلقي بظلالها، والثقة العمياء بدأت تتحول إلى شظايا من الوجع والشك التلقائي …

••••••

في صباح اليوم التالي 

فتحت ليال عينيها العسليتين مع أول خيوط الفجر، لكنها لم تكن نائمة.. 

كانت مستيقظة طوال الليل، تجلس في صمت مرعب على طرف الفراش، تتأمل جهاز الهاتف الموضوع بين يديها بكبرياء وعناد هز جدران الغرفة. نظرت إلى ملامح آسر المسترخي في نومه بجانبها، وثقتها الأسطورية فيه بدأت تجمع شظاياها بعناد شديد؛ أقنعت نفسها أن هناك تفصيلة غائبة، وأن الرجل الذي قلب الكون من أجلها يستحيل أن يستغفلها أو يلوث عشقهما

مع أول حركة لآسر وهو يفتح عينيه الخضراوين الحادتين وجدها تشخص بنظرها إليه بهدوء مخيف ومؤثر 

وضعت الهاتف بهدوء على الفراش امامه ، ونظرت في عمق عينيه بنبرة منخفضة للغاية، حاسمة، وخالية من أي صراخ:

"الرسالة دي جاتلك بالليل من واحدة اسمها ميرا زهران.. أنا قريتها يا آسر، و طول الليل حاولت اني ماتسرعش  عشان مستنية أسمع منك التفسير.. بس قبل ما تنطق بحرف واحد، مش عايزاك  تكدب عليا أو تخبي عني حاجة يا آسر .. أنت عارف ليال المنشاوي كويس، وعارف  الخطوط الحمرة فحياتي يا آسر كمان عارفني كويس أني مبرجعش في كلمتي.. لو حسيت بس إنك بتستغفلني أو بتخون الثقة دي، اللحظة دي هكون بره البيت وبره حياتك كلها وللأبد، ومش هتشوف وشي تاني لو عشت مية سنة"

شعر آسر وكأن نبضات قلبه توقفت تماماً، وجسده الضخم تشنج من فرط الشد العصبي كان يعرف يقيناً أن ليال إذا قررت الرحيل فلن تلتفت وراءها أبدًا، وعنادها ليس مجرد كلام بل فعل حتمي

 اضطر للضغط على روحه ليقترف الكذبة الأكبر في حياته، ونطق بنبرة هادئة ورخيمة يحاول بكل قوته جعلها ثابتة ومقنعة:

"حقك تتكلمي كده  يا ليال.. بس أنتي ظالماني ميرا زهران تبقى بنت شاكر زهران، الراجل اللي قولتلك إن شركتي بقالها فترة بتحاول تدخل معاه في صفقة الاستيراد والتصدير الكبيرة.. 

البنت دي مغرورة ومريضة بحب السيطرة ولفت الانتباه، وأنا تعمدت أتعامل معاها ببرود وجفاء تام في الكافيه الصبح عشان أكسر مناخيرها وأثبتلها إن آسر السيوفي مش زي أي راجل بتعرفه، والرسالة دي أكبر دليل إن طريقتي جابت نتيجة معاها وبدأت تطمع في الشغل معايا وتلاحقني.. الموضوع بيزنس وبس يا حبيبتي، ومفيش مخلوق في الدنيا دي يملأ عيني غيرك.. أنتي عارفة أنك دنيتي وجنتي اللي هربت بيها من الكون كله "

نظرت إليه ليال بعمق، وعيناها العسليتان تخترقان ملامحه الحادة بحثاً عن أي لقطة كذب، لكنها تنهدت بحرقة وسندت رأسها بتعب على صدره العريض:

 "أنا صدقتك يا آسر.. عشان ماليش غيرك في الدنيا دي.. عشان أنا سيبت كل حاجة ورايا ودخلت بيتك وأنا مسلّمالك روحي وثقتي العمياء أتمنى انك بتقول الحقيقة يا آسر و أنك مش مخبي عني حاجة عشان لو عرفت حقيقة غير دي مش هضمنلك ردة فعلي هتكون ايه "

انثابت الكلمات بينهما وسط هذا الحوار الطويل، ليتراجع بهما شريط الذكريات ببطء شديد وبشكل حقيقي إلى ما قبل ثلاث سنوات.. إلى العاصفة التي سبقت زواجهما

يعود المشهد إلى قصر عبد الله المنشاوي في القاهرة،

 الأجواء مشحونة والكل يقف على أطراف أصابعه كان كنان، التوأم الروحي لليال، يمسك بوشاحها في الممر الخلفي، وعيناه ممتلئتان بدموع حقيقية وهو يتحدث بنبرة مكسورة:

 "يعني هتمشي بجد يا ليال؟ هتسيبيني لوحدي وسط الجفاء ده؟ أنا توأمك.. حتة من روحك، تروحي تعيشي و تتزوجي من ابن السيوفي اللي عيلتنا وعيلتو بينهم بحور دم وسلاح؟"

نظرت إليه ليال والدموع تتحجر في عينيها، لكنها أمسكت يديه بقوة وعناد أسطوري:

 "كنان.. اسمعني كويس، أنا مش هعيش مع عيلة السيوفي، أنا هعيش مع آسر.. آسر ملوش ذنب في قذارة أبوه، آسر بني نفسه بنفسه وحارب الدنيا عشاني.. أنا بحبه ومقدرش أتنفس من غيره"

وفي الصالة الكبرى، كان الأب عبد الله المنشاوي يقف بجسده الضخم، وبجانبه الأخ الأكبر مصطفى والشرر يتطاير من عينيه، بينما الأم مروى تبكي بصمت في الزاوية 

ضرب الأب عصاه في الأرض بغضب عارم وشجار زلزل القصر:

 "انتي اتجننتي يا ليال؟ جاية تقوليلي بكل جراءة إنك موافقة تتجوزيه؟ أنتي بتكسري كلمتي وبتدوسي على اسم المنشاوي عشان راجل؟"

 "أنا بختار حياتي يا بابا!" 

صرخت ليال بعصبية مفرطة وعناد لم يجرؤ أحد على إظهاره أمامه: 

"آسر مش زي أبوه، وأنا مش هضحي بحبي وعمري عشان خناقة بقالها 15 سنة لا أنا ولا آسر عندنا  ذنب فيها!"

تقدم منها والدها ونظر إليها بنظرة جافة كالمرمر، ونطق بالخيار الذي بتر حياتها القديمة:

 "قدامك دقيقة واحدة.. يا تختاري عيلتك، وأبوكي، وأمك، وتوأمك كنان يلي على أساس متقدريش تعيشي من غيره وتفضلي بنت المنشاوي.. يا تدخلي بيت آسر السيوفي وتخرجي من البيت ده وانتي مراته و على اسمه وانا بذات نفسي راح أكتب الكتاب بس يكون بعلمك من الدقيقة اللي هتبقي فيها مراته وتدخلي بيته، تنسي إن ليكي أب أو عيلة، وتعتبرينا موتنا وتعتبري نفسك من ساعتها أنك بنت يتيمة .. اختاري يا ليال!"

نظرت ليال حولها.. رأت دموع كنان التي تقطع أحشاءها، ورأت جفاء والدها، لكن عشقها الجنوني لآسر أعماها

 التفتت بكبرياء جريح،  لتخرج إلى آسر الذي كان ينتظرها بسيارته وعيناه تشتعلان بالخوف عليها لتخبره أن والدها وافق على زواجهم  وحكت له كل شيء أخبرها به والدها ...

يومها وضعت كامل ثقتها في رجل واحد عوضها عن كون كامل ضحت به

وعلى الجانب الآخر من الذاكرة

كان شريط ماضي آسر يمر بمرارة أكبر داخل عقله يتذكر والده عمر السيوفي، ذلك الرجل الذي كان يقطر جحوداً وقسوة. يتذكر كيف كان يعامله ببرود قاتل بعد وفاة والدته الحنونة خديجة، التي كانت تمثل لآسر طيف الأمان والدفء الوحيد في هذا الكون يتذكر كيف كان يضربه بأبشع الطرق وهو صغير ، يتذكر كيف كان يعذب والدته و يضربها يوميا امام عينيه و كيف كان يذلها و يهينها يوميا  حتى ماتت قهرا بسببه 

ثم و بعد وفاتها، تزوج الأب من ثرية، امرأة خبيثة زرعت السموم داخل البيت وحاولت بكل الطرق تدمير آسر

يتذكر آسر المواجهة الأخيرة مع والده عمر في مكتبه ، عندما صرخ الأب في وجهه:

 "عايز تستقل وتبني شركات لوحدك بعيد عني؟ عايز تتجوز بنت المنشاوي؟ عيلة المنشاوي يا آسر انت اتجننت من النهاردة تنسى أنك ابني، وأخواتك مراد ومريم قسماً بالله لو شوفتك بتكلمهم أو بتقرب منهم لأكون دابحهم بإيديا!"

خرج آسر يومها وهو يكره والده كرها فوق كرهه أصبح يشمئز منه أكثر ، ومن يومها قطع علاقته بالعائلة تماماً

لكن خوفه  على أخوته الصغار مراد ومريم من بطش أبيه وجحوده، جعله يبتعد تماماً عنهم ظاهرياً لمنع الأذى عنهم، لكنه كان يتابعهم من بعيد، يحميهم بنفوذه وأمواله وجهازه الاستخباراتي دون ان يلمحو طيفه ( لم يكن أحد غير ليال يعلم بانه ضابط مخابرات ) ، منتظراً اليوم الذي ينتزعهم فيه من هذا الجحيم

عاد آسر إلى أرض الواقع بعد أن قبل جبين ليال بعمق وودعها متوجهاً إلى عمله بالقاهرة

 والضغط الزمني للمهمة يطوق عنقه كالمشنقة، خصوصاً بعد أن أصبح مضطراً للكذب على "وتين" حياته لحمايتها وحماية وطنه

في مقر المخابرات العام بالقاهرة

دخل آسر مكتب اللواء رفعت الذي كان ينتظره بملامحه الصارمة والملف الأسود الموضوع على مكتبه

 تقدم اللواء ووضع يده على كتف آسر، ونطق بنبرة ثقيلة وجادة جداً:

 "سيادة العقيد .. المقابلة تمت الموافقة عليها بشكل رسمي الليلة الساعة تسعة بالليل، عندك اجتماع شخصي وتقيل جداً في قصر شاكر زهران بناءً على إلحاح بنته ميرا اللي أقنعته إنك الشريك المثالي والشخص الوحيد اللي يقدر يأمن الشحنة الكبيرة الشهر الجاي.. 

شاكر زهران ثعلب ماكر، ذكي، وبيمتحن كل اللي حواليه بنظرة واحدة وعنده حاسة سادسة للخيانة..

 اللقاء ده هيكون ثقيل وفيه اختبارات صعبة جداً يا آسر، والبلد مستنية منك خطوة تخلينا ندخل قلب الشبكة دي.. القناع الليلة لازم يكون مثالي ومن غير أي غلطة، اجهز"

أومأ آسر برأسه صامتاً، وعيناه الخضراوان تحملا نظرة جامدة وباردة كأنها استعارت قسوة والده لمواجهة هذا الوحش، بينما كان عقله يغلي وتفكيره معلق بحبيبته وببركان الشك الذي بدأ يخمد مؤقتاً في قلب ليال


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات