رواية جريمة في الجناح الملكي الفصل الثالث بقلم يارا علاء الدين
عيسى اختـ.ـفى في نفس الليلة اللي أتـ.ـولع فيها جناحه.. يبقى عيسى مش هو الضـ.ــحية.. عيسى ليه يد في الموضوع ده!
______________________
الشمس كانت بدأت تفرش نورها الباهت على المكتب بتاعي ، وضوء النهار كان بيتسلل بشويش عشان يفضح عجزنا قدام اللغز اللي اتعقد في لحظة.
دخان السجاير كان عامل الغرفة زي ضباب كثيف، وفنجان القهوة التالت كان برد تمامًا على المكتب من غير ما ألمسه.
مسكت تقرير الطب الشرعي تاني، وبصيت في السطور المطبوعة بأسود دقيق كأني بحاول ألاقي سبب يخليني أستوعب اللي بيحصل.
الجـ.ــثة مش لعيسى الغندور.. وصاحب الجـ.ــثة ميت من يومين.
الضـ.ـحية مش قتـ.ــيل الحريقـ.ــة.. الضـ.ـحية كان مجرد "ديكور" في مسرحية مرعبة حبكها عيسى بنفسه!
بصيت لزين اللي كان قاعد قدامي ووشه باين عليه التعب والذهول، وقولتله بنبرة هادية:
ـ عيسى متـ.ـقتلش يا زين.. عيسى هو اللي حرق جناحه، وهو اللي جاب الجثـ.ـة دي وحطها ، عشان يوهم الناس إنه مات ويتولد من جديد بشخصية تانية وفلوس جديدة!
زين بلع ريقه وقرب من المكتب وقال:
ـ بس يا باشا.. جثـ.ـة مين دي؟ وإزاي جـ.ـثة ميتة من يومين يبقى محتفظ بيها كده؟ وجابها منين أصلًا من غير ما حد يحس في فندق زحمة زي ده؟
وقفت من على الكرسي، ومسكت القلم وبدأت أكتب على السبورة البيضاء بخط عريض:
السؤال الأول:
مين الميـ.ـت؟
وتحته كتبت:
السؤال الثاني:
إزاي عيسى خرج؟
التفت لزين وقولتله بحزم:
ـ اسمعني كويس يا زين.. التحقيق من اللحظة دي هيتحول لاتجاهين موازيين.
أنت هتطير حالًا على الفندق مع فريق الأدلة الجنائية، انزلوا الدور الأرضي وغرف التبريد، والمخازن المقفولة، والمغسلة.
جـ.ـثة ميتة من يومين لازم تكون كانت محفوظة في مكان بارد جدًا عشان ما تطلعش ريحة ولا تعفن قبل الليلة دي.
فتشوا كل ثلاجة حفظ أطعمة أو ثلاجة لحوم في المطعم الرئيسي، وعايز رفع بصمات كامل هناك.
زين هز رأسه بتركيز وقال:
ـ حاضر يا باشا.. وطاقم الموظفين؟
رديت :
ـ استجوب الموظفين .. عمال النظافة، الشيالين، أمن البوابات الخلفية..
وكمان عايز كشف بالمـ.ـفقودين خلال اليومين اللي فاتوا.
دور على أي حد اختـ.ـفى من يومين!
عامل تراخيص، زبال، أو حتى حد من المشردين اللي كانوا بيترددوا على الشارع الخلفي للفندق ومرتبط بعيسى بشكل أو بآخر. حركة زي دي محتاجة جـ.ـثة محدش يسأل عنها ولا يدور عليها!
زين خرج يجرى ينفذ الأوامر، وأنا اتصلت بقطاع الأموال العامة عشان
لو فيه راجل بيفبرك موته، فالتفسير الأول والأخير للنوع ده من الجـ.ـرايم هو "الفلوس"
بعد أقل من ساعتين، كنت وصلت لحاجات كتير، وكل خيط بيتكشف كان بيبين حجم الدهاء والخبث اللي كان عند عيسى الغندور.
تقرير الأموال العامة جه صادم بكل المقاييس:
فندق عيسى الغندور مكنش بيكسب زي ما الناس فاكرة.. الفندق كان بيعاني من إفلاس وشيك بـ 120 مليون جنيه متأخرة لبنوك ومستثمرين أجانب.
مش بس كده.. عيسى كان واخد قبلها قرض بضمان الفندق بمبلغ ضخم وطبعًا متسددش!
ولما تتبعت الحسابات الشخصية لعيسى، اكتشفت إنه على مدار الخمسة وأربعين يوم اللي فاتوا، كان بيحول مبالغ كبيرة لحسابات في بنوك قبرص وتركيا.
معنى كده إن عيسى حول ممتلكاته لسيولة وخرجها برة البلد؟
ضحكت بسخرية وأنا بكلم نفسي:
ـ يا ابن الإيه يا عيسى.. العشاء والخناقات مع فاروق وهالة وسارة وطارق.. كل ده كان مسرحية متصممة عشان لما الجـ.ـثة تتحـ.ـرق، أنا والشرطة نضيع وقتنا ونجري ورا المشتبه فيهم الأربعة ونغرق في دوافعهم، وإنت تاخد وقتك كامل وتهرب!
الساعة كانت قربت على الضهر لما زين رجع المكتب، ووشه عليه علامات الإرهاق بس عينيه فيها لمعة انتصار:
ـ عصام باشا! لقينا دليليين في غاية الأهمية!
قولتله:
ـ قول يا زين بسرعة!
زين قال بتركيز:
ـ الأولاني فحص السيرفر الرئيسي للأقفال الإلكترونية في الفندق ياعصام باشا! لما فريق التكنولوجيا راجع سجل حركة كروت الماستر بتاعة الإدارة في الـ 48 ساعة اللي فاتوا، لقينا إن باب غرفة تبريد قديمة تحت اتفتح كذا مرة بكارت الإدارة الخاص بعيسى نفسه!
كمل زين وهو بيوريني الصور:
ـ لما نزلنا وفحصنا الأوضة دي، الفحص الكيميائي أثبت إن درجة حرارتها اتلعب فيها واتفتحت واستخدمت كـ "فريزر مؤقت".. رغم إنها مقفوله من فترة كبيرة, ولقينا جواها آثار بقعة د م صغيرة متجمدة على الأرضية ,وده بيرجح إن الجـ.ـثة كانت محفوظة تحت في التلج بقالها يومين، واتنقلت للجناح الملكي قبل الحريـ.ـقة بفترة قصيرة!
اتنهدت بعمق وقولت:
ـ يعني عيسى كان مجهز كل حاجة... بس الجثـ.ـة دي بتاعة مين؟
محدش من موظفين الفندق أو النزلاء اتسجل غيابه أو اتقدم فيه بلاغ اختفاء؟
زين رد بنفس التوتر:
ـ لحد دلوقتي لسه بنراجع كشوف الموظفين والعمال والنزلاء يا باشا، ومفيش أي اسم ظاهر إنه اختفى في ال48 ساعة اللي فاتوا.. الهوية لسه مجهولة تمامًا!
سألته بتركيز:
ـ كمل يا زين.. والحاجة التانية؟
زين قال:
ـ كاميرات المراقبة الخلفية للفندق كانت متعطلة, بس كاميرا محل مجوهرات في الشارع الخلفي اللي في وش الفندق لقطت حاجة غريبة جدًا الساعة 12:35 بعد نص الليل.. يعني قبل الحريقة بـ 25 دقيقة!
عربية جيب سوداء وقفت عند باب الفندق الخلفي ركب فيها شخص خرج من الفندق متخفي ومواصفاته الجسمانية تشبه عيسى.
قولت لزين:
ـ عايز خط سير العربية دي فورًا يازين وأنا واثق إنها هتكون طالعة على المطار !
البحث مأخدش أكتر من ساعة.
العربية اتلاقت مركونة في ساحة الانتظار في مطار القاهرة - مبنى 2.
اتحركت أنا وزين على المطار بسرعة ودخلنا غرفة التحكم والمراقبة. قعدنا نراجع تسجيلات الفيديو لخروج المسافرين في صالة المغادرة.
وقفنا الشريط لما شوفنا شخص بطول وجسم عيسى الغندور، كان لابس كاب، ونظارة طبية بسمك كبير، ودقن خفيفة، ولابس لبس سبورت عريض.
دخل الصالة بثقة ثابته، وشايل شنطة هاند باج واحدة.
قربت من الشاشة وزين قالي:
ـ هو ده يا عصام باشا! نفس مشية الشخص اللي خرج من الفندق كان فيها عرج بسيط للجانب اليمين بس اللبس طبعًا متغير.
روحنا بعدها سألنا على الجواز اللي خرج بيه من المطار.. الجواز كان أصلي وبيحمل اسم "ماركوس راموس"!
بصيت للظابط وسألته :
ـ طلع على أنهي رحلة ؟
الضابط بحث وقالي:
ـ الرحلة رقم 775 المتجهة إلى أثينا - يونان.. الطيارة اتحركت من أكتر من ست ساعات!
غمضت عيني لحظة وأنا باخد نفس عميق..
عيسى الغندور هرب.. خرج بره مصر ببراعة شديدة، وساب وراه جثـ.ـة متفحـ.ـمة وفندق عليه ديون, وشبهات حواليين أربع بني آدمين أبرياء كانوا ممكن يلبسوا إعـ.ـدام أو سجـ.ـن مؤبد في جـ.ـريمة هو اللي خطط ليها!
بس وأنا باصص للشاشة وبفكر في كل خطوة عملها، حسيت إن فيه حاجة مش منطقية.. حاجة لسه مش واضحة.
التفت لزين وسألته بصوت واطي:
ـ زين.. هو عيسى ركب العربية وساب الفندق الساعة 12:35 بالليل صح؟
زين رد وقالي:
ـ أيوة يا باشا..
سألته تاني والشك بدأ ينهش في عقلي:
ـ طب الحريـ.ـقة اللي ولعت في الجناح الملكي في الدور الثالث، وولعت في الجثـ.ـة وشغلت صفارات الإنذار.. كانت الساعة كام بالضبط؟
زين قال:
ـ الساعة واحدة بالظبط بعد نص الليل!
بصيت لزين وعيني وسعت من الصدمة:
ـ عيسى كان في عربيته على الطريق الدائري الساعة واحدة بالليل!
مين اللي كان جوه الفندق الساعة واحدة وولع النار في الجـ.ـثة وفي الجناح؟!!
زين قالي:
ـ قصدك يا باشا.. إن فيه حد تاني كان شريك معاه وولع الحر يقة في الوقت المحدد؟
ابتسمت بسخرية حادة وقولتله:
ـ يا إما عيسى كان مركب تايمر للانفجار والحريق اللي حصل.. يا إما واحد كان هو الايد اللي نفذت ! ولازم أوصله!
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
