رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل السابع والاربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
أن تقع في عشق امرأةٍ مثلي، يعني أن تجد وطنًا يأويك حين تلفظك جميع بقاع الأرض، وميناءً يحتضن سفينتك حين يُرهقها موج الحياة.
فإن كانت الأيام حربًا، كنتُ الرفيقة التي لا يرهبها غبار المعركة، وإن كانت الحياة بحرًا وموجها عاتيًا، كنتُ الشراع الذي يعرف كيف يُروّض الرياح، حتى تصل إلى البر آمنًا. قد لا أخوض معاركك بدلًا عنك، لكنني سأجعلك تؤمن بأنك قادرٌ على الانتصار بها. لا أعدك بحياةٍ بلا عواصف، لكنني أعدك لن أتركك وحيدًا في مواجهتها.
لستُ مجرد قلبٍ يعشق، بل أنا العقل الذي يعرف كيف يُضيء الدروب حين تُطفئ الأيام مصابيحها عن عالمك، والكتف الذي لا يميل بك حين تستند إليه بما أثقل كاهلك. ولست أنا المرأة التي لا تنكسر، بل أنا المرأة التي حين يتصدع قلبها، تجمع شظاياه بيديها، وتُخفي ألمها عن العالم، ثم تمضي في دربها مبتسمة وكأن شيئًا لم يكن..
فاحذر أن تخسر امرأةً مثلي، فالمرأة القوية قد تصبر طويلًا، لكنها حين تُقرر الرحيل، لا تترك خلفها بابًا مواربًا للعودة، وإياك أن تجعلني أتعلم كيف تكون الحياة من دونك، فإن أطلقت سراح قلبي عن طوق عشقك، فهذا يعني خسارة ما لا يمكن تعويضه أبدًا…
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
توقفت جميع حواسها عن العمل، وهي ترى ذلك الظل الضخم لرجلٍ اعتاد قلبها أن يهمس اسمه بين دقاته، وكأنه وقوده الذي يمده بالحياة، ذلك الرجل ذاته الذي أذاقها من العذاب ما كان كفيلًا بأن يطفئ وهج الحب في قلبها أبد الدهر، وأثقل روحها بما يفوق طاقتها على الاحتمال، ومع ذلك لم تستطع أن تتخلى عنه. كان وجعها منه يسكن في موضع، وحبها له يسكن في موضعٍ أعمق، و كلما حاولت أن تنتزع جذوره من قلبها، نزف قلبها قبل أن يقتلعها. كان عشقُهما ضاريًا، عنيدًا، كأنه خُلق ليعاند الحياة بكل ما فيها، يعاند المسافات، والخوف، والخذلان، والجراح التي تركها كل منهما في قلب الآخر، بل ويعاندهما حين يحاولان النجاة منه. كم مرةٍ ظنا أن الألم قد بلغ منتهاه، وأن ما انكسر بينهما لن يعاد ترميمه من جديد، ثم كان الحب يعود أشدّ بأسًا، كجمرٍ يرفض أن يخمد تحت رماد الخيبات. لم يكن عشقًا هادئًا يُروى بالطمأنينة، بل كان معركةً طويلة بين قلبين أنهكتهما الحياة، ومع ذلك أبى كليهما الاستسلام، حتى غدا التخلي عن بعضهما أشد إيلامًا من كل ما فعلاه ببعضهم البعض. وكأنهما، رغم كل ما انكسر فيهما بسبب ذلك العشق، الذي لم يعرفا يومًا كيف ينجوان منه. لأنهما ببساطة لم يعرفا كيف تكون الحياة دون أن تتعانق أنفاسهم.
ـ آسيا. الحقي كمال خرج…
تلاقت الأنظار لثوانٍ في لِحامٍ صامت، دوى صداه في الصدور التي أنهكها الفراق، وكأن كل ما عجزت الكلمات عن قوله خلال تلك السنوات اختُصر في نظرةٍ واحدة. و تشبثت الأعين ببعضها في لهفةٍ موجعة، تستعيد كل لحظة غياب، وكل كلمةٍ ظلت حبيسة القلب، وكل مرةٍ تمنّيا فيها لو كانا بجوار بعضهم البعض.
و لأنه لم يعد هناك طاقة لاحتمال مزيدًا من المسافة، اندفع كلاهما نحو الآخر في عناقٍ شديد، و كأن كل واحدًا منهما يتأكد من وجود الآخر بين ذراعيه. فأخذ كمال يشدد من عناقها، وهو يغمض عينيه بقوة، فأسر ذراعيها هو الحرية التي لطالما تمناها، فقد كان عناقهم و كأنه محاولة لاسترداد سنواتٍ كاملة في لحظة واحدة، عناق سقطت فيه الحواجز التي شيدها الكبرياء، وتهاوت معه كل محاولات التماسك، ولم يبقَ سوى قلبين أنهكهما البعد، وجدا أخيرًا مكانهما الطبيعي بين ذراعي بعضهما.
ـ وحشتيني. وحشتيني أوي…
هكذا همس بجانب أذنها بصوتٍ أثقلته لواعج الشوق، لتجيبه بنبرة مدججة بشغفٍ حارق:
ـ مش أكتر مني…
تراجعت عنه تبحث في ملامحه بنظرات أم يبغي فؤادها الإطمئنان على ساكنه، لتتضمن نبرتها كل معاني الاهتمام حين قالت:
ـ أنت كويس صح! طمني عليك..
كمال بنبرة عابثة:
ـ والله لو تكرمتي عليا و ادتيني حضن كمان هبقى زي الفل..
آسيا بخجل أخفته خلف جدار السخرية:
ـ لا بما انك بدات تقل أدبك كدا، يبقى أنت زي الفل..
ابتسم كمال على مزاحها، ليقول مازحًا:
ـ وحشني لسانك الطويل، يا آكلة حقوق البشر…
آسيا بتهكم:
ـ و أنت أيه علاقتك بالبشر معلش..؟
لم يكد يجيبها حتى لمح ميرهان التي شعرت بالحرج، و خشيت ان يقابل وجودها بالرفض، فاستدارت تنوي المغادرة، ليقطب كمال جبينه مندهشًا من وجودها، فاستدارت آسيا و هتفت باسمها:
ـ ميرهان…
توقفت عن الحركة، و تعلقت عينيها على كمال الذي تحدث باقتضاب:
ـ أيه دا بقى؟
تمتمت آسيا بجمود:
ـ على فكرة كان ليها دور كبير انك تخرج النهاردة… و كانت هتتجنن عليك، و أعتذرتلي كمان…
لأول مرة ينظر إليها بعد ما حدث، و لكم أدهشه حين رأى ذلك الانكسار في عينيها و هذا التردد في خطواتها، و ملامحها التي كانت تتوسل السماح، و لأنه يملك قلبًا يعرف كيف يحب، قلبًا لطالما رآها طفلته، و حاوطها برعايته و حنانه طوال حياتها، وها هو رغمًا عن الخذلان و الألم يقف أمام كبريائه لأجلها، ليجد نفسه يفتح لها ذراعيه، فلم تصدق ميرهان نفسها حين وجدت ذراعيه مفتوحين لها كما في السابق، فتجمدت لبرهة وهي تنظر إليه بأعيُن جاحظة، ثم اندفعت إليه بكامل أسفها وندمها تجر أطنان من العبرات و عبارات متقطعة، ما بين الاندفاع و اللهفة:
ـ أنا أسفة، اسفة والله، حقك عليا، أنا، أنا بحبك اوي والله، سامحني، سامحني.. وحياة أغلى حاجة عندك سامحني…
ضمها كمال بقوة الى صدره، وهو يقول بنبرة حانية:
ـ خلاص اهدي. و بطلي عياط ..
أخيرًا تحدث داوود ساخرًا:
ـ ما خلاص يا دنجوان عصرك، كل دي أحضان، مكنوش ليلتين جضيتهم في الحجز يعني!
و سخرت آسيا قائلة:
ـ معلش يا متر أصل العيلة دي كلهم مشاعرهم جياشة…
ابتسم كمال على حديثها، فشاكسها قائلًا:
ـ عندك اعتراض؟
لوت فمها بسخرية، فهتف كمال باستفهام:
ـ صحيح، هو فين خالد؟ مجاش ليه؟
تبادل الجميع النظرات، ليتحدث داوود مغيرًا الموضوع:
ـ سيبك من خالد دلوجتي، في لعبة كبيرة اتعملت عشان إنت تلبس الجضية، فلم نفسك بجى عشان في مرار طافح لازمن ينوبك منه جانب…
كمال باستفهام:
ـ البنت مقالتش مين اللي وراها؟
تولت آسيا الإجابة هذه المرة حين قالت:
ـ مقالتش، ولا هتقول..
كمال باندهاش:
ـ يعني أيه الكلام دا؟
صمتت آسيا تتذكر ما حدث فجر اليوم…
عودة إلى وقتٍ سابق
شق جوف الليل صوت عربة أسعاف، التي توقفت على أعتاب أبواب المشفى، ثم ترجل طاقم العمل، من الباب الخلفي حاملين ذلك السرير النقال، الذي يحمل فتاة مصابة بألمٍ حاد في معدتها، و بجانبها شقيقتها التي كانت ترتدي النقاب، ليتم إدخال الفتاة إلى غرفة الطواريء، و ما ان اغلق الباب حتى رفعت آسيا غطاء الوجه وهي أمام شادي ذلك الطبيب صديق يزيد الذي تحدث بنبرة جادة خافتة:
ـ الأسانسير دا بيطلع على العناية المركزة، وهناك هتلاقي ممرضة واقفة مستنياكي، هتدخلك عندها، قدامك ربع ساعة قبل معاد تغيير الشيفت، عشان تعرفي تتكلمي معاها..
آسيا باستفهام:
ـ طيب هي حالتها أيه؟
شادي بطمأنه:
ـ كل مؤشراتها الحيوية تمام، بس بردو لازم تتعاملي بحرص…
هتفت ميرهان بلهفة:
ـ أنا ممكن اطلع معاها؟
رفض شادي قائلًا:
ـ مينفعش، أنتِ مفروض حالة طوارئ، و ممكن يدخل اي حد، مش عايزين نثير الشكوك…
تحدثت ميرهان قائلة:
ـ خدي التليفون دا خليه معاكي، متوصل بالسمارت ووتش اللي معايا، عشان لو حصل حاجة أقدر أوصلك..
ابتسمت آسيا بامتنان، دون أن تعلق، ليطمأنهم شادي قائلًا:
ـ الوضع أمان متقلقوش، أهم حاجة تنجزي زي ما قولتلك…
تحركت آسيا الى الأعلى، و منه الى غرفة الفتاة منه التي كانت تبكي بصمتِ، وهي تتذكر ما حدث معها، و ما أُجبرت على اقترافه في حق آسيا التي كانت معها في أحلك الأوقات، و ها هي طعنتها في ظهرها..
دخلت آسيا غرفة المستشفى بخطوات ثابتة، إلا أن عينيها كانتا تفضحان ما حاولت ملامحها إخفاءه؛ غضبٌ مقيت وعتاب قاسي، لتتوقف أمام فراش منة، تتأمل شحوب وجهها ووهن جسدها للحظات، ثم قالت بهدوءٍ شديد، ذلك الهدوء الذي كان أشد وقعًا من الصراخ:
ـ يا ترى الدموع دي تأنيب ضمير، و لا أنتِ ضميرك أصلًا مات من زمان؟
فزعت منة حين سمعت صوت آسيا، لتفتح عينيها بصدمة، فلم تمهلها الأخيرة الوقت للحديث، إذ قالت بجفاء:
ـ ليه عملتي فيا كده يا منة؟
ارتبكت منة، وأشاحت بوجهها بعيدًا عنها، وكأنها تبحث عن مهرب من تلك النظرات التي لم تكن تمنحها فرصة للاختباء، فاقتربت آسيا خطوة، ثم تابعت بنبرةٍ حملت وجعًا أكثر مما حملت غضبًا:
ـ أنا أذيتك في إيه؟ قوليلي... عملتلك إيه خلاكي تعملي فيا كل دا؟ أنا كنت فاكرة إن اللي بينا عِشرة، و عيش و ملح ليه تخونيه؟ متخيلتش ان الضربة تجيلي منك إنتِ، و انا اللي وقفت جنبك وقت ما كنتي لوحدك..
صمتت لحظة، ثم انخفض صوتها، لكنه ازداد حدةً:
ـ دي آخرة المعروف يا منة؟
تحركت منة بضيق، وقالت محاولة إيجاد مبرر ينقذ صورتها في عين آسيا:
ـ أنا كنت مضطرة...
قاطعتها آسيا بقسوة:
ـ مضطرة؟
كررت الكلمة ببطء، ثم ابتسمت ابتسامة خالية من الفرح و قالت:
ـ كلنا بنتحط في ظروف صعبة، بس مش كلنا بنختار نأذي الناس اللي وقفت جنبنا. انا عارفة انك كنتي في وقت صعب، بس أنا كنت قادرة أقف جنبك، أنتِ كنتي أختي..
كانت أذكى من أن تجعل حديثها كله يصب في بوتقة اللوم حتى لا تضيق عليها الخناق، فيأتي الأمر بنتائج عكسيةوقالت:
ـ أنا مش هكلمك في اللي عملتيه فيا، مش فارقلي اصلًا، لكن اللي فارقلي أن جوزي في السجن بسببك.
ارتجفت ملامح الأخرى، و شهقت بصدمة:
ـ أيه؟
آسيا مشددة على كل حرف يخرج منها:
ـ كمال جالك عشان يعرف الحقيقة، و لما وقعتي من البلكونة اتهموه ان هو اللي وقعك، ودا شروع في قتل. و انا واثقة أن دا محصلش.... فاهمة يعني أيه انهم يتهموه تهمة بشعة زي دي؟ مدركة أنا حصلي أيه بسببك ؟
ارتجفت أوصالها من هول الأمر، و هزت رأسها بعجز، وهمست:
ـ أنا ما كنتش أقصد… أنا كنت خايفة، خايفة منهم…
آسيا بلهفة:
ـ هما مين؟
تذكرت ملامح ذلك الرجل المرعبة التي كانت تهددها بقتل شقيقتها، فأخذت تهز برأسها يمينًا و يسارًا وهي تأبى حتى ذكر اسمه من فرط الخوف الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ مقدرش أقول مقدرش…
تحدثت آسيا بنبرة حانقة ثم انحنت قليلًا نحوها:
ـ و أنا مش هسيبك غير لما اعرف الحقيقة، أوعدك مش هأذيكي و لا هعملك أي حاجة، لكن أنا لازم أعرف مين عايز يأذيني أنا و كمال.
ارتعشت شفتا منة، وبدا عليها الذعر جليًا، لتحثها آسيا على الحديث قائلة برجاء:
ـ ردي عليا يا منة…
لم تكن تملك رفاهية تقرير مصيرها، لذا قالت بألم:
ـ أنا مش هقدر أقول مين اللي خلاني اعمل كدا، عشان زي ما انتِ خايفة على، أنا خايفة على أمي و أختي، والله لو على أذيتي أنا مكنتش سكت، لكن أنا مش هقدر أخسر حد فيهم..
آسيا باستنكار:
ـ أنتِ مش هتقدري تخسري حد فيهم، بس تخسريني جوزي عادي؟
منه بلهفة:
ـ لا، أنا ميرضنيش دا، و عشان كدا، أنا هبرأه و هقول أني وقعت لوحدي، و أنه مقربش مني.. بس…
آسيا بترقب:
ـ بس أيه؟
منه بجمود:
ـ بس على شرط..
تنفست منة ببطء، ثم قالت:
ـ متسألينيش مين اللي حرّضني أعمل كده.
ساد الصمت بينهما لحظات. ثم استقامت آسيا في وقفتها، وحدقت فيها طويلًا قبل أن تقول بهدوءٍ:
ـ يعني أنتِ مستعدة تنقذي كمال... لكن مش مستعدة تنقذي نفسك. و صورتك اللي اتشوهت في عنيا؟
اهتزت جفونها المثقلة بالعبرات، فأكملت آسيا، بتقريع:
ـ للدرجادي خايفة؟ طيب قبل ما تخافي من البني آدمين أوي كدا خافي من ربنا…
بكت منة بحرقة وهي تهتف بقلة حيلة:
ـ أرجوكي ارحميني، إنا مش قدها..
آسيا بغضب:
ـ و انا قادرة أحميكي منهم، بس أنتِ اللي ضعيفة و جبانه، عمومًا أنا موافقة، خرجي كمال، و مش هسألك عن حاجة تاني، إلا أذا أنتِ رجعتي في كلامك، و أنا واثقة أن دا هيحصل…
عودة إلى الوقت الحالي
ـ مكنش قدامي حل، غير أني أقبل أنها تخرجك، و بعد كدا نبقى نشوف….
تعلّقت عينا كمال بالفتاتين في ذهولٍ لم يستطع إخفاءه؛ فهاتان اللتان طالما أشعل الكره بينهما نيرانًا امتدّ لهيبها إلى قلبه، ومزّقته صراعاتهما حتى غدا عاجزًا عن احتمال المزيد، فاختار الرحيل بقلبٍ نازف، تاركًا خلفه دنيا ضاقت به حتى لم يعد يجد فيها موطئًا للراحة، وفرّ بعيدًا عن كل ما يربطه بها، لعلّ المسافات تُخمد في صدره ما عجز عن إطفائه وهو بينهما... وها هما اليوم تمدّ كلٌّ منهما يدها للأخرى، وتضعان خلافاتهما جانبًا، متجاوزتين كل ما فرّق بينهما، لا لشيءٍ سوى إنقاذه. كان المشهد صادمًا له بقدر ما كان مبهجًا؛ إذ لم يخطر بباله يومًا أن يرى الكراهية التي بدّدت شملهما تنحني أمام خوفهما عليه، وأن تصبحا، بعد كل ما كان، يدًا واحدة تمتدّ إليه، وكأنّ القدر يمنحه معجزة لم يجرؤ يومًا على تمنيها. أن يراهما معًا، لا في مواجهة ضارية بل جنبًا إلى جنب من أجله.
ـ شكرًا أنكوا تعبتوا نفسكوا و عملتوا كل دا عشان تخرجوني.
تبادلت الفتاتان النظرات فيما بينهما، فمنذ عامين ساقهما الحقد إلى خسارته، وكانت خسارته فادحةً لكلتيهما، حتى كاد ما زرعتاه من كراهية أن يحرمهما منه إلى الأبد. لكن اليوم تغيّر كل شيء؛ فقد اجتمعتا على حبّه، وتناست كل منهما جراحها في سبيل إنقاذه من الهلاك، وكأنّ الحياة تمنحهما فرصةً أخيرة لتُدركا أن ما يجمع القلوب أقوى مما يفرّقها. فالحبّ لا يحصد المرء من ورائه إلا حبًّا، مهما تأخر الحصاد، أمّا الكراهية فلا تُنبت، وإن طال اخضرارها، إلا شوكًا يرتد إلى صدر زارعه، فيجرحه قبل أن يُصيب به غيره؛ فلكل ما نزرعه في قلوب الآخرين حصاد، إمّا أن نجنيه وِدًّا يُؤوينا، وإمّا أن نتجرع مرارته أشواكًا بأيدينا غرسناها.
اللهم إن ضاقت بي الدنيا، فوسّعها عليّ برحمتك.
يا رب، أخرجني من ضيق التفكير إلى سعة التدبير.
اللهم فرجًا قريبًا، ورزقًا واسعًا، وقلبًا مطمئنًا.❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ خالد…
هكذا تحدثت زينة وهي تقف أمام خالد الذي كان ينظر الى ذلك الزجاج الذي يطل على تلك الراقدة في غرفة العناية المركزة، ليجيب عليها بنبرة جافة مقتضبة دون إن يلتفت:
ـ نعم..
في هذه اللحظة ودت لو تعانق ظهره المتصلب، و تستشير دفء لمساته، و لكنها لم تجرؤ على التقدم خطوة واحدة بل تابعت بنبرة ناعمة مثيرة:
ـ عايزة أطمن عليك…
ـ كويس.
كعادته مؤخرًا، يختصر كل شيء معها، وكأنّ الاختصار مذهبه كلما تعلق الأمر بها، كلماتُه مقتضبة، ومعاملته لا تتجاوز حدود ما تفرضه الضرورة، فلا يمنحها من اهتمامه إلا القليل ولا يترك لها من عاطفته ما قد تتعلق به أو تتوهّم من خلاله أن لقلبه متّسعًا لها. وعلى النقيض تمامًا، كان مع تلك المرأة اللعينة يتحول رجلًا آخر؛ رجل بعرف كيف يدلل، و يهتم، و يغازل، بل و يسرف في ذلك، وكأن ما يضن به على شقيقتها سابقًا يفيض به على أشجان حاليً دون حساب. فليس العطاء طبعًا يتساوى فيه الجميع، ولا البخل دليلًا على العجز عن المنح، ولكن القلب حين يحب، يمنح دون إرادة، ويُغدق دون حساب.
تجاوزت حقدها و ذرفت الكثير من المشاعر مع عبراتها، لتتهدج نبرتها حين قالت:
ـ هو أنا ينفع أقولك على حاجة من غير ما أكون بتقل عليك؟
استدار ينظر إليها بأعيُن جامدة، و ملامح تشبهها، فاعتبرت ذلك إشارة لها بأن تبدأ بالحديث، مدت له صورة فوتوغرافية جمعته مع شقيقتها يوم خطبتهم و هي في المنتصف بينهما و خالد يضع كفه فوق كتفها، ليتناول منها الصورة ناظرًا إليها وهو يعود بذاكرته إلى الماضي، لتبدأ هي بالهمس قائلة:
ـ فاكر اليوم دا؟ يوم خطوبتك إنت و سهام، أنا كنت فرحانه أوي عشان بقى عندي أخ كبير، يومها أنت قولتلي أي حد يضايقك تعالي قوليلي، و رجعت قولتلي يوم ما بابا مات أنك مكانه، أني جزء من عيلتك مش بس سهام، أنت اللي سلمتني لجوزي، وقولتلي أنك موجود دايمًا لو احتاجتك..
كان خلف ستار العبرات التي تسيل كالأنهار عينان ترصدان كل همسة تصدر عنه، تتحين أي بادرة تعاطف قد تلمحها على ملامحه التي كانت جامدة كما هي، لتتقن أدائها المسرحي وهي تشهق بعُنف و تتابع بلوعة:
ـ أنت ليه بقيت تعاملني كدا؟ أنا عملت أيه عشان تكرهني؟ أنا كنت ضحية و أنت كنت قاسي معايا أوي، سبتني لوحدي في أصعب وقت عدى عليا في حياتي، حرمتني حتى إني أكون جنب رنا، طيب إنا ليا مين غيركوا؟ أنا معنديش حد في الدنيا دي كلها غيركوا.
زفر خالد بقوة فهو لم يكُن ينقصه أبدًا عبئًا مضاعف يضمه إلى أعبائه التي لا تُعد ولا تحصى، و كأن الحياة تتحدى قدرته على الثبات، لانت نبرته قليلًا حين قال:
ـ اهدي يا زينة، و خلينا نأجل أي كلام دلوقتي..
ارتج قلبها و اهتاجت دقاته حين شعرت بأن خطتها خطت نحو النجاح، لتهمس بنبرة متحشرجة:
ـ أنا أسفة بجد، عارفة أن الوقت مش مناسب، بس انا غصب عني والله، عماله أخبط يا خالد، تعرف أنا كنت هموت نفسي…
قالت جملتها، و قامت بمد يدها، لتريه ذلك الضماد الذي يلف معصمها، لتنكمش ملامح خالد باستنكار شاب نبرته حين قال:
ـ تموتي نفسك! أنتِ أتجننتِ يا زينة؟
أخذت تبكي بعُنف و عينيها تتفرقان ما بين نبيلة الراقدة لا تدري شيئًا عن ما بحدث حولها، وبين خالد الذي ضيق عينيه بريبة، لتهتف بنشيج:
ـ غصب عني، أنت اتخليت عني، و سبتني ليها، جاتلي و هددتني، قالتلي أنا بكرهك أنتِ و أختك. ما صدقت أرتاحت منها جيتيلي أنتِ، و قالتلي كمان اني مش فارقة معاك، و أن لو حصلي ايه عمرك ما هتدخلي في حاجة، قالتلي كلام صعب، خلتني أكره الدنيا، أنا من كتر الخوف حاولت أموت نفسي، و لما مقدرتش نزلت أجري في الشارع، كنت خايفة أقعد في البيت، كنت خايفة ترجع تاني..
كانت تنتحب و تولول، لكن عقله توقف عند جملة واحدة أيقظت جميع حواسه، لتعلن حالة التأهب، ألا وهي "أنا بكرهك أنتِ و أختك. ما صدقت أرتاحت منها جيتيلي أنتِ" وقد تقصدت أن تضع هذه الجملة وسط حديثها، لتثير التساؤلات بداخله، و تشتت انتباهه عن تلك الصدمة التي أختتمت بها حديثها قائلة:
ـ أضطريت عشان أحمي نفسي، أني أوافق اتجوز عز…
صدمة مباغتة تلقاها، لتسارع قائلة بلهفة:
ـ شوفت وصلت لفين؟ بهرب من خوف لخوف، بدور على بر أمان مش لاقية. حاسة إني بغرق و بس…
أنهت حديثها و هي تبكي بحرقة، ليطلق عدة أنفاس غاضبة، قبل أن يقول بحفاء:
ـ طيب ما أنتِ خلاص لقيتي بر الأمان، مش بتقولي اتجوزتي عز؟
لم تتفاجىء من حديثه، لكنها عاتبته بنظراتها، ليتبدد جفاء نبرته إلى سخرية حين قال:
ـ أه عشان اتحبس, نصيبك بقى معلش، تقدري تستنيه لما يخرج، و متقلقيش نبيلة زي ما إنتِ شايفة. مش هتقدر تخوفك على الأقل في الوقت الحالي…
أنهى جملته و أوشك على المغادرة، لتندفع تجاهه و تقف أمامه مباشرةً، فاصطدم جسدها بجسده، و رفعت رأسها تنظر إليه برجاء صامت لترتفع يديها و تمسك بقميصه، وهي تنخرط في نوبة بكاء عاتية، مدججة بتوسلات عديدة:
ـ أرجوك بلاش تعاملني كدا، بلاش تعذبني كدا، طيب حتى بلاش تحرمني من رنا، دي هي كل عيلتي و دنيتي. لو حرمتني منها هموت… والله هموت….
أنهت جملتها و أسندت رأسها الى صدره تبكي بقوة، و لكن كل هذه العبرات الزائفة، لم تكن تساوي تلك الدمعة الثقيلة التي تدحرجت على خدها وهي تشاهد من بعيد ما يحدث، لم تكن أذنها تلتقط الحديث جيدًا، و لكن قلبها يستشعر ذلك الخطر الذي يحيط به، يرى إمرإة تتعلق بـ رجُلها، ذلك الرجل الذي لم يكن زوجها فحسب، بل كان حبيب قلبها، وسند روحها، والكتف الذي ألقت عليه أوجاعها حين ضاقت بها الحياة، واليد التي انتشلتها من عتمة أيامها حين أوشكت أن تستسلم لليل أحزانها. كان عوضها عن كل ما ذاقته من مرارة، والمكافأة التي خبّأتها لها الحياة بعد أعوامٍ من القهر والانكسار، كأنها أرادت أن تعتذر إليها عن كل ما سلبته منها، فمنحتها إياه؛ رجلًا لم يكتفِ بأن يحبها، بل أعاد إليها إيمانها بأن قلبها يستحق أن يُحتضن، وأن روحها تستحق أن تطمئن، وأن الحياة، مهما أمعنت في قسوتها، لا بد أن تترك لنا بابًا نعبر منه إلى السعادة. كان وطنها حين تتشرد بها الطرق، وأمانها حين تتكالب عليها المخاوف، والنعمة التي تخشى أن تفقدها أكثر مما تخشى أن تفقد الحياة نفسها؛ فكيف لها أن تحتمل أن تراه بين ذراعي امرأة أخرى، وهي التي جعلت منه آخر ما تتمسك به من هذه الدنيا، والشيء الوحيد الذي لم تكن مستعدة لخسارته، مهما كلفها الأمر؟
اهتزاز هاتفها في يدها جعلها تتراجع الى الخلف، وهي تنظر الى المتصل، فوجدته رنا، لتتراجع الى الخلف و تجيب قائلة:
ـ أيوا يا رنا..
رنا بخفوت:
ـ صباح الخير يا مامي.
أشجان بحنو:
ـ صباح النور يا حبيبتي، نمتي كويس..
ـ الحمد لله، هو حضرتك هتيجي امتى إنتِ و بابي؟
أشجان بنبرة متحشرجة:
ـ إنا هاجي كمان شوية، لكن بابي هيستنى شوية. فطرتوا؟ و أمجد و مريم صحيوا؟
رنا بنبرة رقيقة:
ـ صحيوا و فطرنا، متقلقيش، بس في حاجة حصلت و كنت عايزة أقولك عليها..
أشحان بانتباه:
ـ حصل أيه؟
رنا بتوتر:
ـ رقم طنط مامت سهبلة رنا عليا وانا مردتش زي ما حضرتك قولتيلي..
شعور قوي بالنفور يتضاعف داخلها تجاه هذه الفتاة، و قد صدق حدثها بأنها ستحاول محادثة رنا بدلًا عنها من أجل هاتفها، و هذا ما يؤكد لها بأن هناك شيئًا خاطيء،لكنها يجب أن تتصرف بحذر حتى تعرف ما الذي تخطط له لذا قالت بحنو:
ـ بنوتي الحلوة اللي بتسمع الكلام.. شاطرة يا قلبي..
ـ طيب حضرتك مش هتيجي عشان نتكلم؟ انا مش فاهمة حصل أيه عشان كل دا..
تنهدت أشجان قبل أن تقول:
ـ حاضر، مسافة الطريق، و هتلاقيني عندك، و نقعد نتكلم زي ما أنتِ عايزة….
أنهت مكالمتها مع رنا و استدارت لتجد زينة تقف خلفها، بوجهٍ لطخته العبرات و عينين لأول مرة ترى لهم هذا الانكسار، و الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ ازيك يا أشجان عاملة أيه؟
لم تكن تطيق رؤيتها، و لكنها آثرت التحدث بتحفظ:
ـ الحمد لله تمام، أنتِ أخبارك أيه؟
فاجأتها زينة التي قالت بنشيج و كأنها على وشك البكاء:
ـ أخباري كلها وحشة، منصحكيش تسمعيها..
اتقنت ارتداء قناع الأسى، المطعم بالحزن و الحسرة، مما أثار ريبة أشجان، و خاصةً أنها لأول مرة تتحدث معها بهذا الانكسار، فتحدثت بقلق:
ـ في أيه؟
سقطت العبرات من مقلتيها، لتعزز ذلك الانكسار في عينيها و نبرتها حين قالت:
ـ كل حاجة في حياتي ملخبطة، و عمال أخبط هنا و هنا، لحد ما وقعت نفسي في مشكلة، مش عارفة هخرج منها ازاي، و لا ان جنت هخرج منها أصلًا..
كانت تعزز فضولها، و تثير شفقتها بطريقة أحترافية، مستغلة قدرتها على التمثيل، و نقاء أشجان التي بلغ منها القلق مبلغه، لتقول بتوتر:
ـ حصل أيه يا زينة ؟
طافت عينيها في المكان وهي تقول باختناق:
ـ طيب ينفع نتكلم بره؟ انا بكره المستشفيات، و حاسة أني مخنوقة اوي هنا…
كانت بالفعل ستغادر، لكنها لن تفعل قبل أن تخبره، لذا قالت بنبرة هادئة:
ـ إنا أصلًا هروح عشان الولاد، بس لازم اعرف خالد الأول.
زينة بلهفة:
ـ طيب هستناكي تحت..
أومأت أشجان برأسها، فقد كانت تشتهي معرفة ماذا حدث معها، خوفًا من أن يكون الامر يتعلق به لذا توجهت إليه، فوجدته يقف أمام الزجاج، يضم كلتا يديه خلف ظهره، في قبضة قوية جعلت عروق يده تظهران بوضوح و كأنهم على وشك اختراق جلده، و حين اقتربت أكثر شاهدت فكيه مشدودان بطريقة توحي بأنه يحترق غضبًا، لتتحمحم بخفوت قبل أن تناديه:
ـ خالد..
لانت ملامحه و ارتخت قبضته حالما ألقت بتعويذه نبرتها العذبة على مسامعه، ليلتفت ناظرًا إليها، وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ تعالي يا أشجان…
لم تكن تريد الحديث، فهي لم تتجاوز ذلك الألم الذي يحتل قلبها حين شاهدت زينة وهي تتعلق به، و على الرغم من أنه رأته يتراجع عنها إلا أن الأمر لازال يؤلم، لذا قالت باختصار:
ـ أنا هروح عشان الولاد…
ـ مفيش مشكلة..
هكذا تحدث، وهو يطالعها بنظرات حانية، فهدوء ملامحها، و نقاء الزمرد في حدقتيها أكثر من كاف لجعل جميع أوجاعه تهدأ، لكنه لمح وميض من الحزن يحتل تقاسيمها، لذا اقترب مستفهمًا:
ـ أنتِ كويسة؟
كادت أن تخبره بأنها ليست بخير أبدًا، و لكن نظرة واحدة لتلك الكارثة الراقدة على الناحية الآخرى، جعلتها تصمت يكفيه ما يعانيه بسببها، لذا ابتسمت بهدوء قبل أن تقول:
ـ أه أنا كويسة، مفيش حاجة…
أنهت جملتها، و استقرت عينيها على ذلك الجزء اللامع من صورة فوتوغرافية تطل من جيبه، فامتدت يدها لا إراديًا تسحب الصورة من جيبه، فلعن خالد تحت أنفاسه من شدة الغضب، الذي تضاعف حين رأى غمامة الألم التي غزت عينيها، وهي تنظر إلى زوجته الراحلة التي كان يحيطها بذراعه، و الآخر كان يضعه على كتف شقيقتها، فقد أظهرت الصورة عن مشاعر صادقة و محبة كانت تجمع بينه و بينها، و على الرغم من أنها كانت زوجته قبلها، و على الرغم من كونها رحلت لكن رؤيتها للصورة معه آلمها، لتسمعه يقول:
ـ زبنة لقيت الصورة عندها، و جابتها توريهالي، و نسيتها معايا، هبقى أرجعهالها…
حاولت إخفاء ألمها، و التعامل بلامبالاة حين قالت:
ـ و ترجعهالها ليه؟ عادي خليها. رنا أكيد هتفرح لما تشوفها…
كان في وضعٍ صعب من جمبع الاتجاهات، لم يكن ينقصه أبدًا إن يُحزنها، لذا اقترب منها يقول بنبرة حانية:
ـ رنا محظوظة إن ربنا عوضها بيكِ.
لم تقبل بكلماته كاعتذار عن الألم بداخلها، فابتسمت نصف ابتسامة، ثم قالت بجمود:
ـ أنا همشي عشان زمانها مستنياني هي و الولاد.
لم يكن المكان يسمح بالمزيد من الحديث أو الجدال، لذا اقترب منها واضعًا قبلة حانية فوق جبهتها، ثم قال بنبرة خشنة:
ـ خلي بالك من نفسك، السواق هيوصلك و عربية الحراسة هتكون وراكوا، لما توصلي البيت طمنيني..
لم تلتفت الى ذلك الحنان و الاهتمام في نبرته إنما قالت باختصار:
ـ حاضر…
اللهم اجبر قلبي جبرًا يليق بكرمك، وعوّضني خيرًا عمّا فقدت.
يا رب، عوّضني عن كل وجعٍ فرحًا، وعن كل صبرٍ جبرًا، وعن كل دعاءٍ إجابة.
اللهم لا تترك في قلبي كسرًا إلا جبرته، ولا همًّا إلا فرّجته❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ صباح الحلويات.
هكذا تحدث ياسر أمام غنى التي استيقظت لتوها من النوم، فحين عاد البارحة، وهو يرتدي جاكيته لم تعلق على شيء، و لم تذكر له شيء، بل اكتفت بأنها تريد النوم، وقد ظن أنها مرهقة، فلم يحاول إرهاقها أكثر
ـ صباح النور…
مد يده يقرص خدها الذي كان الورد منثورًا فوق ساحته، ليشاكسها قائلًا:
ـ حد يصحى من النوم حلو كدا؟
ابتسمت على حديثه، و شملته بنظرة مطولة، تطالع عينيه الجميلة و ملامحه الوسيمة، و ضحكته الرائعة، ليتضخم قلبها من فرط العشق لذلك الرجل الفريد من نوعه، و بداخلها شعور عارم بالامتنان للقدر الذي منحها إياه، و أختها بحبه، لذا تجاهلت ما حدث البارحة، فهي تعلم أن عيناه لا ترى إمرأة غيرها، و من المؤكد أن ما حدث البارحة كان محض سوء تفاهم، لذا أهدته ابتسامة رائعة، وهي تمد ذراعيها تعانق رقبته قائلة بدلال:
ـ شايفني حلوة بحد؟
مد يديه يعانق خصرها وهو يقول بنبرة متهدجة من فرط المشاعر:
ـ شايفك أحلى واحدة في الدنيا…
تغنجت قائلة:
ـ نفسك في ولد و لا بنت؟
ياسر باندفاع:
ـ نفسي في بوسة..
نجحت كلماته في جعلها تضحك بقوة، لتلتمع نجوم الحب في عينيه وهو يطالع ضحكتها الرائعة، التي تجعله يرى الحياة عالمًا مزدهر مليء بالجمال و السعادة، لتلاحظ نظراته لها مما جعلها تقول بخفوت:
ـ شكلك بتتهرب من الإجابة، تعالى هنا، اوعى تعمل زي الرجالة اللي تقول عايز أخلف ولد…
ياسر مازحًا:
ـ بصي هو أنا من حوايا نفسي اخلف بنت، عشان البنات حنينين، و بيخلوا الحياة ليها طعم تاني، لكن بأمانه بتمنى تجيبي ولد عشان عارف انك لو جبتي بنت هتطلعيلي بحوار من تحت الأرض، وتفضلي تقنعي في نفسك اني عايز الواد و انك لو مش جبتيه هروح أتجوز عليكي صح؟
للمرة الثانية ينجح في جعلها تضحك من أعماق قلبها، ليمد يده و يجذب كفها واضعًا قبلة فوق راحته قبل أن يقول بحنو:
ـ عندي ليكي مفاجأة صغيرة..
غنى بلهفة:
ـ مفاجأة أيه؟
ياسر بحب:
ـ مبدأيًا الدكتور طمني التحاليل بتاعتك كويسة، و الجنين وضعه كويس الحمد لله، و إن شاء الله هنخرج النهاردة، بس مش هنروح على البيت الكبير، لا هنروح على الفيلا، على بيتنا…
اجتاحتها موجة من السعادة العارمة حين سمعت حديثه لتهتف باندفاع:
ـ بجد يا ياسر؟ يعني أخيرًا هنعيش لوحدنا في بيتنا؟
ياسر بحنو:
ـ أخيرًا يا غُريبة قلبي..
عبست ملامحها قليلًا وهي تقول باستفهام:
ـ طيب و هيام؟ هتوافق؟
ياسر بجمود:
ـ هيام مش طرف في الموضوع عشان تقبل أو ترفض، و بعدين احنا كنا قاعدين معاها لحد ما تعدي الظروف اللي كانت فيها، و خلاص خلصت…
تمتمت غنى بضيق:
ـ خلصت! يا خوفي….
ياسر بحزم:
ـ غنى، اعمليلك قفلة، أي حاجة مع هيام برا عنك…
غنى بتهكم:
ـ عملنا يا نور عيني غنى….
جذب رأسها إلى صدره وهو يشاكسها قائلًا:
ـ بموت فيكِ يا بت..
قاطع حديثهم صوت طرق على باب الغرفة، الذي انفتح و أطلت منه هايدي برأسها وهي تبتسم نصف ابتسامة، و الحرج يغلب عليها و على نبرتها خاصةً حين رأته يحتضن تلك الفتاة التي رأتها من قبل لكنها تجاهلتها قائلة:
ـ ياسر…
اندهش ياسر حين رآها و لكنه استقام متوجهًا ناحيتها قائلًا:
ـ أهلًا يا هايدي، تعالي…
توجهت الى داخل الغرفة ثم ابتسمت نصف أبتسامة إلى غنى، التي كانت ألسنة النيران تتراقص في مقلتيها، خاصةً حين رأت تلك الفتاة تمد يدها إليه وهي تقول:
ـ المفاتيح دي كانت في الجاكت بتاعك و وقعت عندي امبارح…
تناول ياسر المفاتيح منها وهو يقول:
ـ أه فعلًا دورت عليها و ملقتهاش، شكرًا..
هايدي بنبرة مشجبة:
ـ هو أنا مشوفتش عمر النهاردة؟
ياسر باختصار:
ـ عند باباكي…
أغرورقت عينيها بالعبرات، و أخفضت رأسها، مما جعل ياسر يقول بهدوء:
ـ العياط ممنوش فايدة دلوقتي..
كانت غنى تغلي من الداخل وهي تراه يقف مع هذه الفتاة، لكنها لن تظل واقفة بل نصبت عودها وتوجهت لتقف بجانب ياسر قائلة بابتسامة متكلفة لم تصل الى عينيها:
ـ مش هتعرفنا يا ياسر و لا أية؟
شعر ياسر بالغضب في نظرات غنى التي كانت تفرك يديها، فعلم بأنها تشعر بالغيرة، فمد ذراعه يحتضن كتفها و يضمها إليه بحب تجلى في نبرته حين قال:
ـ دي هايدي أخت عمر، و دي غنى مراتي…
عانقت غنى خصره، و قد غمرتها السعادة من فعلته، لكن على عكس هايدي التي رأته رجلًا رائعًا، يتمتع بكل مقاييس الوسامة يقف إلى جنب فتاة عادية الجمال بسيطة المظهر ذو شعر مجعد، لا ترتقي لتكون إلى جانبه، بل و يعاملها بحنو، و يتحدث عنها بفخر كونها زوجته!
أخفت كل شيء خلف قناع الوداعة، لتقول بنبرة ناعمة:
ـ هاي يا غنى ازيك…
لم تنتظر إجابة غنى بل رفعت رأسها تنظر إلى ياسر بعينين ناعستين قائلة بنبرة متحشرجة:
ـ ياسر، لو تعرف أي حاجة عن حالة مامي بليز طمني….
جنت غنى، و لكن أنقذ الموقف مجيء هيام التي ما إن دخلت حتى صاحت بسعادة:
ـ يا ألف نهار أبيض يا ريس… مبروك يا نور عيني أختك…
عانقها ياسر قائلًا بسعادة:
ـ الله يبارك فيكِ يا هيام…
على الناحية الأخرى هتفت غنى بغضبٍ يغلفه المكر:
ـ أصل أنا حامل جديد، عقبال ما ربنا يعوض عليكِ أنتِ كمان، و يرزقك بدل اللي راح…
ـ غنى..
كان هذا صوت ياسر الحاد، وهو ينظر الى ملامح هايدي التي أمتقعت، فقد كان الأمر مُهينًا خاصةً وهي تعلم أنها حملت سفاحًا، و قد تقصدت إهانتها، لتسري رجفة قوية في جسد هايدي التي قبضت بعُنف على كفها ، قبل أن تتراجع الى الخلف مغادرة هي تبكي بعُنف…
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ أنتِ ازاي كدا بجد؟ إنتِ احرجتيني جدًا، انا عارفة اني كنت سخيفة معاكي كتير و على الرغم من كدا أنت
وصل كمال بهم إلى المنزل، لتترجل ميرهان من السيارة، و كذلك آسيا، التي لم تريد إخباره بكل تلك الكوارث دفعةً واحدة، لذا آثرت أن يجعله يرتاح قليلًا، فما مر به لم يكن سهلًا. دلفوا سويًا إلى غرفة النوم، فشعرت بالتوتر يكتنفها، وأخذت تبحث بداخلها عن طريقة لتتحدث معه، ولكنه قطع حبل أفكارها حين وجدته يجذبها برفقٍ الى صدره وهو يقول بصوتٍ أجش:
ـ وحشتيني..
كلمة واحدة قلبت مشاعرها رأسًا على عقب،و أحدثت بداخلها زوبعة من الأحاسيس القوية التي اكتنفتها ما بين و عشقٍ و خوف، شوقٍ و خجل، رغبة في الهرب، و توقٍ للهدوء و السكينة بين ذراعيه. ليشعر هو بتخبطها، و تصلب جسدها بين بديه، فأراد إعطائها المساحة الكافية للهدوء، لذا مرر إبهامه فوق ذقنها قبل أن يقول:
ـ هروح أشوف سيف عشان وحشني وهاخد شاور و أجيلك..
أومأت برأسها، وهي ممتنة له على أعطائها هذه الفرصة للهدوء، فما إن دلف الى الحمام، حتى جذبت هاتفها لتحادث سوزان التي عادت إلى مكانها مرة آخرى بعد أن تم تصليح كل شيء و تأمينه جيدًا، فما أن رأت اسم آسيا يضيء هاتفها حتى أجابت بحنو:
ـ بنتي الحلوة…
آسيا بعتب:
ـ وحشتيني أوي، كان لازم ترجعي يعني؟
سوزان مازحه:
ـ إنا زي السمك لو خرج من المية يموت، و بعدين بيتي و المخبز وحشوني أوي، زي ما لمتكوا حواليا وحشتني أوي.
آسيا بشوق:
ـ ياريت نرجع تاني كلنا حواليكي، انا وحشني المكان أوي، و مخنوقة هنا أوي و حاسة ان كل حاجة غريبة عليا، مش مفرحني شوية غير إن كمال خرج.
سوزان بتشجيع:
ـ و محتاجلك و إنتٍ محتاجله، و محتاحين تبتدوا تعيشوا حياتكوا صح، هتستنوا لحد امتى؟
تمتمت آسيا بخفوت:
ـ خير.. ادعيلنا، و وصلي سلامي لنور
اغلقت المكالمة مع سوزان، وإخذت تنظر من الشرفة الى البعيد، لتسرح بأفكارها، فلم تشعر بكمال الذي خرج من المرحاض، و هو يلف المنشفة حول خصره، و يتوجه إليها يعانق خصرها بشوقٍ، لتنتفض مفزوعة، وهي تهتف بأنفاس لاهثة:
ـ كمال، حرام عليك، خضتني…
دفن رأسه في تجويف عنقها، وهو يغمغم بخشونة بجانب أذنها:
ـ معقول القادرة بتاعتي آكله حقوق البشر يكون قلبها ضعيف كدا…؟
ابتسمت بخجل، ثم قالت بدلال:
ـ مش عاجبك و لا حاجة؟
كمال بلهفة:
ـ دانا عاجبني أنا و اللي خلفوني، دا كلام بردو.
ابتسمت على حديثه ثم قالت بتكبر زائف:
ـ أيوا كدا، جيب ورا على طول..
لم تكد تنهي جملتها حتى وجدته يديرها بلمح البصر، لتجد نفسها مستندة على باب الشرفة وهو أمامها مباشرةً حيث لا بوجد مسافة لمرور الهواء بينهم، فلفحت أنفاسة الساخنة بشرتها وهو يقول:
ـ بقى أنا بجيب ورا على طول؟
كانت دقاتها تتخبط بعُنف داخل صدرها، و جربها إعصار مدمر من المشاعر العاتية التي جعلت أنفاسها تهتاج، لتتأرجح الحروف فوق شفتيها حين قالت:
ـ مـ. مـين قال كدا؟
ابتسم كمال على حالتها، ليواصل مشاكستها قائلًا:
ـ حد كدا مطلع إشاعة عليا..
آسيا بلهفة:
ـ قطع لسانه…
قاطعها بنفس اللهفة:
ـ بعد الشر عنه، دا حبيبي، و حياتي، و كل دنيتي…
ابتسمت بخجل، و أخفضت رأسها، ليضع أنامله أسفل ذقنها ليجبرها على النظر إليه قائلًا:
ـ فاكرة لما قولتيلي حقك هتاخده ازاي؟ قولتلك هاخده بمعرفتي؟
آسيا باندفاع:
ـ لا مش فاكرة.
كمال بمكر:
ـ يبقى أفكرك، تمام؟
توسعت حدقتيها وهي تهز برأسها يمينًا و يسارًا دون حديث، ليقترب منها ممررًا أنفه على عنقها، وهو يعيد كلمته المحببة الى قلبها:
ـ تمام؟
عصفت بها المشاعر في هذه اللحظة، لتهمس بنبرة خافتة مغوية:
ـ تمام التمام..
لم تكد تنهي جملتها حتى تفاجئت به يحملها من خصرها، وهو يقول بصوتٍ أجش:
ـ أهي تمام التمام دي بتجيبني في شوال وعهد الله…
قهقهت على حديثه، ليعانقها بقوة، لينتقلا معًا الى عالم العشق الوردي الذي حُرِم منه كليهما لعامين، كان الألم و الوجع رفيق كلا منهما، و لكن اليوم استطاع كليهما تخطي كل تلك الحواجز، و البدء من جديد…
اللهم أنزل على قلبي سكينةً من عندك، تطمئن بها روحي ويهدأ بها فكري.❤️
♡♡♡♥︎♡♡♡♥︎♡♡♡
ـ بتقولي أيه؟ اتجوزتي عز؟
هكذا تحدثت أشجان بذهول الى زينة وهن يجلسن في حديقة القصر بعد ما وصلن، لتتنهد الأخيرة وهي تقول:
ـ معرفش عملت في نفسي كدا ازاي؟ بس أنا كنت خايفة، و وحيدة، هو الوحيد اللي كان مستعد يحميني.
أشجان بريبة:
ـ يحميكي من أيه؟ أذا كان هو اللي أذاكي أصلًا!
هزت زينة رأسها بعُنف قبل أن تقول:
ـ أنتِ مش فاهمة حاجة، نبيلة جتلي شقتي و هددتني، و قالتلي كلام صعب كتير، حتى سهام أختي الله يرحمها مسلمتش من لسانها..
تنبهت جميع حواس أشجان لحديثها وقالت بترقب:
ـ تقصدي أيه؟
زينة بتخابث:
ـ قعدت تقولينها ما صدقت خلصت من أختك عشان تطلعيلي أنتِ أنا بكرهها و بكرهك، و قالتلي إنها هتنتقم مني بسبب اللي عز عمله فيها، و أنا اصلًا ضحية، تخيلي فكرتني أنا اللي أغريته، طيب ازاي؟ دا عمره ضعف عمري! خلتني شوفت الدنيا سودا في عيني، و في لحظة فكرت أموت نفسي..
شهقت أشجان بصدمة، لتتابع زينة قائلة بحزنٍ زائف:
ـ بس الحمد لله اتراجعت في آخر لحظة، و فكرت أني عايزة ابعدها عني، لقيت نفسي بكلمه و بقوله قولها أني ماليش ذنب، ابعدها عني، وهو استغل ضعفي، و عرض عليا الجواز، و قالي أنه دا الحل الوحيد عشان يقدر يحميني منها، كنت خايفة اوي، و يائسة مكنش قدامي حل تاني، فقبلت. لكن هو وعدني انه مش هيقرب مني غير لما أكون مستعدة، و دي حاجة طمنتني شوية..
أضافت ذكر عدم اقترابه منها متعمدة حتى يصل الأمر إلى خالد بطريقة غير مباشرة، و قد ابتلعت أشجان الطعم لتشعر بالأسى عليها، وخاصةً أنها تعلم جيدًا كونها تعلم أن نبيلة هي من قتلت سهام، فأرادت استغلال معرفتها بالأمر لصالحها
ـ أنا فاهمة احساس الخوف دا كويس، و مشفقة عليكِ من التجربة الصعبة دي، خصوصًا انك اضطريتي تواجهي شخص زي نبيلة…
التمع الخبث في نظراتها، وهي ترى كيف ابتلعت الطعم جيدًا، لتبدأ في ذرف العبرات مرة آخرى وهي تقول:
ـ صعبة و شخصيتها مرعبة، معرفش سهام كانت عايشة معاها ازاي؟ بجد أختي أكيد تعبت جدًا في التعامل معاها..
امتقعت ملامح أشجان و شعرت بالشفقة عليها حين تعلم حقيقة موت شقيقتها، لذا تحدثت بنبرة حانية:
ـ الله يرحمها، أكيد كل حاجة شافتها في ميزان حسناتها…
رسمت على ملامحها أعمق تعبير للصدمة حين تمتزج بعدم التصديق لتهتف باندفاع:
ـ هو إنتِ مش بتكرهي سهام؟
صُدِمت أشجان من حديثها وقالت بذهول:
ـ إنا بكره سهام! لا طبعًا هكرهها ليه؟
رسمت التوتر على ملامحها، و قالت بحرج:
ـ خليني ابتدي معاكي من الأول، و قبل أي حاجة أنا أسفة عشان كنت سخيفة معاكي في بعض الأحيان، بس أنا كنت متضايقة منك، شيفاكي شخص عايش حياة أختي اللي ملحقتش تعيشها، و كنت بغير من حب رنا ليكي كمان، بس دا كله والله مبتداش غير لما نبيلة قالتلي انك شيلتي صور سهام من البيت، و كمان اتكلمتي عنها وحش قدامهم، وقتها صعبت عليا أوي، و ابتديت أشيل منك، بس انا دلوقتي أتأكدت أني كنت غلطانه.. سامحيني، أنتِ شخصية جميلة و طيبة أوي…
تخبطت بين مشاعرها، و وجدت نفسها تائهة لا تعرف كيف تتصرف، و ماذا عليها أن تفعل، فهي تعلم مدى السوء الذي عليه تلك المرأة نبيلة، و تعلم أنها تكذب بطل صدق، لذا تعاظم الغضب بداخلها وتجلى في نبرتها حين قالت:
ـ مش هقول غير ربنا يشفيها مينفعش أقول غير كدا، و لازم تعرفي اني عمري ما جبت سيرة أختك الله يرحمها، و لا شيلت صورها و لا أي حاجة من دي، لما جيت هنا مكنش ليها و لا صورة، كمان رنا مهما حبتني عمرها ما نسيت مامتها ولا هتنساها، و لا خالد أكيد هينساها و شايلها معزة و احترام جواه، و أنا كمان مش واحدة مجنونة عشان اغير من واحدة ميتة…
كانت تغار من نسمة الهواء ولكنها تتقن إخفاء الأمر، و لكن تلك الأفعى كانت ترى كل شيء بوضوح مما جعلها تقول:
ـ بتشرحي أيه أصلًا؟ بصي بدل نبيلة بتكرهك يبقى أنتِ شخص كويس، و بصراحة إنتِ فعلًا حد مريح أوي، انا معرفش ازاي حكيتلك كل اللي في قلبي كدا.
مدت يدها تمسك كف أشجان فوق الطاولة و هي تتابع بحب زائف:
ـ خالد و رنا فعلًا محظوظين بيكي، ربنا يخليكوا لبعض…
أخذت تمعن النظر في ملامحها و عينيها، فرأت ابتسامة جميلة بشوشة، و نظرة صافية، مما جعلها تبتسم ببراءة وهي تقول:
ـ ربنا يسمع منك، و إنتِ كمان ربنا يوفقك في حياتك..
انكمشت ملامحها بحزنٍ زائف تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ ادعيلي كتير أنا معرفش هعمل أيه في المصيبة اللي وقعت نفسي فيها دي، لا و المفروض أني هاجي أعيش في الفيلا بتاعته..
أشجان باستنكار:
ـ طيب ليه كدا؟
زينة بتخابث:
ـ أنتِ عايزاه يقول أني اتخليت عنه في وقت شدته، و لما يطلع يطلعه عليا؟ لا أنا مش حمل كل دا، المهم طمنيني على رنا، عاملة أيه هتجنن و أشوفها..
أشجان بلهفة:
ـ طيب تعالي معايا نشوفها هي أصلًا مستنياني..
زينة براحة:
ـ يالا بينا…
بالفعل صعدوا سويًا إلى غرفة رنا، التي ما أن رأت أشجان حتى اندفعت تجاهها تعانقها بقوة، وهي تقول:
ـ ماما أخيرًا جيتي. سهيلة رنت عليا كتير اوي من موبايل مامتها و مش عارفة اعمل أيه…
دلفت زينة الى داخل الغرفة قائلة باستفهام:
ـ هو في أيه و مالها سهيلة؟
