رواية في قبضة اولاد الراوي الجزء الثاني الفصل الرابع
اقتربت ملوك من عامر وأمسكت يديه بلهفة وهمست برهبة واضحة........
اسمعني يا حبيبي أنا ملوك اخت ملك التوام مش مرات عمر . الحقيقية مرات عمر كانت أختي اللي توفت .
ظل عامر ساكنًا لا يجيبها ولا يرفع عينيه عنها فازداد اضطرابها......
عامر انت ساكت ليه قول حاجه انا خايفه .
قبض علي يدها وهتف .......بسمعك كملي .
تنهدت ملوك وأكملت بوجع....
عامر، أنا عارفة إنها صدمة وعارفة إنك ممكن تغضب مني. بس أنا ما عملتش كده من غير سبب. أنا من يوم ما وعيت على الدنيا وأنا اللي بتصرف وأنا اللي بحمي إخواتي. كنت الأب والأم والمسؤولة عنهم.
توقفت لحظة تستعيد ذكرياتها ثم تابعت.......
والله تخيل كده لما تلاقي اختك جاية من عندك متبهدلة ومرعوبة وحكتلي اد ايه انتو جبروت وخدتو جوزها من حضنها .وبعدها تسأل وتعرف إن جوزها مات برصاصة في بيتكم. وفوق كل ده تكتشف إنها حامل وبعدها تموت هي كمان.
.ارتجف صوتها تتمالك نفسها ......
ملك ما كانتش أختي وبس يا عامر. دي كانت توأمي نصي التاني. أنا خسرتها وخسرت معاها جزء مني. كنت هكفي عالخبر ماجور.أنا كنت متأكدة إنكم مش هتقبلوني لو عرفتوا حقيقتي. لكن ملك قبل ما تموت وصتني أجيب ابنها ليكم وقالتلي ما أسيبوش.
سكتت لحظة وشددت على يديه........
خفت يا عامر خفت تاخدوه مني وما يبقاش ليا حد في الدنيا دي. هو كان آخر حاجة فاضلالي من أختي فعملت كده. والله ما كنتش عايزة أخدعك.
ظل عامر ينظر إليها في صمت وملامحه جامدة على نحو أربكها. قبل أن يسألها بصوت هادئ لم تستطع أن تفهم ما يخفيه خلفه....
جوليلي يا ملوك أنا لما حبيتك واطمنتلك كنتِ سايباني أحبك وأنا فاكر إني عارفك وإنتِ مخبية عني أهم حقيقة في حياتك. إزاي كنتِ مستحملة تبصي في عيني وأنا ما أعرفش حتى إنتِ مين.
اتسعت عيناها واهتزت شفتاها وهي تحاول الرد.....
لا يا عامر أنا ما كنتش بكذب عليك في كل حاجة. أنا ملوك فعلًا وكل اللي حسيت بيه ناحيتك كان حقيقي. أنا بس كنت خايفة أقولك الحقيقة.
ظل صامتًا فشعرت أن كلماتها لا تصل إليه وأن المسافة بينهما تتسع رغم أنها ما زالت ممسكة بيديه. شددت ملوك على يديه ......
أنا عارفة إني كنت صعبة في البداية وعنيدة ويمكن جرحتك في مواقف كتير. بس والله ما كان قصدي أوجعك يا عامر.
ظل يتأملها دون أن يتكلم. اقتربت منه وعيناها تلمعان بالدموع والرهبة.........
كنت عايزة أقولك والله بس قلت لما اعترفلك إني بحبك الاول واحس بالامان .
قبضته حول يدها اشتدت قليلًا حتى شعرت به فتمسكت به ايضا وكأنها تخشى أن يتركها ثم سألها......
ولو كنت عرفت انك مش ملك وإنك أختها التوأم كنتِ هتسيبيني أقرر بنفسي إذا كنت عايز أكمل معاكي ولا لأ. ولا كنتِ هتقرري عني برضه. علي اساس انك مسلمه اني بحبي وهكمل عادي .
توقفت ملوك عن الكلام وحدقت فيه بذهول لوهله ثم أسرعت تقول بتلبك.....
أنا ما فكرتش بالطريقة دي يا عامر والله ما فكرت. كنت وخايفة أخسر كل حاجة. انا ما كنتش قاعدة بخطط إزاي أخدعك.
أطرق عامر برأسه لحظة ثم عاد ينظر إليها......
بس في الآخر قررتي عني.
انحبس الرد في حلقها وانخفض بصرها إلى يديهما المتشابكتين وكأنها لم تجد ما تنفي به حقيقة أنه لم يُمنح فرصة الاختيار.ارتجفت أصابعها حول يده ثم تراخت ببطء وكأنها أدركت أنها لا تملك حق مطالبته بالمسامحة بعدما حرمته بنفسها من حق المعرفة.
ظلت صامتة وعيناها تدمعان لا تجرؤ على النظر إليه.فرفعت نظرها تلتمس النجاه هاتفه ....
دا حتى جدي ربنا يشفيه عارف وهو اللي قالي ما تقوليش.
ثبت عامر عينيه عليها للحظات ثم مال برأسه قليلًا وهتف بنبرة هادئة........
جدي عارف.. أممم.. وايه كمان.
هتفت بحرقة وقبضتت علي يديه .......
اه يوم الفرح ....خفت ماعرفتش اعمل ايه مانا مش هعمل حاجه حرام هتجوز ازاي .رحت وقولتلو وفهم وقالي ماقولش .
رفع حاجبيه مستنكرا .......
جدي انا اللي جالك ماتجوليش . انت عارفه ان جدي اللي معلمني ان الكدب جريمه ماتتغفرش .
اندفعت بلهفه .....
لا لا والله ماكنش كدب يعني بالمعني الوحش .والله هو اللي قال يا عامر ومافهمتش ليه. قالي ليني الامور معاه وبطلي تنطحي بيه .فهمت بعدين انه عايزنا نقرب من بعض الاول عشان تلين وتفهم انا عملت كده ازاي .
هتف مبتسما اقترب من وجهها انفاسه تلفحها ........
يعني جدي عارف كل ده ومخطط لكل ده .
شعرت ملوك بالخوف من نبرته فاقتربت منه سريعًا وأمسكت يديه......
مش خطط والله ماتفهمش اننا كنا بنستغلك او اي حاجه.
ضحك واكمل بنصف ابتسامه علي جانب شفتيه ........
امال كنتو بتعملو ايه عملتوني راجل اهبل . كنتو بتتمسخرو بيا ماهو ازاي قاضي وينضحك عليه طلعتوني مغفل برخصه .
شعرت بالخوف فشددت علي يده هامسه .....
لا ماضحكناش والله ماتاخدهاش كده. مغفل ايه دانت سيد الناس .أنا كنت مرعوبة تعرف. بس قولت لما تعرف إنك أول بختي هتعذر.
عادت تمسك وجهه برجاء أعمى........
عامر انا شفت كتير وعمري مادخلت راجل حياتي . ابويا عقدني وخلاني واحده مريضه مابثقش في حد .لحد مانت جيت يا قلبي انت عالجتني. أنا بعتبرك أبويا من دلوقتي سندي ودنيتي .
عامر أنا الدنيا جت عليا بزيادة واتمرمطت. عايزة أنام في بحضنك تبقي أبويا وأخويا وحبيبي. عامر.. عارف كنت مسخ لحد ما حبيبتك.
اقتربت تمسح بيديها على وجهه وهمست بترجي........
والله بعشقك عارف قلبي ده ما بيتمناش إلا إنت. راجل اهبل ايه حقك عليا والله ماكنت اقدر اعمل غير كده .
تحرك فك عامر قليلًا ثم سألها بصوت هادئ......
يعني جدي كان عارف وكان شايف إن من حجه ينصحك تعملي إيه وإنتِ كنتِ عارفة الحجيجة. ومع ذلك محدش فيكم شاف إن من حجي أنا كمان أعرف.
رفعت ملوك رأسها بسرعة وبان ارتباكها .....
جدي ما كانش قصده يأذيك هو كان خايف عليا .كان عايز يديني فرصة أعيش وأحس بالأمان قبل ما أواجهك بالحقيقة.
قاطعها للمرة الأولى دون أن يرفع صوته.
وأنا يا ملوك. مين فكر في حجي أنا.
تجمدت الكلمات على شفتيها. ظلت تنظر إليه للحظات ثم اقتربت منه وأمسكت يده بكلتا يديها.......
حقك عليا يا عامر أنا عارفة إني غلطت. بس والله ما كان قصدي أحرمك من حقك. أنا كنت خايفة. كنت كل يوم بقول لنفسي هقوله وكل يوم كنت بخاف أكتر.
تنهد عامر ثم سألها بجمود........
طب لما جدي وجع ليه ما جيتيش جولتيلي بعد كده. مش المفروض إني بقيت سندك زي ما بتجولي. ليه فضلتي تأجلي وتمدي حبال الكدب لحد ما بقى صعب عليكي تجولي الحجيجة.
قالت ملوك بخوف وقهر.......
كنت مرعوبة يا عامر. كنت كل ما أقول هصارحك أتخيل إنك هتبعد عني فأرجع أسكت.
ابتسم عامر ابتسامة باهتة وسألها بهدوء.......
طالما كنتِ واثقة في حبي كنتِ خايفة من إيه. وطالما ما كانش جصدك حاجة وحشة ليه ما جولتيليش. اصلا لو كتي دخلتي علينا كخيتها مانت ليكي حج الجانون تبقي معاه. وساعتها ماكنش حد هينجبر علي حد . وكنا برضك هنحب بعض علي نور ليه تجولي امه ليه .
ارتبكت قليلا فهو عنده حق اقتربت هيا ونظرت اليه بغلب ......
انا يا عامر ده اللي جه في دماغي خفت تاخدو الواد .ماقولتش اه انا ما فكرتش في أي حاجة غير إني ما أخسروش.
تنهدت ثم تابعت بصوت مرتجف.......
أنا آه واثقة بحبك بس مرعوبة أوجعك لحظة وتبعد عني لحظة. أنا واثقة أصلا إننا ما نقدرش نبعد عن بعض.
مط شفتيه بابتسامه باهته ......
طبعا واثقه لان اللي بينا خلاكي تتوكدي اني بقيت تحت يدك وانا الحجيحه فعلا تحت يدك .
اندفعت واحتضنته هاتفه بحب مشوب بالوجع ...
تحت يدي ايه بطل دانت نور عيوني ربنا مقدر نكون لبعض .
ابتسم عامر ببعض السخريه وهو يتأملها......
يعني إنتي وثجتي في حبي لدرجة إنك سلمتيني جلبك بس ما وثجتيش فيا كفاية إنك تسلميني الحجيجة. كنتي خايفة أخذلك فقررتي إنتي تخدعيني الأول؟
ارتبكت ملوك ولم تجد ما تقوله فتابع بهدوء غريب......
عارفة يا ملوك الوجع مش إنك كذبتي عليا وبس الوجع إنتي قررتي بالنيابة عني إني ما استاهلش أعرف حجيجتك لانك مسلمه اني هخضع .
ارتسمت على شفتي عامر ابتسامة باهتة ثم سألها ....
ولا إنتِ كنتِ شايفة إنك أذكى مني. وإنك تجدري تلعبي الدور ده قدامي وأنا أفضل مصدجك ومش واخد بالي من حاجة.
شهقت ملوك فقصتها تبدو فعلا بعيونه كما يقول . أمسكت يده بقوة.....
لا يا عامر ما تقولش كده. أنا عمري ما شفتك مغفل . أنا كنت بخاف منك ومن خسارتك لكن عمري ما استهنت بيك.
.
توقفت أنفاسها للحظة بينما تابع وهو ينظر إليها نظرة غامضة.....
ساعات الواحد ما بيعرفش جيمة الثجة اللي كسرها غير لما الدواير تلف ويحطوه في نفس المكان اللي حط فيه غيره .وساعتها يكتشف إن الوجع سهل يتجال عليه كلام. لكن المسامحة مش سهلة زي ما كان فاكر.
صمت عامر لحظة ثم مال برأسه قليلًا وسألها.......
بس جوليلي يا ملوك لو أنا عملت فيكي اللي إنتِ عملتيه فيا. وخبيت عنك حجيجة تخص حياتك ولويت حجيجه تخص جلبك ومشاعرك كنتِ هتسامحيني.
ولا كنتِ هتحسي إني ما استاهلش ثقتك. كنتِ هتجدري تتخطي إن الراجل اللي بتحبيه حرمك من حجك تعرفي الحجيجة بنفسك او حتي غير حجيجه هتوجعك ماهو هيكدب برضك .
ارتبكت ملوك وانخفضت عيناها ولم تجد إجابة جاهزة. شردت قليلًا فهي تعرف أنها لا تسامح بسهولة في حقها. فكيف تطلب منه أن يتجاوز أمرًا كهذا وكأن شيئًا لم يكن.
حاولت أن تتخيل نفسها مكانه أن تتخيل عامر وهو يخفي عنها حقيقة تخص حياتهم ويتركها تحبه وتتعلق به دون أن يمنحها فرصة الاختيار.
انقبض قلبها من الفكرة وارتبكت ملامحها وهي تتخيل أن الرجل الذي ائتمنته على قلبها قد يكون خدعها طوال الوقت وأن كل كلمة حب قالها لها ربما لم تكن سوى ستار يخفي وراءه حقيقة أخرى.
رفع عامر عينيه إليها، متابعًا اضطرابها بصمت، ثم سألها بنبرة هادئة......
طب لو اكتشفتي بعد كل ده إن الراجل اللي حبيتيه ووثقتي فيه كان مخبي عنك الحجيجة بإرادته. وكان سايبك تعيشي في وهم هو عارف حقيقته كويس كنتِ هتجدري تسامحيه يا ملوك؟ ولا كنتِ هتشوفيه واحد خدعك واستغل ثقتك فيه؟
تعلقت عيناها بعينيه ولم تستطع الرد على الفور.ارتجفت أصابعها بين يديه وانخفض بصرها .نظر إلى يدها التي تمسكت به ثم عاد ببصره إلى عينيها....
وبعدين أنا أعرف منين يا ملوك إنك ما كنتيش بتلعبي بيا وإن كل كلمة حلوة جولتيهالي كانت طالعة من جلِبك إنتِ اللي حطيتي الشك بينا مش أنا وممكن ماكملش ماهو حجي ده برضك .
هزت رأسها بسرعة وقد امتلأت عيناها بالدموع......
لا يا عامر لا والله كل حاجة حسيتها ناحيتك كانت حقيقية. أنا حبيتك بجد وعمري ما لعبت بمشاعرك. ومانكملش ليه الحب هو الاساس .طالما بنحب خلاص .
أكمل وقد ازدادت نبرته جدية.....
اممم طالما بنحب خلاص .يعني لو جه قالك بعد كده حجك عليا إنه عمل كده عشان بيحبك بس اتوجع وإنه ما كانش قصده يوجعك. كنتِ هتجدري تنسي إنه كذب عليكي وخلاكي تصدجي حاجة غير الحجيجة؟ ولا كنتِ هتجولي إن الوجع مش مبرر للخداع برضك ؟
مش عارفة يا عامر يمكن كنت هتوجع أوي ويمكن ما كنتش هقدر أسامحه بسهولة.
مال برأسه قليلًا وثبت نظره عليها......
بسهولة يعني ممكن ما تسامحيهوش أصلًا؟
سكتت ملوك ثم قالت بصوت خافت......
ممكن أنا مش هكدب عليك.
ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن يقول عامر بمرارة مكتومة......
انت كده صح .
رفعت ملوك عينيها إليه وقد تسلل إليها خوف لم تستطع تفسيره.....
.تقصد إيه يا عامر؟
أطال النظر إليها ثم أفلت يدها برفق وقال .....
ولا حاجة بس كنت بسألك سؤال وإنتِ جاوبتي عليه.
اقتربت ملوك منه وأمسكت يده ثم وضعتها على السلسلة التي ترتديها ونظرت إليه بعينين تائهتين......
أنا كل اللي أعرفه إني حبيتك يا عامر. دا الجواب اللي مافيش منه كلام ربنا قدر إنك تطوف الدنيا وترجع هنا لقلبي. إنت رجعتني للدنيا من تاني. أنا كنت واخدة عهد على نفسي ما أدخلش راجل حياتي. بس إنت دخلت ومش بس دخلت ده أنا حبيتك وعشقتك.
ارتجف صوتها وهي تتابع........
أنا ضهري طول عمره لوحده. عايزة أنام وما أخافش وما أشيلش هم بكرة. عايزة أحس إن فيه حد في الدنيا دي عايزني ومتمسك بيا. إنت أول واحد حسسني إني أقدر أكون ضعيفة من غير ما أخاف.
رفعت وجهها إليه بتوسل.......
طمني إنك مش هتسيبني يا عامر طمني إننا هنقدر نرمي اللي فات ورا ضهرنا. أنا والله بحبك أكتر من روحي.
اقتربت وقبلت عيونه قبلات ناعمه هامسه ......
انت بتحبني وهتسامحني انا عارفه ومتاكده .ماينفعش غير كده منك .انا اتملكت منك وانت كمان ومش هينفع اديلك فرصه تبعد عني انا اللي بحبو مابسيبوش . اهه قرارات غلط في غلط بس المهم قرار البعد مش هديلك فيه الخق ده لانك بتحبني وانا بحبك . عامر انا بعشقك بعشقك .
ظل عامر يتأملها لوهله بينما كانت أنفاسها تلامس وجهه.اقتربت ملوك منه أكثر وراحت تمرر أناملها برقة فوق وجنته. تتأمل ملامحه بحب ثم طبعت قبلة ناعمة على جبينه. هامسه بعشقها ..وأخرى قرب عينيه تلهبه بكلمات العشق قبل أن تبتسم له ابتسامة صغيرة امتزج فيها الدلال بالرجاء.
همست باسمه في رقة ثم مالت نحوه ولفت ذراعيها حول عنقه تدس وجهها قربه وتحتضنه بحنان كأنها تحاول أن تراضيه وتذيب ما بينهما من جفاء وتستعيد بقربها ذلك الدفء الذي افتقدته في صمته.
رفعت وجهها إليه ولمست وجنته بأناملها ثم اقتربت من شفتيه في دلال واضح تمنحه قبلة رقيقة وكأنها تستعطف قلبه بطريقتها الخاصة.
حين رفعت وجهها إليه مجددًا والتقت عيناها بعينيه اندفع وقبض على يديها وجذبها نحوه مطوقًا خصرها بذراعه ثم استولى على شفتيها وتاه معها بقوه. شهقت ملوك قبل أن تتشبث به وتبادله بشوق وقد أذاب اندفاعه ما تبقى من ترددها.
أحاطت عنقه بذراعيها بينما اشتدت ذراعاه حولها يجذبها إليه كأن قربها وحده قادر على إخماد ذلك اللهيب الذي أيقظته داخله. تلاحقت أنفاسهما وتاه كل منهما في الآخر. تتصاعد بينهما رغبة عارمة حتى غاب عنهما كل ما يحيط بهما. ولم يبقَ سوى حرارة القرب ولهفة الشفاه وتشابك الأيدي. وعلت بينهم رغبه عشق عاتيه انفصلا بها عن الكون كله .كل يهيم بالاخر ولكن من اجتياحه صدرت منها تأوه نبهه.
هنا.. وكأن نبضة خفية تسللت إلى داخله خفتت حدته تدريجيا. بدأ يبتعد عن قسوته ليحيط بها بنعومة وبطء مفاجئ.كان يعاملها كاميرته وعشقه يحركه بشكل جنوني .كان يتلقفها بين يديه كانها حلم بعيد ناله .فحاوطته تعطيه من عشقها .ليقضي معها ليلة حامية ومشتعلة .
ثم هدأ تدريجيًا حتى صار يضمها إليه بحنان عميق.تعلقت به ملوك تمنحه من حبها ومع مرور الوقت هدأت حركتهما واستقرت بين ذراعيه .
مر وقت طويل هدأت خلاله الأنفاس وغرقت ملوك في نوم عميق من فرط التعب متشبثة بصدره .تحركت ملوك في نومها واقتربت منه أكثر فاستقرت يده فوق كتفها .
ومع تسلل ضوء الفجر إلى الغرفة ظلت ملوك غارقة في نومها مطمئنة إلى قربه بينما بقي عامر مستيقظًا في صمته يحيطها بذراعيه ساكنًا لا ينطق كأن العالم كله قد اختفى من حولهما. وعيناه شاردتان في سقف الغرفة المظلم.
******
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
نعود لمليكه ...
دخلت مليكة مع الحاج فكري إلى المندرة وجلس الرجل بوقار وهدوء على مقعده. بينما اقتربت هي بخطوات بطيئة وجلست بجواره على مقعد قريب وراحت تفرك يديها بارتجاف وترقب. ثم هتفت بصوت مكسور يملؤه التوسل........
أول حاجة يا حج أنا واقعة في عرضك تجبلي حقي . وقصداك كبير ليا ينجدني ويبقي سند ليا من اللي جاي. انا واقعه بعرضك يا حج وطالبه حمايه راجل صعيدي اصيل مايتخلاش عن وليه .
اندهش الرجل من كلامها ولكنه نظر إليها الرجل بعينين حانيتين ولهجة مهيبة تطمئن القلوب........
اللي يخش دار فكري الراوي عِرضه مصون وما حدش يجدر يمسه بسوء واصل. ليكي مني الامان يا بتي وحمايتك كنك من ولايايا عهد عليا . جولي يا بتي ريحي جلبي وانطجي فيه ايه وعمار طلجك ليه ..
تنهدت بعمق واستجمعت كل قواها المتهالكة........
بص يا حج عمار طلقني بسبب ابنك يا حج .
نظر اليها قاطبا باستغراب ....
ايه طلجك بسبب سليم .سليم ولدي اني .كيف يا بتي جولي .
اكملت بوجع وحسره ....
ابنك سليم قضى عليا وعلى حياتي وأنا جاية هنا معاه على اتفاق معين .بس اللي هقولهولك دلوقتي غير اللي كنت متفقة معاه تماماً.
واندفع لسانها تحكي له تفاصيل ما حدث في الشقة بالكامل دون نقصان من أول الخطة الخبيثة والفخ المنصوب وحتى لحظة دخول عمار وإهانته لها ووضعه حذائه فوق وجهها البريء.
جحظت عيناها الحاج فكري عدم تصديق وارتجفت يده من هول الموقف وقسوة المفاجأة وما إن أنهت حديثها حتى هزت رأسها بحرقة وأردفت......
ده اللي حصل يا حج واقسم بالله لأتحاسب على كل حرف قدام ربنا . وكتاب الله وحق لا اله الا الله يشهد عليا المولي حصل .
هتف الرجل بصوت يرتجف صدمة وغضباً يشعر ان قلبه سيقف .......
سليم ابني عمل كده.....سليم ابني اني عمل الملعوب ده ....إزاي أنا مش مصدج سليم ولدي يا بتي .
لمحت مليكه مصحفا جانبيا فمدت يدها اليه ووضعت يدها عليه ......
ايدي علي كتاب ربنا يا حج ابنك غدر بيا ووصمني بعار وانا ماعملتلوش حاجه. كشف ستري وعري جسمي وفضحني وسبب طلاقي .ترضاها يا حج ترضاها لوليه يتيمه مالهاش حد .
جلس فكري لا ينطق ينهج بشده ظل صامتا يستوعب كم تلك القذاره التي صدرت من ابنه ........
إزي سليم سليم ولدي . سليم ينهش عرض ابن عمه بالشكل ده. وعمار يكسر جلب مرته بالطريجة دي .كيف كيف طب أنا لازم أكلم عمار حالاً وأفهم منه.
قاطعت بحسم ونبرة تفيض تصميماً........
أنا عمار خلاص بقى خارج القصة دي يا حج عمار انتهى بالنسبة ليا . ماعاد جوزي ولا شرفي يهمه خلاص. انا يا حج اللي هجيب وهرد شرفي بايدي. أنا جاية أطلب حقي وكرامتي منك أنت.
نظر إليها الحاج فكري بقلق بالغ وهتف........
بس بس كيف يا بتي الكلام ده. ده كلام واعر وما يتصدجش وعواجبه هتهد الدار. ابني نهاش اعراض يادي السواد يا مصيبتي لو ده حصل .
ارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة، وقالت بثقة......
أنا هثبتلك يا حج إنه حصل. أنا متفقة مع سليم إننا نيجي ونقول إن عمار قفشنا بالباطل. وإن سليم هيجيب الجيران وصاحب الشقة يشهدوا زور ويطلعوا عمار كداب. وافقت على الاتفاق عشان أخليه مطمن وأقدر أعمل اللي في دماغي. وعشان كده جاية لك عايزاك تقف جنبي وتنصفني. لو ليا حق تجيبهولي ولو طلعت غلطانة ساعتها اعمل فيا اللي تشوفه. ارموني برة البلد دي كلها وافضحوني شالله تزفوني يا حج .
تنهد الحاج فكري بحسرة وقال.....
ايوه اعمل ايه طيب انا تحت أمرك يا بتي. أنا أحرج ابن من صلبي ولا إنه يبقى نَهاش أعراض. يتجال على ابن فكري إنه يعتدي على مَرت ابن عمه وينهش عِرضه . اتمني كلامك يبقي صح انا ارضي والله واتمني . دي عيلة كبيرة يا دي السواد ده إحنا هنموت بعض لو الموضوع خرج برة.
تنهدت مليكة بارتياح وهتفت بثبات........
أنا عندي حل يا حج وبتمنى تسمعني للآخر.
تنهد الرجل باهتمام وتركيز........
جولي يا بتي سامعك.
وشرعت تشرح له ما تريده وتكشف له عن خطتها المدبرة بينما أنصت إليها الحاج فكري بخبرة السنين محاولًا إيجاد مخرج من تلك الكارثة يمنع إراقة الدماء..
وبعد أن انتهت تنهد الرجل ونظر إليها.........
أنا معاكي يا بتي وادي الظالم وادي المظلوم. وهبقى بضهرك .لو ابني طلع ظالم وده اللي اتمناه وبدعيلو من دلوك انه يطلع خباص وعيل سو وموجعاتي. وساعتها هطرده بره البلد كلها ويحرم علينا جنازتو .اما لو طلع بقه انتو موالسين وهو نهاش اعراض .انت يا بتي اللي هتترمي وهو هيبقي ليه ديه من ولاد عمه واعرفي اننا لو بداناها هنكملها والنار هتطول الكل .
وقفت امامه بجمود تعلو وجهها ابتسامه خفيفه بارده ....
النار مش لسه هتطول يا حج النار بدات والطوفان اشتعل وهياخد اللي بطريقه واللي ليه حج هو اللي هيصمد يا حج.
خرجت مليكة من المندرة خلف الحاج فكري. أشار لابنته ان تاخذها إلى الطابق العلوي لتستريح.
لكن سليم أسرع خلفها ولحق بها قبل أن تصعد وأمسك بذراعها ثم مال نحوها هامسا بلهجة حاول أن يخفي خلفها قلقه........
انت خدتي ابويا ليه و جولتي إيه لأبوي يا مليكة.
ارتبكت ملامحها وأطرقت برأسها في ضعف ثم همست بصوت خفيض.......
ولا حاچة يا سليم. حكيت له اللي حصل زي ماتفقنا وإن عمار ظلمني وطلقني وإن أنا ما ليش غيره بعد ربنا يجيب لي حقي.
ظل يتفحص وجهها محاولا أن يقرأ ما وراء كلماتها.......
طيب ما جابتيش سيرة الاتفاج اللي بينا؟.
هزت رأسها بسرعة وكأنها تخشى أن يغضب منها.....
لا يا سليم ما جبتش سيرته. هقولو ايه هحرق قلب عمار . أنا بس كنت مخضوضة ومش عارفة أعمل إيه وكان لازمن اكلم كبير البيت برضه .
هدأت ملامحه قليلا وارتخت قبضته عن ذراعها ثم ربت عليها بخفة......
زين يا مليكة. خليكي فاكرة إن كل كلمة ليها حساب. وإحنا لسه بينا اتفاج. ومش عايزك تبوظي كل اللي بنيناه.
أومأت له بطاعة ورفعت عينيها إليه بنظرة منكسة......
حاضر يا سليم. أنا هعمل كل اللي اتفقنا عليه وكمان ملوك هتيجي تسود عيشتو انا مش بعرف اتصرف برضه.
تركها أخيرا فأسرعت ابنة الحاج فكري تصعد بها بينما تبعتها مليكة بخطوات هادئة لا تلتفت خلفها ولا تنطق بكلمة.لكن كلما ارتفعت درجة على السلم كانت ملامحها تتبدل شيئا فشيئا ويختفي من عينيها ذلك الانكسار الذي أظهرته أمام سليم، حتى استقام رأسها واشتدت نظراتها بغل واضح .كل درجة صعدتها كانت خطوة تبعدها عنه وخطوة تقربها من غايتها.
أما سليم فظل واقفا عند أسفل الدرج وقد اطمأن إلى كلماتها غير مدرك أن الضعف الذي رآه لم يكن سوى القناع الذي أرادت له أن يراه.
*******
على الجانب الآخر من البلدة كان عمار قد وصل إلى السرايا كالإعصار. صعد الدرج ثم دفع باب الحجرة التي توجد بها ملابس مليكة بعنف .لم يتوقف لحظة بل انقض على الملابس المعلقة في الخزانة ينتزعها ويمزقها بيديه. كأنه ينتقم منها في غياب صاحبتها وصرخاته تمزق حنجرته بهياج جنوني وصرخاته تمزق حنجرته........
ليه عملتي فيا كده أنا عملت لك إيه عشان ترخصيني بالشكل ده. أنا كنت جليل في نظرك للدرجة . ليه مش راجل في نظرك أنا ما كنتش أنفعك في إيه عشان تروحي وتترمي على الرجالة. تتاجري في شرفي وعرضي تاني تاني تاني يترمي عليا الوجع والذل آآه يا رب ليه عملت ايه ماعملتش جلبي حب وعشج دانا غلبان ليه. ايه الفجر ده انا كت معمي كده شايفها جطه وهيا حنش .داخلين مخططين ومرافحين كل واحده ناتشه راجل في مطرح .لا واحنا ناخد فضلتهم .انا كت اعمي هو جالي الاول جالي سيبها انا اللي لفلفت زي الاهبل .جلبي جابني غلبان بيدور علي حد يحن عليه .طب الاول كتمتها في جوفي دلوقتي اعمل ايه اعنل ايه ...
رفع راسه وصرخ صرخه قطعت حبال حنجرته من الوجع .
فزعت فؤادة على صوت صراخه الهستيري فاندفعت إلى داخل الغرفة بملامح مذهولة وصاحت بصدمة........
في إيه يا عمار سيب الهدوم دي بتجطع هدوم البت كده ليه اتجنيت يا ولد.
التفت إليها وعيناه تحترقان بدموع القهر والغضب وصاح بصوت مبحوح من شدة الوجع.......
بت ماتجيبيش سيرتها دي شيكان ابليس والله ابليس مايعمل كده .سيبوني أموت أنا خلاص مش جادر أعيش بعد اللي حصل لي. عايز أخلص من السواد اللي جوايا عايز أولع بروحي وبالدنيا كلها.
لم ينتظر ردها بل اندفع نحو الملابس الممزقة وجمعها بين ذراعيه بعنف
ثم خرج من الغرفة بخطوات مضطربة. وفؤادة تناديه من خلفه دون أن يلتفت إليها.
هبط الدرج مسرعًا وخرج إلى الحديقة ثم ألقى الملابس على الأرض في كومة كبيرة. لم تمض لحظات حتى عاد يحمل وعاء البنزين وسكبه فوقها بيد مرتجفة قبل أن يشعل النار ويلقي بعود الثقاب فوق الملابس.اشتعلت النيران سريعًا وارتفعت ألسنتها في الهواء.
وقف عمار أمامها يحدق فيها بعينين غارقتين في الدموع وكأنه يرى فيها بقايا حياته التي تحطمت. راي عشقه يلتهمه النيران .راي حياته في ذرات تفرقع بقسوه تنهي علي ماتبقي منه .
ظل واقفا رجولته تنهشه الي ان لمح العروسه التي احضرها لها سابقا جانبا تزحف اليها النيران شعر بوخذه تنغرز فيه .وبشكل غريزي مجنون لا شعوري نزل عمار رغماً عن إرادته ووسط ألسنة اللهب المشتعلة وشد العروس من وسط النار وأخرجها بصعوبة .احتضنها بقوة بين أضلاعه بوجع وانكسار وهو يصرخ بانهيار تدمع له العيون........
ليه ليه يا مليكة ليه دمرتينا عملتلك ايه .
استدار بعنف والغل يكويه من الداخل وهتف من بين أسنانه...
أنا هعرفهم.
اقتربت منه أمه في لهفة وأمسكت بذراعه تشده نحوها وقد تسلل الخوف إلى قلبها من هيئته ونظراته المشتعلة....
فيه إيه يا ولدي جولي فيه إيه؟ مالك؟ ما تحكيلي ما تخلعش جلبي عليك.
التفت إليها وعيناه تقدحان شررًا. بينما كانت النيران تغلي في صدره وصوته يخرج محملًا بوعيد مرعب......
.اخلعي جلبك يا أما اخلعيه من دلوجتي. جلوبنا كلنا هتتخلع. بس ورب الكون واللي خلج الخلج وما بجاش صعيدي من ضهر راجل إن ما كنت أطربجها فوج روسهم وأولع فيهم يا أنا يا هما.
انتزع ذراعه من بين يديها واستدار مبتعدًا بخطوات غاضبة تاركًا أمه واقفة مكانها تتابعه بعينين مرتعبتين وقد انعقد لسانها من هول ما سمعت وشعرت أن وراء غضبه مصيبة لن تمر بسلام. وكأن عاصفة هوجاء اجتاحت السرايا في لحظات فبعثرت استقرارها وقلبت كل شيء رأسًا على عقب.
وفي ركن بعيد من الحديقة وقفت تلك الحيتان تتبادلان نظرات خفية ارتسم فيها التشفي والانتصار. وتتسمران في سعادة غامرة بعد أن حققتا هدفهما الأول بطرد مليكة وتدمير استقرار السرايا تماماً وهما يترقبان في شغف موعد الضربة الكبرى الآتية لا محالة.
******
في الصباح الباكر فتحت ملوك عينيها ببطء وشعرت بوجع خفيف يسري في جسدها المتعب بعد ليلتهما الماضية. لكنها تجاهلته والتفتت تبحث عنه بعينيها حتى وجدته يجلس في التراث .
ابتسمت بخفة وأشرق وجهها وهي تنهض لترتدي ملابسها ثم اتجهت نحوه بخطوات ناعمة. وما إن وصلت إليه حتى جلست على قدميه ولفت ذراعيها حول عنقه هامسة بدلال وعشق.....
حبيبي ....وحشتني قوي.
رفع يديه ببطء ليحيط بها فهمست هي برقة وهي تداعبه........
عموري.. إنت ساكت ليه مالك؟
حاصرها بيديه بقوة وضمها إلى صدره وتنهد بصوت عميق يحمل كل أثقال الأرض وهو يهمس في أذنها بنبرة خافتة........
شششششش.. ماتتكلميش خالص سيبيني كده.
ابتسمت بسعادة واطمئنان واندست في أحضانه مستسلمة لدفء ذراعيه وأمانه الذي لم تعرف أنه يخفي وراءه ما يخيفها. أغمضت عينيها تتمنى في سرها ألا تنتهي هذه اللحظة حتى غفت بين ذراعيه.
أما هو فلم يكن هادئًا كما بدا بل كان بركانًا من الغضب يغلي في أعماقه وصراعًا عنيفًا يمزق ما تبقى من سكونه. بين ما عرفه وما عجز عن استيعاب تبعاته. حملها برفق ووضعها على الفراش ثم اعتدل وسوّى الغطاء عليها وظل يتأمل ملامحها النائمة للحظات. قبل أن يستدير ويغادر الغرفة في هدوء تام متسللًا دون أن يشعر به أحد وكأنه لم يكن هنا من الأساس.
انطفأ الهدوء المصطنع الذي ارتسم عليها ليحل محله وجع غائر وغضب مكتوم. وقف وحده يستعيد ذكريات تلك الليلة التي فارق فيها قلبه الحياة، الليلة التي ظن أنه تجاوزها فإذا بها تعود الآن بكل تفاصيلها تنهش روحه وتفتح جراحًا لم تلتئم يومًا.
كيف كان ينوي النزول ليلا ليحضر لها هدية رقيقة على شكل نجمة يحملها بين يديه بحنان ومعها باقة من الورود ينثرها حولها حين تستيقظ ليرسم الابتسامة على وجهها ويفاجئها بفيض حبه.
لكن.. وسط تلك الأفكار الدافئة هزه رنين هاتفه فالتقطه وأجاب. وما إن وصله صوت عمار حتى انعقد حاجباه. فقد كان صراخ أخيه على الطرف الآخر غير مألوف وكأن الرجل يواجه كارثة أفقدته القدرة على التماسك......
الحجني يا أخوي. الحجني أنا هموت. حاسس إن هيجرالي حاجة.
اعتدل عامر وقد تسلل القلق إلى صوته .......
في إيه يا عمار مالك انطج بتصرخ ليه إنت.
صرخ عمار بصوت متقطع تتخلله شهقات البكاء.......
فيه جحيم يا ابن أبوي مصايب بالكوم. فيه سواد نازل علينا. ونار جلبي اتحرج يا عامر هموت والله.
قطب عامر حاجبيه وبدأ القلق يتحول إلى ضيق من عجز أخيه عن إخباره بما حدث.......
ما تجول يا زفت إنت فيه إيه. انطج بدل ما إنت بتنوحلي
انكسر صوت عمار فجأة وصرخ بقهر .....
أنا... أنا جفشت مرتي في شجة ممسوكة مع راجل هموت يا عامر.
انقبض قلب عامر واستقام وهو يحاول استيعاب ما سمعه. لم يكن يتوقع أن يسمع اتهامًا كهذا من أخيه لكنه لم يشأ أن ينساق وراء صدمته أو يحكم على أحد قبل أن يعرف حقيقة ما حدث. فانقبض حاجباه بنظرة صارمة ......
إنت بتجول إيه يا عمار جفشت مين يا بهيم إنت.... مليكه .... .جفشتها بنفسك إنت شفت بعينك ولا فيه حد حكى لك الكلام ده. عمار اعجل الكلام انت جنيت ولا مهبول.
ارتجف صوت عمار وهو يرد عليه من بين شهقاته........
شفتها بعيني يا عامر. والله العظيم شفتها بعيني. كانت معاه في شجة. دي كانت...
توقف عمار فجأة وكأن الكلمات اختنقت في حلقه......
اشتعلت عينا عامر بالقلق وقد ازداد انقباض صدره مع صمت أخيه المفاجئ
فاكمل بحده .....
كانت إيه يا عمار. كمل كلامك.
رفع عمار صوته باكيا......
كانت عريانه في شجه.عريانه عريانه ..... مرتي اللي كت فاكرها شريفة طلعت بتخدعني رخيصه وخاينه وزباله .
ظل عامر صامتا للحظات وقد اشتدت قبضته حول الهاتف. ساله بنبره متأنيه......
إنت متأكد من اللي شفته هيا يعني . عمار انت جايز فهمت غلط .
صرخ عمار بانفعال.......
غلط ايه وزفت ايه هو أنا ما أعرفش مرتي. دي كانت هي مليكه يا أخوي.
أغمض عامر عينيه لثانية ثم فتحهما ببطء. لم يكن يريد أن يمنح الشك فرصة للعبث بعقله لكنه لم يكن مستعدا أيضا لأن يدفن رأسه في الرمال أمام اتهام بهذه الخطورة........
طيب إنت كنت هناك ليه من الأساس. ومين كان معاك. وإيه اللي حصل من أوله لآخره. عايزك تحكيلي كل حاجة بالتفصيل من غير صويت ولا عياط. كلمة كلمة يا عمار.
صرخ عمار بانهيار وقد اختلطت كلماته بشهقاته......
أخوك ضاع والفاجرة دي دمرتني مش عارف إزاي ما جتلتهـاش. أنا هموت شرفي اندعك في الأرض وأخوك بقى مسخة من تاني. تاني يا عامر جلبي بيتجطع مني حاسس إني هتجلط. عايز أرجع وأجتلها حاسس إني مش راجل.
ضاق عامر من صراخ اخيه فرفع صوته بحزم ......
ما تتهبب وتتعدل وتجول في إيه. جفشتها في وضع إيه بالظبط. احكي يا عمار.
صاح عامر بغضب محتد ليردعه عن هذيانه.......
ما تتهبب وتتعدل وتجول في إيه جفشتها في وضع إيه بالظبط اللي شوفته بعينك انت . ما تحكي .....احكي يا زفت علي ايامك الطين .
جاءه صوت عمار ممزقًا ...
احكي..... هحكي يا أخوي حاضر .هحكي على شرفي اللي اتعاص. مرتي اللي كنت فاكرها ملاك جفشتها مع واحد في شجة لوحدها. وعارف مين الواحد ده سليم ابن عمك اللي سيرته كلو فضايح .وجاي يطبقها علي ابن عمه بمراته نوم وفلوس وخمرة ومرمغه.
هتف عامر بذهول لكن ذهوله لم يمنعه من التشبث بما سمعه......
انت اتخبلت يا عمار انت متوكد من الكلام اللي بتجوله .
هاج عمار وخرجت كلماته متلاحقة من بين شهقاته.....
ماتبطل بقه الله .اه متأكد يا عامر الشارع كله شاهد. الجيران كانوا عايزين يطلبوا لي البوليس والفضيحة كانت هتطلع علينا قدام الناس كلهم. الراويه كت هتتفضح في البلد .دي كانت بتروح له الشجة بكيفها ومزاجها وبتاخد منه فلوس. وسمعت التسجيل بودني انها مرفجاه وجال لي على علامات تثبت كلامه في جسمها .الجيران كانو هيزفونا بالشارع هموت يا أخوي هموت.
شعر عامر بانقباض حاد في صدره والتفت نحو الشرفة حيث ترقد ملوك نائمة. شد قبضته حول الهاتف محاولًا استيعاب ما يسمعه. ارتجف صوته خوفاً عليه.
ساد الصمت للحظات ولم يعد عامر يسمع سوى أنفاس أخيه المتقطعة. كانت الكلمات تتزاحم في رأسه وكلما حاول الإمساك بطرف منها اندفعت أمامه أخرى أشد إيلاما.
لكنه انتبه إلى تفصيلة لم يستطع تجاوزها ساله عامر بتركيز ......
التسجيل ده إنت سمعت فيه إيه بالظبط يا عمار. عايزك تجولي الكلام اللي سمعته مش اللي فهمته منه. وبعدين حكاية العلامات دي إنت شفتها بنفسك ولا سليم هو اللي جالك بيها. عمار ركز يا اخوي في كلامي واحكيلي اللي حصل من غير ما تخلط اللي شفته باللي استنتجته. ده شرف وعرض .
صرخ عمار بصوت غلبه البكاء......
الوساخة متسجلها كل حاجه . سمعتها بودني بتتفج تروح ليله بخمسين الف خرمت ودني. وشفت الوحمه بعيني يوم فرحنها والبت خارجه جالعه من غير هدومها .والشهود شهدو اعمل ايه تاني.
داخل مش مصدج اتوحلت . مرتي مرمغت شرفي في التراب. حاسس إني هموت يا أخوي. عايزك تجبلي حجي انا هموتهم اه انا خلاص لو ماجبتلي حجي هموتهم .أنا طلجتها أنا خلاص هتجنن بس جلبي محروج وعايز أرجع أخلص عليهم.اعمل ايه جلبي هينفجر .
اشتدت قبضة عامر حول الهاتف وعقد حاجبيه بصدمة لم يستطع إخفاءها.........
طلجتها؟ إنت طلجت مليكة يا عمار؟ عملتها فعلا النهارده؟ يعني كل ده حصل النهارده جفشتها وواجهتها وطلجتها؟ إنت متأكد من اللي عملته؟ يعني فعلا جفشتها بعلامات ايه السواد ده .
جاءه صوت عمار ممزقًا بالبكاء.....
عملت اللي أي راجل مكانى كان هيعمله. أنا شوفت بعيني يا عامر سمعت وشفت ومرتي اللي كنت شايلها فوج راسي طلعت بتدوس على كرامتي برجليها. أنا مش عارف أعمل إيه مش عارف أعيش إزاي بعد اللي حصل لي.مراتي خانتني وأنا اللي بقيت مش عارف أبص في وش نفسي. كل اللي كنت فاكره حجيجي طلع كدب.بس انا غلطت انا هجتل سليم ايوه وهشوفها فين واجتلها .
أغمض عامر عينيه بقوة وضغط بأصابعه على جبهته محاولًا السيطرة على اضطرابه. كان صوت أخيه وحده كفيلًا بأن يمزق قلبه........
عمار اسمعني زين. أوعى تعمل حاجة تندم عليها وأوعى تروح تواجه حد وإنت بالحالة دي. أنا جاي لك وهنفهم الحكاية من أولها لآخرها. بس تهدي .
صرخ عمار...
ماتجوليش اهدي. ماتجولش.
سكت عامر لحظة لكن فكرة أخرى باغتته فجأة فأزاحت كل ما عداها.....
.......ملوك.......
كيف سيواجه عينيها حين تعرف أن أختها التي ظلت تحمل همها وتخاف عليها متورطة في شيء كهذا؟ وكيف ستتحمل أن تسمع اسم أختها مقترنا بالخيانة والفضيحة على ألسنة الناس؟
انقبض قلبه لمجرد تخيل وجعها وشعر بالعجز أمام فكرة أن يكون هو من يخبرها بما حدث. وعاد صوته أكثر اضطرابا وهو يحاول استيعاب المصيبة التي وجد نفسه في مواجهتها........
طب هنجول إيه لملك؟ هواجهها إزاي بالفضيحة؟ ماهعرفش أجولها أختك عملت كده. جلبي هتوجع ماهتحملش أشوفها مكسورة قدامي . طب... طب اهدي يا أخوي بس أما أجي وهجعد مع ملك الله يخليك اهدي. هشوف هصارحها إزاي وأجيب لها الكلام منين. دي ماهتتحملش جلبي هينفصل مني عشانها.
تنهد بالم يحرق ثدره علي حبيبته ......
انا مش بجول إنك تسامحها ولا إني بلومك على اللي حصل لك. أنا بتكلم عن ملك. ملك مالهاش ذنب في أي حاجة ومش عايزها تعرف بالطريجة دي.جلبي مش مطاوعني أتصور وجعها لما تعرف يا عمار.
ـ
نظر عامر قدامه بشرود ثم عاد يتكلم على عجل وكأنه يحاول إيجاد حل قبل ما المصيبة تكبر.......
بص هنجول لملك ونتفاهم و...
وهنا انفجر عمار بصوت أشبه بالصاعقة المرعبة يقاطعه. فجحظت عينا عامر من حدة صراخه وتوقف الكلام على شفتيه عندما قال ....
نترك عمار مكلوما ونعرف ماذا سيقول فبعض الحقائق لا تأتي لتكشف ما خفي فحسب بل تأتي لتهدم في طريقها قلوبا لم ترتكب ذنبا وتضع من نحبهم في مواجهة أوجاع لم يختاروها.
فنقف عاجزين بين حقيقة لا نستطيع إنكارها وقلوب نخشى أن تقتلها معرفتها. فماتراه انت صواب غيرك يراه جريمه .فاحيانا نحكم عالاخرين لاننا لسنا مكانهم .احيانا يكون الانسان موجوع ويستخف به من امامه ويري انه ليس عادلا في وجعه .
ولكن عندما تدور الدوائر كم منكم سينفجر قلبه الما لانه ادرك انه غير قادر علي تحمل ذلك الألم الذي استخف به سابقا . لا تخبرني عن المي بل المس الالم وخده لقلبك لتعلم عن اي الم اتحدث.
كان الله عونا في قلوب احبت وتاهت في دروب الخداع والعذاب واهم من ذلك نسال الله السلامه من دروب الشر .
