رواية صابرين الفصل الرابع 4 بقلم امل نصر


 رواية صابرين الفصل الرابع


على أرضية الغرفة، جلست متربعة الساقين، تغزل بإبرة الكروشيه خيوطاً اختارت أن تكون داكنة لتناسب القبعة التي تصنعها، بينما لم يتوقف عقلها عن الدوران والتفكير المتواصل.

​فمنذ أن غادر جاسم بصحبة ابن عمها، وهي تعيش حالة من التوهان والشرود الذي لا تستطيع فهم سببه حتى الآن. بل إنها لاحظت علامات التعجب والدهشة على وجهي أمها وأخيها أيضاً؛ فعلى الرغم من إدعائهما التعامل مع الأمر بشكل طبيعي، إلا أنها لم تكن غبية لتفوت عنها تلك النظرات.

​كانت تشعر في أعماقها بأن جاسم رجل غريب، لكنها رأت أنه لا ينبغي لها أن تضخم الأفكار في رأسها، حتى لو كانت نظراته إليها مبهمة وغير مفهومة، وتعمده مشاكسَتها. أمن المعقول حقاً أن يكون قد وضعها في عقله منذ أن رآها على ضفاف النيل؟

​لا، يجب عليها إذن أن تأخذ حذرها تماماً، فلربما كانت نياته غير سليمة. ليس عليها سوى أن تنهي القبعة التي وعدت أخاه بها، وترسلها مع أخيها منتصر وتنتهي القصة عند هذا الحد «ويا دار ما دخلك شر». سيأخذ إجازته ثم يعود إلى بلده، وحتى لو تم زواجه من نسمة أو أي فتاة أخرى من بنات عمها، فلن تحضر سوى ليلة حنائها فقط، أما أن تحضر زفافها وتلتقي بذلك الرجل الغريب مجدداً فهذا محال! ولن يكون بينها وبينه أي حديث آخر قط
................

داخل المندرة التي انتشر فيها جو مشحون بالتوتر والريبة بعد السؤال المريب الذي وجهه عزازي لجاسم، انقلب مزاج الأخير في لحظة واحدة من الهدوء والروقان إلى غضب حارق ومكتوم، ليخرج رده بلهجته السعودية وحزم قاطع لا يقبل النقاش:
ـ وش تقصد بسؤالك؟ مو معنى إني مو مصري زيك معناه إني ما أفهم تلميحاتك يا عزازي، اللي أصلاً ماني مستوعبها.. بعدين أنت منت منتبه إنك تتكلم عن بنت عمك؟
أحس عزازي بخطئه، فسارع بارتباك يحاول تبرير موقفه بلهجته الصعيدية:
ـ لا، متفهمش غلط يا جاسم، بنت عمي أشرف من الشرف، وأنت راجل وسيد الرجالة، بس معلش عاد سامحني في تسرعي.. الصراحة أنا مستغرب، وقتيه شفتها ووقتيه شبطت في دماغك وعجبتك؟ اعذرني في فضولي!
رد جاسم ببساطة ورزانة، رغم الشعور المزعج الذي بدأ يتسلل إلى داخله من طريقة عزازي المستفزة:
ـ ما يحتاج لا شرح ولا وصف، نظرة وحدة لها كفت.. بنت جميلة واقفة بملابس عادية جداً جنب النهر، والقبول بعد كذا من رب العالمين يا عزازي.
وكلما تكلم جاسم، ازداد غليل عزازي واشتعل الغضب في صدره، وعقله يرفض الفكرة من أساسها، فحاول بصعوبة بالغة أن ينقي ألفاظه ويضبط أعصابه:
ـ طبعاً القبول من رب العالمين، بس بصفتي صاحبك لازم أفتح عيونك وما أغشكش.. دي هتحصل في وشي يا بوي! أنت راجل تتمناك أي وحدة، بس صابرين دي.. يعني متنفعكش ولا تناسب مقامك!
ضيق جاسم عينيه ورد بهدوء رتيب يخفي تحته عاصفة غاضبة:
ـ وليش ما تصلح لي؟ وهي ما شاء الله عليها كاملة أدب وجمال!
مسح عزازي بأطراف السبابة والوسطى على طرف أنفه في حركة عصبية ملازمة له كلما أُحشر في الزاوية قبل أن يجيب:
ـ هي فعلاً كديه زي ما قلت، بس عشان تكون على بينة وما يغركش شكلها.. صابرين فاتها القطر وبقت عانس! أنت من عقلك إيه اللي يخلي واحدة بالصفات دي متلاقيش حد  يرضى بها؟
كان غضب جاسم يبلغ ذروته في تلك اللحظة، وتكاد الدماء تغلي في عروقه وهو يستمع لسم الكلام يقطر من لسان عزازي الذي كان يعده صديقاً، فتركه يكمل حديثه ويبلغ آخره دون أن يقاطعه قط.
ـ أنا هاجاوبك على السؤال يا جاسم عشان تفهم زين.. صابرين كانت مخطوبة لولد عمي صبري، سنين مربوطة باسمه لحد ما خلص شقته وكان خلاص بيكتب كتابه عليها ويتزوجها، لكنه فجأة قبل الفرح بشهر خلع وسابها وقعد يقول إنها مجنونة! كلنا في الأول كذبناه، بس لما شفنا بعيوننا بعدها عذرناه.. يا عالم بقى إيه اللي جرى لها، بس حالتها بقت زي الملبوسة، وأبوها وأخوها يجروا بيها على الدكاترة والشيوخ.. هي بعدها بشهور خفت شوي، بس ما رجعت زي الأول واصل!

.......................

ـ وبعدين حصل إيه؟

​كان هذا سؤال سعيدة باهتمام بالغ بعد أن سمعت من ابنها تفاصيل الحوار الذي تم قبل دقائق مع جاسم وطلبع الغريب، فجاءها رد الأخير بسأم:

​ـ ولا أي حاجة.. سمع كل كلامي وفضل واخد وشه على وضع واحد، لا هو أخد ولا أدى معايا، ولا ريحني بأي كلمة!

​انفعلت سعيدة عند كلماته الأخيرة وصرخت به بحدة:

​ـ يعني إيه؟! كدة العريس طار من أختك! ومن مين؟ من صابرين اللي جبتها تطبخ للعزومة! الملعونة أكيد عملت له عمل عشان يشوفها حلوة على بتي ويتجوزها البايرة!

​رد عزازي بسأم وضيق:

​ـ وهي كانت تعرفه منين أصلاً عشان تعمل له أعمال؟!

​ـ أومال يعني عايز تفهمني إن الشيخ اللي شاف من الحريم أشكال وألوان، جاي هنا البلد المخروبة دي عشان تعجبه صابرين المجنونة، ومتعجبوش بتي أنا؟! طيب ياريته اختار واحدة من بنات عمك التانيين على الأقل كانت خالت على العقل شوية، إنما صابرين... شاف فيها إيه ده؟!

اهتزت مقلتي عزازي بشيء من التردد وهو يرد على والدته:

​ـ الله أعلم هو شاف فيها إيه، بس برضك هي مش عفشة عشان متتشافش ولا...

​قطع كلامه في الأخيرة عندما وجد نظرة والدته تزداد حدة واشتعالاً، ثم نهض فجأة يستأذن منها:

​ـ أنا جسمي مكسّر، هروح أريح على فرشتي وأتخمد!

​ـ استنى يا ولد!

أ​وقفته والدته قبل أن يتحرك لتأمره بلهجة صارمة:

​ـ اسمع أما أقولك.. تراعي الموضوع ده زين قوي! مش هتيجي المجنونة كمان على آخر الزمن وتاخد نصيب أختك، فاهم؟!

..........
وفي سيارته التي أوقفها في مكان مظلم، بعيد نسبياً عن منزل منتصر وأخته صابرين، لكنه قريب بالقدر الذي يسمح له برؤيته بوضوح، لم يكن يعلم بالتحديد ما الذي دفعه للمجيء إلى هذا المكان بالذات بعد الكلمات المسمومه الذي تلفظ بها عزازي وسمّ بها بدنه، ليقطع عليه لحظة صفاء وسعادة ندر أن شعر بها منذ سنين طويلة.
لم يستوعب تلك السهولة التي كانت تنزلق بها الكلمات القاسية من فمه؛ فوصفها تارة بالمجنونة وتارة بأن لها حالة نفسية، والأهم من ذلك ذلك التلميح المستفز عن فسخ ابن عمها لخطبتهما التي استمرت سنين طوالاً ولم يتبقَ على زواجهما سوى شهر واحد! كلمات كفيلة بأن تحرق الدم وتجعل المرء يحسب ألف حساب، لكنه رغم كل ذلك كان على يقين تام بأن إحساسه ومشاعره لا يمكن أن تكذب.
طوال عمره كان يعتمد على نفسه في كل شؤونه، والأولى الآن أن يعرف كل صغيرة وكبيرة عن صابرين التي اختارها قلبه...... لكن كيف سيفعل ذلك وهو غريب لا يعرف أحداً سوى عزازي الذي أثبت خبثه ومقاصده؟
يجب أن يجد حلاً.. لابد أن يجد طريقة!
ظل ممسكاً بمقود السيارة، تحدق عيناه في عتمة الليل نحو نافذة منزل منتصر المضاءة بضعف، بينما كانت الأفكار تتصارع في رأسه كعاصفة لا هوادة فيها. لم يكن من النوع الذي يستسلم للأقاويل أو يبني قراراته على كلام شخص واحد، خصوصاً بعدما لمس بنفسه نقاء عائلة منتصر ، شهامة الرجل وطيبة صابرين ومهارتها.

يشعر أن عزازي لم يكن ينصح بقدر ما كان يحاول تشويه صورتها لغاية في نفسه، ربما طمعاً أو غيرة أو خوفاً من أن تتبدل الحسابات العائلية.
ضرب بيده بخفة على المقود وهو يحدث نفسه بحزم:
ـ ما دام السالفة فيها خطبة سابقة وكلام كثير، لازم أسمع الحقيقة من مصدرها الصح.. ومش من عزازي حتى لو كان أقرب واحد ليا هنا لثقتي فيه!
دارت الأسئلة في عقله؛ كيف يصل إلى الحقيقة دون أن يثير الشبهات أو يحرج أهل البيت؟ هل يواجه منتصر بصراحة ويسأله عن أخت، أم ينتظر فرصة مناسبة؟
قرر في تلك اللحظة أن صبرها وهدوءها ونظراتها الصادقة تستحق منه عناء البحث الحقيقي، وأنه لن يتراجع عن قراره مهما كانت العراقيل، فالحق أحياناً يختفي خلف أكوام الظنون، لكنه سيصل إليه قريباً مهما كلف الأمر.
...........
استيقظت صابرين كعادتها كل يوم مبكرة، تنظف البيت، وتطعم الطيور، وترتب المطبخ. وما إن نهض أخوها حتى وجدها تعد الإفطار، فوقف في مكانه يتأملها بصمت وهي تضع طبق الجبن بجوار طبق العسل وبراد الحليب الساخن الذي يتصاعد دخانه، إلى جانب طاجن الفول الذي يتكتك بالزيت والليمون في منظر شهي يفتح النفس بلا كلام.
حين شعرت أخيرًا بوجود شخص خلفها، التفتت لتجده واقفًا أمامها، فضحكت بخفة وارتباك:
ـ منتصر! وه.. خلعتني يا ولد أبوي.
ـ سلامتك من الخلعة يا بت أبوي.
قالها بضحك وهو يقترب ليتربع على الأرض، يكسر من العيش الشمسي ويغمس في طبق الفول، ثم يردد باستمتاع:
ـ الله يا بوي على الطعم ده! كل الناس تطبخ وكل الناس تعمل، لكن ولا عمر حد أبداً هيجيب نفسك يا برنسيسة أنتِ.. فين أمك؟
ضحكت مرددة بامتنان وهي تضع الصينية التي كانت تحمل الأطباق على الأرض، لتشاركه الطعام على الطبلية وترد عليه:
ـ يا خويا يجبر بخاطرك، زي ما انت جابر بخاطري دايماً.. أمبارح راحت واجب مع جارتها أم أيمن.
ابتسم منتصر وعيناه تحملان لمحة لم تفهم مغزاها:
ـ أممم.. يا ستي ربنا هو اللي هيجبر بخاطرك يا خيتي مش أنا، وابقي تذكري كلام منتصر زين.
هزت رأسها صامتة دون رد، فأكمل هو حديثه:
ـ ما حد هيلقي باله بعد ما تطلعي من هنا وتروحي بيت عدلك غيري.. هلقى مين يحضر أكل بحلاوة أكلتك؟ هيا قوليلي!
احمرت خدود صابرين فردت بارتباك:
ـ وه.. هو انت بتتكلم جد صوح؟! هو لسه حصل نصيب الأول؟ وحتى لو كان، فنهلة بنت خالي نفسها طبخها جميل ومش هتحتاج لشيء.
ردد خلفها والطعام في فمه:
ـ مش هنحتاج شيئاً؟! وربنا أنتِ غلبانة! هي دي بتعرف تطبخ أصلاً؟ دي عايشة على بخت أصحابها!
سمعت مزحته فانطلقت ضحكتها الجميلة تملأ المكان بهجة وتسعد قلب أخيها الذي يفرح كثيراً لرؤيتها سعيدة.
وبعد أن هدأت ضحكتها، بلعت ريقها بحرج وهي تخرج القبعة من جيب عباءتها:
ـ اتفضل يا خوي، أوصل الأمانة دي للشيخ جاسم أو ولده.. كدة يبقى أدينا اللي علينا ووفينا بوعدنا.
ابتسم منتصر وحانت منه نظرة غامضة وهو يتناول منها القبعة ليضعها في جيبه، وقال:
ـ أخلص شغلي في الأرض، وبعدين أمر على بيت عمك وأوصلها لأحدهم هناك.

..........
نتيجة لسهره طوال الليلة الفائتة حتى أذن الفجر، وما إن صلاها حتى خطف عدة ساعات من النوم جعلته يتأخر عن موعد استيقاظه المعتاد.

حتى استيقظ الآن متجهم الوجه، ناقم المزاج، وبدت تحت عينيه في المرآة هالات سوداء طفيفة من قلة النوم، بينما كان يعدل عقاله بلا حماس.

​كان الجناح يغرق في سكون تام، وبدا واضحاً أن شقيقه الأصغر قد سبقه إلى النزول، فبات لزاماً عليه البحث عنه ليخرجا في الموعد الذي وعده به للترفيه في المحافظة.

​هبط من جناحه متجهاً مباشرة إلى المندرة، فهو لا يسمح لنفسه بتجاوزها والدخول إلى الدار من الأساس. أطاف بصره في الأرجاء باحثاً عن الصغير في المكان الذي ينتظره فيه عادة فلم يجده، مما اضطره لمهاتفة عزازي الذي أخبره أن الصغير قد تناول طعامه معهم وعاد إلى المندرة، غير أن المندرة كانت فارغة تماماً كما يراها أمامه الآن.

​لم يبقَ أمامه سوى الاتصال به، لكن للأسف لم يأتِه أي رد رغم محاته المتكررة لمهاتفته.

...........

وفي ناحية أخرى، لم يكن حمد دارياً البتة بالهاتف الذي يصدح باتصالاته المتكررة داخل جيب جلبابه الابيض الناصع، فقد كانت سماعات الأذن مستقرة في أذنيه وهو يدندن مع أغنية خليجية شهيرة، شاقّاً طريقه نحو بيت صابرين الذي قرر قصده بنفسه ليظفر بالقبعة الهدية التي وعدته بها، وللتريض قليلاً واستنشاق أجواء القرية المميزة.
كانت ثقته الزائفة بمعرفة العنوان الذي زاروه بالأمس تجعله يمضي بيقين، لكن لكونه غريباً عن المنطقة، التبس عليه الطريق فانعطف في درب فرعي آخر يوصل بدوره إلى خلفية بيت صابرين، وهناك، للأسف الشديد، كانت في انتظاره مفاجأة مرعبة لم تكن في الحسبان أبداً.
وفي تلك اللحظة بالذات، كانت صابرين مشغولة بإطعام الطيور والماشية في الجزء الخلفي من منزلهم، وهو الجزء القديم المبني بالطوب الأخضر؛ حيث الحوائط المنخفضة والساحات المكشوفة بلا سقف. قطع استغراقها في العمل صوت نباح وهدير كلب شرس، يسبقه عواء مرعب من الخارج. من دون تفكر أو تردد، تركت ما في يدها واندفعت خارجة من الباب الخلفي للقسم القديم، ويدها تمسك بحجر صغير قذفته نحو الكلب لتردعه:
ـ بس.. اهدى!
وما إن لامس الحجر رجل الكلب والتفت نحوها مفزوعاً حتى هدأ قليلاً حين عرفها، لكنه ظل يزمجر ويعوي بحقد نحو الطفل المسكين الذي كان قد تمكن في تلك اللحظة من اعتلاء شجرة الجميز العتيقة خوفاً على حياته.
رفعت بصرها نحوه لتتسع عيناها بذهول وصدمة:
ـ يا لهوي! حمد.. إيه اللي جابك هنا؟!
كان منظر الصغير يثير الشفقة وهو يبكي من شدة الرعب، بينما الكلب يرفض الابتعاد وكأنه استشم رائحة خوفه، رغم شجاعة صابرين ومحاولاتها المستميتة لردعه. كان واضحاً أنه كلب غريب ضال، استغل هدوء الشارع الخلفي الخالي من المارة لينقض على ضحيته.
خرج صوت حمد متهدجاً ومرعباً من فوق الشجرة:
ـ الحقيني يا صابرين! هذا الكلب يبغى يأكلني!
ـ بعد الشر عليك يا حبيبي.. امسك زين في الشجرة وإياك تنزل!
خرجت الكلمات منها بعفوية وهي تتشجع متجاوزة خوفها، متقدمة بخطوات جريئة نحو الكلب بحجر كبير تلوح به لتبعده، دافعتها لهفتها العارمة على حماية الطفل المسكين:
ـ ابعد بقولك.. ابعد!
وفي غمرة تركيزها الشديد على الكلب وهي تركض بخطوات واسعة نحوه بعد أن لاحظت تراجعه الخجول أمام جسارتها، لم تنتبه لتضاريس الأرض الترابية غير المستوية تحت قدميها؛ ففجأة شعرت بثقل جسدها يهوي على الأرض بعنف، والتوت قدمها التواءً مروعاً، والمصيبة الكبرى كانت في ذراعها التي نزلت بكامل كتلة الجسم عليها، لتسمع دوياً مرعباً لطكة في العظام أتبعتها بصيحة ألم مدوية شقت سكون الاجواء، تلتها صرخة فزعة ومذعورة من حمد وهو يراها تسقط أمامه:
ـ صابرين!
.........................

أمام مدخل الوحدة الصحية للقرية، توقفت سيارة سوداء فخمة، لينزل منها جاسم بخطوات متسارعة تكاد تسبق روحه نحو الباب الحديدي الكبير، ويلهث خلفه عزازي وهو ينادي بصوت عالٍ:
ـ براحة يا جاسم.. احنا خلاص داخلين، هدي رجلك شوي!
لكنه لم يعره أي انتباه، ومضى يقتحم المكان حتى وقف أمام أول موظف صادفه وسأله باقتضاب، فمد الأخير ذراعه ليشير له على طرقة جانبية معينة. على الفور، اندفع جاسم بخطوات واسعة حتى بلغ وجهته المنشودة.
في تلك اللحظة، كان شقيقه الأصغر حمد جالساً في حضن إحسان والدة صابرين، التي كانت تشهد الموقف بعينين يملؤهما القلق الشديد.
اقترب جاسم، وسأل بنبرة سعودية يتخللها هلع خفي وقلق بالغ:
ـ وش صار؟ علموني ايش اللي حصل؟!
وما إن رأى حمد شقيقه حتى هبّ من مكانه وارتمى في حضنه باكياً:
ـ أخوي.. الكلب كان يبغى ياكلني!
ضمه جاسم إليه بقوة، يمسح على شعره بحنان باحثاً عن الطمأنينة، بينما رنّت عيناه بقلق نحو إحسان التي تنهدت بوجل وقالت:
ـ قدر ولطف يا ولدي.. الحمد لله إن ربنا نجاه وسترها معاه.
وصل عزازي في تلك اللحظة، وتقدم بخطوات متذمرة يوجه كلامه إلى إحسان:
ـ ولما هو قدر ولطف يا ام منتصر، جيتوا بيه على الوحدة هنا ليه؟! كنتوا استنيتوا ثواني ناخده على دكتور في المحافظة يعمل له فحص كامل وشامل!
لفت إحسان وجهها عنه بسأم واضح، إذ لم تكن تمتلك طاقة للرد على فضوله، فبادر جاسم بالسؤال متجاهلاً عزازي تماماً:
ـ علم يا حمد.. الكلب قرب منك في أي حتة ولا هو تأثير الخضة بس؟
ـ لا يا أخوي، أنا زين وتمام.. ما فيني شي! رد بها حمد بسرعة، ثم أردف ببراءة طفل: ـ إحنا أصلاً هنا عشان صابرين!
برزت عينا جاسم فجأة، وتهدجت أنفاسه وهو يسأله بصوت مشدوه:
ـ مالها صابرين؟!
تبادل الحاضرون النظرات، قبل أن تتحدث إحسان بصوت متردد يملؤه الألم:
ـ ما هي صابرين هي اللي حاشت الكلب عن حمد. وقت ما كان عايز يهجم عليه، جريت بكل شجاعتها تبعده، بس رجلها التوت في الأرض ووقعت على دراعها وقعة شينة، والسامع سلامتك.. دراعها اتكسر!
ارتجف قلب جاسم بعنف عند سماع الكلمات، وشعر كأن صاعقة قد ضربت صدره. لم يعد يسمع شيئاً حوله؛ لا تذمر عزازي ولا همس المتواجدين، بل اشتعلت في عينيه نظرة عارمة باللهفة والخوف، ليرفع بصره نحوهم بحزم:
ـ وينها الحين؟ بأي غرفة؟
.................

مرت لحظات الانتظار ثقيلة كأنها دهور، إلى أن انفتح الباب القريب فجأة ليخرج منه في البداية امرأة لا يعرفها جاسم تحمل في يدها أدوات وأشعة، تلاها ظهور منتصر وهو يسند أخته التي بدا واضحاً أنها تعرج بوضوح، فضلاً عن ذراعها التي جُبّرت بالكامل، بينما غطى الإرهاق والعرق وجهها المتعب.

​أسرعت إحسان نحوها لتساعد ابنها في إسنادها من الجانب الآخر، بينما هرول حمد وراءها يلح عليها بغباء طفولي أن يحملها بين ذراعيه.

​تقدم جاسم بخطوات واسعة ونبرة يملؤها القلق:

ـ سلامتك يا أخت صابرين.. طمني يا منتصر، وش صاير؟

​سمعه الأخير فأشار برأسه لينتظر حتى أجلسها على أحد مقاعد الانتظار، بينما وقفت والدتها تحميها بحضورها، ثم تحدث منتصر بصوت لاهث متعب:

ـ الحمد لله، الرجل مجرد التواء هيروح مع الوقت والأدوية، أما الذراع فنحمد ربنا أنها جات على كسر عادي، الدكتور قام بالواجب وعلى الله الشفا إن شاء الله.

​نظر إليها جاسم بقلب يخفق هلعاً وعيناه لا تفارقان وجهها:

ـ بس شكلها تعبان بالحيل يا أخوي منتصر!

​رد منتصر بابتسامة خالية من أي مرح:

ـ ما دا شيء طبيعي.. أصله رد لها الكسر، ورغم أنها أخذت بنج موضعي إلا أن الألم طبعا كان رهيب.

​ـ يا الله!

​نطقها جاسم وسقط جالساً على ركبتيه بتأثر شديد، بينما اقترب منه حمد الصغير بندم عميق وهو يكاد يتباكى:

ـ أنا آسف يا صابرين.. لولا غبائي ما كان صار فيك كل هذا.

​أومأت له بعينيها ترفع أصابعها بصعوبة لتحييه بابتسامة مجهدة تطمئنه بها، الأمر الذي زاد من حيرة جاسم الذي عجز عن استيعاب كيف أن هذا الملاك الجالسة أمامه ينطبق عليه ذلك الكلام السميق الذي ألقاه عزازي على مسامعه أمس وسود به ليله بالتفكير. فلم يملك سوى الصمت ليتماسك أعصابه قليلاً.

​في تلك اللحظة، تقدم عزازي محاولاً فرض نفسه وتقديم اقتراحات يستعرض بها:

ـ سلامتك يا صابرين، بس أنا برضك شايفكم غلطانين.. كان لازم تروحوا بها على المحافظة وعلى طوارئ مستشفى الجامعة كانوا لحقوها، إنما هنا في الوحدة.. ليه مش قادرين على علاجها؟

​نظر إليه منتصر بغضب شديد، بينما تضاعف القلق في صدر جاسم:

ـ صح.. ليه ما بلغتونا يا منتصر؟ كنا رحنا بها بالعربية!

​تدخلت نهلا التي كانت صامتة طوال الوقت ونطقت بعصبية واضحة:

ـ أنا آسفة ليكم يا جماعة، بس محدش يعني هيبقى يخاف عليها أكثر من أخوها.. منتصر ولد خالي عنده ثقة كاملة في الدكتور حمدي، لأنه صاحبه ولأنه اتعامل معه كثير، وحكاية ما بلغناكمش معلش يعني، هو إحنا كنا في إيه ولا إيه؟! نلم البنية اللي انكسرت ونجري بها ولا نتصل وندي تقرير؟ دا كويس خالص إننا رنينا على رقم عزازي نبلغكم بمكان الولد عشان تيجوا تاخدوه والله، ولولا تشديد صابرين كمان في عز تعبها أننا نبلغكم تطمنوا عليه ولا كنا هنفتكر!

​أفحمت كلماتها العصبية عزازي تماماً، وألقت في قلب جاسم شعوراً جارفاً بالذنب والندم، فالتفت إليها ولمنتصر قائلاً بنبرة صادقة:

ـ أنا آسف يا أخت...

ـ نهلا، بنت خال صابرين ومنتصر.

ـ اعذريني يا أخت نهلا، أنا كنت أتكلم من باب الخوف مو أكثر.. وأنت يا منتصر، بارك الله فيك، راجل ومن ضهر رجال، أما صابرين...

​وقف عند اسمها ملياً، مطيلاً النظر ليغوص بعينيه في عينيها مباشرة:

ـ أنتِ وش أقول عنك يا بنت الناس! والله جميلك هذا على راس من فوق، وبيظل مطوق رقبتي مهما قدمت وحاولت أرد لك إياه.. وإن كان أخوك بن رجال، فأنتِ ست الدنيا كلها.

​مشاعر الإكبار، والإعجاب، والوله، والارتياح، كلها كانت تنضح من عينيه نحوها أمام الجميع بلا خجل، لتشعل نيران الغيظ والحقد في رأس عزازي الذي عجز تماماً في تلك اللحظة عن التفوه بحرف واحد يوقفه به. أما البقية فقد تقبلوا اعتذاره وتبادلوا الحديث معه حول الواقعة وكيف أنقذوا الموقف، حتى ظهر الطبيب فجأة وهو يبتسم لها ويداعبها بخفة:

ـ إيه يا قمرنا، عاملة إيه دلوقتي؟

​كان جاسم معطياً ظهره، لكنه ما إن سمع ذلك الغزل المبتذل حتى التفت بحدة إلى الدكتور الشاب وكان وجهه مربداً غضباً، فكتم غيظه بالعافية ليتابع ردها بصوت تعب يقطر برقة عفوية لم تقصده لكنه لامس قلبه:

ـ الحمد لله يا دكتور، أحسن من الأول.

​ضحك الطبيب والتفت نحو منتصر:

ـ اللي يشوفها وهي هادئة دلوقتي ما يشوفهاش وهي عايزة تمسك في رقبتي جوة!

ـ يا عم من الألم، الله يكون في عونها!

قالها منتصر بتفهم قبل أن يناوله الطبيب ورقة:

ـ دي روشتة العلاج اللي هتجيبوها من الصيدلية ومعاها كل التعليمات، تقدروا تروحوا بها.

​أومأ له منتصر وكاد أن يتحرك، لكن الطبيب التفت فجأة نحو صابرين وقال:

ـ تلفوني معك.. لو حسيتي بألم مستمر أو احتجتني في أي وقت اتصل بي وأنا هرد عليك على طول، ماشي؟ إياك تترددي!

​هزت رأسها بهدوء، وما إن تحرك الطبيب ليغادر حتى انتفض جاسم ووجهه مسود تماماً كالليل:

ـ خلاص بالله خليني نروح بها، مو هو أمر لها بانصراف؟

​رد منتصر بتردد:

ـ أيوه.. بس إحنا مكلفين تاكسي وزمانه...

ـ تكلفوا تاكسي والسيارة موجودة!

قاطعه جاسم بجدية حازمة أفزعته وأخافت الباقين، قبل أن يصدر أمره الذي لا يقبل الجدال:

ـ سندها وخلينا نمشي بها، مو ناقصين عطلة ولا عاجبك جو المستشفيات!

​شعر منتصر كأن الرجل قد مسه جنون مفاجئ، فلم يجرؤ على معارضته، واضطر لإسناد أخته المصدومة بمعاونة نهلا، ليتبعوا جاسم الذي سبقهما بخطوات غاضبة، حتى استوقفه عزازي بصوت متذمر:

ـ بس أنا كدة هقعد فين؟

​نظر اليه جاسم بنظرة مليئة بالغيظ والازدراء:

ـ خديها مشي ولا اركب التاكسي اللي هم جايبينه يا عزازي.. أما عجائب والله!

​وقف عزازي مكانه في ذهول تام وعدم استيعاب؛ فهذه هي المرة الأولى التي يعامله فيها بهذه الجفوة والقلة ذوق، وكيف يتعصب عليه بلا سبب واضح! راقبه وهو يركب السيارة ويأخذ صابرين وعائلتها وشقيقه معه، دون أن يكلف نفسه حتى عناء الالتفات إليه أو سؤاله عما إذا كان قد أغضبه في شيء!

تعليقات