رواية وهم السنة الواحدة الفصل الرابع بقلم سلسبيل احمد
صحابك جايين بعد ساعة و البيت مكركب وشنط السفر مرمية في الصالة؟!"
— "أنا عارف إن الموقف بايخ، ولو حابة أعتذر لهم وأقولهم إنك تعبانة..." (قالها بنبرة حنينة ).
بس أنا قطعت كلامه فوراً..
أخدت نفس عميق ورجعت كتفي لورا.
المرة دي"عزومة صحابك ي يوسف"..
وأنا مش هسيب جوزي يتبهدل قدام أصحابه أو يبان إن بيته مش مظبوط!
قلت له بنبرة حاسمة :
— "تعتذر لمين يا بشمهندس؟!
اتلم يا يوسف وشيل معايا الشنط دي بسرعة..
قدامنا خمسين دقيقة نرجع فيها الشقة دي عروسة زي ما كانت!"
يوسف بصلي بذهول، وعيونه نورت بلمعة امتنان ودفء مش طبيعية:
— "أنتِ بتتكلمي جد يا حفصة؟"
— "أومال بهزر؟!
يلا دخل الشنط جوة، وأنا هعمل الشاي والقهوة وأظبط الصالة!"
اشتغلنا سوا زي فريق عمل متناغم بقاله سنين شغال مع بعض!
يوسف يشيل الشنط ويدخلها، وأنا أمسح الترابيزة وأعدل المفارش.
هو يعمل العصاير السريعة في المطبخ، وأنا أرص الكبايات وأحط الحلو اللي جيبناه من إسكندرية في أطباق كريستال شيك.
في عز المعمعة والجرْي، اتخبطنا في بعض عند باب المطبخ..
مسكني من وسطي بالراحة عشان ما أقعش، وبص في عيني وهو بينهج وبيبتسم:
— "أنا محظوظ بيكِ جداً على فكرة.."
وشي احمرّ، وجريت على الصالة وأنا بداري ابتسامتي.
وبعد أربعين دقيقة بالظبط..
جرس الباب رن!
دخلوا أصحابه، تلات شباب دمهم خفيف وصوتهم عالي وملايانين شقاوة. طارق، ومصطفى، وشريف ومرات مصطفي ومرات طارق .
أول ما دخلوا، الصالة اتملت ضحك وهزار.
طارق بص ليوسف وقال بصوت عالي:
— "إيه يا عريس!
يعني بقى لنا شهر بنترجاك نشوفك وأنت حابس نفسك هنا؟
مرات مصطفي (منه) أمال فين المدام اللي غيرتك كده؟"
خرجت من المطبخ وأنا لابسة دريس بيبي بلو رقيق وطرحه بيضا، وشايلة صينية العصير الرائقة، وقلت بابتسامة واثقة ودافية:
— "أهلاً وسهلاً بيكوا.. نورتوا بيتكم يا جماعة."
أصحابه اتخرسوا فجأة وقاموا وقفوا باحترام هائل.
مريم (مرات طارق) بصت ليوسف وقالت بذهول:
— "يا بني ده أنت طلعت بتعرف تنقي صح!
ماشاء الله.. منوره ي حببتي بوجودك. وجيت سلمت عليا هياا ومنه بالاحضان "
قعدوا، وطول القعدة يوسف كان بيعاملني بملكِيّة ودفء حقيقي مش تمثيل!
لما أجي أقدم حاجة، يقوم وياخدها من إيدي ولما يلاقي منه ومريم مش مبطلين رغي يقول
"حفصة تعبت امبارح في السفر ما تضغطوش عليها كفاايه اكلتو ودنها "
قعدنا نضحك ونهزر بجدد يعني اليوم كان لذيذ جداا
ومريم ومنه دمهم خفيف
بجدد حبيتهم اوي
لما أصحاب يوسف مشيوا بالليل، قفلنا الباب.
الصالة كانت فاضية، ويوسف جه وقف قصادي تماماً، قلع ساعته، ورفع عينه وبصلي بنبرة رجولية دافية هزت كياني:
— "حفصة.. اللي عملتيه النهاردة معايا قدام أصحابي، وقفك جنبي وسندك ليا..."
قربت منه خطوة صغيرة، ورفعت عيني في عينه وقلت له بثبات ورقة:
— "ده بيتك يا يوسف.. وأنا مش بمثل.. أنا كنت عايزة أرفع راسك بجد."
يوسف بصلّي لحظة، وعينيه كانت ثابتة في عيني بتركيز غريب..
تركيز خلّى الهواء يهرب من الصالة كأننا فجأة بقينا في عالم تاني.
حسيت بلمسة صوابعه الهادية على شعري وباس راسي زي التيار الدافئ اللي مشي في كل عرق فيا.
دقات قلبي كانت عالية أوي لدرجة إني خفت يكون سامعها.
كبريائي اللي كنت متسلحة بيه من أول يوم، والجدار التقيل اللي بنيته بيني وبينه عشان أحمي نفسي، كان بيتهاوى قدام عينيا بالبطيء..
وبإرادتي الكاملة!
يوسف نزل إيده بالراحة من على شعري، بس ما بعدش..
فضل واقف قصادي، قريب لدرجة إني شايفه لمعة النور في عينيه ونبرة صوته لما قال بصوت واطي ومحدود:
— "البيت ده بيتك يا حفصة.. وأنا مش محتاج منك تمثيل أو مجاملة. وجودك جنبي هو اللي بيخلي المكان ده بيت بجد."
سكتت..
اللسان اللي بيترجم آلاف الكلمات في اليوم وقف تماماً ومش عارف يجمع جملة واحدة.
يوسف ابتسم ابتسامة خفيفة ورايقة، وحط إيده في جيبه وهو بياخد نفس طويل كأنه بيبعد التوتر عننا:
— "ادخلي نامي يا حفصة..
الأسبوع ده كان طويل ومجهد عليكِ، وبكره عندك شغل ورواية جديدة محتاجة تركيز."
هزيت رأسي بهدوء، ومشت ناحية الممر بخطوات بطيئة.
قبل ما أدخل أوضتي، لَفّيت وشي وبصيت له وهو رايح ناحية الصالة يطفي الأنوار..
وحسيت لأول مرة إن الشقة دي ما بقيتش مكان محبوسة فيه بعقد مدته سنة، بقت المكان الوحيد اللي بكون فيه على طبيعتي وبحس فيه بالراحة.
________
تاني يوم
الساعة كانت عدّت اتنين بعد نص الليل.
البيت كان ساكت خالص، ويوسف كان قاعد في الصالة لابس بنطلون ترينج كحلي وتيشيرت رمادي خفيف، فتح اللاب توب بتاعه وبيراجع رسومات هندسية لمشروع جديد.
وأنا كنت قاعدة قصاده على السفرة، لابسة بيجامة قطن واسعة، وشعري لمّاه بكليبس خفيف فوق راسي، وسرحانة في ترجمة صفحة معقدة.
وفجأة..
سمعت صوت مية جاي من المطبخ!
رفعنا راسنا الاتنين في نفس اللحظة..
بصيت ليوسف بشك:
— "يوسف..
هو إيه الصوت ده؟
أنت نسيت حنفية مفتوحة ولا إيه؟"
يوسف حط القلم من إيده وقام بسرعة:
— "لا حنفية إيه.. استني أما أشوف."
مشيت وراه ببطء على أطراف صوابعي..
وأول ما يوسف فتح باب المطبخ، وقف متسمر مكانه، وأنا صرخت صرخة مكتومة وحطيت إيدي على بوقي من الهول!
أرضية المطبخ كانت عبارة عن بحيرة مية متجمعة، والمية بدأت تخرج ببطء لتسحب السجاد بتاع الممر!
المصدر كان ماسورة المية اللي تحت حوض المطبخ، المية طالعة منها بنشاط غريب وكأنها نافورة صغيرة!
يوسف ضرب كف بكف، وشمر أكمام التيشيرت بتاعه بسرعة وقرب بجرأة:
— "نهارك مش عدل! الماسورة اتفكت من المفصلة.. هاتيلي المفتاح الفرنساوي بسرعة يا حفصة من صندوق العدة اللي في الممر!"
جريت جبت صندوق العدة، ووقفت عند باب المطبخ خايفة أدخل برجلي في المية الباردة. يوسف وطى بجسمه تحت الحوض، وبدأ يضغط بالمفتاح على الماسورة عشان يقفلها..
وفجأة.. بَخّّّّ!
الماسورة ضربت في وش يوسف مباشرة بضخ مية كاسح!
المية غرق شعره،
وشه،
وتيشيرته بالكامل في ثانية واحدة!
يوسف غمض عينيه بسرعة وهو بينهج والمية نازلة من رموشه ، وشكله بقى يضحك من كتر ما هو مبلول ومصدوم من الحركة!
أنا ما قدرتش أمسك نفسي..
الضحكة انفجرت مني بصوت عالي جداً!
مسكت في ايد الباب وأنا بضحك من شكل يوسف وذهوله، ودموعي نزلت من كتر الضحك!
يوسف مسح المية من على وشة بكف إيده، ولَفّ وشة ليّ، وبصلي بنظرة حادة وعصبية متصنعة وهو بيرفع حواجبه، بس عينيه كان فيها غيظ طفولي يموت من الضحك:
— .. بطلي ضحك يا حفصة!
بطلي ضحك أنا بتكلم جد ورجلي غرقانة، أنتِ واقفة تضحكي عليا بدل ما تجيبيلي الفوطة؟!"
زدت في الضحك أكتر، وشاورت عليه بإيدي اللي بتترعش:
— "مش قادرة يا يوسف!
شكلك..
شكلك عامل زي الكتكوت المبلول ..
يوسف اتنفس بغيظ متصنع، ومسك مفتاح المحبس الرئيسي اللي تحت الحوض بعصبية، ولَفّه بكل قوته..
وفي ثانية، صوت الميه هدي، والمية قطعت تماماً.
قفل المحبس، وساب المفتاح من إيده، واترمى بقعدته على الأرض المبلولة في نص المطبخ، وسند ظهره على التقفيلة الخشب وهو بينهج وشعره بينزل نقط مية على التيشيرت الرمادي اللي بقى لونه أسود من المية.
بصلي وهو قاعد في نص المية، ولما شافني لسة بضحك ومسكة بطني، ما قدرش يمسك نفسه.. وضحك!
ضحكته الصافية اللي من القلب طلعت وهزت المطبخ الهادي، وقال وهو بيهز رأسه بقلة حيلة:
— "طب تعالي بقى اضحكي وأنتِ قاعدة جنبي هنا..
بدال ما أنتِ متفرجة كده!"
ومد إيده بالراحة في بحيرة المية اللي على الأرض، ورش عليّ رشة مية بإيده!
المية الباردة جات على رجلي وبيجامتي.. شهقت بصوت عالي:
— "يوسف!
أنت بتغرّقني؟!
ده أنا لسة مغيره هدومي!"
ـ "عشان تتريقي تاني على البشمهندس!" (قالها بابتسامة شقية ورايقة وهو بيرش رشة تانية).
دخلت المطبخ بحماس، وقلت بتحدي:
— "ماشية يا يوسف.. الحرب بدأت!"
وطيت وجبت مية بإيديا الاتنين ورشيتها على وشة..
والجو اتقلب لمعركة مية لطيفة وضحك مجنون بيننا في نص الليل، غرقنا إحنا الاتنين ومسحنا كل رسميات الحدود اللي كانت باقيّة بيننا!
وبعد ما هدينا خالص، قعدنا إحنا الاتنين على الأرض المبلولة، ضهرنا لسند التقفيلة، وبننهج من كتر الضحك والتعب.
يوسف بصلي بنظرة دافية أوي وهو بيمسح نقطة مية من على خدّي، وقال بصوت هادي وناعم:
— "بس الشقة شكلها بقى كوارثي يا مدام حفصة.. القعدة دي وراها مسح وشيل سجاد للصبح."
قلت وأنا ببتسم وببص لأرضية المطبخ:
— "ولا يهمك.. هنمسحها سوا."
قمت بالراحة عشان أجيب المساحة والفوط الكبيرة من الممر..
بس نسيت إن الأرضية سيراميك مبلول
وفيها صابون خفيف من تحت الحوض!
أول ما حطيت رجلي وركزت عليها..
رجلي اتزحلقت بقوة!
— "يوساااف!"
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
