رواية بصمات جثة الفصل الرابع والاخير بقلم محمود الأمين
البدروم كان أشبه بسجن.. في باب حديد بعد ما بنزل السلم على طول، مقفول على واحد جوه نايم على الأرض وجسمه مليان كدمات، ولما حاولت أتكلم معاه، رفع راسه بالعافية، وساعتها اكتشفنا إن الشخص ده يبقى زياد. واضح إنه اتبهدل على الآخر.
طلعت مسدسي وضربت طلقة على القفل، ودخلت، والريحة جوه كانت صعبة شوية.. أخدت بالي إن في سرير موجود ومحاليل وكرسي متحرك، مكنتش فاهم بيعملوا إيه هنا بصراحة.. ولكن قربت من زياد اللي كان قاعد على الأرض وبياخد نفسه بالعافية، وقلتله:
_ أنت كويس.. مين اللي عمل فيك كده؟!
كان مش قادر يتكلم. طلبنا الإسعاف وتكون عربية مجهزة عشان نتحرك بيه بسرعة على المستشفى، ورجالة المعمل الجنائي وصلت للمكان، وبدأت ترفع البصمات من كل حتة في البدروم، وأنا متأكد إن البصمات اللي هنا هي بصمات عامر. وبعد ما خلصت، خرجنا من البيت اللي اتفحم حرفيًا، وطلعت على المستشفى عشان أتكلم مع زياد وأفهم منه الحقيقة كلها.. ولما وصلنا هناك، عرفنا من الدكتور إن زياد اتعرض لضرب مبرح ولفترة كبيرة، ده غير إنه كان مش بياكل، وكان عايش على الميه وبس.
ورغم سوء الحالة دي، إلا إنه قادر يتكلم، وممكن أدخل أتكلم معاه. وفعلاً دخلت الأوضة وقعدت معاه، وبدأ يتكلم وقال:
_ عامر هيهرب، لازم تقبضوا عليه.
= عامر مات يا زياد.. جثته موجودة في القبر من شهرين، وأنت بنفسك حاضر الدفنة والعزا، أنت ناسي ولا إيه؟
_ لا، لسه عايش. هو حكالي الحقيقة كلها.. اللي مات ده يبقى سليم، أخوه التوأم. الموضوع بدأ لما محفوظ عمه نصب على أبوه، وبيعه اللي وراه واللي قدامه، وخلاه خد مراته وسافر بيها على دولة عربية. وساعتها مدام حنان، والدته، كانت حامل فيه، بس لما جه وقت الولادة، مدام حنان خلفت اتنين: عامر وسليم.
عامر ما كانش عنده أي مشاكل صحية، لكن سليم كان مولود وعنده مشكلة في الحركة والكلام، وطبعًا هما اكتشفوا مشكلة الكلام دي لما كبر.. وعاشوا الاتنين وكبروا مع بعض، بس واحد كان قادر يتحرك ويلعب زي أي طفل، والتاني قاعد بيتفرج عليه، ولا حتى قادر يتكلم.
ورغم كده، اللي كان بيتعامل كويس أكتر هو سليم. كان الاهتمام بيه زيادة عن عامر، ودي حاجة ممكن تضايق أي عيل صغير وتعمله عقدة، وده اللي حصل فعلًا مع عامر، اللي لما ماتت والدته أهمل في رعاية أخوه.
وبعدها قرر يتجوز، فكلمني أنا عشان أشوف عروسة. أقرب صاحب ليه، واللي كان معاه معظم الوقت في الدولة العربية اللي كان عايش فيها، بس أنا اخترت إني أرجع مصر من بدري. ساعتها أنا كان عندي مصيبة ياسمين، اللي غلطت معاها غصب عني. كنت مش في وعيي، وهي كانت بتهددني إني لو متجوزتهاش هتفضحني عند أهلي وفي الشغل وفي كل مكان، وإن الفضيحة مش فارقة معاها.. وما لقيتش قدامي وقتها غير عامر اللي ألبسه الموضوع. واقتنعتها، وهي وافقت عشان كل اللي كان فارق معاها إن حد يسترها، وساعتها عملت عملية عشان ترجع بنت، واتجوزها عامر ورجع سافر بيها تاني على الدولة العربية، لحد ما حصلت مشاكل في الإقامة هناك، فنزل بيها على مصر هي وبنتي ملك. آه، ملك بنتي مش بنت عامر، بس رجع معاه أخوه سليم، وعشان هو كان بيعامله وحش، عاشوا في بدروم بيت، وخلى واحدة هي اللي تروح تساعده، واللي عرفت بعد كده إن اسمها هالة، وكان منبه عليها إنها متجيبش سيرة الموضوع ده لأي حد.
وعرفت من عامر وقتها إنه ناوي ينتقم من محفوظ عمه اللي نصب على أبوه، بس ما كنتش عارف هينتقم منه إزاي؟!.. وفي نفس الوقت ده، تيجي فرصة عمل في الخارج كويسة أوي لعامر، بس بيكونوا طالبين فيها تحاليل شاملة عشان الشخص يتقبل، ومن خلال التحاليل دي بيعرف عامر إنه عقيم ومش بيخلف.. بيعرف السر اللي استخبى عنه سنين، وإن ملك مش بنته.
وطبعًا وقتها بيكون هيتجنن، ومن غير ما يفكر كتير، هو بيشك فيا عشان أنا اللي جوزته ياسمين أصلًا. ولكن فجأة عامر بيظهر عليه تعب مش طبيعي، ولما بيروح يكشف، بيتقال إن أجهزة الجسم كلها بتنهار، ولكن في الحقيقة إن التحاليل دي كانت مزورة، أو نقدر نقول إنها التحاليل بتاعة أخوه سليم، اللي بدأ يحقنه بمواد سامة بتعمل انهيار في أجهزة الجسم.
وإن كل اللي كان بيعمله قدامنا ده تمثيلية؛ هو يتعب وبعدين يختفي، واللي يظهر مكانه في السرير أخوه اللي كان نسخة طبق الأصل منه، واللي كان خلاص بيموت. وفعلاً، ما فيش يومين وسليم مات، بس الناس كلها كانت فاكرة إن ده عامر، واللي كان يعرف الحقيقة وقتها هي هالة.
بس مراته كانت شاكّة إن ده مش عامر، واتصلت بيا وبلغتني بكده، بس أنا وقتها ما صدقتهاش، واقتنعت إن عامر مات والموضوع انتهى، لحد ما ياسمين وبنتها اتقتلوا.
وساعتها عرفت إن الموضوع فيه حاجة غلط.. واللي زاد وغطى اللي حصل لهالة. كنت بحاول أقنع نفسي إن الكلام اللي في دماغي ده مش حقيقي، لحد ما اتفاجئت بزيارة من عامر ليا.. يومها كنت راجع من الشغل تعبان، وفتحت باب الشقة عشان أتفاجئ بعامر قاعد جوه. قرب مني، وأنا كنت واقف مذهول، واتكلم وقال: وحشتني يا صاحبي. وقرب مني وحضني، بس مرة واحدة لقيت نفسي بتحقن بحقنة، ومحستش بنفسي غير وأنا في البدروم، وعظم جسمي كله كان مكسر..
كل يوم كان بيضربني وبيلومني على اللي عملته فيه، وحكى كل حاجة عملها. اعترف إن هو اللي ق. تل مراته وملك، واعترف إن هو اللي ق. تل هالة الشغالة، وإن هو اللي ق. تل عمه محفوظ، وكل ده باستخدام مواد سامة بتعمل انهيار في أجهزة الجسم. لكن اللي ق. تلهم بسكينة هي مراته وملك، كان عاوز ياسمين تحس بألم كل طعنة داخلة جسمها، وعشان العقدة النفسية اللي عنده، ما همهوش إن ملك بنت صغيرة، وخلص عليها هي كمان.
وآخر حاجة قالها إنه مسافر خلاص، ولقيته ماسك جركن بنزين وبيولع في البيت كله. ما سابش غير البدروم، وقال إن النار هتوصلي، وإن ده العقاب اللي أنا أستاهله.
...
خلص زياد كلامه أو الفيلم اللي عايش فيه، وعرفت من زياد إن من الحاجات المهمة اللي قالهاله إنه مسافر بباسبور باسم عزيز سليمان. وساعتها اتبلغت جميع المطارات والمواني والكماين بالقبض على أي شخص بنفس الاسم، وتم توزيع صورة عامر على كل الأماكن.. واتأكدنا إنه مسافرش، وإنه لسه موجود في مصر.
وأثناء محاولته السفر من المطار، اتقبض عليه، وفي القسم رفض يعترف بأي حاجة وفضل ساكت، فدخلته الحجز عشان بكرة يتعرض على النيابة. بس تاني يوم الصبح دخلنا عليه الحجز، لقيناه مشنوق. هو اللي عمل في نفسه كده، وكان كاتب على الحيطة:
«لسه بشوف سليم وملك، أرواح ما كانش ليها دعوة بالانتقام، وأنا قررت تكون دي النهاية عشان مش قادر أستحمل أكتر من كده».
مات عامر بعد معاناة، وكانت القضية دي هي أكتر قضية حيرتنا. ما اكتشفنا اللغز اللي فيها، وأنا اللي أطلقت على القضية دي اسم «بصمات جث. ة».
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
