رواية اسرار الماضي الفصل الخامس
مع حلول خيوط الفجر الأولى، كانت أضواء مطار القاهرة الدولي تتلألأ وسط حركة الطيران الدؤوبة. في صالة المغادرة رقم (2)، كان الدكتور "أنور مرسي" يقف في طابور الجوازات، يرتدي معطفاً ثقيلاً ونظارات سميكة، ويبدو عليه التوتر العارم. كان يمسك بحقيبة يده الصغيرة بيدين ترتجفان كلما أُعلن عن رحلة عبر مكبرات الصوت.
وفجأة، تقدم منه أربعة رجال في زي مدني، يتقدمهم النقيب حسام.
"دكتور أنور مرسي؟" سأل حسام بنبرة حازمة وهو يبرز هويته الشرطية.
تجمد الطبيب المتقاعد في مكانه، وسقطت بطاقة الصعود إلى الطائرة من يده. بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت خفيض:
"ما... ماذا هناك؟ أنا مسافر للعلاج في أثينا!"
"العلاج سينتظر قليلاً يا دكتور،" قال حسام وهو يشير لرجاله بتبعيته. "العقيد مراد الألفي بانتظارك في فندق اللوتس... وهناك الكثير من الحسابات القديمة والحديثة التي تحتاج إلى تصفية."
الاستجواب المعقد: اعترافات في دائرة الخطر
عقب ساعة واحدة، اقتيد الدكتور أنور إلى العلية الأمنية المؤقتة بالفندق. كان وجهه أصفر كالورق الخريف، وعيناه تنقلان الفزع بين أوراق القضية الملفوفة أمامه والعقيد مراد الذي كان يجلس بهدوء واضعاً يديه على الطاولة.
"التقرير البيولوجي المبدئي أثبت وجود مادة 'نيروتوكسين' في جسد نورهان الشاذلي يا دكتور،" بدأ مراد بصوت كالرعد الخافت. "وهي مادة طبية شديدة السمية، محظورة عالمياً، ولا يمكن الحصول عليها إلا عبر مستشفيات خاصة أو تصاريح أبحاث معتمدة... تصاريح مثل تلك التي تملكها بصفتك مستشاراً فارماكولوجياً سابقاً لمستشفى السلام!"
أجهش الطبيب العجوز بالبكاء ووضع يديه على وجهه:
"يا سيادة العقيد، أقسم لك بأغلى ما أملك... أنا لم أقتلها! أنا لم أضع السم لنورهان!"
"إذن كيف تفسر تحويل مبلغ نصف مليون جنيه إلى حسابك ليلة أمس من إحدى شركات طارق الزيني؟ وكيف تفسر بقايا المغلف الطبي المحترق في الطابق الثامن؟" سأل حسام بحدة.
ارتجف الطبيب وتنهد بعمق كأنما يفرغ شحنة ثقيلة من صدره:
"سأحكي لكم كل شيء... طارق الزيني اتصل بي قبل ثلاثة أيام في حالة هيستيرية. قال لي إن نورهان تملك تقارير طبية قديمة تدينه وتدين شريكه سيد متولي في حادثة شريف فهمي. طارق طلب مني العثور على طريقة لإبطال مفعول تلك التقارير، أو إعطائه عقاراً يسبب فقداناً مؤقتاً للذاكرة أو إرباكاً يمنعها من الكلام في حفل الزفاف!"
ساد الصمت الغرفة، فنظر إليه مراد بتمعن وسأل:
"وهل أعطيته المادة؟"
"نعم..." اعترف الدكتور أنور بصوت خفيض. "أعطيته أمبولة صغيرة من مادة مخدرة مشتقة من السموم العصبية المخففة. كانت تؤخذ كقطرات في العصير أو الماء، ومفعولها يبدأ بعد عشرين دقيقة: يسبب شللاً مؤقتاً في الأحبال الصوتية والعضلات دون أن يقتل! لكنني أقسم لكم أن الجرعة التي أعطيتها إياه لم تكن قاتلة بأي حال من الأحوال!"
"ومع من كانت هذه الأمبولة ليلة أمس؟" استفسر مراد بسرعة.
"سلمتها لـ طارق الزيني شخصياً في كافيه الفندق في تمام الساعة السادسة مساءً!"
لغز العصير المسموم
أُعيد طارق الزيني فوراً إلى غرفة التحقيق. لكن هذه المرة، لم يكن يملك ذلك القناع اللامع من الصلابة. كان يبدو كالمحاصر في زاوية ضيقة.
"القصة انتهت يا طارق،" قال مراد بثبات وهو يواجهه بتقرير المطار واعترافات الدكتور أنور. "نعلم أنك استلمت المادة المخدرة. ونعلم أنك صعدت إلى الجناح (804) قبل الجريمة. هل وضعت لها المخدر في المشروب؟"
ضرب طارق على الطاولة بيدين مرتجفتين وصاح:
"نعم! نعم وضعت لها القطرات في كاس العصير الطبيعي الذي طلبتْه قبل الحفل! أردت فقط أن تخلد للنوم أو تفقد قدرتها على التحدث أمام الصحفيين والمدعوين حتى تنتهي ليلة الزفاف ونحل الأمر بعيداً عن الإعلام! لكنني لم أقتلها! حين غادرت الجناح في الساعة السابعة والربع كانت تجلس على الأريكة تشكو من ثقل في لسانها ورغبة في النوم... كانت حية ترزق!"
"ومن دخل الجناح بعدك؟" سأل حسام بسرعة.
"لا أعرف! أقسم لكم لا أعرف!" أجاب طارق وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة. "لكنني عندما كنت نازلاً عبر السلالم الخلفية، رأيت نادين — شقيقتها الصغرى — تتسلل نحو الممر وهي تحمل حقيبة يدها الكبيرة وتتجه مباشرة نحو الجناح!"
السقوط في الفخ
تحولت الأنظار فوراً إلى نادين الشاذلي، التي كانت تحت الحراسة في إحدى الغرف المجاورة. حين دخل عليها مراد وحسام، كانت تجلس بجوار النافذة، تمسك بسلسلة ذهبية رفيعة وتحركها بحركة لا إرادية.
"نادين،" قال مراد بهدوء يحبس أنفاس المكان. "طارق الزيني اعترف بكامل تفاصيل المادة المخدرة. لكننا نعلم أن المادة لم تكن هي السبب المباشر للموت... الموت حدث بالخنق المتقن باستعمال الخيط الحريري."
رفعت نادين رأسها، وكانت عيناها جافتين تماماً من الدموع، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة غريبة:
"وهل تعتقدون أنني أنا من خنقها؟"
"حقيبتك الجلدية التي كنتِ تحملينها..." قال حسام وهو يضع على الطاولة حقيبة نادين التي تم التحفظ عليها. "فتشناها منذ قليل، ووجدنا في بطانتها الداخلية آثاراً زجاجية دقيقة لأمبولة فارغة... وأثر بقع من نفس السائل المخدر!"
احمرت عينا نادين، واهتز جسدها بحدة، ثم قالت بصوت مليء بالحقد والكره المكتوم:
"نورهان دمرت حياتنا جميعاً! دمرت عائلتنا حين باعت ضميرها ورضيت بالصمت عن مقتل خطيبها مقابل المال والشهرة! نورهان كانت تستحق الموت ألف مرة!"
"هل أنتِ من خنقها إذن؟" سأل مراد بتركيز شديد.
توقفت نادين عن الكلام فجأة، ونظرت إلى مراد بثبات مرعب وقالت.
"أنا ذهبت لأطرد شياطينها... ذهبت لأخذ المفكرة الحمراء منها لحماية نفسي ولثأر شاكر القديم. وعندما دخلت عليها، كانت عاجزة عن الحركة والحديث بسبب مخدر طارق... لكني لم أقتلها بيدي يا حضرة العقيد!"
"فمن كان يقف خلف الستار إذن؟" سأل حسام.
أجابت نادين بصوت هامس كالهمس الشيطاني:
"كان هناك شخص آخر بالداخل بالفعل... شخص لم تروه في أي تقرير، شخص يحمل مفتاحه الخاص للعبة بأكملها...
وسينفذ ضربته التالية قبل أن تشرق شمس الغد!"
وفي تلك اللحظة، رن هاتف مراد بشرارة إشعار عاجل من المعمل الجنائي:
"بصمات الخيط الحريري أظهرت تطابقاً كيميائياً مع شخص مفاجئ لم يكن في قائمة المشتبه بهم الرئيسية..."
