رواية ساعة الصفر الفصل الخامس 5 والاخير بقلم ملكة الروايات


 رواية ساعة الصفر الفصل الخامس والاخير 

العودة إلى الوطن
. تساقط الأوراق وعاصفة الانهيار
​في أعقاب حرب أكتوبر 1973، خيّم صمتٌ ثقيل ومشرع بالشكوك على الدوائر الأمنية والدبلوماسية في أوروبا. لم تكن الصدمة عسكرية على الجبهة فحسب، بل كانت زلزالاً ضرب أجهزة الاستخبارات المضادة. زادت التساؤلات الحادة حول كيفية شلل منظومة الاتصالات ومباغتة القوات المصرية للتحصينات بتلك الدقة الشديدة.

​بدأت حملة تطهير ومراجعة شاملة للوثائق والتسريبات. وكان أول الضحايا هو الجنرال المتقاعد "دانيال أورلوف"، الذي خضع لتحقيقات مطولة ومعتمة حول ثغرات أمنية مفترضة في وثائقه ومحيطه الاجتماعي.
​في تلك الأجواء المشحونة، التقى "ماركو بينتي" بإيلينا للمرة الأخيرة في صالون معتم بإحدى ضواحي بروكسل. كانت إيلينا تبدو كمن كَبُرت عشر سنوات في بضعة أسابيع؛ الهالات السوداء تحت عينيها، ونبرتها القاطعة غاب عنها الكبرياء القديم.

​قالت وهي تنظر إلى كاسها بجمود:
 "ماركو.. والدي قيد التحقيق الداخلي. هناك من سرب معلومات حاسمة تسببت في كارثة على الجبهة. المحققون يراجعون كل من دخل بيتنا، وكل من اقترب من أوراقنا خلال الأعوام الثلاثة الماضية.. بما فيهم أنت."
​لم تلتفت ملامح ماركو، بل وضع يده على يدها بلمسة حانية مشوبة بالتأثر العصبي المتقن:
 "إيلينا.. أنتِ تعلمين أنني مجرد تاجر تحف، لا أفهم في حروبكم هذه ولا أملك سوى حبي لكِ ولعائلتكِ. إن كانت إيطاليتي أو أصولي تسبب لكِ المتاعب، فسأنسحب فوراً من حياتكِ حتى تنجلي هذه العاصفة."

​نظرت إليه إيلينا بعينين ممتلئتين بالدموع والشك المفكك، وقالت بصوت متهدج:
 "لا أعلم يا ماركو.. أحياناً أشعر أنني لم أعرفك قط."
​كانت هذه الكلمات هي جرس الإنذار الأخير. أدرك "صقر" أن دائرته قد أُغلقت، وأن الاستمرار ليوم واحد إضافي يعني السقوط المحتوم.
​ الخطة "سندباد": الشبح في مياه نيس
​وصلت الرسالة المشفّرة من "المركز" في القاهرة، قاطعة ومبتورة:
​"الرمز: صقر

الإنذار الأحمر. أسلوب الخروج: الخطة (سندباد).
التنفيذ فوراً. عمر الجبالي يجب أن يعود."
​تقررت عملية إخفاء درامية تلغي وجود "ماركو بينتي" من السجلات الإنسانية إلى الأبد دون ترك جثة أو طرف خيط يوصل للشبكة المصرية.
​في منتصف نوفمبر1973، أعلن ماركو لأصدقائه ومساعده في المتجر أنه متوجه في رحلة استجمام وصيد يخوت على سواحل مدينة "نيس" الفرنسية لتخفيف ضغوط الأحداث الأخيرة. لكنه لم يعد وفقدو الامل في رجوعه للابد. 
رجوعه الي الماضي ووجوده بحي الجماليه مره اخري 
دون ان يعرف احد الي اين رحل ومن اين اتي. 

​في منتصف الثمانينيات، كانت القاهرة قد تغيرت صورتها كثيراً، لكن حارة الجمالية ظلت على عهدها القديم؛ تتنفس التاريخ وتتزين في المساء بضوء الفوانيس الخافت ورائحة الشاي بالنعناع.

​كان "عمر الجبالي" قد قارب على الخمسين من عمره، يمارس حياته بشبه عزلة اختيارية، يترجم المخطوطات والكتب النادرة لدار نشر بالقرب من خان الخليلي. أصبح لدى أهل الحارة "الأستاذ عمر"، الرجل الوقور، الهادئ، صاحب الملامح الأوروبية والشعر الأبيض الذي لا تفارقه ابتسامة لطيفة، ولا يعلم أحد عن ماضيه سوى أنه كان مغترباً في أوروبا لسنوات طويلة.

​في أحد أيام الخريف الشاحبة، وبينما كان عمر يطالع أحد الفهارس القديمة في مكتبه الملحق بالدار، دخل عليه شاب في أواخر العشرينيات، يحمل حقيبة جلديّة عتيقة، وتبدو على وجهه علامات التردد.
​وقف الشاب أمامه، وقال بنبرة حذرة:
 "حضرتك الأستاذ عمر الجبالي؟"
​رفع عمر عينيه الحادتين اللتين لم تفقداني بريقهما، ورد بهدوء:

 "نعم يا بني.. تفضل. أي خدمة؟"
​أخرج الشاب من حقيبته علبة خشبية صغيرة ملفوفة بقماش مخملي داكن، ووضعها على الطاولة أمام عمر، ثم قال بصوت خفيض:
 "أنا اسمي دانيال الصغير.. ابن إيلينا. والدتي تُوفيت قبل ستة أشهر في بروكسل، وقبل أن ترحل، تركت لي هذه العلبة ووصية واحدة: أن أبحث عن تاجر تحف مصري يدعى عمر الجبالي في القاهرة، وأسلمها له يداً بيد."

​ الرقعة الأخيرة في اللعبة

​توقفت أجهزة العالم في رأس عمر لثوانٍ. ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة، لم يقطعه إلا صوت أنفاس الشاب المتسارعة.
​بأصابع ثابته خاضت عشرات المهارات القاتلة، فتح عمر العلبة الخشبية. لم تكن هناك رسالة، ولا شفرة، بل كانت "القطعة الصليبية الذهبية المرصعة بالياقوت" — نفس القطعة النادرة التي اشتراها والده "دانيال الكبير" من متجره في روما قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، والتي كانت بداية الخيط الذي قاده إلى قلب الحصون.

​رفقاً بالقطعة، وجد عمر ورقة صغيرة مطوية بخط يد إيلينا المجهد، كُتبت بالإيطالية قبل رحيلها بأيام:
​"إلى ماركو.. أو عمر..
لم أعد أغضب منك، ولم يعد أبي يكرهك بعد أن انجلت غبار الحرب وأدركنا الحقيقة. لقد لعبت دورك بأعلى درجات النبل، وكنا نحن مجرد فصول في قصتك الوطنية.
هذه القطعة لا تنتمي لعالمنا ولا لروما.. إنها تنتمي إلى المكان الذي احتفظت بحبه في قلبك طوال سنوات كذبك الجميل.
وداعاً يا صقر."

​أغمض عمر عينيه، وضغط على القطعة الذهبية بكلتا يديه. لم يتكلم، ولكن الدموع التي حبسها طوال تلك السنوات الان سابت حارة على وجنتيه. أدرك في تلك اللحظة أن خصومه لم يعتبروه خائناً أو مجرماً، بل احترموا فيه "الرجل الذي أحب بلده أكثر من أي شيء آخر".
​التفت عمر إلى الشاب وقال بنبرة ملؤها الوقار:
 "والدتك كانت امرأة عظيمة وذكية جداً يا بني.. شكراً لأنك أديت الأمانة."

​رسالة إلى المستقبل
​بعد تلك الليلة بأيام، استشعر عمر أن دائرته في هذه الحياة قد اكتملت.
​طلب لقاء سرياً استثنائياً في جهاز المخابرات العامة بالقاهرة. وفي نفس الغرفة القديمة التي التقى فيها بالعميد فاروق قبل عقدين من الزمان، التقى بضابط شاب جديد أُسندت إليه إدارة أرشيف العمليات التاريخية.
​أخرج عمر الوسام من صندوقه المخملي، والقطعة الذهبية، ومذكرات صغيرة كان قد دون فيها انطباعاته النفسية دون أن يذكر اسماً أو موقعاً حيوياً.

​قال عمر للضابط الشاب الذي كان ينظر إليه بإجلال شديد:
 "هذه المذكرات ليست لي، ولا الوسام لي.. هذه ملك الشبان الذين سيمشون في هذه الشوارع بعد سنوات طويلة دون أن يعرفوا لماذا تنعم بلادهم بالأمان. أودعها في الأرشيف مغلقة، ولا تفتحوها إلا عندما تحتاجون لتذكير أحدهم بمعنى أن تموت ليعيش وطنك."

​رد الضابط وهو يقف ويؤدي التحية العسكرية لعمر:
 "ستظل قصتك يا فندم محفورة في الوجدان، حتى وإن لم تُكتب في كتب التاريخ المدرسية."
ابتسم عمر وقال الان اتممت رسالتي. 

تمت بحمد الله 

تعليقات