رواية نقطة عمياء الفصل الخامس 5 بقلم منة احمد

 

رواية نقطة عمياء الفصل الخامس بقلم منة احمد



راندا، وهي بتعيط: أنا حامل يا معتز... والله حامل منك.
معتز فضل باصصلها بصدمة، قبل ما ملامحه تتقلب لضيق وغضب وقالت بحدة: مش إنتي اللي قولتي إنك مش عايزة عيال مني؟!
راندا، وسط شهقاتها: أنا مكنتش أعرف إني حامل وقتها... عرفت بعدين، والله ما كنت أعرف!
ضحك معتز بسخرية، وهز راسه كأنه مش مصدق إنها لسه بتحاول تقنعه : غريبة! كل ما تلاقي نفسك في زنقة، تطلعيلي بحكاية جديدة.
قربت منه ومسكت إيده برجاء، والدموع مغرقة وشها: والنبي صدقني! أنا مش بكدب عليك... متسبنيش يا معتز، أنا عارفة إني غلطت، بس اديني فرصة!
سحب إيده منها بقرف، وبصلها بنظرة خلتها تتراجع مكانها.
وقال بغضب بارد: إنتي بالنسبالي خلصتي. والعيل ده، سواء كنتي صادقة أو كدابة، أنا مش عايز حاجة تربطني بيكي. ومش هسمح لطفل ييجي الدنيا ويتعذب بسبب أم باعت جوازها وعشر...تها بالر...خيص.
سابها ومشي من غير ما يلتفت، وراندا وقعت في العياط. أما إسماعيل، ففضل واقف مكانه مش قادر يستوعب اللي حصل، لحد ما وشه شحب وفقد توازنه ووقع مغمي عليه.
عزام، بفزع وهو بيجري ناحيته: إسماعيل! يا إسماعيل، رد عليّا!
راندا جريت ناحيته هي كمان، وركعت جنبه وهي بتناديه بخوف، بينما عزام بيحاول يفوقه وعدّت كام يوم، ومعتز اختفى من الكلية والمستشفى. لا بيرد على حد، ولا بيهتم بشغله. كان بيقضي وقته في السُـ..كر والتدخين، ولما يرجع البيت يرمي نفسه على الأرض من التعب، كأنه بيحاول يهرب من دماغه، لكن ذكرياته كانت بتلاحقه حتى وهو غرقان في السُكر وفي يوم، خرجت نسمة من المستشفى بعد ما خلص علاجها، ووقفت قدام البوابة مش عارفة تروح فين. لا بيت يستقبلها، ولا حد تسند عليه.
طلعت وبصت في الكارت بتاع ادم، وفضلت تتأمله. فكرت تتصل بيه، لكنها ترددت؛ هو ساعدها بما فيه الكفاية، ومكنتش عايزة تحس إنها بتستغله وقعدت على الرصيف وحطت وشها بين إيديها، تحاول تلاقي حل، لحد ما افتكرت خالتها، أخت أمها. قامت بسرعة، وتمسكت بأمل إنها على الأقل مش هتسيبها في الشارع وصلت بيت خالتها وخبطت الباب. ولما فتح، ابتسمت نسمة بتردد:إزيك يا خالتي؟ معلش، عارفة إني جاية من غير معاد...
خالتها بصتلها من فوق لتحت، وعقدت دراعاتها:خير؟ جاية عايزة إيه؟
نسمة، بإحراج: أنا بس كنت محتاجة أقعد عندك كام يوم، لحد ما أشوف هعمل إيه. مش هكون حمل عليكي، والله.
الخالة، باستهزاء: تقعدي عندي؟! هو أنا ناقصة؟ أمك ترميكي عليّا، وأنا أشيل الليلة؟! عندي اللي مكفيني، يلا شوفي لك مكان تاني.
نسمة، بصوت مبحوح: طب أروح فين يا خالتي؟ أنا مليش حد غيرك.
الخالة زقتها لبرا وهي بتزعق : وأنا مالي؟! هو أنا اللي جبتك؟ يلا غوري من هنا بدل ما أنده حد يطلّعك!
وقبل ما نسمة تلحق ترد، الباب اتقفل في وشها وفضلت باصة للباب ثواني، وبعدها سندت إيدها عليه، والدموع نزلت من غير ما تحس وقالت بصوت مكسور: حتى إنتي يا خالتي؟... طب أنا أروح لمين يا رب؟ أنا فعلًا مليش غيرك.
مشت في الشوارع وهي مش شايفة قدامها من كتر الدموع. وبعد وقت، لمحت ست كبيرة واقفة قريب منها، فاقتربت منها الست لما لاحظت حالتها وقالت بحنان مصطنع: مالك يا بنتي؟ إنتي من ساعة ما شوفتك وإنتِ بتعيطي. حصل لك إيه؟
نسمة: مفيش يا طنط... بس مش لاقية مكان أروحله.
الست بصتلها نظرة سريعة، وبعدها ابتسمت وقالت :طب تعالي معايا يا حبيبتي. يمكن نعرف نوصل لأهلك، أو نشوف حد يساعدك بدل ما تفضلي في الشارع.
نسمة، بتردد: متشكرة يا طنط، بس مش عايزة أتعبك. هتصرف.
الست مسكت إيدها بإصرار :تعب إيه بس؟ اعتبريني أمك. تعالي، أنا مش هسيبك لوحدك.
كلامها طمّن نسمة، اللي كانت محتاجة تصدق إن لسه فيه حد ممكن يرحمها. فمشت معاها، من غير ما تعرف إن الحنان اللي شافته مجرد قناع وبعد فترة، وصلت بيها الست لمكان فاضي بعيد عن الناس. وقفت نسمة وبصت حواليها باستغراب :هو إحنا جينا هنا ليه يا طنط؟
الست سحبت إيدها فجأة، وظهرت مجموعة رجالة من بعيد، وبدأوا يقربوا منها.
نسمة، برعب: إنتي تعرفيهم؟! إنتِ جايباني هنا ليه؟!
الست مردتش، وبدأت ترجع لورا.
نسمة، وهي بتصرخ في الرجالة: إنتوا عايزين مني إيه؟! ابعدوا عني!
حاولت تهرب، لكنهم مسكوها. قاومتهم بكل قوتها، وخبطت واحد منهم، ولما قدرت تفلت، جريت بأقصى سرعتها.
دوّى صوت طلـ..قات النا..ر في المكان، وحست بألم حاد في دراعها. اتعثرت وكادت تقع، لكنها قامت وكملت جري، رغم الوجع والنز..يف وصلت لطريق فيه ناس، ووقفت تترنح قدامهم. الكل كان شايف الدم اللي بينزل من دراعها، لكن محدش اتحرك ناحيتها وقربت من راجل ومدت إيدها المرتعشة وقالت بصوت ضعيف: يا عمو... ممكن تليفونك؟ محتاجة أعمل مكالمة.
الراجل، بقلق: يا بنتي إنتي بتنز..في! لازم أودّيكي المستشفى حالًا.
نسمة، برجاء: أرجوك، مكالمة واحدة بس... وبعدها اعمل اللي إنت عايزه.
طلع تليفونه وادهولها. اتصلت بأمها، وأول ما سمعت صوتها، انهارت : ماما! أرجوكي ردي عليّا... أنا تعبانة وتايهة ومش عارفة أروح فين. والنبي متسبنيش كده، أنا محتاجاكي!
سكتت الأم لحظة، قبل ما تتكلم بنبرة مترددة.
الأم: نسمة، فيه حاجة لازم تعرفيها. أنا مش قادرة أفضل مخبياها عنك أكتر من كده.
نسمة، بخوف: فيه إيه يا ماما؟! إنتِ بتتكلمي كده ليه؟ خوفتيني!
الأم: إنتي مش بنتي يا نسمة... أنا خطفتك وإنتي صغيرة.
اتجمدت نسمة، وبصت قدامها بعينين واسعتين، كأنها مش فاهمة الكلمات اللي لسه سامعاها :إيه؟! إنتي بتقولي إيه؟! لأ، مستحيل... إنتي بتهزري معايا، صح يا ماما؟!
الأم، ببرود: أنا مش بهزر. دي الحقيقة، وأنا قلتلك عليها. خلاص بقى، متتّصليش بيا تاني.
نسمة، بصراخ: ماما! استني! طب ليه؟! أنا عملتلك إيه؟! ردي عليّا!
لكن الخط اتقفل ونزلت إيد نسمة ببطء، والتليفون لسه في إيدها. دموعها وقفت للحظات من شدة الصدمة، وكأنها حتى نسيت إنها مصا...بة. الست اللي ربتها وفضلت طول عمرها تناديها ماما طلعت غريبة عنها، ورفضتها في اللحظة اللي كانت محتاجاها فيها أكتر من أي وقت.
الراجل، وهو بيحاول يفوقها: يا بنتي! إنتي سامعاني؟ دراعك بينز..ف جامد، لازم نلحقك!
نسمة فضلت ساكتة، فتمتم الراجل بحزن: لا حول ولا قوة إلا بالله... ربنا يكون في عونك يا بنتي.
بعد لحظات، رجعت نسمة لوعيها، ومسحت دموعها بظهر إيدها، وبعدها بصت للكارت اللي معاها. مكنش قدامها غير إنها تطلب المساعدة من آدم مرة تانية واتصلت بيه، وبعد ثواني رد.
آدم: ألو، مين معايا؟
نسمة، بصوت واهن: أنا نسمة يا بشمهندس... معلش إني بتصل بحضرتك.
آدم: نسمة؟ أيوه، فاكرك. مالك؟ حصل حاجه.
نسمة، والدموع رجعت لعينيها: ممكن تيجي تاخدني؟ أنا مش لاقية مكان أروحله، ومش عارفة أعمل إيه.
كان آدم قاعد في كافيه مع خطيبته، لكنه اعتدل في قعدته أول ما سمع صوتها.
آدم: إنتي فين؟ ابعتيلي المكان، وأنا هتصرف.
سألت نسمة الراجل عن اسم المكان، وبلغته بيه. آدم قفل المكالمة ورجع لخطيبته :معلش يا حبيبتي، لازم أمشي. فيه ظرف ضروري حصل.
خطيبته، بضيق: تاني يا آدم؟! هو إحنا عمرنا ما هنعرف نقعد مع بعض من غير ما حاجة تقا..طعنا؟ كل مرة لازم تمشي في نص قعدتنا!
آدم، باعتذار: عارف إني قصّرت معاكي، بس المرة دي الموضوع ضروري فعلًا. هكلمك أول ما أخلص.
قامت خطيبته بضيق ومشيت معاه، وهو وصلها، وبعدها رجع لعربيته واتصل بمعتز وقال: إنت في البيت يا معتز؟
معتز، بصوت مرهق وهو ممدد على السرير: عايز إيه انت؟
آدم: ركّز معايا بس. إنت في البيت ولا لأ؟
اعتدل معتز في قعدته، ومسح وشه بإيده بضيق وقال:أيوه، في الزفت اخلص عايز ايه
آدم: تمام. خليك مكانك، أنا جاي لك.
قفل معتز من غير ما يرد، ومد إيده لعلبة السج..اير. ولّع واحدة، وسحب منها بعنـ...ف، قبل ما يسند راسه ويرجع يسرح في الفراغ وصل آدم للمكان، وفضل يدور بعينيه لحد ما لمح نسمة واقفة على الرصيف، بتترعش من البرد، وعليها آثار التعب عن وشها. أول ما نزل من العربية وشاف دراعها المصا..ب، جري ناحيتها وقال بصدمة: ايه ده يا  نسمة، إيه اللي حصلك؟! ومال دراعك بينز..ف ليه؟!
نسمة أول ما شافته، حاولت تتماسك، لكنها مقدرتش، وانفجرت في العياط وقالت بوجع :كان فيه ناس عايزين يخطفوني... هربت منهم، وضر..بوني بالنا..ر. أنا كنت خايفة أمو..ت ومحدش يعرف مكاني أنا مش قادره وخايفه جدا.
قلع آدم الجاكيت بسرعة ولبّسهولها، وبعدين فتح باب العربية وسندها تدخل وقال: خلاص، إنتي في أمان دلوقتي. تعالي نروح المستشفى الأول، وبعدها نشوف هنعمل إيه.
راحوا المستشفى، وبعد ما الدكتور نظّف الجر..ح وخيّطه، رجعوا للعربية وقالت بإرهاق: شكرًا يا أستاذ آدم... مش عارفة أردلك جميلك إزاي.
آدم، وهو بيبصلها: بلاش الكلام ده. أنا عملت اللي أي حد مكانه المفروض يعمله.
سكتت نسمة، وبعدها بصت من الشباك وقالت بتردد:ممكن تنزلني هنا؟ أنا مش عايزة أتعب حضرتك أكتر من كده.
آدم: أنزلك فين؟ في الشارع تاني؟ إنتي لسه خارجة من المستشفى يا نسمة!
نسمة، بإحراج: أنا هتصرف، والله. مش عايزة أفرض نفسي على حد معرفوش.
آدم، بنبرة حاسمة: خلاص، الموضوع انتهى. كلمت أخويا، وهتقعدي عنده مؤقتًا لحد ما نشوف حل.
نسمة التفتت له بسرعة، واتسعت عينيها وقالت:أخوك؟! لأ يا بشمهندس، أرجوك. أنا مش مستعدة أكون حمل على حد تاني.
آدم، وهو بيحاول يهوّن عليها: يا نسمة، إنتي مش حمل على حد. وبعدين أنا مش هسيبك ترجعي الشارع بعد اللي حصل لك. خلينا نوصل بس، وبعدها نتكلم.
مقدرتش نسمة ترد، واكتفت إنها تبص للأرض، بينما آدم انطلق بالعربية ناحية بيت معتز وكان معتز قاعد في الصالة، ملامحه مرهقة من السهر، وعلبة السجا..ير على الترابيزة قدامه. أول ما سمع خبط الباب، قام بصعوبة وهو بيتمتم:يادي القرف... هو مفيش يوم يعدّي من غير وجع دماغ؟!
فتح الباب بعصبية، وكان لسه هيعاتب آدم على مجيئه، لكنه لمح نسمة واقفة وراه، راسها منخفضة وإيديها متشبثة في الجاكيت ورفع عينه ليها، واتبدلت ملامحه في لحظة. ثبت نظره عليها بحدة، وبعدها بص لأخوه بغضب.
معتز: إيه اللي إنت جايبها هنا دي؟! إنت اتجننت؟!
نسمة اتخضت من صوته، ورفعت عينيها ببطء. أول ما شافت وشه، اتجمدت مكانها، وكأن كل الوجع اللي حاولت تهرب منه رجع يواجهها من جديد وأما معتز، ففضل باصص لها بعيون مشتعلة، مستني من آدم تفسير واحد مقنع لوجودها قدام بابه. وووو 


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات