رواية زواج اجباري الفصل الخامس 5 بقلم بيري النجار


 رواية زواج اجباري الفصل الخامس


مشاعري مش من حقك

منذ المكالمة التي أخبرتها فيها والدتها بأن رمضان جاء يسأل عنها، لم تستطع حياة أن تتخلص من ذلك الشعور المزعج الذي يلازمها.

لم تكن خائفة بالمعنى الذي يجعلها عاجزة عن الحركة، لكنها كانت متوترة.

وجود رمضان في حياتها لم يكن جديدًا.

منذ فترة وهو يحاول إقناعها بالزواج منه، وكل مرة كانت ترفض، كان يزداد إصرارًا.

لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا.

أصبح يعرف أين تعمل.

ويعرف يحي.

ويعرف عن الفيديو الذي انتشر.

وهذا جعل حياة تشعر أن الموضوع لم يعد مجرد رجل يرفض تقبل كلمة "لا".

في صباح اليوم التالي، وصلت إلى الشركة قبل موعدها بعشر دقائق.

دخلت مكتبها، وضعت حقيبتها، ثم جلست أمام الكمبيوتر.

لم تمر دقائق حتى وجدت كوب قهوة بجوار لوحة المفاتيح.

نظرت إليه.

ثم إلى باب مكتب يحي.

تمتمت:

— تاني؟

كانت تعرف من وضعه.

ومع ذلك أخذت الكوب.

ارتشفت منه قليلًا.

فوجئت بأنها كانت مظبوطة كما تحبها تمامًا.

رفعت عينيها نحو مكتب يحي مرة أخرى.

ثم هزت رأسها.

— أنا مالي؟

— بتكلمي نفسك؟

انتفضت حياة.

وجدت ريما تقف خلفها.

— إنتِ بتخضيني ليه؟

ضحكت ريما.

— عشان أشوفك بتتكلمي مع القهوة.

— أنا مش بكلمها.

— أمال كنتِ بتقولي إيه؟

— ولا حاجة.

أمسكت ريما الكوب.

— دي قهوة يحي؟

سحبتها حياة منها.

— أيوه.

ابتسمت ريما.

— وبتشربيها؟

— عادي.

— لأ، مش عادي.

— ريما، بلاش.

جلست ريما أمامها.

— أنا عايزة أفهم حاجة.

— إيه؟

— إنتِ لسه بتكرهيه؟

توقفت حياة.

ثم قالت:

— أنا... مش بكرهه.

رفعت ريما حاجبها.

— يعني؟

— يعني هو مستفز.

— دي مش إجابة.

— مش عارفة.

ابتسمت ريما.

— بدأنا.

— بدأنا إيه؟

— أول علامة.

— على إيه؟

— الإعجاب.

شهقت حياة.

— إنتِ مجنونة؟

ضحكت ريما.

— أنا صاحبتك وعارفاكِ.

— أنا مستحيل أعجب بيحي.

— ليه؟

— عشان... عشان هو مدير الشركة.

— دي مش مشكلة.

— عشان متحكم.

— ممكن.

— عشان غامض.

— أهو دي ميزة.

— ريما!

ضحكت ريما.

— خلاص، خلاص.

ثم نظرت إلى القهوة.

— بس القهوة حلوة؟

ابتسمت حياة دون قصد.

— آه.

— وقعتي.

— اسكتي.

ضحكتا معًا.

وفي اللحظة نفسها، جاء صوت مازن:

— صباح الخير.

نظرت ريما إليه.

اختفت ابتسامتها فورًا.

— صباح النور.

نظر مازن إلى حياة.

— إنتِ شربتي القهوة؟

— آه.

— يحي عاملها؟

— هو مش اللي عاملها، هو جابها.

قالت ريما:

— وإنت عرفت منين؟

— عشان هو كل يوم بيجيب لها واحدة.

التفتت حياة إلى ريما.

— كل يوم؟

ابتسم مازن.

— أيوه.

سألته حياة:

— وإنت عرفت منين؟

— أنا صاحبه.

ثم نظر إلى ريما.

— ودي مش أول مرة أعرف حاجة قبلك.

ردت ريما:

— متقلقش، أنا مش مهتمة أعرف.

— واضح.

— واضح إيه؟

— إنك مهتمة.

نظرت إليه بضيق.

— إنت عندك مشكلة؟

— لا.

— طب ابعد.

— حاضر.

تحرك خطوتين، ثم التفت إليها.

— بس القهوة دي أنا اللي اخترت نوعها.

رفعت ريما حاجبها.

— وإيه يعني؟

— ولا حاجة.

ابتعد وهو يضحك.

نظرت ريما خلفه.

ثم تمتمت:

— مستفز.

قالت حياة:

— زي ما بتقولي على يحي.

— لأ، يحي مستفز بطريقة تانية.

---

في منتصف النهار، دخلت حياة مكتب يحي حاملة بعض الأوراق.

كان يجلس أمام جهاز الكمبيوتر.

— الملفات دي محتاجة توقيع حضرتك.

أخذها منها.

— حطيها هنا.

وضعتها أمامه.

استدارت لتخرج.

— حياة.

توقفت.

— نعم؟

— اقعدي.

جلست.

رفع يحي إحدى الأوراق.

— إنتِ عندك خبرة في الحسابات؟

— بسيطة.

— طيب راجعي الأرقام دي.

أعطاها الملف.

بدأت تقرأه.

بعد دقائق قالت:

— هنا في رقم غلط.

نظر إلى الصفحة.

— فين؟

اقتربت منه وأشارت إلى السطر.

وقف يحي بجوارها.

وانحنى قليلًا ليرى المكان الذي أشارت إليه.

كانت المسافة بينهما قصيرة جدًا.

شعرت حياة بتوتر مفاجئ.

حاولت التركيز في الورقة.

لكنها لم تستطع.

قال يحي:

— عندك حق.

ثم رفع عينيه إليها.

— إنتِ شاطرة.

ارتبكت.

— شكرًا.

— بتتوتري ليه؟

— مش متوترة.

— أمال؟

— الجو حر.

نظر إلى جهاز التكييف.

ثم إليها.

— التكييف شغال.

عضت شفتها بضيق.

— حضرتك بتحب تستفزني؟

ابتسم.

— أحيانًا.

— واضح.

ابتعدت عنه.

قال:

— حياة.

— نعم؟

— ما تغيريش المكتب.

نظرت إليه.

— مش هغيره.

— كويس.

— ليه؟

— عشان بحب أشوفك قدامي.

سكتت.

نظرت إليه بدهشة.

لاحظ يحي ما قاله، لكنه لم يتراجع.

قال بهدوء:

— قصدي عشان الشغل.

هزت رأسها بسرعة.

— أكيد.

خرجت.

وبمجرد أن أغلقت الباب، وضعت يدها على صدرها.

كان قلبها يخفق بسرعة.

همست:

— هو قال إيه ده؟

---

في الخارج كانت ريما تنتظرها.

بمجرد أن رأت وجهها قالت:

— حصل إيه؟

— مفيش.

— وشك بيقول فيه.

— يحي كان بيتكلم عن الشغل.

— وبس؟

— أيوه.

— طب ليه وشك أحمر؟

لم تجب.

ابتسمت ريما.

— وقعتي.

— ريما، والله لو ما سكتي...

— خلاص.

ضحكت.

ثم قالت:

— بس أنا سعيدة.

— على إيه؟

— إنك أخيرًا بقيتي بتشوفيه كراجل، مش كمدير وبس.

نظرت إليها حياة بجدية.

— أنا مش عايزة أتعلق بحد.

تغير وجه ريما.

— ليه؟

— مش عارفة.

— حياة...

— أنا خايفة.

— من إيه؟

— من إن حد يدخل حياتي، وبعدين أكتشف إنه مش الشخص اللي كنت فاكرة إنه هو.

صمتت ريما.

ثم أمسكت يدها.

— مش كل الناس زي بعض.

ابتسمت حياة ابتسامة ضعيفة.

— يمكن.

---

في المساء، خرجت حياة من الشركة.

كان يحي ينتظرها كعادته.

وقفت أمام السيارة.

— مش هركب.

قال بهدوء:

— عارف.

نظرت إليه.

— عارف؟

— آه.

— طب مستنيني ليه؟

— عشان أوصلك.

— وأنا قلت لأ.

— وأنا ما قلتش إنك لازم تركبي.

نظرت إليه باستغراب.

— أمال؟

— لو غيرتي رأيك، أنا موجود.

ثم دخل سيارته.

وقفت حياة مكانها.

كانت تتوقع منه أن يجادلها.

لكنه لم يفعل.

بعد دقائق وصلت سيارة أجرة.

فتحت الباب.

وقبل أن تركب، نظرت إلى سيارة يحي.

كان لا يزال مكانه.

ترددت.

ثم أغلقت باب سيارة الأجرة.

واتجهت إلى سيارته.

فتحت الباب الخلفي وجلست.

نظر إليها يحي من المرآة.

ابتسم.

— غيرتي رأيك؟

— متتكلمش.

ضحك بهدوء.

وانطلق.

---

بعد دقائق، قال:

— جعانة؟

— شوية.

— ناكلة إيه؟

— أي حاجة.

— دي إجابة صعبة.

— ليه؟

— عشان "أي حاجة" معناها إنك هترفضي أي حاجة أجيبها.

ضحكت.

— ممكن.

— كنت عارف.

توقف أمام مطعم صغير هادئ.

نظرت حياة حولها.

— إحنا هنا ليه؟

— ناكل.

— بس أنا...

— قلتِ إنك جعانة.

دخل الاثنان المطعم.

جلست حياة أمامه.

كان المكان هادئًا.

طلب يحي الطعام، ثم نظر إليها.

— تحبي إيه؟

— أي حاجة.

نظر إليها.

ضحكت.

— خلاص، اختار إنت.

بعد قليل وصل الطعام.

بدأت حياة تأكل.

كانت تشعر براحة غريبة.

لا يوجد مكتب.

لا توجد أوراق.

ولا موظفون.

فقط هو وهي.

قالت:

— أول مرة أشوفك بتضحك كده.

— أنا بضحك.

— نادر.

— يمكن عشان أنا مرتاح.

— معايا؟

توقف للحظة.

ثم قال:

— آه.

شعرت حياة بالحرج.

شربت بعض الماء.

— يحي؟

— همم؟

— ليه مهتم بيا بالشكل ده؟

تغيرت ملامحه.

كان السؤال متوقعًا، لكنه لم يكن مستعدًا له.

— مش عارف.

— مش عارف؟

— أيوه.

— يعني إيه؟

— يعني لما بشوفك في مشكلة، مش بعرف أتجاهلها.

— دي إجابة غريبة.

— عارف.

— وفيها حاجة مخبيها.

نظر إليها.

— يمكن.

— وأنا مش بحب الغموض.

— وأنا مش عايز أخوفك.

— إنت مش مخوفني.

صمت.

ثم قال:

— كويس.

كان ينظر إليها بطريقة جعلتها تنسى تمامًا ما كانت ستقوله.

خفضت عينيها.

---

في الوقت نفسه، كانت ريما عائدة إلى المنزل وحدها.

وجدت مازن يقف بجوار سيارته أمام الشركة.

— إنت لسه هنا؟

— مستنيكي.

— ليه؟

— أوصلك.

— لأ.

— ليه؟

— عشان مش مرتاحة لك.

ابتسم.

— لسه؟

— آه.

— أنا بدأت أزعل.

— دي مش مشكلتي.

— طب لو قلت لك إن يحي طلب مني أتأكد إنك وصلتي؟

ترددت.

— بجد؟

— آه.

— طب ماشي.

ركبت السيارة.

جلس مازن خلف المقود.

وبعد دقائق قالت:

— إنت ليه بتستفزني؟

— عشان لما بتتعصبي بتبقي لطيفة.

التفتت إليه.

— أنا لطيفة؟

— أحيانًا.

— إنت مجنون.

— احتمال.

ضحكت رغمًا عنها.

نظر إليها.

ثم ابتسم.

لم تقل شيئًا.

لكن للمرة الأولى لم تشعر بالضيق من وجوده.

---

عاد يحي بحياة إلى منزلها.

قبل أن تنزل، قال:

— استني.

— نعم؟

— في حاجة.

أخرج هاتفه.

— الرقم اللي بعت لك الرسائل...

نظرت إليه.

— أيوه؟

— اتقفل.

— يعني؟

— يعني صاحبه مش هيقدر يبعت لك تاني.

تنفست براحة.

— عملت إيه؟

— اتصرفنا بشكل قانوني.

— إنت كنت قلقان أوي؟

نظر إليها.

— جدًا.

قالتها بخجل:

— شكرًا.

فتحَت الباب.

ثم توقفت.

— يحي؟

— نعم؟

— تصبح على خير.

ابتسم.

— وإنتِ من أهله.

نزلت من السيارة.

وقف ينتظر حتى دخلت المبنى.

ثم انطلق.

لكن قبل أن يصل إلى أول الشارع، اتصل به مازن.

— إنت فين؟

— راجع البيت.

— حياة وصلت؟

— آه.

صمت مازن لحظة.

ثم قال:

— إنت واقع.

ضحك يحي.

— إنت مالك؟

— صاحبك.

— ودي حاجة تخصني.

— تمام.

ثم أغلق الهاتف.

ابتسم يحي لنفسه.

كان يعرف أن مازن محق.

لكنه لم يكن مستعدًا للاعتراف بذلك.

---

في اليوم التالي، حدث شيء لم تتوقعه حياة.

كانت في مكتبها عندما دخل أحد الموظفين وقال:

— حياة، في واحد بيسأل عليكِ.

— مين؟

— بيقول اسمه رمضان.

تجمدت.

رفعت عينيها إلى الباب.

— هو فين؟

— تحت.

وقفت فورًا.

اتصلت بيحي، لكنه لم يرد.

اتصلت بريما.

لكنها كانت في اجتماع.

خرجت حياة من المكتب، واتجهت إلى المصعد.

وقبل أن تصل، وجدت رمضان يقف أمامها.

قال:

— محتاج أتكلم معاكِ.

تراجعت خطوة.

— أنا مش عايزة أتكلم معاك.

— دقيقة واحدة.

— لأ.

اقترب خطوة.

— حياة، إنتِ بتكبري الموضوع.

— إنت اللي بتكبره.

— أنا طلبت منك الجواز.

— وأنا رفضت.

— ليه؟

— عشان مش عايزاك.

كانت الجملة واضحة.

وصريحة.

لكن رمضان لم يتقبلها.

تغيرت ملامحه.

— وإنتِ فاكرة إن يحي هيخليكي أحسن مني؟

ردت حياة:

— يحي ملوش علاقة بالموضوع.

ابتسم بسخرية.

— يبقى ليه كل الناس بتقول إنك معاه؟

وقبل أن تجيب، جاء صوت من خلفه:

— عشان هي معايا أنا.

التفت رمضان.

كان يحي يقف خلفه.

تغيرت ملامح حياة.

نظر يحي إلى رمضان.

— وإنت دخلت الشركة إزاي؟

قال رمضان:

— أنا كنت بتكلم معاها.

— وهي قالت لك إنها مش عايزة تتكلم.

— دي حاجتي.

رد يحي:

— لأ، دي مش حاجتك.

ساد الصمت.

ثم قال يحي:

— حياة، ادخلي مكتبك.

نظرت إليه.

— بس...

— ادخلي.

هذه المرة أطاعته.

دخلت مكتبها، لكنها ظلت تراقبهما من خلف الزجاج.

لم يكن هناك شجار.

لم يرفع يحي صوته.

فقط تحدث مع رمضان بهدوء وحزم.

وبعد دقائق غادر رمضان.

دخل يحي إلى مكتب حياة.

قالت:

— هو مش هيبطل؟

— مش عارف.

— أنا تعبت.

جلس أمامها.

— عارف.

— أنا مش عايزة مشاكل.

— وأنا كمان.

نظرت إليه.

— أعمل إيه؟

صمت يحي طويلًا.

ثم قال:

— لو فضل بالطريقة دي، لازم نلاقي حل.

— حل إيه؟

نظر إليها.

لم يجب.

لكن نظرته جعلتها تشعر أن هناك شيئًا كبيرًا يفكر فيه.

شيئًا لم يخبرها به بعد.

قالت:

— يحي؟

— نعم؟

— إنت بتفكر في إيه؟

أجابها بهدوء:

— في طريقة تحميكي من غير ما أفرض نفسي على حياتك.

ظلت تنظر إليه.

وفي تلك اللحظة، لم تعد تراه مجرد مديرها.

ولا الرجل الذي يزعجها بتدخله.

بل الرجل الذي بدأ وجوده يطمئنها رغم كل محاولاتها للابتعاد عنه.

وهذا الشعور تحديدًا أخافها.

لأنها بدأت تدرك أن مشكلتها لم تعد رمضان وحده.

بل قلبها أيضًا.

أما يحي، فكان يعلم أن الوقت بدأ يضيق.

وأن الحل الذي يدور في رأسه منذ فترة...

قد يكون الحل الوحيد الذي يستطيع به أن يحمي حياة دون أن يخسرها.

لكنه كان يعرف أيضًا أن هذا الحل سيقلب علاقتها به رأسًا على عقب.

وسيضعهما أمام قرار لم يكن أيٌّ منهما مستعدًا له بعد.

تعليقات