رواية فرص ثانيه الفصل السادس
فقال وهو يشير إلى هاتفها:
-هو ده المريض الي بتتكلموا عنه
أغلقت ملك الهاتف سريعًا وقالت:
-تؤتؤ، ده ظهر قدامي كدا
نظر لها بشك، ونظر إلى أمير الشارد ونهى التي تحتسي الشاي بصمت، لكن أسكت شكه بأن ملك لا تشارك أحد خارج المجال الطبي معلومات عن مرضاها في العاده، وأقنع نفسه أن شبح الماضي لم يعد، فقال لها بعتاب:
-مدبساني انتي مع أبوكي
نظرت له وقالت:
-هو مش أبويا لوحدي يا ماهر
تنهد ببطء ونظر بعيدًا، ليأخذ أمير نهى ووقفوا على سور الشرفة بعيدًا عنهم وقد فطن ما يدور بينهم، اعتدلت ملك لكي تكون في مواجهته:
-ماهر، هتفضل تهرب لحد امتى
أخرج علبة السجائر، والقداحة، وأشعل سيجارة وقال لها بعد أن سحب نفسًا عميقًا منها:
-فين بهرب
زفر الدخان بقوه بعيدًا عنها، نظرت له ملك بعدم رضا وقالت:
-و الي بيحصل بينك انت و بابا ده اسمه ايه
-اسمه انه رماني في الشارع وقالي اعمل نفسك بنفسك
كانت نبرته حاده، وتابع:
-انا كنت لسه متخرج يا ملك لو تفتكري وقالي انت مش هتشتغل في شركتي انت هتشتغل في اي شركه تانيه
كان يهدر بقوة فقالت ملك:
-هو من وجه نظره ان كدا بيخليك راجل وتعتمد على نفسك، مكنش قصده انه يرميك زي ما بتقول
أخذ نفسًا من سيجارته وقال وهو ينفخ الدخان:
-و اديني بقيت زي ما هو عايز راجل ويعتمد عليا وقد المسؤولية، ليا اسمي في السوق، ومش بعيد اني انافسه كمان
-لكن يا ماهر ده والدك ولي حق عليك
نفض سيجارته في طفاية السجائر، وقال:
-هو الي ضيع حقه بإيده
فقالت ملك وهي تمسك ذراعه:
-لكن انا عايزاك ترجع تعيش معانا يا ماهر، حاسه بالوحده من غيرك
ربت على يدها الممسكه ذراعه وقال:
-تعالي عيشي معايا، أوضتك جاهزة
هزت رأسها بالنفي:
-بس انا مقدرش اسيب بابا لوحده
ضغط على سيجارته في الطفاية بعد أن انتهت ليقول ببساطة:
-خلاص يا ملك، وانا مقدرش اعيش معاكوا، وياريت تقفلي على الموضوع ده بقى
كادت أن تتحدث لكن قال هو بجديه:
-ملك لو سمحتي كفايه، احنا جايين نقعد سوا مش ننكد على بعض
نظرت له بحزن، فقالت:
-طب متغبش عني كتير انا بفتقدك يا ماهر
مسح على شعرها وقال بحنان:
-حاضر يا ملوكة
تابع، وهو يتهيأ للنهوض:
-انا همشي بقى عشان عندي شغل
-بس يا ماهر ملحقناش نقعد
تنهد وقال:
-ما انتي يا حبيبتي ضيعتي وقتنا في الكلام عن أبوكي، اعمل ايه
لكمته بخفه وقالت:
-اسمه بابا، وبطل غلاسه يا ماهر واقعد شويه
نهض وقال:
-يلا يا ملوكة عايزه حاجه، همشي انا بقى
لتقول بغيظ:
-يا ماهر بقى
مال يقبلها في وجنتها وقال:
-هتوحشيني يلا باي
ثم تركها وغادر يودع أمير ونهى، جلست تزفر بضيق لفعلته، اقترب منها أمير ونهى وقالت لها نهى:
-ماله ده مستعجل كدا ليه
قالت بعبوس:
-عنده شغل
ربتت على كتفها وقالت بحنان:
-متضايقيش يا حبيبتي
أومأت لها بصمت، ليقول أمير لنهى وهو يشير على عنقها:
-اومال فين الاسكارف يا نونا
وضعت يدها على رقبتها وقالت بحزن:
-ضايقني وانا بكشف على مريض، فقلعته دورت عليه في اخر اليوم ملقتهوش
-ولا تضايقي نفسك يا روحي اجبلك غيره
مالت على كتفه بابتسامه ناعمه، وقالت بهمس:
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي
نظر بعيونها بهيام، لتنتبه نهى إلى وضعهم، فاعتدلت سريعًا، ليضحك عليها أمير بخفوت، بينما كانت ملك شارده في الفراغ، ليخطر في بالها يحيى، أخفضت نظرها إلى يدها الملفوفه، لتضم شفتيها، فقالت نهى تمازحها:
-ايه وصلتي لحد فين
نظرت لها ملك وابتسمت ابتسامة صغيرة، دلف عادل إلى الشرفة وقال بتساؤل:
-ملك هتروحي معايا ولا هتقعدي شوية
قال أمير مقترحًا:
-لو حبه تقعدي شوية ممكن اوصلك
نهضت قائلة:
-لا لا انا هروح مع بابا وخلاص
اقتربت تودعهم، وخرجت تودع خالتها، فقالت وهي تضمها بين ذراعيها:
-كنتِ اقعدي شوية يا ملوك
أبعدت عنها وقالت بأرهاق:
-تعبانة يا خالتو وكمان عندي شغل بكرا
أردفت ناهد بحنان:
-ربنا يوفقك يا حبيبتي
ثم دلفوا إلى خارج المنزل، صعدوا إلى السيارة ثم اتجهوا إلى المنزل بصمت
___________________________
كانت دينا تجلس وبيدها الوشاح الخاص بنهى والأسورة الجلدية التي أخذتها من مكتبه، دلفت لها والدتها وهي تقول بخفوت:
-ايه يا بت عماله تنادي تنادي لما صدعتيني
مدت يدها، لترى والدتها ما بيدها:
-جبت الحاجه اهو يا ماما الي طلبها الراجل
أمسكت والدتها الأسورة تقلبها بيدها وقالت:
-ده بتاع أمير، وخدتيه ازاي ده
-اخدته من مكتبه ياماما
ثم مدت يدها تأخذ الوشاح تفرده أمامها، وقالت باستنكار:
-طب والله خسارة الاسكارف ده
وضعته على رأسها، تحاول ربطه لتأخذه دينا بتأفف وقالت:
-ده بيتربط على الرقبه يا ماما مش على الراس
ضربت كفًا على كف وقالت:
-وانتي خدتي ازاي من رقبتها
لتسرد لها كيف أخذته
" كانت برفقة الدكتور ياسر، تتابع المريض معه، وبعد أن انتهى منه قال لها:
-دينا عايزك تبلغي الدكتورة نهى ويمنى ان عايزهم في اجتماع في اوضه الاجتماعات بتاعت قسم التغذية، أجابته برسمية:
-حاضر يا دكتور
ثم غادرت متجه إلى مكتب يمنى تخبرها، وبعدها اتجهت إلى مكتب نهى، دقت الباب، لتسمح لها بالدخول، فكان معها مريض، قالت نهى وهي تخلع الوشاح وتضعه على المكتب:
-في حاجه يا دينا
هزت رأسها نافية وقالت وعينيها على الوشاح:
-دكتور ياسر بيقول في اجتماع وبيتادي حضرتك يا دكتورة
-اوكي يا دينا هخلص الكشف وأحصلك
غادرت دينا وظلت واقفه على مقربة من مكتب نهى تنتظر خروجها، وبعد برهه غادرت، انتظرت حتى ابتعدت نهى تمامًا ثم اقتربت وهي تتلفت حولها، وضعت يدها على مقبض الباب وفتحته بهدوء، دلفت سريعًا ومدت يدها تأخذ الوشاح، ودسته في جيبها واتجهت سريعًا إلى الخارج، لتجد سمر أمامها، شعرت بدلو من الماء المثلج قد سقط عليها، فقالت سمر بحاجب مرفوع:
-بتعملي ايه يا دينا في مكتب الدكتورة نهى
بلعت ريقها بصعوبه وقالت بأرتباك:
-ولا حاجه كنت بناديها للاجتماع لكن ملاقتهاش
فقالت بسخرية:
-لا والله
انتبهت لسخريتها التي أثارت غيظها فقالت بحده:
-اه يا سمر اومال هعمل ايه يعني في مكتب الدكتورة
مطت شفتيها وقالت:
-الله اعلم انتي دماغك سو
تخطتها وهي تزيحها من طريقها وقالت:
-شكلك فاضيه وانا ورايا شغل
لتتركها وتغادر سريعًا من أمامها"
رفعت والدة دينا حاجبها بإعجاب وقالت:
-بنت امك صحيح، مش زي الخايبة الي جوة دي
لتشير بيدها وتابعت:
-هكلم سيدنا الشيخ واقوله ان الحاجة جهزت واشوف نروحله امتى
-ماشي يا ماما وانا هروح انام بقى عشان شغلي بكرا، تصبحي على خير
لتأخذ منها الأشياء وقالت:
-ماشي خلي الحاجات دي معايا ونامي، وانتي من اهله
ثم تركتها دينا وهي تتثاءب، وذهبت والدتها تضع الأسورة والوشاح في مكان أمن
───
صباح يوم جديد، كانت ملك بداخل المرحاض تقوم بطقوسها الصباحية، وبعد أن انتهت، اتجهت إلى الشرفة تسقي الأزهار، وتطعم الطيور كعادتها، واتجهت إلى الخارج لكن لم تجد والدها يبدو أنه هرب من حديثها، ولكن من أين المفر، اتجهت إلى المطبخ، وقفت في منتصفه واضعة يدها في خصرها، تقلب عينيها في المطبخ لا تعلم ماذا تعد لوجبة الفطار، ضغطت على زر التشغيل للإبريق الكهربائي، ثم اتجهت إلى ركن الأكواب، أخذت كوبًا أبيض وبه فيونكات صغيرة باللون الأحمر، وضعت به ظرفًا من الشاي بنكهة التوت البري، أصدر الإبريق صوت دلالة على غليان الماء، صبت الماء وأخذت الكوب واتجهت إلى الغرفة وقد ألغت فكرة الفطار، وقفت أمام خزانة الملابس، انتقت فستانًا زهري اللون ذو حمالة عريضه، وترتدي أسفله، قميصًا أبيض بأكتاف منفوشة، كان يصل إلى بعد ركبتيها، وبعد أن انتهت من ارتداء ملابسها، وقفت أمام التسريحة وصففت شعرها بطريقة ناعمة تليق بفستانها، وضعت القليل من مساحيق التجميل، نثرت عطرها، وثم ارتدت حذاءً أبيض بكعب قصير، أمسكت حقيبتها البيضاء، دنت من كوبها لتجد أن الشاي أصبح باردًا، زفرت بضيق وقالت:
-يووة برد
أخذته واتجهت إلى المطبخ، ووضعته في الحوض، ومن ثم اتجهت إلى عملها، لتصل بعد نصف ساعة إلى المصحة، سارت في الممر بإشراق وكان صوت حذائها ذو الكعب يدل على ثقتها، دلفت إلى مكتبها، وجلست على المقعد د، لتأتي ريهام خلفها تدق الباب وتسمح لها بالدخول، فقالت ريهام:
-صباح الخير يا دكتورة ملك
كانت ترتدي البالطو وأجابتها:
-صباح الخير يا ريهام، هاا علينا ايه النهارده
نظرت إلى الجهاز اللوحي:
-في جلسه لميادة ونسرين، ويحيى المفروض يكلم اهله النهارده
جمعت شعرها على هيئة ذيل الحصان وقالت:
-طيب خلي يحيى يكلم اهله بس مش كتير ربع ساعة تلت ساعة كدا، وانا هشوف ميادة
خرجت ملك من المكتب متجهة إلى غرفة ميادة، دقت الباب، دلفت بعد أن سمعت صوت ميادة يسمح لها بالدخول، فقالت لها بابتسامة ناعمة:
-صباح الخير يا ميادة
أجابتها ميادة الواقفه تمشط شعرها القصير:
-صباح الخير دكتورة ملك
تركت الفرشة واتجهت ناحيتها تضمها بقوة:
-وحشتيني
بادلتها ملك العناق، وهي تربت عليها وقالت:
-وانتي كمان وحشتيني يا ميادة ها ايه الاخبار، عملتي ايه في الجلسات الجماعية
ابتعدت عنها وهي تحدثها بحماس:
-كانت حلوة وارتحت فيها جداً، حسيت اني بقيت كويسة و........
ثم صمتت تستجمع الكلمات، وضعت يدها على كف ملك وقالت وهي تنظر في عينيها:
-انتي فاهماني صح
ابتسمت لها وربتت على يدها بكفها الاخر:
-فاهماكي طبعا، انا مبسوطة انك حاسة نفسك احسن
أزاحت خصله متمرده خلف أذنها ثم أردفت:
-لا كانت حلوة حسيت براحه نفسية وكمان دكتورة نرمين مريحة اوي
-دكتورة نرمين من احسن الدكاترة هنا
أردفت ميادة بمزاح:
-لا مافيش اشطر منك يا دكتورة ملك...
ثم شردت قليلا وقالت بتأثر:
-عمري ما هنسي ايامي الاولى هنا
نظرت لها وعينيها ممتلئه بالدموع وتابعت:
-جيت متبهدله، واتبهذلت اكتر...
ارتسمت على شفتيها ابتسامه مريرة، ومن ثم تابعت:
-الفلوس الي انا عايشة فيها طول عمري وبابي و فرهالي مانقذتنيش من الي انا فيه، بل بالعكس هي الي عملت فيا كدا
كانت تستمع لها ملك بتركيز، لتتابع ميادة بنبرة ساخرة:
-وفي مثل سمعته هنا بيقول ان المال السايب بيعلم السرقة، وضيفي عليه بقى انه بيعلم كل حاجه وحشة زي حالتي كدا بالظبط
مسحت ملك على يدها وقالت محاولة أن تخرجها من تلك الحالة:
-المرحلة دي عدت المهم انك لما تخرجي من هنا، مترجعيش تستخدمي الفلوس بطريقة غلط، ولا تتجمعي باصحابك الي جروكي للطريق ده، اعملي حياة جديدة صحاب جداد، وعيشي
هزت رأسها توافقها الحديث وأجابتها:
-هتشوفي ميادة جديدة، هبقى واحدة تانية
ابتسمت لها ملك ابتسامة هادئة وقالت:
-ربنا يوفقك يا حبيبتي
-مش معنى اني خارجه اننا خلاص كدا علاقتنا اتقطعت
قالتها وهي تشير بإصبعها، ضحكت ملك وقالت:
-لا طبعا، علاقتنا مش هتتقطع
نهضت ملك وقالت:
-انا هروح عشان ورايا جلسه انا حبيت اطمن عليكي قبل ما تمشي
لوحت لها ميادة وقالت:
-شكرًا علي وقفتك جمبي طول فترة علاجي
لوحت لها ملك وأجابت:
-العفو، ده واجبي
خرجت من الغرفة، وقد حققت انتصارًا اخر، فكانت ميادة مريضة صعبه المراس، مدللة، وعنيدة، وقد اكتسبت تلك الصفات من نشأتها، فوالدها كان يدلّلها كونها الفتاة الصغيرة والوحيدة، وكانت كل طلباتها مجابة، والأموال بدون رقابة، فساد مطلق، لكنها نجحت في جعلها في أفضل نسخة، اتجهت إلى نسرين لكي تبدأ معها الجلسة
وعلى الناحية الأخرى كان يحيى متجهًا مع أحد الممرضين، لكي يتحدث مع أسرته في الهاتف، كان يسير بعدم اتزان، حتى وصلوا إلى المكان المخصص، أعطاه الممرض الهاتف، أمسكه يحيى بلهفه، ونظر له عدة دقائق يحاول أن يتذكر رقم والدته، وبعد دقائق كتبه صحيحًا، وضع الهاتف على أذنه وانتظر سماع صوت والدته، ليأتيه صوتها بعد ثوانٍ، ليقول بلهفه:
-ماما ده انا يحيى
أجابته بلهفة:
-يحي، عامل ايه يا قلب امك
أمسك الهاتف بيديه الاثنين وقال بصوت مختنق:
-انا كويس يا ماما، طمنيني انتي عاملة ايه ونسمة وأنس
أجابته بنحيب:
-كلنا كويسين يا حبيبي مش ناقصنا الا وجودك وسطنا
مسح تعرق وجهه، وقال:
-قريب ياماما، طمنيني انتي عليكي جرحك عامل ايه
كانت تزيح دموعها وقالت:
-كويسة الحمدلله، وبعد ما سمعت صوتك بقيت احسن
سمع صوت نسمة في الخلفية، ليأتي صوتها تحدثه:
-يحيى، عامل ايه طمني عليك
-انا كويس، انتي طمنيني عليكي وعلى أنوس
أجابته تبث الطمأنينة في نفسه:
-كلنا بخير، ومستنينك ترجع لنا
جلس على المقعد بأرهاق وأردف:
-قريب، انا بحاول عشانكوا، انتو الحاجة الي مخلياني اكمل يا نسمة، انا بموت هنا عشان احيا من جديد، عشان ترجعوا ترفعوا راسكوا بيا تاني، حقك عليا انتي وماما، حقكوا عليا، سامحوني
حديثه أثر بها وجعل دموعها تترقرق في عينيها، كانت تسمعه سوسن التي أجهشت في البكاء، فقالت له نسمة بصوت مختنق:
-مسامحينك يا حبيبي، ارجعلنا انت بس بخير
وقالت متسائلة:
-عايزين نيجي نطمن عليك
-معرفش هكلم الدكتورة واقولكوا المكالمة الجاية
ليكمل متسائل:
-انس فين عايز اكلمه
-انس لسه في المدرسة انا الي جيت بدري عشان هروح انا وماما نفك الخياطه
أصابه الخزي من نفسه عندما سمع حديثها، فقال بخفوت:
-خلي بالكوا من بعض يا نسمة
انتبه إلى الممرض الذي أشار له لكي ينهي المكالمة، فقال له:
-عشر دقايق كمان انا ملحقتش اكلمهم
أجابه برسمية:
-معاك دقيقتين بس
أومأ له سريعًا، وقال موجه حديثه إلى سوسن:
-ادعيلي يا ماما، انا ماليش غير دعواتك
أجابته سوسن:
-بدعيلك يا نور عيني انا ليا مين غيرك انت واختك عشان ادعيلهم، بدعيلك على طول ربنا يقومك بالسلامة يا يحيى
صوتها الحنون وهي تدعو له أثار مشاعره، كان يتمنى لو كان أمامها ويسمع دعائها ثم يقوم بتقبيل رأسها، صحيح أن الإنسان لا يعلم قدر نعمته إلا عند الزوال، فقال لها:
-ربنا يخليكي ليا يا ماما، خلي بالك من نفسك، كلي كويس ومتنسيسش دواكي
-حاضر يا بني
ثم وجه حديثه إلى نسمة، قائلًا:
-خلي بالك من نفسك يا نسمة انتي وابنك
-حاضر يا يحيى انت بس خليك قوي
كان يمسح تعرقه ويقول:
-حاضر انا هقفل بقى عشان المكالمة خلصت، مع السلامه
لتقولا نسمة وسوسن في صوت واحد:
-مع السلامة، خلي بالك من نفسك
أغلق المكالمة على دخول الممرض الذي أخذ منه الهاتف، وغادر يحيى بصمت، كان يمشي في ممرات المصحة بتيه، فوجد الباب المتجه إلى الحديقة، سار باتجاهها فوجد أن الكثير من زملائه يجلسون، منهم بمفرده ومنهم في جماعات، ليلمح بعينيه ملك تجلس مع شابة في مقتبل العمر يبدو عليها قليلًا من الإرهاق، كان يسير وهو يكتشف المكان بعينيه حتى وجد مقعدًا فارغًا، جلس عليه وهو يختلس النظرات من ملك، التي لاحظته وفطنت بخبرتها الطبية أنه يريد أن يتحدث معها، لكنها لم تعره اهتمامًا وصبت كل تركيزها مع نسرين، جلس عدة دقائق بمفرده يتأمل الحديقة كانت ممتلئة بالأزهار المتنوعة والأشجار المتفرعة، شعر بمن يجلس جانبه، نظر فوجد أنه شاب في منتصف العمر، قابله ذلك الشاب بابتسامة بشوشة وقال له:
-شكلك جديد هنا
أجابه يحيى وهو يمسح أنفه:
-يعني بقالي ٥ او ٤ ايام مش فاكر
ضرب على فخذ يحيى برفق وقال له بمزاح:
-مستجد يعني
ابتسم يحيى ابتسامة صغيرة ونظر إلى يده الموضوعة على فخذه فهو يكره أن يلامسه الآخرون بدون داعي، فقال ذلك الشاب وهو يمد يده للمصافحة:
-انا إياد، وانت؟
مد يحيى يده المرتعشه وقال:
-يحيى
-اتشرفنا يا يحيى، مين الي مشرف على علاجك
سحب يده، ونظر نظرة سريعة على ملك وقال:
-الدكتورة ملك
فقال له إياد وهو يرفع حاجبيه:
-ياااه، الدكتورة ملك من احسن الدكاترة كانت الدكتورة بتاعتي في أيامي هنا، بجد ربنا يباركلها
سأله يحيى على استحياء:
-انت جيت هنا ليه
نظر بعيداً، وابتسم قائلًا:
-هكون جاي ليه، خدت السم الهاري وبقيت مدمن
ليسأله بخفوت:
-بودرة يعني
ليشير بيده، قائلًا:
-هي الهباب دي، الله يلعنها ويلعن الي بيبعها وبيصنعها
وفور ان ذكر من يبيعونها، تذكر حمص، فقال بتساؤل:
-وانت عديت أيامك هنا ازاي
أجابه إياد قائلا:
-أيامك الأولى هتعدي عليك سنين، لكن بعد كدا هيعدوا بسرعة وهتبقي زي الفل لكن لازم يكون عندك اراده قوية، وأهم حاجه بعد ما تخرج ده الاختبار الحقيقي بقى، هل هترجع تاني ولا هتفضل على المبدأ
أومأ يحيى بتفهم، وقال:
-انت بقالك كتير هنا
هز رأسه نافيًا وأجاب:
-لا بقالي شهرين وشوية وخلاص طالع اهو
-طب كويس
وقف إياد وربت على كتف يحيى وقال بابتسامة:
-عقبالك يا بطل، انا هقوم بقى عشان ورايا كام حاجة
نظر يحيى إلى يد إياد ومن ثم نظر له وقال:
-تمام
تركه إياد وذهب، رمى نظره إلى ملك فوجدها تجلس بمفردها تحتسي مشروبًا وتتأمل السماء، كان ينظر لها بتردد، لكنه حسم أمره ونهض متجهًا إليها، وقف أمامها ولم يجد الحديث طريقًا إليه، نظرت له ملك وقالت:
-باشمهندس يحيى
نظر إلى عينيها الزرقاء، وقال بخفوت وهو ينظر إلى يدها:
-انا أسف
ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة وأشارت بجانبها وقالت:
-اتفضل واقف ليه
نظر بجانبها، ثم نظر إلى المبنى، وقال:
-انا كنت بس جاي اعتذر عن الي حصل امبارح، وارجع الاوضه
شعرت بارتباكه وعدم الاتزان به، فقالت:
-اعتذارك مقبول يا بشمهندس، لكن اتفضل اقعد جلستنا النهارده هتبقى هنا
أومأ بصمت وجلس، التفت له بجسدها لكي تكون مقابله، وقالت:
-كلمت اهلك، واطمنت عليهم
أومأ لها وكان يتجنب أن ينظر في عينيها، وقد شعرت هي بخجله، فكان خلف هذا الإدمان إنسان مقيد، يريد أن يظهر في النور مرة أخرى، قالت ملك تحاول أن تكسر تلك الحالة:
-يحيى الي عدى فات ومات، ممكن نخلينا في النهارده
ثم استرسلت وهي تمد يدها إلى الأمام تريه سلامتها:
-و ايدي زي الفل اهي كمان
نظر إلى يدها يتفحصها، فقالت هي:
-قولي المكالمة مع اهلك كانت كويسة اطمنت عليهم
أجابها:
-ايوا كلمتهم كلهم وكلهم كويسين بس مكلمتش أنس
قالت متسائلة:
-مين أنس؟
-ده ابن اختي
أومأت ثم تابعت بسؤال:
-طب حلو انك اطمنت عليهم لانك كنت عايز تطمن على والدتك اوي بقيت احسن دلوقتي؟
نظر إلى الفراغ بشرود، ثم قال:
-اه الحمدلله
علمت أن هناك أمرًا، فقالت:
-كانت تعبانه مالها
أغمض عينيه وأخفض رأسه، وأخذ يمسح على شعره بيده ذهابًا وإيابًا، ثم أردف بانفعال:
-تعبانه بسببي انا السبب في الي هي فيه
قالت بهدوء تحاول احتواء انفعاله:
-أياً كان الي حصل ده يا يحيى، فا انت ندمان عليه دلوقتي واكيد لو كنت في وعيك، مكنتش عملت كدا، بلاش تجلد نفسك، انت دلوقتي بتصلح غلطك يبقى متحملش نفسك فوق طاقتها
أزاح يده من على شعره، وقال:
-انا زقتها، ودماغها اتفتحت كانت ممكن يحصلها حاجه لولا ستر ربنا
دونت شيء في دفترها فقد علمت ما سبب أخذه لقرار العلاج، وقالت له:
-ربنا اداك فرصة، والفرصة دي عشان ترحم نفسك فيها وتصلح كل حاجة، مش عشان تجلد نفسك فيها وتشيلها فوق طاقتها
اعتدل في جلسته ونظر لها بصمت وقد مس حديثها، شيء فيه، فقال لها:
-عندك حق، انا لازم استغل الفرصه دي، وماما قالتلي انها هتسامحني لو رجعت زي ما كنت
علمت بعلامه صح في دفترها، عندما تأكدت أن والدته هي السبب وراء أخذه لقرار العلاج، قالت له تشجعه:
-كدا انت على الطريق الصح
-انا عايزك تساعديني اخف بأسرع وقت انا عايز ارجع لحياتي القديمه ولنَفسي
ابتسمت على حماسه، فقالت له:
-احكيلي يا يحيى عن حياتك قبل الادمان....
الفصل السابع من هنا
