رواية السم في العسل الفصل السادس 6 بقلم ولاء عمر


 رواية السم في العسل الفصل السادس بقلم ولاء عمر

ــ فيه الخير محدش يعرف غير أهله وأنا وأمك، ورافض إن حد غيرنا يعرف باللي بيحصل ليكي.

رديت عليه:
ــ لاء فيه الخير فعلاً، وأنا هطلع واتطلق منه.

أمي زعقت ورفضت إني أجيب سيرة الطلاق ليها ومتجيش على لساني وقالت:
ــ ما أنتِ ناقصة وقليلة الأصل، وشكلك فعلاً اتجننتي، كتر خير الراجل إنه لسة هو نفسه مطلقكيش.

ــ والله؟ طيب اللي تشوفوه.

انتهت الزيارة ومشيوا وأنا قاعدة مكاني على الكرسي وفي كلام كتير جوايا بس مش محتاجة غير إني أهدأ.

كنت مش عارفه احدد أنا زعلانة بجد ولا عندي لا مبالاة، بس اللي متأكدة منه إن حتى لو عندي لا مبالاة فهي مش مستمرة، هي بتكون في لحظتها لحد بعدها بشوية لما ببدأ اتعمق في التفكير.

بعد أيام 
حسيت بألم شديد في بطني، كنت بعيط منه، وبعدها حسيت إن في بركة د.م بدأت تتكون بسرعة رهيبة.

محدش كان حاسس بيا ولا يعرف، وأنا مكنتش قادرة أصرخ وكنت حاسة إن الألم هيموتني، حاولت أقوم علشان أوصل للباب واعمل أي صوت وحد يحس بيا بس  وقعت من طولي.

فضلت أتوجع لحد ما حسيت إني مش حاسة بالدنيا حواليا.

فوقت ولقيتني في مكان تاني، مستشفى مختلفة ولقيت جنبي د. فيريال.

أول ما لمحتني فوقت قال بلهفة:
ــ حمد الله على سلامتك يا فريدة.

قولت بضعف:
ــ الله يسلمك يا دكتورة، بس إيه اللي حصلي؟ 

قالت بأسى:
ــ نزفتي كتير ومحدش حس بيكي، لحد ما دخلك علاجك، دخلنا لقيناكي فاقدة وعيك وحواليكي بركة من الد.م، نزفتي كتير وللأسف الجنين نزل من قبل حتى ما نطمئن على صحته.

ــ الحمدلله.

حاولت تهديني وهي مفكرة إني حالياً زعلانة:
ــــ ربنا يعوضك عنه خير، سبقك للجنة متزعليش.

ابتسمت بضعف وقولت لها:
ـــ أنا مش زعلانة، بس بالعكس ده ربنا بيحبه إنه مجاش للدنيا.

ــ ومسحت على كفي بحنان دفين.
ــ أنتِ إنسانة صلبة يا فريدة.. أقوى بكتير مما كنت متخيلة،" قالتها وهي بتعدل لي الغطاء. "بس ارتاحي دلوقتي، جسمك فقد دم كتير، وعملنا الإجراءات الطبية اللازمة ووقفنا النزيف.

هزيت رأسي بامتنان ضعيف، وسألتها بصوت خافت كأنه طالع من بير:
ــ هو فؤاد.. عرف باللي حصل؟

نفت برأسها وهي بتقول باطمئنان:
ــ لحد دلوقتي لأ.. هو فاكر إنك لسه محجوزة عشان حالتك النفسية، والمستشفى هنا منعت أي زيارة لحد ما تستردي صحتك. دكتور إسحاق شغال على التقرير النهائي للسموم، وكل حاجة هتبقى متوثقة رسمي.

أخدت نفسي بصعوبة، وبصيت للسقف الأبيض وأنا حاسة ببرود غريب بيمشي في أطرافي. خلاص، الصفحة دي اتقفلت تماماً.. لا أهل هيرحموني، ولا أب هيصدقني، ولا زوج هيخاف ربنا فيا.

بدأت في مرحلة العلاج النفسي الحقيقي بجد مع دكتور فيريال و دكتور إسحاق.

في أول ليلة ليا بعد ما فقدت ابني اللي سبقني على الجنة، وفي الوقت اللي كان كله نام فيه، أنا كنت قاعدة على السرير، بعد ما تماسكت وفضلت أقول الحمد لله وراضية، سندت رأسي على رجلي وقعدت أعيط على ابني اللي خسرته من قبل ما أشوفه.

جزء مني مرتاح قوي، مرتاح للطفل ده إن كل ده حصل علشان ميكونش في حاجة تربطني بيه، أو اضطر أكمل معاه، أو حتى الطفل ده لو كبر وشاف والدته طرف ضعيف مضطر يكمل علشانه.

خدت المسكن بتاعي ونمت وأنا مقررة إني هبدأ من جديد، هشوف التقارير و الاثباتات اللي تبين إني مش مجنونة زي ما هو قال وهبدأ في رحلة علاجي ومش هقعد أبكي على الأطلال أكتر من كده.

بعد فترة قرابة شهر ونص كنت اتحسنت فعلاً، وحصلت حاجة مكنتش متوقعاها وهي إن كانت جايالي زيارة، لأني كنت خلاص نسيت الناس وبحاول أركز مع نفسي.

خرجت لقيت بابا وسلفتي الكبيرة، بصيت ليهم بعدم فهم للي عينيا شيفاه.

لقيت أبويا قرب مني وسلم  عليا وحضني... حسيت إني متجمدة مكاني، مش فاهمة إيش جاب لجاب، ومش  عارفة إزاي.

سلمت على فطيمة سلفتي وقعدنا وبدأ والدي يتكلم.

ــ فؤاد طلع مختلس أموال ومتهم في قضية كبيرة، كل الناس مكانتش مصدقة، بس تسجيلات الكاميرا كانت بتثبت كل ده، ده غير اللي هتقوله ليكي فطيمة دلوقتي كمان .

كملت فطيمة :
ـــ ده غير إنهم عرفوا إنه مدمن .

ــ كنتي عارفة يا فطيمة؟

هزت رأسها وكملت:
ــ وبيشرب بير.ة كمان، في مرة كنت طالعة فوق السطوح وسمعته بيتكلم بصوت عالي مع صاحبه على كل اللي عمله فيكي.

تماسكت وأنا معاهم وسألتها:
ــ وعملتي إيه؟

ــ سجلتله كل حاجة قالها، وتاني يوم دورت على مكان المصحة ووصلت فعلاً وفي دكتور هنا بعدني عن الكل هو ودكتورة وسمعوا مني كل حاجة.

لقيت دكتور إسحاق ودكتور فيريال كانوا جايين ناحيتنا، ولقيت والدي بيشكرهم.

بصيت لهم وأنا بحاول أفهم إزاي؟! فقالت دكتور فيريال:
ــ إحنا تواصلنا مع والدك وكنا بلغنا، وبدأنا في الإجراءات والبلاغ عن فؤاد، مكناش معرفينك حاجة لأننا كنا عايزين إنك تكوني أفضل وتتحسني أسرع وساعدنا طبعاً تسجيل فطيمة جداً ده غير إنها جابت لنا عينة من الفواحة والدواء اللي كان فؤاد لأجل حظه ناسيه جنب الفواحة، وكنا متواصلين مع والدك طبعاً من يوم ما جالك هو ووالدتك زيارة أول مرة.

بصيت لها وكنت هقولها ومحدش كان جنبي لما تعبت في المستشفى فقالت:
ــ إحنا عرفناهم طبعاً وكنا على تواصل معاهم، بس في نفس الوقت والدك كان مريض شوية بسبب السكر ده غير إننا كنا عاوزينك توقفي نفسك بنفسك .

عرفوني إن خلاص والدي جاي يأخدني وهروح معاه، سلموا عليا وعزموني على خطوبتهم اللي كمان اسبوعين.

روحت مع والدي وفطيمة اللي استأذنت تروح هي بيتها علشان محدش يعرف.

بيت أهلي اللي بقالي شهور مدخلتهوش، حتى الشوارع والعالم حواليا، حاسة إني رجعت للحياة من تاني وإن الدنيا أخف على قلبي.

وصلنا ولقيت أمي مجهزة الأكل ليا، واستقبلتني بحضن كبير، الأحداث مش عارفه استوعبها ولا قادرة أصدق، وأول ما اخدتني في حضنها قعدت أعيط.

فضلت تطبطب عليا وهي بتقولي وهي بتعيط:
ــ يقطعني يا قلبي، يقطعني وأنا قاعدة أدافع على الحيوان اللي خلاني أصدقه وأكدبك.

شددت من حضنها ليا وقالت:
ــ والله والله يا بنتي كنت مصدقاه، أعمل إيه؟ حقك عليا على كل وقت حسيتي فيه إن محدش جارك، وكل وقت حسيتي فيه إن ملكيش ضهر ولا ليكي أب ولا أم.

بكيت معاها وقولت لها:
ــ أنا تعبت قوي يا ماما، الدنيا جات عليا واداس عليا وإتأذيت.

ــ هنخلصك من شره يا حبيبتي وجلستك بكرا في المحكمة.

اكلتني في بوقي زي العيلة الصغيرة ودخلت أوضتي اللي حسيت فيها إني رجعت فريدة البنت اللي كان كل همها امتحان بكرا والمحاضرات اللي عندها النهاردة.

ابتسمت وأنا مش قادرة أصدق سرعة الأحداث ولا قادرة أصدق إن الغشاوة اللي كانت على عين ماما بابا اتشالت وصدقوني...كل حاجة ماشية بتخطيط أنا مكنتش متخياه ولا كان في الحسبان بس لأول مرة مخالفة التوقعات تفرحني قوي كده.

لأول مرة أفهم وأحس واعيش شعور كلمة حُر.
أشوف سِعة السما واتساعها من شباكي.

نمت وصحيت على صوت دوشة فصحيت لقيت عيال أختي عندي في الأوضة.

كنت هقعد مع أخواتي برة بس بابا قالي اجهز علشان الجلسة

وصلنا المحكمة.. الهواء جوه القاعة كان تقيل، مكهرب، ومليان بأنفاس مترقبة.
أول ما دخلت، عيني لقطت قفص الاتهام.. فؤاد.
القميص الأبيض المرتب اللي كان بيداري بيه سواد روحه بقى متبهدل، ووشه اللي كان دايماً مرسوم عليه وقار وابتسامة مزيفة لكل الناس، بقى شاحب، مكسور، وعيونه طايرة من الخوف. القناع سقط تماماً، ومبقاش قدامنا غير الحقيقة العارية.

لكن اللي لفت نظري وقبض قلبي أكتر.. وجود أهله. والده ووالدته.
الست اللي طول عمرها كانت بتتباهى قدام الناس بقسوتها وتربيتها الصارمة، بالضرب والتشديد والجلد المعنوي والجسدي اللي كان ممنوع فيه أي غلطة من وهما صغار.. "عشان يطلعوا زي الألف قدام الناس". أهو ده كان الناتج الحتمي! التربية اللي اتبنت على الخوف، القهر، والصورة قدام المجتمع.. هما اللي صنعوا المونستر ده. زرعوا فيه إزاي يبقا "ملاك" بعيون الناس، ووحش سيكوباتي مدمر جوه جدران بيته. الأم كانت قاعدة منهارة، بتلطم على وشها وهي باصة لابنها "المثالي" اللي صنمته بإيدها، ومش مصدقة إن الحصاد المر طلع جناية وقضية اختلاس وتسميم!

بدأت الجلسة، وصوت القاضي جه حاسم وقوي وهو بيستعرض الملفات والتقارير:
تسجيلات الكاميرات اللي بتثبت اختلاسه للأموال.
عينات الفواحة والأدوية والتقارير الجنائية.
والتقرير الطبي اللي بيثبت جريمة التسميم العمدي والإيذاء النفسي والجسدي ليا.

فؤاد حاول يتكلم بصوت مرتعش يبرر أو ينكر، بس محامينا والأدلة المتسفة نسفت كل كلمة. أمه برة القفص كانت بتصرخ بصوت مكتوم، وأبوه قاعد شارد، كأنه بيحاسب نفسه متأخر على كل ضربة وكل قسوة زرعوها في الولد لحد ما طلع بالشكل ده.
وبعد مداولة سريعة، نطق القاضي بالحكم اللي هدم كل حاجة:
«حكمت المحكمة حضورياً بمعاقبة المتهم فؤاد (...) بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات عن تهم الاختلاس، وحيازة المخدرات، والتسميم والإيذاء العمدي!»
العشر سنين نزلت عليه زي الصاعقة. صرخ بجنون ونزلوا به الحراس للقاع، وراحت معاه كل الهيبة الوهمية وسنين القهر.
طلعت من باب المحكمة.. لأول مرة أحس بطعم الهواء النظيف.
بصيت لسعة السما فوقي، وحسيت إني أملك الجناحات، روحت وأنا حاسة وبعيش الحرية.

بس تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

لقيت جارتنا وقفتني أنا داخلة البيت مع بابا وماما وقالت:
ـــ خير ما تفرحونا معاكم؟ وحمد الله على سلامتك يا فريدة، قريبتي قالتلي إنك دخلتي مستشفى المجانين.

بصيت ليها وفي جزء جوايا زعل، بس ابتسمت وقولت:
ــ ربنا ما يكتب على حد من ولادك يعيش اللي عيشته يا عمتي.

ــ عيالي صحتهم زي الفل، وعقلهم يوزن بلد.

ــ وأمهم مربتهمش ولا اتربت.

سيبتها تزعق ودخلت، مهو محدش قالها تدخل في حاجة متخصهاش.

النهاردة تممت إجراءات الطلاق وبقيت حرة بشكل رسمي منه، وكمان اتحكم عليه.

نظرات أخواتي كانت غريبة، مش عايزة افهمهما، بس فهمتها.

وفهمت أكتر وخدت بالي من حرص كل واحدة على جوزها لما اتجمعنا على العشاء.

كان في حذر وحيطة مني؟! 

تجنبت التعامل معاهم وبعد ما هما مشيوا دخلت أنا وماما نروق المطبخ.

لاحظت صمتي فقالت:
ــ سرحانة في إيه يا فريدة؟

ــ مش مستوعبة طريقة إخواتي البنات يا ماما، شايفة كل واحدة كانت عاملة إزاي؟ ولا جارتنا، هي الناس ليه بجد؟

كملت غسيل وأنا باخد منها وقالت:
ــ ......


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
تعليقات