رواية نقطة عمياء الفصل السادس 6 بقلم منة احمد

 

رواية نقطة عمياء الفصل السادس بقلم منة احمد



آدم لاحظ نظرات معتز المشتعلة، فحاول يهدي الموقف قبل ما الأمور تتعقد أكتر.
آدم رافع إيده قدامه: طب اهدا يا معتز، واسمعني للآخر قبل ما تحكم.
معتز بصله ببرود، وصوته طالع حاد: أسمعك إيه؟ إنت داخل بيتي ومعاك واحدة معرفش جايبها منين، ومستني مني أعملك إيه؟ أفرشلكم السجادة الحمرا؟
نسمة اتوترت من طريقته، وعيونها لمعت بالدموع: أنا آسفة... والله ما كنت عايزة أسببلك أي مشكلة، أنا همشي حالًا.
مدت إيدها تمسك شنطتها الصغيرة، لكن آدم لحقها ومسك إيدها برفق.
آدم بص لها مطمنًا: استني يا نسمة، إنتي مش هتمشي في أي حتة دلوقتي.
وبعدين لف ناحية أخوه، وحاول يحافظ على هدوء صوته.
آدم: طب دخلني الأول، وبدل ما تفضل واقف تتخانق معايا على الباب، نقعد ونتكلم دقيقتين.
معتز نفخ بضيق، وبعدها ساب الباب مفتوح ومشي ناحية الصالة من غير ما يرد. قعد على الكنبة، وحط رجل فوق رجل، وسند ضهره وهو بيبص ناحية الباب بنفاد صبر.
دخل آدم ومعاه نسمة، وقعدوا قصاده. نسمة فضلت على طرف الكنبة، ضامة إيديها لبعض، وعينيها معلقة في الأرض.
آدم حك رقبته بتوتر: بص يا سيدي، الموضوع كله إن نسمة ملهاش مكان تروحله دلوقتي. وأنا محتاجك تستضيفها عندك كام يوم، لحد ما أقدر أتصرف وألاقي لها مكان مناسب.
معتز سكت لحظة، وبعدها حوّل عينيه لنسمة اللي رفعت نظرها له بالصدفة، لكنها نزلته بسرعة أول ما عينيهم اتقابلت.
معتز بابتسامة ساخرة مفيهاش أي دفء: وإنت جايبها عندي أنا ليه؟ ما تستضيفها عندك. ولا أنا بيتي بقى فتحه سبيل، واللي يتزنق يبعتوهولي؟
الكلمة جرحت نسمة. عضت على شفايفها، وكانت عايزة تقوله إنها مش جاية بمزاجها، لكنها بلعت ردها وسكتت.
آدم هز راسه باعتراض: يا معتز، مش كل حاجة تتحول عندك لخناقة. البنت ملهاش ذنب في اللي حصل لها، وأهلها سابوها تواجه الدنيا لوحدها. أنا لو عندي حل تاني مكنتش جيتلك.
معتز بصله بجمود: وأنا مالي بأهلها؟
آدم: مالك إنك تقدر تساعدها، حتى لو مؤقتًا. كام يوم بس يا أخي، لحد ما نقف على رجلينا ونشوف هنعمل إيه. مش هتفضل عندك للأبد.
معتز مرر لسانه على شفايفه بضيق، وبعدين رجع بعينيه لنسمة : ممم... طب ما تعرفنا على ضيفتنا الأول. مش إنتي طالبة عندي في الجامعة؟
نسمة رفعت عينيها بتردد، وصوتها خرج واطي : أيوه يا دكتور.
آدم لف وشه بينهم باستغراب: لحظة واحدة... إنتوا تعرفوا بعض من الجامعة؟
معتز مال بجسمه لقدام، وسند كوعه على ركبته، وعينيه ثبتت على نسمة بنظرة باردة : أعرفها؟ دي أنا عارفها كويس أوي... أكتر مما هي تتمنى كمان.
نسمة افتكرت اللي حصل في المحاضرة، وإزاي صوته العالي ونظرته القاسية رجعوها لكل خوف عاشته. صوابعها اتشابكت بقوة في بعض، وحاولت تخفي ارتعاش إيديها.
آدم ابتسم ابتسامة صغيرة، محاولًا يخفف الجو: أهو كده أحسن! بدل ما تبقوا غرب عن بعض. يا سيدي، اعتبرها زميلة محتاجة مساعدة، ومش هتخسر حاجة لو وقفت جنبها شوية.
معتز رجع بضهره للكنبة: إنت بتعرف تقنع الناس على حساب غيرك يا آدم.
آدم: وبعرف إنك مهما عملت نفسك حجر، لسه عندك عقل يفرق بين الصح والغلط.
معتز رمقه بنظرة تحذير، لكن آدم كمل قبل ما يقاطعه: طيب نسمه هتقعد عندك فتره، وأنا هفضل متابع معاها لحد ما نلاقي حل. أرجوك، متخذلهاش وهي في الحالة دي.
ساد الصمت للحظات. معتز بص لنسمة، فلقاها قاعدة منكمشة على نفسها، كأنها بتحاول تصغر حجمها عشان محدش يحس بوجودها. ملامحها كانت مرهقة، وعينيها فيها خوف واضح، لكنه خبّى أي رد فعل ورا جموده المعتاد.
هز راسه مرة واحدة : ماشي.
آدم ارتاح أخيرًا، وقام من مكانه: كنت عارف إنك هتوافق. تسلم يا أخويا.
نسمة قامت وراه بسرعة، ومجرد ما شافته بيتجه للباب، مسكت إيده بقلق.
نسمة بصوت مهزوز: استنى يا أستاذ آدم... إنت هتمشي وتسيبني هنا؟
آدم بص لإيدها اللي ماسكة فيه، وبعدها رفع عينيه لوشها: أيوه، عندي شغل لازم أخلصه، بس أنا مش بعيد. في إيه؟
نسمة بصت ناحية معتز ورجعت له، والدموع بدأت تتجمع في عينيها: أنا... أنا خايفة. أنا معنديش مكان تاني أروحه، بس مش عايزة أبقى حمل على حد. لو تعرف تلاقيلّي أي مكان تاني، حتى لو صغير، أنا همشي ومش هضايقكم.
معتز كان سامع كل كلمة. قفل عينيه لحظة من شدة ضيقه، وبعدها فتحهم وبصلها.
معتز بصوت بارد: متقلقيش. أنا مش باكل البشر... على الأقل مش في أول يوم.
نسمة سحبت إيدها من آدم وبصت لمعتز بصدمة من سخريته، لكنها ماقدرتش ترد.
آدم حاول يكتم ضحكته وبعدين قال لها بهدوء: يا نسمة، معتز أخويا، مش شخص غريب. هو بس طبعه صعب شوية، لكن إنتي لو احتجتي أي حاجة كلميني فورًا، مفهوم؟
نسمة هزت راسها ببطء، ولسه القلق واضح على وشها.
آدم بص لمعتز بجدية: خلي بالك منها يا معتز، وأنا هكلمك بعدين.
معتز: الباب قدامك.
آدم هز راسه بيأس من أسلوب أخوه، وبعدين ابتسم لنسمة ابتسامة مطمّنة قبل ما يخرج ويقفل الباب وراه.
فضلت نسمة واقفة مكانها ثواني، بتبص للباب اللي اتقفل، وبعدها لفت ببطء ناحية معتز وكان قاعد زي ما هو، رجل فوق رجل، وعينيه بتراقبها من غير ما يبان على وشه أي ترحيب.
معتز قطع الصمت بنبرة جافة: هو إنتي مش ملاحظة إننا بقينا بنتقابل كتير الفترة دي؟
نسمة فركت كفوفها في بعض، وحاولت ترفع عينيها له، لكن نظراته خلتها تتراجع وقالت بتردد: ملاحظة يا دكتور... بس أنا والله ما مقصدش إني أقابلك، ولا كان ليا أي اختيار في اللي حصل.
معتز رفع حاجبه، وقام من مكانه ببطء، ثم وقف قدامها بمسافة خلتها تتوتر أكتر : غريبه مره اشوفك في جامعه ومره اشوفك في المستشفي والمرادي واقفه في بيتي هتعملي ايه تاني في اللي جاي 
معتز لف ناحيتها فجأة، وقبض على دقنها ورفع وشها بعنـ..ف. نسمة غمضت عينيها برعب، والدموع نازلة على خدودها وقال وهو بيجزّ على سنانه، ووشه قريب من وشها: افتحي عينك يا بت وبصيلي! اسمعيني كويس، يا روح أمك... إنتي هنا بمزاج أخويا، مش بمزاجي. وأقسم بالله لو حسيت إنك بتتحومي حواليا أو بتلعبي لعبة من اللي في دماغك، هطلع ميتـ..ين أهلك! أنا مش آدم، ومش هتضحكي عليّا بدمعتين. فاهمة؟
نسمة هزت راسها بسرعة، وجسمها بيرتعش، فساب دقنها وزقها بعنف، وصرخ فيها ببرود: لمّي عياطك ده، مش هيحرّك فيّا شعرة! ولحد ما تلاقي مكان تروحيه، الزمي حدودك وتختفي من وشي!
نسمة حاطة إيدها على دقنها وبتكتم شهقاتها. بص لها من فوق لتحت، ثم أشار ناحية الممر :الأوضة اللي في آخر الطرقة فاضية. هتنامي فيها، ومش عايز دوشة ولا أسئلة ملهاش لازمة.
سكت لحظة، وبعدين قرب خطوة، وصوته بقى أوطى وأقسى : والأوضة دي حدودك. متدخليش أي مكان تاني في البيت من غير إذني.
اتجه ناحية السلم وبعدها كمل طريقه وسابها واقفة لوحدها في الصالة، مش عارفة ترتاح لأنها لقت سقف يأويها، ولا تخاف من الأيام اللي هتضطر تقضيها تحت نفس السقف مع الراجل الوحيد اللي وجوده كان كفيل يرجّع لها كل لحظات الرعب اللي بتحاول تنساها.
بليل، كانت نسمة قاعدة على طرف السرير، حاطة إيدها على بطنها اللي كانت بتتلوى من شدة الجوع. بصت ناحية باب الأوضة بقلق، وهمست بصوت مخنوق: طب هاكل إزاي دلوقتي؟ ده لو خرجت بس ممكن يزعقلي... أنا ناقصة وجع قلب كمان.
اشتد المغص عليها، فحاولت تستحمل شوية، لكنها مقدرتش. قامت من مكانها وفتحت الباب بشويش، وبصت في الطرقة قبل ما تخرج وتتحرك ناحية المطبخ ودخلته بعد ما اتاكدت أنه مش شايفها وفتحت التلاجة، وبدأت تطلع شوية أكل، لحد ما استقرت على طبق شوربة خضار. وسخنته، وبدأت تصبه في طبق وهي بتتنفس براحة، كأنها أخيرًا لقت فرصة تاكل من غير ما حد يضايقها.
في نفس الوقت، كان معتز قاعد على سريره، وفجأة شم ريحة الأكل طالعة من تحت الباب وقطّب حواجبه باستغراب: إيه الريحة دي؟ مين بيطبخ في نص الليل؟
قام من مكانه وخرج من أوضته من غير حتى ما يلبس التيشيرت، ناسي إنه المفروض لوحده في البيت. دخل المطبخ بهدوء، فلقى نسمة واقفة بضهرها، ومش واخدة بالها من وجوده وقرب منها لدرجة إن أنفاسه السخنه وصلت لقفاها، وقال بصوت غاضب ومكتوم: بتعملي إيه في نص الليل يا بت؟
نسمة شهقت بفزع ولفت بسرعة، والطبق وقع من إيديها ودلقت الشوربة السخنة على صد...ره، وطالت إيديها هي كمان ومعتز رجع لورا خطوة من الوجع، لكنه كتمه، وغمض عينيه وهو بيقبض على إيديه الاتنين، وملامحه اتشدت من شدة الغضب ونسمة بعدت عنه بسرعة، ورغم إن إيديها كانت بتلسعها من السخونية، إلا إنها ماحستش غير بالرعب اللي سيطر عليها.
معتز فتح عينيه وبصلها بنظرة مرعبة: إيه اللي إنتي هببتيه ده يا بنت الـكلـ...ب...؟!
نسمة دموعها نزلت وهي بترجع لورا: والله العظيم ما كان قصدي! أنا مكنتش شايفاك، أنا آسفة!
معتز رفع حواجبه بسخرية: ماكنش قصدك؟! يعني تحر..قي جسمي وتقوليلي ماكنش قصدي؟ إنتي فاكرة نفسك في الشارع هنا؟!
قرب منها، فنسمة رجعت لورا بخوف، وهي بتحاول تحمي نفسها بإيديها :أنا كنت جعانة بس... والله خلاص مش هاكل، هطلع أوضتي، بس سيبني أرجوك!
معتز ضحك ضحكة قصيرة مليانة احتقار: هسيبك؟! لا يا حبيبتي، إنتي شكلك لسه متعرفيش مين معتز. أنا هوريكي الويل اللي عمرك ما شوفتيه.
مسك دراعها بعنـ..ف، وصفعها على وشها، فاختل توازنها ووقعت على الأرض بشده.
معتز بص لها من فوق باحتقار: ده عشان تبقي تعرفي إن لما أقولك متخرجيش من أوضتك من غير إذني، يبقى الكلام يتنفذ! ولا إنتي فاكرة إن البيت سايب؟
نسمة حطت إيدها على خدها، وعينيها اتملت دموع. حاولت تبعد عنه وهي بتترعش :إنت شكلك مجنو..ن! ابعد عني!
نزل معتز لمستواها، وقبض على وشها بعـ..نف وهزّه وهو بيبصلها بنظرة مخيفة :أنا مجنو..ن يا بنت الـجز..مه...؟! إنتي لسه شوفتي حاجة؟!
ساب وشها ومسك شعرها، فشهقت نسمة من الوجع.
معتز بص على صد..ره المحر..وق، وصوته بقى أغلظ: بصي عملتي إيه في جسمي! إنتي حرقتيني يا حيو..انة! فاكرة إني هعديهالك كده؟!
نسمة (بدموع ووجع): إنت مريض نفسي وعايز تتعالج! إنت مش طبيعي!
معتز اتجمد للحظة، وبصلها بصدمة واضحة؛ ماكانش متوقع إنها تواجهه بالكلام ده وهي في الوضع ده ولكن الصدمة اتحولت في ثانية لغضب أعمى وبصوت منخفض ومرعب: لا ده انتي لسانك طول علي الاخر... أنا مريض يابت؟!
نسمة حاولت تزحف بعيد عنه، لكنه اندفع ناحيتها: طب أنا هوريكي المريض على أصوله!
انهال عليها بالضر..ب، وهي بتحاول تحمي وشها وتبعده عنها، لكنه كان بيفرغ فيها غضبه من غير رحمة. وفي لحظات، بقت هدومها مقطـ..عة ومظهرها مبهدل، وجـ..سمها مليان كدمات جديدة فوق آثار كدمات قديمة كانت بتحاول تخبيها وبعدها، قام معتز ووقف بعيد عنها، صد...ره بيعلى وينزل من شدة انفعاله، وبص لها ببرود كأن اللي حصل مايعنيهوش : قومي يا بت، ولمّي الزبا..لة اللي عملتيها دي!
لكن نسمة ما ردتش وكانت حاطة إيديها على بطنها بقوة، وبتنهج بصعوبة، وملامحها اتبدلت فجأة من الخوف لوجع شديد وبصوت متقـ..طع: آآه... بطني... مش قادرة...
معتز عقد حواجبه، لكنه فضل واقف مكانه :قومي يا روح أمك بدل ما اقومك أنا بطريقتي، بلاش استعباط! إنتي هتمثلي شغل الرخيـ..ص ده عليا.
نسمة رفعت وشها له، والدموع مغرقة عينيها، وصوتها خرج ضعيف ومكـ…سور :مش قادرة... أنا بمو..ت، والله بمو.ت...
معتز كان لسه هيرد، لكن عينه وقعت على الد..م اللي بدأ ينتشر على الأرض تحتها اتسعت عينيه للحظة، واختفت السخرية من ملامحه وقال بصدمة: إيه الد..م ده؟!
نزل بعينيه ناحية بطنها، وبعدين رجع بص لوشها الشاحب، وصوته خرج متوتر رغم محاولته يخفي ده : إنتي... إنتي كنتي حامل يا بت؟! 
رفعت نسمة عينيها ليه بصعوبة، وجفونها بتتقفل وتفتح بالعافية، وأنفاسها متلاحقة ومتقطـ..عة، ووشها شاحب من شدة الوجع. وووو 


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات